المؤثرات القبلية في قراءة النص الديني

منذ 7 أشهر

المؤثرات القبلية في قراءة النص الديني أثقل كفةً في ميزان التأثير على نتيجة الفهم البشري، إن عملية الفهم تمر بمقدمات إن لم تضبط وتنظم بما لا يرمينا بعيدًا عن المراد الجدي للنص، فستوجَّه عقولنا أوتوماتيكيًّا لما تفرضه علينا المواقف، والاتجاهات، والمذاهب، والمباني القبلية، إلى ولادة مسخ لا ينتمي نوعًا للمعاني الحقيقية للنص، فلابد إذًا أن نستقرئ أنواع القراءات لانتخاب القراءة المناسبة لتطبيق العدالة العلميَّة تجاه هذه النصوص المقدسة.
إذن فموضوع مقالنا هو المؤثرات القبلية لقراءة النص الديني، لا النص الديني نفسه، ولا موانع فهم النص الديني، والنصوص الدينية أعم من كونها قرآنًا أو سنةً، بل أعم من كونها قرآنًا أو توراةً أو إنجيلًا، إذ نعني به كل ما صدق عليه ولو فرضًا أنه نص ديني، فما هي هذه المؤثرات بحسب الاستقراء؟
بعد أن استقرأنا المؤثرات لاحظنا أن بعض المؤثرات أعم من الأخرى، وبعضها مباينة للآخرى، وكذلك توجد ما لا يمتنع اقترانها مع غيرها في قراءة واحدة، ونذكرها بالترتيب مع محاولة شرح وبيان تأثيرها على القراءة المعنية، وسنسمي كل واحدة بالقراءة الكذائية نسبة إلى التأثير الذي يتحكم بها، والقراءات هي:
1- القراءة الإسقاطية (قصد الهدم): وهي الدخول لقراءة النص الديني بتأثير هدف وغاية إسقاط المحتوى والأساس الديني، ومن المعلوم أن هكذا قراءة لن تكون إنصافيةً أبدًا، ومن الطبيعي أنها ليست باحثةً عن الحقيقة بل لهدف إسقاط الطرف المقابل، فليست قراءة علميَّة مطلوبة، البعض ينظر للحركات الاستشراقية بهذه النظرة، أي أنها تدخل لقراءة المحتوى الديني في الشرق قراءة إسقاطية لا لتقرير الوضع الديني فيه، أو إنصافه، أو تقويمه، وعلى فرض صدق هذه النظرة فهي مصداق من مصاديق هذه القراءة السلبية.
2- القراءة السطحية: وهي قراءة النص الديني بلا تدبر، أي استطعام القشر دون اللب، وقد تكون لحجاب معنوي ما يمنعه منه، أو لا، هو غير متعلم، أو غير مطلع على كيفية الفهم، أو لم يدرس مقدمات فهم النص الديني، أو الوسائل التي تعين على ذلك، فيمر على النص ويلتقط أسرع الاحتمالات الظاهرة من سياقات النص التقاطاً لا ضامنًا بصحته، فيولد عندئذ من التزاوج بين أجنبية الصنعة وفقدان مكنة التدبر معنىً مشوه باسم المقصد الديني.
3- القراءة القفليَّة: -اعلم أن هذه المصطلحات ليست دارجة في الفنون، ولكن استدعت الحاجة أن نصف المطالب خلف كواليسها بها، فالمهم هو فهم المطلوب لا حفظ الألفاظ، فإن تم الفهم فسمّها ما تشاء- وهي قراءة النص بلا تدبر بسبب الأقفال التي فرضها القارئ على نفسه، وقيد نفسه بها ويسمونها الحجب الظلمانية، ومنها:
أ- حجاب غياب قصدية التعلّم‏: وينشأ من ضآلة الاستفادة من النص الديني –خصوصًا القرآن- مما يعود إلى غياب هذا القصد، فنحن لا نتعامل معه بقصد التعليم والتعلّم، بل غالبا ما تقتصر علاقتنا مع القرآن –بل النص الديني عمومًا- على القراءة وحسب، نقرأ القرآن لغرض نيل الثواب والأجر، لهذا لا نهتمّ إلّا بجهاته التجويديّة، فقصدنا أن نتلو القرآن صحيحًا لينالنا الثواب، نحن نقنع بهذا القدر وتجمد علاقتنا مع القرآن عند هذه التخوم من دون أن نتخطّاها(1).
ب- ومن الحجب‏ الكبيرة حجاب الذاتية والغرور وتضخّم الذات، أو حجاب رؤية النفس (2 )، حيث يرى الإنسان المتعلّم نفسه بواسطة هذا الحجاب مستغنياً لا يحتاج إلى الاستفادة (3).
ج- حجاب المعاصي: من الحجب الأخرى المانعة عن فهم القرآن الشريف والاستفادة من معارف هذا الكتاب الإلهي ومواعظه، حجاب المعاصي والكدورات الناشئة عن الطغيان والكبر بإزاء ساحة قدس ربّ العالمين، ممّا يؤدّي إلى حجب القلب عن إدراك الحقائق (4).
د- ومن الحجب حجاب الآراء الفاسدة والمذاهب الباطلة، وأغلب هذا يوجد من التبعية والتقليد، مثلاً إذا رسخ في قلوبنا اعتقاد بمجرّد الاستماع من الأب أو الأم أو من الجهلة، نبني على هذا الاعتقاد، ولا نبدّله ولو أتانا واضح البرهان (5).
لو دققنا في هذه الأمثلة المنتخبة من الحجب للاحظنا أن ضابطة الحاجبية هو كون الشيء ظلمانيًا من جهة، ومانعًا من جهة أخرى، وفي الأول يُسأل هل يمكن أن يكون الحجاب النوراني قفلًا كذلك؟ إنه لبحث جميل وواسع ليتنا نتمكن ونتفرغ للقيام به، وفي الثاني نستفيد السعة وشموله لجميع المؤثرات والقيود المؤثرة في فهم وإدراك المراد الجدي من النص الديني، وبالتالي قراءته قراءة غير سليمة.
نعم هذه الحجب والأقفال ذكرت في البحث القرآني وإنما عممناها لسعة الضابطة، وإمكانية تطبيقها على سائر النصوص الدينية، فالتمسك برأي فاسد مثلًا يحدد الواردات المعرفية من النص بحدود الخلفيات التي يتبناها هذا الرأي، والمعاصي كذلك، وغياب قصد التعلم، فلا خصوصية لنص ديني ما دون غيره من القسماء.
4- القراءة المؤدلجة: وقد تدخل هذه القراءة تحت عنوان القراءة القفلية إلا أننا نظن قبل التحقيق باشتراط كون الحجاب ظلمانيًّا، ولكن هذه القراءة قد يكون الحجاب فيها نورانيًا كتأدلج الفرد ذي العقيدة الحقانية في سلوكه وتصرفاته وقراءاته، ولذلك نضع احتمالاً معتدًا به بمدخلية الحجاب النوراني في بحث القفليَّة.
وتأدلج الشخص لا يعني بالضرورة ذمه، فلا معنى لتجرد الشخص من مطلق المعارف السابقة حتى يستقبل غيرها، نعم المطلوب أن لا تسيطر تلك الإيدلوجية على قيادة البحث العلمي، يقول بدر العامر(6). في مقالٍ له: «إن المشهد الثقافي عندنا يشهد نزوعاً إلى القراءة "المعيارية" و"المؤدلجة" للأفكار أكثر من القراءة "السننية" و"المعرفية" فيها، وهذا يجعل المخرجات محسومة، والأفكار ضعيفة، والقراءات ناقصة وهزيلة، لأن الرجل المعرفي هو الذي يحترم العلم ويقبل بنتائجه، بينما "المؤدلج" قد حزم أمره في كثير من المسائل وعطل دماغه عن العمل في فحص الأفكار والمسائل، فأحكامه قاطعة في كل قضية يحملها، ومواقفه محسومة من الأعيان والقضايا، ولذلك تجد الرجل الذي حصر نفسه في أطر من التفكير ضيقة جداً لا يحبذ الخوض في "تحرير المصطلحات"، لأنه معارفه هشة قد بنيت على الثقافة "الاستهلاكية" البسيطة التي يأخذها من مفكر يحبه، أو شيخ يتبعه، أو محيط تشكل فيه، وهذا يعفيه عن (الكد المعرفي) الذي من خلاله يبني شخصيته الاعتبارية والثقافية، وتكون معارفه قائمة على احترام العلم وأصول المعرفة» (7).
5- القراءة الانتقالية: ولا نجزم أن تكون هذه النوعية من القراءة قراءةً سلبية على الدوام، إذ قد تكون قراءةً إيجابية إذا ألبسناها ضوابط الحفاظ على السير البحثي الهادف، كمنهجية التفسير الموضوعي في قراءة النص القرآني إذ على ضوابطه، ورعاية الدقة العلمية فيه ينتج نتائجًا صحيحة وعلميَّة، ففيه يتم انتقاء الموضوع والمسائل الدائرة حوله في القرآن، وقد تكون قراءةً سلبية كما لو دخل الباحث في النص الديني لانتقاء الانحيازات التأكيدية، وإهمال اللا تأكيدية منها، أي إهمال الشواهد المعارضة للفكرة التي دخل على النص بنية إثبات حقانيتها مسبقًا.
يذكر الشيخ الدكتور محمد كرم الله مثالًا للقراءة الانتقائية ومضارها في منشور له عبر حسابه في الفيس بوك: «وهكذا بمثل هذه القراءة الانتقائية تصوَّر الحياة الزوجية على درجة كبيرة من المثالية التي لن تكون واقعية في كل جوانبها .
أين يكون الضرر ؟ : يأتي أحد الشباب يريد الزواج وليست لديه دراية كافية عن حقائق الحياة الزوجية ، فيطلع على هذه القراءة الانتقائية ، ويُمنّي نفسه بتلك الحياة المثالية، وبعد الزواج ؛ يجد وقائع لا تجري على تصوراته التي بُنيت على تلك القراءة الانتقائية ، وهي أمور معتادة في كل حياة زوجية ، بل وقع من أمثالها في البيت النبوي الشريف ، ولكن مع ذلك ؛ يحكم على حياته بالفشل ويقضي عليها بالانتهاء العاجل من غير عود ! » (8).
وللشيخ حسين الخشن (9)، مقال جميل، حول القراءة الانتقائية وعلامات الظهور يقول في فقرة من فقراتها: «..بل كيف يمكن إعطاء صورة نقية لهذا العصر في ظل تحكّم القراءة الانتقائية المجتزئة لنصوص وأخبار الملاحم والفتن؟! فإن الملحوظ في المقام هو لجوء أصحاب الكتابات التي تتناول أحداث عصر الظهور إلى التمسك ببعض الروايات التي تخدم تصوراتهم المتخيلة والإعراض عن سائر الروايات الواردة في نفس الحدث الذي يتناولونه بالبحث..» (10).
وفي نفس المقال يذكر الشيخ صورة لقراءة أخرى ويربطها مع القراءة الانتقائية، وهي قراءتنا التالية.
6- القراءة الإسقاطية (الرمي على الواقع): وفيها يقوم القارئ بإسقاط النص على الواقع المعاصر، بينما يحتمل النص عدة أوجه واحتمالات لا علاقة لها بالواقع، وذكر الشيخ الخشن في مقاله مثالًا، وهو إسقاط علامات الظهور المبارك على الأحداث، والشخصيات في واقعنا المعاصر، بينما يمكن حملها على أحداث وشخصيات لم توجد بعد، إذ يمكن أن توجد في المستقبل، وسلبيته في تشكيك البسطاء بأصل الفكرة التي يحتويها النص لا القراءة والإسقاط الاجتهادي على الواقع، فعندما يتبين خطأ القراءة قل من يتمنطق في ردة فعله تجاه ذلك، خصوصًا إذا كان الإسقاط موجهًا لبسطاء الناس.
7- القراءة الموضوعية: وهي قراءة النص الديني قراءة حيادية لا تلزم التجرد من جميع المعارف والعقائد القبلية، ولكن النص فيها هو الذي يقودنا نحو مراده لا المؤثرات القبلية، نعم هنا يوجه سؤال: هل يعني ذلك أن نتجرد من الثقافة والمقدمات العلمية التي تعلمناها مثل العلوم الآلية، كقواعد المنطق مثلًا؟ طبعًا لا، لأنها وسائل تضبط التفكير وتعصمه عن الخطأ، بل هي التي توجهنا نحو الموضوعية، يقول الشيخ مازن المطوري (11): «إن القبليات المذمومة هي الأحكام المسبقة، أما الأدوات والوسائل فلا يمكن مطالبة الباحث الديني بتفريغ ذهنه منها ومواجهة النص الديني بذهن عامّي خال من تلك الأدوات، إذ مثل تلك المطالبة عبثية ولا معنى لها.
نعم؛ الباحث في الشأن الديني، بل في كلّ الشؤون المعرفية، مطالب بتفريغ ذهنه من الأحكام المسبقة التي تسهم في صياغة محتوى النص حسب رأي المفسّر وقناعاته المسبقة، وهذا المعنى هو الذي وردت فيه النصوص الناهية عن تفسير القرآن بالرأي. أي أنها تنهى عن تفسير القرآن بالقناعة المسبقة والأحكام القبلية، وليس عن التفسير المسبوق بالأدوات والوسائل العقلية والعقلائية والدلالية».
هذه الأمثلة وليدة الاستقراء لا الحصر العقلي، فلذلك يمكن اكتشاف قراءات أخرى، وغاية البحث أن ننبّه القارئ على ما يقترن بدخوله لقراءة النص الديني، ليحدد عندئذٍ هل رافقه مؤثر نافع، أم مضر؟ حتى لا تتشوه الصورة التي ينتظر تصورها منه، والبحث قابل لفتح محاور وتحقيقات كثيرة، إلا أن هذا المقدار كافٍ ومفيد.

المراجع:

1- السيد الإمام الخميني، آداب الصلاة 192
2- منبر المحراب، العدد 1000، السنة العشرون، 4 رمضان 1433هـ
3- نفس المصدر 195
4- نفس المصدر : 201.
٥- منبر المحراب، العدد 1000، السنة العشرون، 4 رمضان 1433هـ
٦- باحث في الجماعات والاتجاهات الفكرية، داعية وخطيب جامع من السعودية.
٧- جريدة الوطن أون لاين، مقال القراءة المؤدلجة والقراءة المعرفية، بتاريخ ٢٠١٢/١١/٢٦م.
٨- شيخ ودكتور ومدرس من الخرطوم السودان.
٩- مدير المعهد الشرعي الإسلامي في بيروت، وأستاذ الدراسات العليا في مادتيّ الفقه والأصول في المعهد الشرعي الإسلامي.
١٠- موقع سماحة الشيخ حسين الخشن، مقالات، فكر ديني، علامات الظهور والقراءة الانتقائية الاسقاطية.
١١- أستاذ في حوزة النجف الأشرف.

اخترنا لكم

رواية وإن من شيعته لإبراهيم

رواية {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ}❶ المقدمة/ بسم الله الرحمن الرحيم اللّهُمَ صَلِ عَلى مُحَمَدٍ وَآلِ مُحَمدْ كتبت هذه الرواية من وحي الخيال وبالاستعانة ببعض الروايات المنقولة من المصادر المذكورة في "المراجع" كان الدافع من كتابة هذه الرواية هو توجيه رسالة اهل البيت عليهم السلام بأنهم ليسوا مهجورين أو كما يظن البعض إن أتباعهم معدودين والحقيقة عكس ذلك الظن غير إن وجودهم لا يتوقف على وجود الإتباع فنحن الذين محتاجون إليهم لا العكس. وأضيف سبب ثانٍ من كتابة هذه الرواية وهو زيادة الثقة بين شيعة علي ومحبيه مما يجعل القارئ يرتفع صعوداً بالفخر في انتمائه إلى هذا المذهب وتقوى وحدته ورابطته بين إخوانه الذين شاركوه في العقيدة فيزداد التكاتف والتآصر. والسبب  الثالث وراء كتابة هذه السطور هو إخبار العالم بتلك الجماعة المظلومة في كل الأزمان وهم ثابتون مناصرون لايهزهم ريح يضحون بالغالي والرخيص لأجل امير المؤمنين عليه السلام... (وأختم بدعائي ومبتغاي ألا وهو طلب الشفاعة في الدارين ورضا الله وتوفيقه لي ولكم إن شاء الله) اسم الرواية: اختلف العلماء في الآية الكريمة من المذهب الواحد (اعني المذهب الجعفري)، على أن المقصود في ظاهر الآية الكريمة ((من شيعته)) أن ضمير ((شيعته)) يعود لنوح (عليه السلام) أي أن إبراهيم (عليه السلام) كان ممن يوافقه في دينه وهو دين التوحيد. وقال البعض - كما يشير السيد الطباطبائي (رحمه الله) في (الميزان) - إلى أن الضمير يعود لمحمد (صلى الله عليه وآله) ولكن هذا لا دليل عليه من جهة اللفظ. (ولكن السيد الطباطبائي قال بعد ذلك: ((... الشيعة هم القوم المشايعون لغيرهم الذاهبون على أثرهم، وبالجملة كل من وافق غيره في طريقته فهو من شيعته، تقدم أو تأخر، قال تعالى: (( وَحِيلَ بَينَهُم وَبَينَ مَا يَشتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشيَاعِهِم مِّن قَبلُ ))❷)❸ ويقطع الشك فيما جاء في (تفسير الإمام العسكري): أنه جاء رجل لعلي بن الحسين (عليهما السلام) فقال: يا بن رسول الله أنا من شيعتكم الخلص فقال له: يا عبد الله فإذن أنت كإبراهيم الخليل (عليه السلام) الذي قال الله فيه: ((وإن من شيعته لأبراهيم اذ جاء ربه بقلب سليم)) فإن كان قلبك كقلبه فأنت من شيعتنا وَإِنْ لم يكن قلبك كقلبه وهو طاهر من الفشل والغل فأنت من محبينا)❹ "الراوية": أرواح بَشرية حَملَت على أكتافها ثقل الوَلاء وامتُحِنَتْ في عالَم الذرّ والخَفاء، ذلكَ الامتِحانُ الّذي اشفَقتْ فِيهِ النَواظِرُ وفَزعَتْ بهِ الأرواح، فَبَعضُها رَبَحتْ واستقرت وَبَعضها أبت عن حمله فزاغت... قِيلَ: إن الأولى لاتَحُب الحَياة! ولاتَحُب الطَيش والكبرِيَاء، وباتَت تَرتَقب شَمس الحُريّة والعَدالة، عنوانَ المَجدِ والإباء، مُكتَشِف النُّور مِنَ الظُلُمات , رَمزَ العَطاء، شَخصاً كانَ في كل زمانٍ روحاً مختفياً عَن الأنظار وَفي آخر زمانٍ كانَ معَ حببب الله جَسداً ظاهِراً❺ كان يُدعَى في الإنجيل إليا وفي التوراة بريها وفي الزبور أرى وعند الهند كلبن وعند الروم بطريسا وعند الفرس جبير وعند الترك تيبر وعند الزنج خبير وعند الكهنة بوى وعند الحبشة تبريك وعند أمه حيدرة وعند العرب علي وعند الأرمن فريق وعند أبيه زهير .❻ كان شَمساً قَبلَ أن تُخلَقْ الشَّمس وكانَ رُوحاً قَبلَ مَشرُوع الله الكَبِيِر وَمايُبيّن ذلِكَ هُوَ قَوْل رابِطَة الوِصال بين الخَلقِ وربه "مُحَمَد" (صلى الله عليه واله وسلم) حيث قال: (كنت أنا وعلي نورا بين يدى الله مطيعاً، يُسَبحُ ذلكَ النّور وَيقَدِسُهُ قَبلَ أن يُخلَق آدم بِأربعَة عَشَر ألف عَام ، فَلمّا خَلَقَ الله آدم رَكزَ ذلِكَ النوُر في صِلبه ، فَلَم يَزَل فِي شَيء واحِد حَتى افترقنا في صِلبِ عَبدُ المُطَّلِب فَجزء أنا وجِزء علي .❼ فانغرس في ذاتِ الأروَاح حبٌ واعتقاد بِتلكَ الشَخصيّة العظيمة والمُبهرة... زُرِعَتْ الأرواح فِي أجسَام طاهِرَة وارتَمت على بَسطِ الاختبار وكان لِوجُود تِلك الشَخصيِّة عيناً تَنْظر إلى مَحطّاتُ القلُوب يَبحث فيها عن حُبها له ... تلاشَت الأحداث وجَاء الزَمنُ الأخير وَفيه سلّط الله على تلك الجموع البشرية أنواعاً مِنَ الاختبارات لِيَحصِي فِيها الخَيرُ ويَحصِدَهُ مِنَ الشَّر. خُلَّصُ تِلكَ الجموع تعرضَتْ إلى الانتقام غَيرَ أن اختبار ربها مُستَمر، كانَ ذَلك الانتقام من شَخصيَّات كَانَتْ أرواحاً وَقَدْ انكسرت وفَشلتْ في ذلك الاختبار الّذي كانَ فِي عالَم الذر، كان وراءَ ذلك هو سَببٌ قدْ خَلَّفَها عَنْ طَرِيق الحَق وهو الطَمَعَ والجَشعَ الّذي حلّ بأهلِ تِلكَ الحُشود المُتَعطِشَة لِنَيل مُغرِيّاتُ الحَياة مِن سُلطة واستعلاء وكَانَ للانتقام نَصِيباً في عُقولَها المتوسّخة. أصحابُ "علي"، جَرعوا مَرارَةُ الألم تَحمّلوا مُعاناةُ التَجَبّر والتَسَلطِن وظلم الحُكم، كل هذا كانَ بَعدَ عيشٍ رَغِيد تَحتَ أنظار "قائِدهم" لكن لَمْ تُصبح تلكَ العَين الناظِرة ناظِرَة لهُم فَقد رَحل عنهم "علي" وكان رَحِيلُهُ لاشتياق الرَّب إليه، الذي كانَ صعباً على مَخلُوقاته فراقه فَلَمْ تَهدَأ تِلكَ المَخلُوقات مِن كرسيٌ ولَوُح وعَرش وغيرهم. حتى خَلَق الله لَها بهيئة ذلك الرَّجل العَظيم مَلكاً ساجِداً وتَنظُرُ إليه وكانَ واضحاً ذلك في لَيلة قد أسرى بها حبيب الله ورسوله محمد (صلى الله عليه واله وسلم) قائد وهادي آخر أُمة خلَقَها الله في مشروع خلقه الكبير والعظيم ... بَقيّت عُيونُهم حائِرة كَثُرَتْ وتَشابَكَتْ عَليّهم أيّادي الغدر تَوجّهتْ نَحوَهُمْ سهامُ النفاق فَبعضهم أصابَتهُ في قَلبه فانحرف! وبعضهم تلقّفها بِيَدَه وَداسَ السَهمُ في قَدَمَهُ، وَتلكَ الأخيرةُ هي شِيعتهُ ومُطِيعوه فأنطَبعت فِيهم صِفاتُ "علي" فَصار كُل واحد مِنهُم "علياً" ولاتَجد فِيهم غَير العبادةِ والخُضوع لله وتَقديم الخَير لمَن يَحتاجه أو لمَن لا يَحتاجُه فهذا هو كَرَمهُمْ و يضحّون بأعز مايَملكون يُقَدمُون القرَابين، طائعين مخلصين، يَدْعُونَ لإعَدائهم بِالهِدايَة وَالصَلاح ولأنفُسهم بالفَرج والثَبات... رآهم البعض فانتمى إليهم ورآهم آخرون فزاد حقداً وصراعاً عليهم. ولازالتْ شيعَة علي تُصارِعهم وتُصارِع الحَياة... "فيامن تقرأ ... [لمن نصرنا] لنكن بعضاً من علي، ولتكن بعضاً من صفاته فينا، ولنرتقي بالولاية فظاهرنا لايكفي بأن نكون شيعة لعلي [ولمن خالفنا] إقرأ عنا قبل أن تحكم علينا، وإن دخلنا الجنة فلا شيء حُقَّ لنا به ندخلها إلّا بولاية أمير المؤمنين علي "عليه السلام" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المراجع// ❶ (سورة الصافات/ الآية 83). ❷ (سورة سبأ / الآية 54). ❸ (الميزان 17: 153). ❹ تفسير الامام الحسن العسكري عليه السلام. ❺ الجزائري: الانوار النعمانية ج 1 ص 30 3 - ابن أبي جمهور: المجلى ص 368. ❻ شجرة طوبى/ج2-ص220. ❼ كفاية الطالب الباب 87 ص 315.

منذ 4 أشهر
225

⚡️ المماطلة وأثرها على الحياة ⚡️

المماطلة : هي تأجيل أداء المهام أو تأجيل تنفيذ المشاريع الى وقت آخر لحجج واهية وأعذار مختلقة ، أو القيام بمهمة أقل أهمية بدلا من إنجاز المهمة الأكثر أهمية، ويترتب على المماطلة إما عدم إنجاز المهام أو أدائها بشكل ناقص وغير متقن ... وتبدأ المماطلة بالتعذر بأعذار قد يجدها المماطل مقنعة أحيانا كإحتساء العديد من أكواب الشاي تهربا من العمل بحجة الحاجة إستعادة النشاط الذهني ، وبعد المداومة على ذلك بمدة يبدأ فيروس المماطلة بالانتشار في مرافق حياة الانسان المختلفة مما يسبب تدني في كفاءته وتراجعا في مستواه الذي ينبغي أن يكون عليه وبالتالي لا يحصد إلا الأزمات والمشاكل. وللمماطلة أسباب تدفع الانسان اليها ومن المهم جدا معرفتها ليسهل العلاج عليه والعودة الى نظام الحياة الطبيعي أهمها : أولاً : الخوف من الفشل: وهو من أهم الاسباب التي تدعو الانسان الى المماطلة حماية لنفسه من الفشل ،وهو خطأ فادح لأن إنجاز العمل إن كان يتضمن نسبة ما من الفشل فإن عدم إنجازه هو الاستسلام للفشل المريع والمتيقن.. وقد يكون الانسان قد مر بتجارب وفشل بها مما يجعله يترك الاقدام على مثله خوفاً من الفشل وهذا خطأ آخر لأن الانسان يحصل على رصيد مهم من أخطائه السابقة تعينه كثيراً على بلوغ النجاح في تجاربه اللاحقة.. ثانياً : الكسل والتقاعس . ثالثاً : عدم حب العمل أو التخصص الدراسي : والمماطلة ليست حلا أبدا فإن كان بمقدور الانسان تغيير ذلك وإختيار ما يحبه فبها وإلا فيمكنه البحث عن الجوانب الايجابية لعمله أو لتخصصه الدراسي ليرغب فيه ويحقق النجاح المرجو .. رابعاً : انتظار ساعة الصفاء و الإبداع : وليتأكد من يفعل ذلك أن تلك الساعة لن تأتي أبداً مالم يسعَ هو بجهده اليها .. خامساً : الأعمال الصعبة والكبيرة : وينبغي أن توقد تلك الاعمال في الانسان شرارة ثورة التحدي وبذل أقصى ما يمكنه من الجهد لتحقيق النجاح لا أن يتخذها سببا للمماطلة .. ⚡️ أضرار المماطلة : للمماطلة الكثير من الأضرار التي تؤثر على حياة الانسان سلباً أبرزها : أولاً : تتسبب في ضياع الوقت الذي هو رأسمال الانسان في الحياة .. ثانياً : المماطلة تؤثر على الانسان سلباً وإن كان راغبا في النجاح ومخططاً له لأنها حتماً تخرج خطته عن مسارها. ثالثاً : المماطلة تؤدي الى تراكم العمل ، ولأن المماطلة غالبا ماتكون في الاعمال الشاقة والصعبة فسيكون لتراكم العمل حينئذ ضررا فادحاً. رابعاً : لاشك أنها سبب في الحرمان من النجاح .. ⚡️ كيفية علاجها : بعد إن علمنا أضرار المماطلة فحري بمن هو مبتلى بها وكان راغبا في النجاح أن يقضي عليها ويعالجها من خلال : أولاً : وضع الأهداف: من الضروري جدا أن يضع كل منا أهدافه في الحياة وأن تكون واضحة وقابلة للتحقيق ومقسمة إلى أجزاء متسلسلة ليتسنى لنا تحقيقها شيئا فشيئا، وذلك أهم علاج للقضاء على المماطلة والتسويف .. ثانياً : الايمان بقدراتنا على تحقيق تلك الأهداف وأننا جديرون بها وبذلك نقضي على الخوف من الفشل ونشرع في المحاولات بثقة أكبر ... ثالثاً : وضع وقت محدد لأداء كل مهمة : وهو أمر ضروري جدا للتوقف عن إختلاق الاعذار .. رابعاً : تذكر أضرار المماطلة والمشكلات التي تسببها لنفسك حين تؤجل هذا العمل؟ أكتب تلك المشكلات في قائمة ..وإسأل نفسك هل تريد فعلا أن تعيش وسط كل هذه المشكلات؟ خامساً : كافئ نفسك كلما أنجزت مهمة ما : فتحفيز النفس يدفعها لإنجاز المزيد من المهام في الوقت المحدد وبإتقان أكبر ..ولتكن المكافأة شيئاً تحبه .. سادساً : قم بكتابة المهام التي غالبا ما تكون المماطلة من نصيبها وإبدأ بها فوراً ولا تتردد .. سابعاً : تذكر دائما الحكمة القائلة " لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد "…وكن دائما ممن يبادر الى إنجاز أعماله لينعم بإجازة بعد إنتهاء العمل وهو يغمره الاحساس بالسعادة والسرور والثقة العالية بالنفس ، عوضاً عن المماطلة في أداء المهام وتضييع الكثير من الأوقات يغمرك فيها الشعور بالنقص والتقصير ويعذبك فيها تأنيب الضمير ، فلا عمل أنجزت ولا في وقتك تمتعت !!!

منذ 6 أشهر
104

نفحات غديرية

جذبني منظره، بلحيته الطويلة المسترسلة وقد زانتها شعيرات بيضاء تفرقت هنا وهناك، وهدوئه، وتلك الدموع التي بدت تغزو عينيه، وتقاطيع وجهه المتعب الذي بدى عليه الحزن، تعلقت عيناه في كبد السماء وانحدرت تلك الدموع من عينيه، لتختفي تحت شعيرات لحيته، وهو يتمتم بدعاء غريب لم أسمعه من قبل، لكنه أخذ بمجامع قلبي، كلمات تلامس شغاف القلب، تقرع صدري وتغوص في أعماقه فتتناغم مع روحي، فرحتُ أنصت إليه رغم زحام المارة وضجيج الحجاج الذي ملأ المكان... بعد برهة أكمل مناجاته... دنوتُ منه وزاحمت ركبتي ركبته... فهمست له : _من أين لك هذه الكلمات؟ ابتسم وهو يمسح بقايا دموع علقت بمآقي عينيه: -إنه من دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة ثم أردف قائلاً: هل تريد نسخة منها؟ -أومأت برأسي باستحياء موافقاً وفي داخلي أشعر بالهزيمة ناولني كُتيباً صغيراً جداً، فحشوته في جيبي، ثم شكرته. كان لطيف الكلام، عذب المنطق، شديد الإنصات لي حين أكلمه، تجاذبنا أطراف الحديث فعرّجتُ قاصداً على بيعة الغدير كما يسمونها. قلت: أنتم تدّعون أن الخلافة كانت لعلي بعد وفاة النبي صلى الله عليه؟ لم تتغير تقاطيع وجهه السمح وأجاب بهدوء وسكينة: لا ندعيّ، بل هو اليقين وهو الحق، ابتسمْت هازئاً وأجبت: تعتمدون كتباً قد حُرفت! اعتدل في جلسته ورمق بطرفه السماء وكأنه كان يطلب عوناً : بعيداً عن كتبنا وصحاحكم، هل لي أن أطرح عليك سؤالاً؟ -نعم تنهد قليلاً ثم قال: ما هي مهنتك؟ أجبته مستغرباً: طبيب أسنان انفرج ثغره عن نصف ابتسامة... وتابع: أرأيت أذا أردت أن تسافر لبضعة أيام _كما الحال الآن_، فمن تترك في عيادتك؟ قلت ببساطة: طبيب أسنان بديل. - ولِمَ لم تترك نجاراً أو حداداً أو أي صاحب حِرفة أخرى؟ - أتسخر مني! - لا، حاشا، لكن أنت طبيب ولا تترك في عيادتك إلا من هو مثلك يجيد حِرفتك وتأمنه على مرضاك ،فكيف بنبي الأمة يعدو علي (عليه السلام) ويترك فيهم من هو ليس أهلاً للخلافة! ألا تقولون في كتبكم إن الثاني كان يقول (اللهم لا تبقني لمعضلة وليس لها أبا الحسن ) (١) فكيف يترك الأمة بدون راع ينظم أمورها ويحقق عملية التغيير في ذلك المجتمع وهو في عمره الشريف القصير لم يستوفِ المهمات المناطة بالرسالة الإسلامية؟ وهذا ما لا يتأتى مع شريعة السماء وقاعدة اللطف. لم ينهِ كلامه إذ ناداه شاب في مقتبل العمر: شيخنا وقت الصلاة قرب ونحن بانتظارك.. اعتذر مني بلطف ورحل. ظلت عيناني تشيعانه، فقد غاصت كلماته في كياني وأحدثت ثورة كبيرة في داخلي وبدأ قلبي كقارب تتقاذفه الأمواج من كل جانب. نهضتُ مسرعاً لألحق به، لكنه غاب في الزحام، جلست حيثُ كان يجلس، تصفحت الكُتيب ثم طويته بسرعة، لم أعد أعلم ماذا أفعل! هنا تقابلنا قبل عامين، وهنا انبعثت فيّ الحياة فولدت من جديد، أخرجت الكُتيب ورحتُ ألثم حروفه وأتلمس غلافه لعل يدي تصافح يد من هداني الصراط المستقيم. ____________________________ ١_ينابيع المودة ثرى الامير

منذ إسبوع
54

التعليقات

ارحيم مروح عيدان جازع الخزاعي

منذ 7 أشهر

مبدع أبا عقيل

فلاح حسن عبدالرضا العزاوي

منذ 7 أشهر

أسأل الله تعالى لكم التوفيق ومزيد من الإبداع

حسين جبر هلال جابر السعيداوي

منذ 7 أشهر

للجميع إن شاء الله.

يتصدر الان

الأطفال وتكرار الأخطاء

لاشك أن الأطفال يعيشون في عالم يختلف عن عالم الكبار، فاللهو واللعب جزء أساسي من عالمهم الجميل، وهذا ما لا يمكن أن نفهمه إلا إذا تذكّرنا أيام طفولتنا، ومن ذلك أنهم يتعرضون لمواقف عديدة يعجزون عن التصرف فيها بشكل مناسب، فيقعون في الخطأ وتتكرر أخطاؤهم، فيُصاب الأهل بالإحباط وخيبة الأمل ويفقدون الشعور براحة البال وتسوء حالتهم النفسية، وهنا يجب أن يفهم الأهل أن عملية التربية وتعليم الطفل وتوجيهه تقع على عاتقهم وهي من واجباتهم الشرعية والأخلاقية، ومهما بذل الوالدان من اهتمام في هذا المجال فلا يمكنهما أن يمنعا أطفالهما من ارتكاب الأخطاء، فالأطفال كثيروا الخطأ بسبب: ١- ضعف إدراكهم ووعيهم للأمور والنتيجة عدم حساب عواقب الأفعال بشكل صحيح. ٢- عدم قدرتهم على السيطرة على نزواتهم ورغباتهم بسبب ضعف الجهاز الإدراكي (الهادئ) وسيطرة الجهاز المثير. فعملية تعليم الطفل لضبط النفس تحتاج إلى جهد جهيد ووقت طويل ومعرفة بأساليب التربية ومتطلباتها. إذن نستنتج من ذلك أن وقوع الأطفال في بعض المشاكل والأخطاء شيء طبيعي جداً، ويجب على الأبوين استيعاب ذلك والتفكير بطريقة تُعلم الأبناء لمهارة ضبط النفس! وهذه المهارة يمكن أن يكتسبها الأطفال من أخطائهم بواسطة التجربة فيتشكل لديهم مانع يمنعهم من إعادة الخطأ وتكراره بمرور الزمن، نعرف من ذلك أن وقوع الأطفال بالخطأ يُعلمهم مهارة ضبط النفس عن طريق اكتسابها بالتجربة، وأيضاً توجد طريقة تعتبر هي الأساس في تعليم الأطفال ضبط النفس وعدم وقوعهم في الخطأ وهي (أسلوب الوالدين أمام أبناءهم) فإذا كان الأبوان يمتلكان ويتمتعان بمهارة التحكم في الذات فإن هذا يولِّد انطباعاً لدى الأبناء بالسلوك الحكيم المتزن، فالمهارات الأساسية كضبط النفس وطريقة التحدث مع الآخرين والاستماع لهم يكتسبها الأبناء من آبائهم وأمهاتهم وممن يعيشون معه من أعمامهم وأخوالهم، فالتأثير يمتد عن طريق الوراثة وعن طريق التأثر بالسلوك الفعلي الذي يشاهدونه أمامهم، إذن متى نحاسب الأطفال على أخطائهم؟! في أي وقت من أعمارهم؟! ذكرنا أن بعض الأخطاء مسموح بها لأن الطفل في طور التعلم من أخطائه وهو تحت عمر السبع سنوات كما ذكره الحديث الشريف: (الولد سيد سبع سنين) فالسيادة معناها احترام شخصية الطفل وفكره والتوسيع عليه والسماح له بالحرية ليعيش طفولته، فيتم بذلك إشباع رغباته النفسية والمادية فيكون سيداً على ذاته وهذا مايرفع تقدير الذات لديه، فترتفع ثقته بنفسه وهذا هو المطلوب في بناء شخصية الطفل بشكل سليم، أما في مرحلة السبع سنوات الثانية من (٧_١٤) سنة فتكون مرحلة امتداد للسنوات السبع الأولى، فكلما حصل الطفل على احتياجاته النفسية (كالحب والأحترام والآمان والتقدير والقبول) فإن حصيلة ذلك هي دخول الطفل في الطاعة والانقياد لأوامر الوالدين في سنواته السبع الثانية (وعبد سبع سنين) وهنا يكون الطفل في هذه الفترة مستعداً للطاعة والامتثال للأوامر التي تكون في صالحه ولمستقبله، وهذه السنوات تكون مكملة للسنوات السبع الأولى والتي يكون فيها الطفل أكثر إدراكاً ومعرفة في فهم توجيهات الأهل، فالطفل في سنواته السبع الثانية يكون انعكاساً وامتداداً لسنواته السبع الأولى، فكما أعطى الأب سيُعطي الابن بنفس المقدار أو أكثر، وهنا تكون سلسلة مترابطة من الأخذ والعطاء تتمثل في سنواته الثالثة (من ال ١٤_ ٢١) والتي ذكرها الحديث الشريف (ووزير سبع سنين) ومعنى ذلك أن يؤخذ برأي الولد عن طريق الاستماع والاستشارة فيما يخص أمور البيت وأموره الخاصة ليشعر بمكانته ومنزلته في قلوب أهله، بهذه المراحل الثلاثة فإننا نقوم ببناء شخصية الولد بشكل يناسب الحياة ومتطلباتها، وبالتالي بناء جيل يواكب المرحلة بحداثتها، فالأسلوب السليم للأبوين ينتج جيلاً واعياً، يعرف مسؤولياته جيداً. وختاماً فإنه يجب على الأبوين أن لا يطلبوا المثالية من الأبناء ولايحاسبوهم على توافه الأخطاء التي يرتكبونها، فالأطفال يتعلمون من أخطائهم إذا شعروا بحرية التصرف، أما مع المراقبة الكثيرة والتربص بهم فسيقعون في المشاكل ويكررونها بسبب عدم شعورهم بالثقة من أهلهم، فيحاولون عدم اقتراف الأخطاء فيقعون فيها مما يسبب لهم شعورا بعدم الاستطاعة على فعل الصواب، لذلك توجب غض النظر عن بعض الأخطاء التي تصدر منهم وتوجيههم بشكل لايشعرهم بالتحقير والتجريح لكي يتمكنوا من النهوض من جديد.

منذ شهرين
1543

من يتحكم بمن؟ الأم هي القائد أم التابع؟

يجب أن تأخذ الأم دورها بشكل يعزز من هيبتها وسلطتها وقوتها في إدارة الأسرة في ظل غياب الزوج وانشغاله بأمور العمل، فالأم القوية تستطيع أن تتعامل بأسلوب الحب والحزم في آن واحد، فالموازنة بين العقل والمنطق هي روح الأُسر السعيدة التي تتميز بتبادل الاحترام والمحبة والانسجام ، ولكن تقع كثير من الأمهات فريسة سهلة لأساليب الأطفال المزعجة، كالبكاء والعويل والصراخ وكثرة الطلبات والإلحاح، وهنا تبرز الأم الواعية والمدركة لخطورة الموقف عن تلك التي تسقط أمام أساليب أبنائها الماكرة، وإذا استجابت الأم لطفلها بعد ان تترقرق دموعه وعلا صياحه فإن الطفل سيستخدم هذا السلوك في كل مرة، فهو قد نجح في إرغام أمه لمتطلباته ورغباته، وأصبحت الأم أسيرة لطفلها الهائج، وسيستمر في التمرد والتطلبات لاحقاً ويزداد أنانية وغروراً، فالخطأ الذي وقعت به الأم كبير جداً، لذلك فإن القيادة هنا أصبحت بيد الطفل الذي لايحسن استخدامها وتوضيفها بالشكل الصحيح، وستكون أمه تابعة له في كل مايريد ومايطلب، وتكون تحت إمرته في كل لحظة وكل دقيقة، وكل ساعة وإذا قال: أمي؟ قالت: مابك ياحبيبي؟ مالذي يوجعك يافلذة فؤادي؟ وبالتالي شعور الطفل بالاعتداد بالنفس والزهو يجعل الطفل يشعر بأن حياة الأم لايمكن أن تستمر بدونه، لذلك فإن الشعور الذي يخالجه هو أن من حقه أن يطلب اي شيء، فالأم حياتها له ومن أجله، وهذا مايسبب للطفل مستقبلاً عقدة الشعور بالحقارة عندما يصطدم مع الأصدقاء ومع المجتمع ويطلب ولا سَيُجاب له. أيتها الامهات الفاضلات، لاتتعاملن مع أولادكن بهذا الأسلوب الذي يجعله يشعر بأنه أمه مجرد خادمة له، تطبخ له الطعام، تغسل ملابسه، تصفف شعره، تلبسه حذاءه، تفرش له فراشه قبل أن ينام وهو ابن الأربع سنوات، هذا الشعور الذي سيصاحب الولد طيلة أيام طفولته سيجعله يحتقر المرأة التي عاش بين ذراعيها ويجعله ينظر إليها نظرة احتقار وازدراء، وهو ماجعل بعض المجتمعات مجتمعات ذكورية تتعامل باستخفاف مع المرأة، وجعل الولد يستخف بحقوق أخواته ويمنعهن من الزواج بحجة أنه ذكر وهن أناث! أدعوكن أيتها الأمهات إلى أن تراجعن سلوككن مع أولادكن وتحسبن لهذا الموضوع حساباً قبل فوات الأوان، دعي ابنك يعاني بعض الشيء، فإذا سقط فلا تركضي له وتساعديه على النهوض، اتركيه يعاني ويعتمد على نفسه في محاولة مساعدة نفسه ومعاونتها. فما يقوي شخصية الأبناء هو ترك المجال لهم في خوض تجارب الحياة، فالمصاعب هي من تكسب الإنسان القوة والعزيمة والاصرار. فلا تجعلي أبنائك يحصلون على كل مايريدون بسهولة فإن في ذلك ضياع لأهمية الأشياء وفقدان لقيمتها ورونقها وهيبتها. لاتتعاملي بأفضلية مع الأولاد فينشأ لديهم شعور بأفضليتهم من ناحية الجنس على أخواتهم. تعاملي مع الجميع بعدالة واتركي المجال لأطفالك بالخطأ، ولاتفعلي مايستطيع ابنك فعله بنفسه، فإن في ذلك قتلاً لشخصيته وثقته بإمكانياته، فالإمكانيات تُقتل عندما نقدم ونفعل أشياءً لأبنائنا هم يستطيعون فعلها بأنفسهم ولكننا لا نترك لهم المجال في التجربة، فاعتادوا علينا واستسهلوا ذلك. فإياكم ثم إياكم أن تجعلوا أطفالكم المحور الذي تدورون حوله، وإنما تعاملوا معهم من منطلق الرعاية الوالدية السليمة ومن الله التوفيق والسداد.....

منذ 4 أشهر
1463

قوة التصور الذهني

لا شك ان طريقة تفكير الانسان تعتمد على طبيعة اختياره لنوعية الافكار التي يّغذي بها ذهنه ، فلو كان يجذب الافكار السلبية ويستقطبها فإن عقله الباطن سيستقبل تلك الأفكار وتصبح جزءً أساسياً من ذاته مما يؤدي الى تشكيل تصور سلبي اتجاه كل شيء. إذا كان بعض الاباء والامهات يشعرون باستياء من أبنائهم، وأخذت تلك المشاعر السلبية تأخذ حيزا كبيرا من طريقة تفكيرهم ، فان ذلك يؤدي الى تكوين تصور ذهني سلبي اتجاه تصرفات الابناء وسلوكياتهم ، لان الاهل سيتعاملون مع اطفالهم وفق التصور الذي رسموه في مخيلتهم (العقل الباطن) وبالتالي فإنهم يقعون في خطأ كبير يؤدي الى الحصول على نتائج سلبية تشكل تصوراً سلبياً عن ذات الطفل. ذلك لأن العقل الباطن سيتعامل مع صورة سيئة تم تشكيلها عن ذات الطفل، فالأب الذي ينظر الى ابنه على انه طفل مسيء دائماً ولا تصدر منه الافعال الحسنة فانه لا يستطيع ان يلمس ويرى من ولده السلوك الايجابي بسبب تركيزه على سلبيات الطفل دون التفكير في البحث عن إيجابياته. وهذا يعني فشل العقل في البحث بشكل صحيح عن الايجابيات ، مما يجعل العقل الباطن يركز بالسلبيات دون الايجابيات. إن تعامل الوالدين مع الصورة الذهنية التي تشكلت في أذهانهم وفقاً لطريقة تفكيرهم ونظرتهم للأمور يجعلهم يركزون على صغائر الأخطاء التي تصدر من أبنائهم. فمثلا لوكان الأبوان يرددان دائما على مسامع طفلهما كلمة ( انت ولد عنيد ، او فاشل ، او غبي، او انك لا تنفع لشيء ) فان الصورة الذهنية المطبوعة في عقلهما الباطن هي( ولدي فاشل وغبي وعنيد) وعلى هذا الاساس فانهما يتعاملان مع ولدهما وفقا لهذه الصورة الذاتية السيئة، مما يجعلهما يفشلان في تربية ابنهما واصلاحه، بل سيكونان جزءً اساسياً من المشكلة، فيجب أولاً اصلاح طريقة تفكيرهم ليتسنى لهم التفكير بأسلوب صحيح. هذا فيما يخص تأثير التصور السلبي على نفسية الأبوين. اما فيما يخص ما يشعر به الطفل، فانه سيعتقد بانه ( فاشل وغبي وعنيد و...و...وو) كما يعتقد والداه به. وهنا سيقوم عقل الطفل الباطن ( اللا واعي ) بتصديق هذه الالقاب، ومع تكرارها على مسامعه فان عقله الباطن سيعمل على تصديق معانيها، بل سيعتقد بها وبعدها تصبح جزءا من ذات الطفل وكيانه، وبالتالي سلوكه. ومن الغباء ان يردد بعض الكبار مثل هذه الكلمات من اجل تحفيز الطفل ! فلا يمكن ان نقوم بتحفيز الجهاز المثير بواسطة الاسلوب المعاكس ، فالبعض يتوهم انه اذا قال لطفله: انت غبي، فانه سيكون ذكياً ، او عندما يقول له: انت كسلان، فانه سيصبح شاطرا وذكيا ، هذا الاسلوب مستخدم بكثرة في البيوت والمدارس ايضاً، وسبب استخدامه هو الاعتقاد بقدرته على تحفيز واثارة الجهاز المثير لدى الاطفال، وهذا الاعتقاد ناشئ عن الجهل وعدم المعرفة بالأساليب الصحيحة للتحفيز. لذلك يجب على الوالدين او المعلمين تبديل اساليبهم بأساليب ايجابية وعليهم : ١- التوقف عن استخدام الكلمات السلبية واطلاق العبارات المحبطة كالغبي والاحمق والفاشل و.... ٢- استخدام المديح فهو اسلوب مؤثر وفعال، فلو شاهدت سلوكا غير مرغوب فيه يصدر من ولدك فيمكنك استخدام اسلوب يجعل ولدك يخجل من تصرفه وسلوكه، كأن تقول له انك: لا تفعل مثل هكذا اخطاء فانت ولد مهذب وانا اثق بك كثيرا، ولم اتوقع ان يصدر منك مثل هذا السلوك. هكذا سيظن الطفل بأن والده يثق بتصرفاته فهو لا يتوقع منه الا الصحيح وسيخجل من سلوكه ، وسيقرر مستقبلا عدم الوقوع فيه ، وهذا ما نصبو اليه ونعمل من اجله. ٣- قبل كل شيء يجب على الوالدين تغيير تصّورهم السلبي عن ولدهما ( تغيير الصورة الذهنية السيئة) والتركيز على ايجابيات الطفل ومدحها بشكل متزن لتحفيز الطفل على الاستمرار عليها والعمل بها ٤- فاذا قام الوالدان بتغيير الصورة الذهنية السلبية عن ولدهما بأخرى إيجابية واستمرا على ذلك المنوال لفترة من الزمن فان الامور ستتغير نحو الافضل. ٥- وللحصول على نتيجة مقبولة فانه يجب على الوالدين التكاتف والصبر والاستمرارية وعدم التناقض والازدواجية في التعامل مع الاطفال .. قاسم المشرفاوي

منذ شهر
1438

الدلال وأثره السلبي على شخصية الطفل

يقع الكثير من الآباء والأمهات في اخطاء كبيرة عندما يلبّون كل رغبات اطفالهم ولا يرفضون لهم طلباً، معتبرين ذلك جزءً من الحب الصحيح الذي يقوي روابط المحبة بينهما، بل يعجز البعض عن رفض اي طلب مهما كان نوعه بحجة عدم كسر نفسية الطفل. إن تصرف الأب او الأم هنا إنما هو صادر عن طريق العقل اللا واعي الذي يستجيب للأوامر نتيجة انعكاس حالة شعورية عاشها الأب أو الأم في ايام طفولتهما، وهذه الحالة يمكن ان تكون بسبب الحرمان الذي مرّ به الأبوان، فهما لا يريدان لطفلهما ان يعيش او يشعر بما شعرا به وعاشاه أيام طفولتهما فيحاولان التعويض لحرمانهما عن طريق تلبية كل رغبات الطفل، وهنا المصيبة والطامة الكبرى، فالأولاد يتمادون في كثرة الطلبات وخصوصاً اذا لمسوا ضعفاً من والديهم في عدم رفض طلباتهم وتلبية نزواتهم حتى وإن كانت خاطئة وفيها أضرار مستقبلية وآنية. فمن الخطأ الكبير أن نعود الاطفال على تلبية كل ما يفكرون فيه وكل ما يرغبون به بحجة الحب ، فهذا يعتبر من الحب الخاطئ الذي يجعل الابناء يتحكمون بالآباء ويسيطرون عليهم ويقودونهم، مما يضعف مكانة الاب والأم. فترى كثيرا من الآباء والامهات يخضعون ويتوسلون لأبنائهم من اجل كسب رضاهم ، وهذا ما يشكل خطرا عظيما على مستقبل الأسرة ويهدد كيان المجتمع. وتبدأ صفة الانانية لدى الابناء بالظهور والنمو بسبب الدلع والدلال ، وتولّد لديهم شعور بعدم المسؤولية اتجاه أنفسهم واتجاه أسرهم ومجتمعهم. فهو لا يبالي الا بتوفير طلباته واحتياجاته ، فترى البعض من الاطفال يتمادى في الصياح والبكاء بوجه ابيه او امه اذا قوبل طلبه بالرفض ، بل يصل الحال الى الزعل ومقاطعة الاهل بعدم الحديث معهم ، من اجل الضغط عليهم في توفير كل طلباته، وهنا يسارع الاهل بتلبية رغبات طفلهم المدلل الذي بدأ يشعر بان من حقه ان يطلب ما يشاء وما يرغب. بل نلاحظ ان البعض من الاباء يقوم بشراء سيارة لولده وهو في سن الثانية عشرة، ظناً منه ان هذا يعد جزءً من الحب ، مما يدخل نفسه في دوامة من المشاكل العديدة اولها مشاكل الحوادث واصدقاء السوء والمصلحة الذين يستغلونه... اذن وجب على الأهل والحالة هذه توفير احتياجات الطفل الضرورية والمهمة والتي لاتعد اسرافا ولا بذخا لكي لا يعتاد الطفل على التبذير وتكثر طلباته بدون مبرر، فاذا كان لديه ملابس لابأس بها فلا داعي لشراء ملابس جديدة بمجرد ان يطلب الولد ذلك ، بل يجب ان نوفر له باعتدال ، ونرفض ما نراه غير مناسب وغير ضروري ، وهنا سيفهم الطفل ذو السبع سنوات والعشرة سبب الرفض ليتشكل لديه مفهوم ما هو ضروري، ويكون قنوعا بما يطلب من حاجات تكون مناسبة لشأنه مع أقرانه ومع وضع عائلته الاجتماعي. إن من سلبيات تدليل الاطفال هو:_ ١:_يدفع الاطفال الى البكاء والعويل بمجرد رفض طلباتهم.. ٢:_يجعلهم غير مسؤولين ولا يتحملون نتائج اخطائهم مما يدفع بالأهل إلى الدفاع عنهم في اغلب الاحيان وحل مشاكلهم.. ٣:_يضعف شخصية الطفل ويجعله اتكالياً وغير مبالي بإتعاب والديه.. ٤:_يلقي بأخطائه على الاخرين وعلى الزمن . ٥:_تنمو لديه صفه الانانية والغرور ... ٦:_لا يقبل عذر والديه إن عجزا عن توفير ما يريد اذن بعد ان عرفنا مضار تدليل الابناء وجب علينا ان نقدم لهم الحب باعتدال وبدون مبالغة ، فكل شيء يجب ان نوفره لهم يجب ان يكون باعتدال وباتزان لكي يكون الاطفال متزنين ومعتدلين في كل شيء، في تصرفاتهم وفي طلباتهم ، والابناء يتشكلون وفق طريقتنا في التصرف معهم، فلنختر طريقة مناسبة في التعامل معهم تدفعهم الى فهم متطلبات الحياة بشكل واقعي غير مبالغ فيه.. ومن الله التوفيق قاسم المشرفاوي

منذ شهر
1323

الفتاة وسن التكليف

"مريم" فتاة احب الحياة و الحرية والهدوء .. تغمر قلبي السعادة حين أرى الفراشات تطير... أو أشم عطر زهرة أو أرى طيف الشمس بعد نزول قطرات المطر في صغري... ان لم تخنّي ذاكرتي... إني كنت لحوحة... وأسأل والدتي عن أي شيء أراه أو أواجهه في حياتي.. اليوم هو 1999/09/09 وأنا في السابعة والنصف من عمري... مسبقاً تمت دعوتنا إلى بيت خالتي فهذا اليوم هو كما أسمعهم يقولون هو يوم بلوغ ابنت خالتي ( نور ) سن التكليف .. وصلنا والكل حاضر ومن بينهم بنات عماتي وأعمامي وخالاتي.. والجميع مبتهج وفرح وأنا لا أعلم ما السر في الموضوع!!! ولمَ فرحون؟ وماذا يعني البلوغ؟ أو سن التكليف؟ وبعد بضع دقائق بدء الحفل والجميع حاضر وجاءت بنت خالتي الكبيرة ومعها أختها( نور ) وهي متوجة بتاج من الورود البيضاء ومرتدية بدلة بيضاء، وعلى وجهها ابتسامة لطيفة، وكأنها شمس وأشرقت على الحضور، أنشدت بعض الحاضرات الأناشيد... والكل يهنئ ( نور ) ويهدي لها الهدايا. قدمت لها والدتها القرءان هدية ... قبلته ( نور ) ووضعته على جبهتها وهي مسرورة .. قدمت الحاضرات ما أحضرنَ معهن من هدايا بسيطة وجميلة... وكل واحدة أخذت دورها في همس كلمة في اذنها واحتضانها وهي مبتسمة وفرحة ... ومن جملة ما قالوه لها إنه يجب عليها أن تتفقه في دينها .. وتؤدي واجباتها كي تنال الجنة .. وتلتزم بحجابها وتحافظ عليه .. وانا أراقب عن كثب وأتمنى لو كنت أنا مكان ( نور ) .. وبعد أن عدتُ مع والدتي للبيت .. سألت والدتي .. مجموعة من الأسئلة .. ومنها .. ماذا يعني البلوغ؟ وما هو سن التكليف؟ وماذا تقصدون بالتفقه؟ ولماذا وتقولون لها أن تلتزم الحجاب وهي ملتزمة به فعلاً؟... ولماذا نقيم هكذا احتفال؟ ووو ... ومتى أكون أنا بالغة ومكلفة؟... وبابتسامة رقيقة وبنبرة حنينة أجابتني أمي عن تلك الاسئلة .. ففهمت بعض الإجابات ولم اعِ البعض الآخر... وأنا اتساءل مع نفسي في كل يوم عن هذه الأمور الخفية لدي .. الى ان جاء يوم 2001/05/30 .. وفي ذلك اليوم قالت لي والدتي اليوم سيأتي إلينا أقاربنا في زيارة .. ولم اسأل والدتي عن سبب الزيارة لكنني فرحت لقدومهم... وبعد ساعة جاء الضيوف وعلى وجوههم الابتسامة .. ولم أعلم ما سبب المجيء... طلبت مني ابنة عمتي أن أصطحبها إلى غرفتي... ففعلت... وحين وصولنا الغرفة أخبرتني بأن اليوم هو يوم تكليفي... لأني في هذا اليوم قد صرت في سن البلوغ .. ففرحت كثيراً لعلمي أن الحضور اليوم هو من أجلي .. فناولتني والدتي ثوباً أبيض لإرتديه ووضعت الورود على رأسي وبدأ الحفل... وفي تلك اللحظة ذهبت أعماق ذاكرتي ولم أعد أسمع من حولي وأنا تائهة في تفكيري وأتساءل مع نفسي... ماذا؟ ولمَ؟ واي شيء؟ ووو... فكل شيء طرحته على نفسي كسؤال .. وفي ذلك اليوم فهمت بعض ما لم أدرك معناه من أمي قبل سنتين تقريبا .. ففهمت أن البلوغ هو : إكمال التسع سنين هلالية... ويعتبر في الإسلام بداية للكثير من الأحكام لأن البلوغ هو بداية مرحلة مسؤولية الفرد عن أفعاله.. وعرفت أن التكليف هو: تشريف من اللّه‏ عز وجل للإنسان وتكريم له؛ لأنّه يرمز إلى ما ميّز اللّه‏ به الإنسان من عقل، وقدرة على بناء نفسه، والتحكّم في غرائزه، وقابليته لتحمّل المسؤولية خلافاً لغيره من أصناف الحيوانات، ومختلف كائنات الأرض، فإنْ أدّى الإنسان واجبَ هذا التشريف، وأطاع وامتثل شرّفه اللّه‏ عز وجل بعد ذلك بعظيم ثوابه، وبملكٍ لا يبلى ونعيمٍ لا يفنى، وإنْ قصّر في ذلك وعصى كان جديراً بعقاب اللّه ‏عز وجل وسخطه؛ لأنّه ظلم نفسه، وجهل حقّ ربّه، ولم يقم بواجب الأمانة التي شرّفه اللّه‏ بها، وميّزه عن سائر المخلوقات.. وفهمت أن التفقه هو: معرفة وتعلمٌ العلم الذي يكون مَدار البحث فيه مُختصّ بالأحكام الشرعية، فالأحكام الشرعية عدّة أنواع بناءً على مبناها؛ فبعض الأحكام تدل على الطلب والأمر الجازم، وبعض الأحكام تَدل على طلبِ فِعل تَخييراً لا أمراً، وبعض الأحكام ليست اقتضاءً ولا تخييراً بل وضعاً، وهذه الأحكام مصدرها الأدلة التفصيلية التي تصلح أن تكون دليلاً شرعياً مقبولاً في الشريعة الإسلامية... ويعتبر التفقُّه في الدين حصن العامل وملاذه والخلفية الدينية والقانونية التي ينطلق منها، والجبل الراسي الذي يستند إليه في كافة قراراته وأفعاله، لأنه من الطبيعي أنّ ترك التفقّه في الدين سيؤدي بالعامل إلى أن يكون محكوماً للأهواء والمزاج وبعض الأعراف الخاصّة والسلوكيات العرفية والتشبه بالآخرين وسوى ذلك من المصالح والاستحسانات التي لا يمكن أن تشكّل نوعاً من الخلفيات الثقافية. وفهمت أن الالتزام بالحجاب هو: ليس مجرد وضع عباءتي على رأسي وعدم إظهار الزينة أمام الشخص الأجنبي لكن الالتزام بالحجاب هو أرقى من ذلك... هو حفاظ البنت على رزانتها وجدية شخصيتها أمام الآخرين... مع أداء جميع مسؤلياتها و واجباتها على أكمل وجه...

منذ 6 أشهر
1276

ضرب الأطفال وأضراره

يعجز البعض من الآباء والأمهات عن علاج الأزمات بين الأطفال إلى الخروج إلى المألوف السلبي المتداول في المجتمع، ألا وهو استخدام الضرب والقسوة مع الأبناء بحجة التربية وتعديل السلوك، متناسين قول النبي الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم ): "ماكان اللين في شيء إلا زانه"، وقوله أيضاً: "أكرموا أولادكم وأحسنوا إليهم"، ولو بحثنا عن بعض الأسباب التي دفعت الأهل لتبنّي الضرب في التعامل مع الأبناء لوجدنا أن أول الأسباب هي: الطريقة والأسلوب التي تم التعامل بها معهم في أيام طفولتهم عندما كانوا صغاراً وشباباً، فتجذّرُ هذا الأسلوب العدواني في عقول الأهل كان السبب لاستخدامه الآن مع الأبناء، فبعض التصرفات التي صدّقها العقل الواعي وتبنّاها لأيام وسنين طوال قد تعامل معها العقل اللاواعي على أنها من المسلّمات التي لاتقبل الشك بل إنها من اليقين الذي لاريب فيه، ويغفل هؤلاء الآباء والأمهات عن سلبيات هذا الأسلوب القاسي المعارض لأحكام الله تعالى وسنة نبيه الكريم، وأحكام العقل القويم فضرب الأبناء يقطع العلاقة الروحية بين الأهل والأبناء ويُبدّد أواصر المحبة، ويفكّك الروابط الاجتماعية والانسجام، مما يدفع بالأسرة إلى التشتّت والضياع. وقد يتوهم البعض أن التربية الحديثة الغربية هي من دعت وروجت إلى ترك أسلوب الضرب والقسوة مع الأبناء، وهنا نؤكد أن الإسلام المحمدي الأصيل هو أول من وضّح الموقف الشرعي اتجاه هذه الظاهرة، لأهميتها في بناء المجتمع، فدعى الآباء والأمهات إلى استخدام أساليب بنّاءة في التعامل مع الأبناء تُسهم في زرع مبادئ الألفة والمحبة داخل الأسرة الواحدة، وبالتالي تكوين مجتمع قائم على أسس صحيحة، وهذا ما أراده الإسلام من الناس من أجل الوصول إلى السعادة، وتجنّب كل أنواع المعوّقات التي من شأنها أن تقضي على كيان الأسرة المسلمة. سلبيات ضرب الأطفال: يمكن أن نذكر بعض سلبيات الضرب من أجل دفع الآباء والأمهات إلى تجنبها وعدم الوقوع فيها وبالتالي: ١ـ إن الضرب أسلوب انهزامي، ويدلّ على عدم قدرة المربّين على السيطرة بالشكل الإيجابي على الموقف، وبالتالي فهو يدل على ضعف شخصية المربي لا قوتها، فاستخدام الضرب مع الأبناء سيكون له أثر وقتي وسيزول باختفاء عامل الخوف (الأب او الأم أو المعلم ) مما لا يجعل الأطفال يؤمنون بهم كمربين ومسؤولين يمكن اتباعهم والأخذ بكلامهم، وبالتالي يفقدون عناصر القوة في تأثيرهم على الصغار، ناهيك عن مشاعر الكره التي يضمرها الصغار للكبار بسبب عدم احترامهم وتقديرهم... ٢ـ إن الرسالة التي يفهما الأبناء من الضرب هو أن العلاقة الأبوية تعتمد على القوة البدنية التي يتمتع بها الكبار الآن مقابل ضعف جسد الصغار وبالتالي فإن هذه العلاقة ستتغير بمرور الزمن وسيتبدل الحال وتختلف الأحوال فالقوي يصبح ضعيفاً والضعيف قوياً، ومن الممكن جداً أن يستخدم الأبناء في أيام شبابهم بعد أن فُتلت عضلاتهم وقوي عودهم نفس الأسلوب الذي اتبعه الأهل معهم، أي إن الأبناء سيستخدمون الضرب وعدم احترام ذويهم لأنهم لم يتلقوا الأسلوب الأمثل في التربية أيام صباهم وهذا شيء وارد جداً وقد حدث ويحدث في مجتمعنا كما نسمع هنا وهناك، وهذا مايوصل بعض الأبناء إلى عقوق الآباء، فعدم الشعور بالحب والحنان والعطف في أيام الطفولة يدفع الأبناء إلى عدم الإحساس بالمشاعر اتجاه آبائهم وأمهاتهم مما يسبّب العقوق وانقطاع العلاقة الإيجابية... ٣ـ إن استخدام الضرب يخلق أبناءً انقياديين لكل من يكبرهم سناً أو يفوقهم قوة بدنية، مما يفقدهم القدرة والاستطاعة في الدفاع عن أنفسهم، بسبب شعورهم الداخلي بعدم القدرة على الدفاع عن أنفسهم... ٤ـ أن من أضرار الضرب أيضاً أنه يخلق الجبن والخنوع في نفوس الأبناء. ٥ـ ومن أضراره أيضاً هو انخفاض تقدير الذات وتشويه الصورة الذاتية للأطفال، أي إن الطفل ينظر لنفسه على أنه إنسان ناقص غير سوي فاقد لأبسط مكونات الشخصية، ألا وهي تلقي الاحترام واستحقاقه من الآخرين، وبالتالي تكوين مفهوم سلبي عن الذات مما يؤدي إلى الشعور بالتفاهة والحقارة... ٦ـ من إضرار الضرب هي صناعة أبناء عدوانيين وتشكيل شخصية مجرمة ناقمة على المجتمع بسبب المعاملة السيئة التي تلقّوها في أيام طفولتهم، وهنا توجّب على الأبوين أن يُحسّنا المعاملة مع أبنائهم من أجل الحفاظ على النسيج الأسري والمجتمعي... هذه بعض السلبيات الناتجة عن استخدام أسلوب الضرب مع الأبناء، وهنا فيتوجّب على الآباء والأمهات الرجوع إلى الأسلوب الأمثل في التربية، والذي ذكره الله تعالى وحثّ عليه الرسول الكريم وأهل بيته الكرام، فقد سأل أحد الأشخاص الإمام الصادق (عليه السلام) عن ضرب الأطفال بسبب مشاكستهم، فردّ عليه الإمام (عليه السلام): لا تضربه واهجره ولا تطل. وقد بيّن لنا الإمام درساً تربوياً لكل المربين والمهتمين بأمور الأسرة وهو استخدام أسلوب (الهجران) بدل الضرب، وهو من الأساليب الناجعة والتي تجعل الأبناء يشعرون بأخطائهم ويحسبون حساباً لتصرفاتهم، فالهجران شعور نفسي يسبّب ألماً للأطفال وبالتالي يعطي درساً تربوياً في تعديل السلوك بشكل إيجابي، وقد ذكر مع الهجران عدم إطالة مدة (الزعل) لكي لايسبّب جرحاً نفسياً عميقاً في نفوس الأبناء ويخرج عن تأثيره الإيجابي، فمضمون الهجران هو أن نجعل الطفل يشعر بالخطأ الذي فعله، وليس جعله يتألم بشدة، وبالتالي فإن استخدامنا للهجران بالشكل الصحيح يوصلنا إلى نتيجة بنّاءة تساعد في بناء هيكلية شخصية الأبناء بشكل سليم... ولايخفى علينا أن الحكم الشرعي الذي ذكره علماء وفقهاء المسلمين بخصوص الضرب هو وجوب الدية الشرعية على الضارب في حدود معينة. فاحمرار الجلد يستوجب دية تختلف عن ازرقاق الجلد واسوداده. وقد أفتى الفقهاء بجواز ضرب الأبناء بمقدار ثلاث ضربات على أن لاتصل إلى حدّ الاحمرار بشرط التأديب لا التشفي، وهذا الأمر منوط بأمر الولي حصراً ولاجواز لغيرهم في الضرب حتى لايحق للأم بهذا... ولو احتكم الناس إلى قوانين الله تعالى وتعاليم النبي العظيم لما وصل بنا الأمر إلى هذا الانحلال وهذه الفوضى المجتمعية. ولكن يبقى الأمل في إصلاح شأن هذة الأمة بإصلاح شأن الأسرة والعناية بها من قبل الأبوين... ومن الله التوفيق

منذ 4 أشهر
1165