عباس... احتار فيك الفكر والقلم

بقلم: رحاب سالم ورور البهادلي ابتدأتُ النهار أسمع صوت قطرات المطر النازلة من أوراق الأشجار، بعد أن هدأت الأجواء وسكنت السماء من بكائها، فكانت قطرات الماء تنزل من أوراق الأشجار بهدوء، بعد ميل تلك الأوراق من أغصانها، فآلت الشمس على نفسها أن تبزغ كي تدفئ بنورها أهل الأرض وأن تحتضنهم بحرارتها... بزغت الشمس وهدأت السماء وأخذت الطيور والعصافير تعزف أنغامها وتحلق في أجواء جميلة وصافية، ونهار سعيد... وأنا كالعادة أقف في المطبخ أحضر كوب القهوة كي أفتتح به صباحي الجميل، وبعد أن أكملت إعداد القهوة جلست في حديقة المنزل، أنظر إلى الأجواء الجميلة وأمسك قهوتي بيدي واليد الأُخرى تحتضن قلمي وخاطري يرسم لوحة تحاكي قصصًا، منها من الواقع ومنها الذي يحكيه خيالي، أكملت قهوتي ولا زال فكري شاردًا بأفكاره وخيالي يحاكي أبطاله وقلمي يرسم لوحة، فذهب فكري إلى بطلٍ شجاع وشهم يجسد اسمه وحياته لوحة عشق وتفاني تحاكي التاريخ، وأصبح مضرب الأمثال بالنبل والشجاعة والمروءة... لم يقبل عقلي هذه المرة أن يطلق العنان للأفكار، أو بأن يكتب عن أبطال من نسج الخيال، ونحن نشهد شهراً قد ولد به أبطال لم يُشهد مثلُهم في التأريخ هم و آباؤهم. حاولت أن أكتُب عن هذا المقدام الذي يجسد في واقعنا نهضة، يرسم بما فَعَل وَفُعِلَ بهِ لوحة عشق وإيمان، مع سيدهِ وأخيه كي يُحكى عن قصته إلى العالم، ويروي التاريخ أمجاد حياته، احتار قلمي عن هذا البطل كيف يكتب وكيف يعبر؟ احتار قلمي وفكري، وبادراني بالسؤال: أيها الكاتب، احترنا في هذا البطل؟ هل تريد أن نكتب عن شجاعته كفارس؟ أو عن طاعته لسيده وأخيه؟ أو عن أخوتهِ وغيرته؟ أو عن كفالته وهو الكافل؟ أيها الكاتب، أنا قلم أخط ما يبادرني بهِ فكرك، لكن فكرك حيرني ولم أعرف ما أخط! قُل لي أيها الكاتب من هذا البطل؟ ودعني أكتب عنه كلمةً يُعرف بِها دون أن أُطيل على قارئي؟! (الكاتب): أنا احترت أيضاً أيها القلم ولم استطع التفكير، خيالي وكلماتي عجزت أمامه، ألا تُساعدني فأكتب أيها القلم والقارئ سيفهم معنى كلامي حتى وإن كان قليلً.. اكتُب (عباس راعي الجود جاد بنفسه).

اخرى
منذ سنتين
2333

تأملات في تراتبية المواليد الشعبانية

بقلم: عبير المنظور شهر شعبان هو شهر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفيه من النفحات القدسية والعبادات القُربية ما يعمّق الارتباط برسول الله (صلى الله عليه وآله) ضمن سلسلة من التهيئة الروحية تبدأ من شهر رجب شهر أمير المؤمنين (عليه السلام) مرورًا بشعبان شهر سول الله (صلى الله عليه وآله) وصولاً إلى الذروة في شهر رمضان شهر الله تعالى. وللعبادة في شهر الرسول (صلى الله عليه وآله) أجر عظيم، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «‌قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): شعبان شهري وشهر رمضان شهر الله فمن صام يوماً من شهري كنت شفيعه يوم القيامة، ومن صام يومين من شهري غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن صام ثلاثة أيام من شهري قيل له استأنف العمل...» (١) ومن أبرز مصاديق تعميق الارتباط برسول الله (صلى الله عليه وآله) هي المودة في القربى التي جعلها الله تعالى أجر الرسالة المحمدية في قوله تعالى في آية المودة: (ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) (٢) ومن لطائف وأسرار هذا الشهر الفضيل أنه يتضمّن بين طيّات أيامه الغراء ذكرى مواليد عطرة لقربى أهل بيت النبوة لستة من الأقمار الزاهرة وهم بالترتيب: الإمام الحسين والعباس والسجاد وعلي الأكبر والقاسم بن الحسن والحجة المنتظر (عليهم جميعاً سلام من الله ورضوان) ومودتنا لهم هو أهم ما نقدمه للنبي (صلى الله عليه وآله) خاصة في شهر شعبان، مع ملاحظة أن المودة القلبية لا تكفي في إعطاء أجر الرسالة ما لم نشفعه بإيماننا بهم وحسن الالتزام بسيرتهم (عليهم السلام). ولو تأملنا قليلاً في المواليد الخمسة الأولى للاحظنا أنها تخص الشموس الزواهر لأهم شخصيات معركة كربلاء الحسين، معركة الإصلاح، معركة رفض الظلم والاستكبار، معركة بسط العدل في مجتمع ضاعت كل قيمه ومبادئه وثوابته، فكانت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) رمز الاصلاح على مرّ العصور، وكان دوره أساسياً ومركزياً في نهضة الأمة بعد تقهقرها، وصناعة إنسان رسالي بعد أنْ تشوَهتْ معالم إيمانه، متخبّط الخطى في ظل سياسة القمع والإرهاب والتجهيل من خليفة غرّ نزق شارب للخمر ملاعب للقرود ليُصبح بين ليلة وضحاها خليفة رسول الله وحاكماً للمسلمين! أعادتْ ثورة السبط الشهيد الهمّة في الأمة الخائرة القوى، وأصبحتْ تعرف مسؤولياتها جيدًا في ظل الظرف السياسي والاجتماعي الحرج الذي مرّت به الأمة بعد واقعة الطف. ولم يكن هذا الجانب الاجتماعي المشرق في دور الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء الذي أدّى غرضه في الأمة فقط، فسلوكه الفردي مع أهل بيته وأصحابه كان الوهج الذي استضاءت به الأمة على قرونًا طويلة لتربية أجيالها على أسس الإسلام الصحيحة. ففي كربلاء دروس وعبر لا تنتهي في التعامل مع الأخ أو الأخت أو الابن أو الطفل أو الشيخ أو القربى أو الأصحاب بل وحتى الأعداء، كلها إصلاح في إصلاح. كما تجسّـدت قيم الأخوّة والبطولة والفداء والوفاء والغيرة والحمية في نفس أبي الفضل العباس (سلام الله عليه) فهو بعد أخيه الحسين فضلاً وشرفاً وكرامةً، ودوره البطولي الكبير في الحروب والدفاع عن الإسلام الذي لا يقل بطولة عن أخلاقه العالية والمفاهيم الإنسانية والأخوية التي غرسها في الأمة بعد أخيه خاصة مسألة التعامل بين الأخوة غير الأشقاء، فقد علّمنا العباس (عليه السلام) بحبه وإيثاره بنفسه وإخوته الأشقّاء في سبيل إخوته غير الأشقاء كالحسين وزينب (سلام الله عليهم أجمعين)، علّمنا كيف نجمع الأخوة بدون فوارق، وكيف نذيب الأنانية في نفوسنا وأن نصهرها بحب الله فقدّم إخوته غير الأشقاء على نفسه وأشقائه لأنهم حجج الله على خلقه. ولا يخفى التأثير الكبير في عطاء الإمام السجاد (عليه السلام) بعد كربلاء في ظل الأسر والسبي والتشديد والتضييق والإقامة الجبرية، فلم ينكفئ (عليه السلام) عن الدعوة إلى الله وتربية الأمة في أحلك الظروف، فربّى الأمة بالدعاء والمناجاة والانقطاع إلى الله بالعبادة، فلم تمنعه القيود وأغلال الجامعة والحبس الجبري عن أداء واجبه الرسالي والقيام بدوره في صناعة الإنسان وصناعة أمة واعية تقدر قيمة إصلاح مجتمعها بأي وسيلة متاحة لديه مهما أباد الطغاة أهله وأخوته وبني عمومته، فهو من أكمل مسيرة كربلاء بعد أبيه الحسين بقوة إرادته عن طريق زرع مفاهيمها الحقة في الأمة رغم الصعوبات التي واجهها. وللشباب الملتزم والواعي دوره الكبير في بناء المجتمع الصالح الذي أراده الرسول (صلى الله عليه وآله)، علي الأكبر (عليه السلام) مثال للشاب الذي جعل من إيمانه بالمبدأ نقطة الانطلاق نحو المجد والخلود بحماسة الشباب وعنفوان مشاعرهم، فكانت كلماته الخالدة (لا نبالي أن نموت محقين) (٣) شعار لكل الشباب الرسالي الغيور على دينه ومجتمعه من الانتهاك، وخير مثال على طاعة الوالدين واحترامهم. ومع القاسم بن الحسن (عليه السلام) لنا وقفة مع الأشبال، حيث عّلمنا القاسم على صغر سنه معالم التربية الحسنة والوعي لتحديات الظرف المرحلي وهو ناجم عن الملكات النفسية الخاصة لهذا الغلام واستعداده الكبير لتحمل مسؤولية عجز عنها الكثير من الرجال المتخاذلين عن نصرة امام زمانهم فشع فهبّ القاسم وهو غلام لم يبلغ الحلم ليرسم لنا أروع صور النصرة وبأبهى أشكالها. كل وقفة من وقفات مواليد ابطال كربلاء في شهر شعبان كفيلة بأن ترسم لنا ملامح التربية الحقة على أسس ومفاهيم تعمل أولاً على تهذيب ميدان النفس الأمارة بالسوء لتنطلق نحو الأسرة بجعلها لبنة صالحة في مجتمع يصلح بصلاحها، فننطلق بالتربية والتهذيب من الجانب الفردي إلى الجانب الاجتماعي ولا يخفى تأثير ذلك على الصبغة العامة للمجتمع ورقيه وتطوره بوعي أفراده من أصغرهم إلى أكبرهم. من كربلاء وشخوصها وشواخصها ننطلق بالتدريج نحو الإمام الحجة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في منتصف الرحلة الملكوتية في هذا الشهر الفضيل -مع ملاحظة أن القمر في منتصف الشهر العربي يكون البدر كاملًا- وربما هو كناية عن كمال الدين وإتمام النعمة في ولادة المنقذ والمخلّص ومهدي هذه الامة الذي سيملأ الارض قسطاً وعدلاً كما ملئتْ ظلماً وجوراً بثورة تصحيحية شاملة، أي عاشوراء أخرى لتصحيح المفاهيم المغلوطة ونشر الوعي ورفض الظلم والاستكبار العالمي الذي أخذ يُحكمْ قبضته ويُحيطُ بأذرعه الأخطبوطية كل مفاصل الحياة من سياسة واقتصاد وإعلام وتكنولوجيا وغيرها لصالحه وأخذ يتحكّم في العقول وتوجيهها نحو مخططاتهم الشيطانية عن طريق التشكيك بالأديان وتوسيع رقعة التيار الإلحادي في العالم، فعلى المنتظِر لإمام زمانه في زمن الغيبة والشبهات أنْ يتسلّح بالإيمان والوعي لنصرة إمام زمانه والتمهيد لظهوره المبارك بعد أن يحصّن نفسه أولاً بالمفاهيم والعِبر التي استقاها من ملحمة كربلاء وشخصياتها الخالدة. وكما نعلم أن شهر شعبان محطة روحية مهمة لتهيئة النفس قبل شهر رمضان المبارك وهو شهر الله الذي دُعينا فيه إلى ضيافته تعالى، فعليه يكون ظهور الإمام المهدي (روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء) هو تحقيق الوعد الإلهي في بسط العدل على الأرض عندها ستكون البشرية كلها في ضيافة الله وعدله حتى قيام الساعة. ________________________ (١) فضائل الأشهر الثلاثة، الشيخ الصدوق، ص ٤٤. (٢) سورة الشورى/٢٣. (٣) الإرشاد، الشيخ المفيد، ص٢٢٥.

اخرى
منذ سنتين
3898

القمر بحر الوفاء

بقلم: هناء الخفاجي استبشرت مبتهجة: تحققت رؤيتي، قالت لهم، وناولتهم القمر، انحنى عليه، لَثَمَه بين عينيه "سأحملك اليوم وتحمل رايتي غدًا، عندما يشتد صليل السيوف!" أخذته برفق، ضمته إلى صدرها، قبّلت كفيه وهمست بإذنه "ستكون كفيلي!" تبسّم القمر بين مقلتيها، ترقرقت لؤلؤة من طرفها. التفتت إليها: " هنيئا لك يا أم البنين، وليدك أبهى من بدر التمام وأكمل، شمائل الحسن في محياه وضاءة ". شعشع السعد بينهم، عانقت عنان السماء أكفهم مرتلة الصلوات "رباه أينعت الربيع في بيتنا بإشراقة قدسية، أهديتنا بحر الوفاء الزاخر، وعنوان الكرامة والفضل كله والسخاء، تسجد الأُخوّة عند أعتابه، وتركع له الشهامة والإباء، مصحف الأخلاق يرتّل آياته، ويطوف حول جوده العطاء، تفد إليه الخلائق تغترف من كفيه معنى الحياة. أي أخ هو ومن مثله جامع فضائل الإيثار؟ يتسامى بعشقه لإخوته ويقدم روحه لهم فداء". كأن الوليد في مهده سمع تحاورهم: "يا نفسي من بعد الحسين هوني... خلقت لأجلك، لكي أشد أزرك، أرافقك كظلك، تحت جناحك انضوي، لواء مجدك يحويني، صمام أمانك في السلم، وضرغامك ولامة حربك في الأهوال ، أزلزل الأرض تحت الأقدام، معًا سنهزم الظلام ونزيل الطغيان، أذود عنك بنفسي، وأنقل بكفي الفرات للأيتام، وسوف أبقى أُناديك يا سيدي… حتى تفيض بين يديك أنفاسي". أُخيتي: "يا شلال الحنان المتدفق، عيناك محراب صلاتي، كلماتك بلسم على جرح الزمان، أنت الأنفاس التي تبعث فينا الحياة، بفيض علمك غذيتني، ومنك اقتبس الصبر والكبرياء. ملهمتي يا قدوة النساء، من البيت العتيق نحو كعبة الطف معي سترحلين، ترتلين لي آيات الفتح المبين، فأكون لك غمامة بيضاء، ونسمة باردة تطفئ هجير فؤادك، وقنديل يحرس أحلامك المسهدة، وإن افترقت الأرواح عن الأبدان، لن نفترق فأنت موطن روحي..." وقفت كالطود الشامخ، تنفست بعمق، ارتجفت يداها، أشاحت بعينيها نحو السماء "يا شمسي ويا قمري، سوف أهديكما قربانا للفداء... وأرتل صلاة الآيات!" زحف النهر من عينيها ولاذ به، فتدفق من جوده شلال التضحيات.

اخرى
منذ سنتين
2722

بوارق التوحيد الجلي عند الإمام الحسين بن علي (4)

بقلم: علوية الحسيني "إلهي علمت باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار أنّ مرادك منّي أن تتعرف إليّ في كلّ شيء حتى لا أجهلك" إنّ الآثار الكونية مختلفة عند كلّ مخلوق حسب خلقته، فالسماء ما بين ليلٍ ونهار، والبحار ما بين مدٍ وجزر، والإنسان ما بين صحةٍ وسقم، وعزٍ وذل، وهكذا سائر المخلوقات، جميعها خاضعة للتغيرات؛ بلحاظ وجودها في عالم المادة.. وكذا الأطوار المتنقلة لكل مخلوق مختلفة، فالإنسان مثلاً ما بين طينٍ، وحمأٍ مسنون، وصلصال... إلى أن يصبح إنسانًا كاملاً قد طوى تلك الأطوار. فتلك الآثار والأطوار تولد تساؤلاً مفاده: مَن الذي أحدث كل تلكم الاختلافات؟ فتجيب الفطرة هاتفة: إنّه خالقها، حيث استدلت من المعلولات (المخلوقات) على العلة (الله تعالى) وهو ما يسمى بالاستدلال الانّي. فما إظهاره تعالى لذلك الاختلاف إلاّ لتحصيل العلم به. ومقتضى مراده -غايته- أن يعلم العباد أنّ هناك إلهًا يريد أن يتعرفوا إليه، فيتجلى بآثاره ومخلوقاته. يذكر أنّ إرادته تعالى لا تعني احتياجه، وعود النفع عليه من معرفة عباده بإلههم؛ لأنه تعالى منزه عن الاحتياج. "وإنّ أرادته تعالى هي فعله وإيجاده، ففسرت الإرادة بأثرها وهو الفعل" (1). ففعله تعالى تجلّى في اظهار مخلوقاته للتنبيه على وجوده. ولابد أن يكون وراء فعله تعالى غاية؛ لأنّ الفعل لو صدر بلا غايته لكان الفاعل عابثًا، والحكيم أفعاله معللة بالغايات؛ إذًا لفعله غاية، قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا}(2). فالغاية من فعل التعرّف على الله تعالى هي النفع، ويستحيل أن يعود النفع عليه سبحانه؛ لغناه المطلق، فالاحتياج هي صفة الممكنات لا الواجب. إذاً النفع يعود على عباده؛ وهو عدم الجهل بالله سبحانه، وبالملازمة بلوغهم مدارج أوائل دينهم –التوحيد- حين معرفتهم به، وإلى ذلك أشار سيد الموحدين أمير المؤمنين (عليه السلام) "أوّل الدين معرفته [معرفة الله]" (3). وهنا في هذا المقطع الإمام بدأ يتكلم على لسان الذين يستدلون على وجود الله تعالى من خلال اثاره. أما المعصومون -ومن ضمنهم صاحب الدعاء، الإمام الحسين (عليه السلام)- فنهجهم في التنبيه على وجود الله تعالى هو أنّ الله سبحانه ظاهرٌ لهم، كما قال (عليه السلام) "أيكون لك من الظهور ما ليس لك... متى غبت حتى تحتاج لدليل". والمعرفة التي تنفع العباد في معرفة الله سبحانه بها، هي المعرفة الآفاقية والأنفسية، كما أشار إليها سبحانه في قوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق}(4) فالنفس وما تحوي من دقة صنع، وعظيم نسج، تكشف للعبد أنّ هناك إلهًا صانعًا متقنًا. وكذلك يتأمل في آفاقه، فيرى كونًا متناسق النظم بكافة ما فيه من مخلوقات، فيكتشف أنّ هناك إلهًا صانعًا متقنًا. والعبد دون تأملٍ سيعيش حالة الجهل، والجهل قبيح، وأيُّ جهالةٍ أشد قبحًا من الجهل بالله تبارك اسمه؟! ولهذا علّل الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه علِم من اختلاف الآثار، وتنقلات الأطوار أن مراده تعالى أن ننتبه إلى وجود الله سبحانه من خلال كل شيء يحيط بنا؛ حتى لانجهل ذلك الوجود المقدّس. على أنّ هناك طرقًا عديدة لمعرفة الله تعالى -للتنبيه على وجوده، واثبات صفاته الذاتية له- إلاّ أنّ المقطع الدعائي محل الكلام اقتصر على طريقٍ واحد. ____________ (1) ظ: محاضرات في الالهيات: للشيخ السبحاني. (2) ص: 27. (3) نهج البلاغة : 39. (4) فصلت: 53. والحمد لله بكل ما حمده به أدنى ملائكته إليه، وأكرم خليقته عليه، وأرضى حامديه لديه، وصلِ اللهم على محال معرفتك، ومنبع حكمتك، محمدٍ وآله الطاهرين.

اخرى
منذ سنتين
3428

أريج التوبة مع الإمام الكاظم (عليه السلام) (٢)

بقلم: عبير المنظور العشقُ سجدةٌ! بارعةُ الجمال، فائقةُ الحسن، فاتنةٌ ذات غنج ودلال، لا يستطيع رجل أن يفلتَ من سيف لحظي القاتل، أقوى الرجال وأشرسهم واغناهم كانوا يركعون تحت قدمي بنظرة واحدة مني، ويسجدون لأرضى عنهم، هكذا أنا ومن على شاكلتي، نفخر بعدد ضحايانا من الرجال وركوعهم وسجودهم أمام جمالنا الوضّاء. طارَ لُبّي عندما أخبرني أحدهم بأن الخليفة العباسي هارون يستدعيني، ويأمرني بأن أقابله وأنا في أبهى حلة وزينة وعطر، امتثلت مسرعة للأمر. غمرتني السعادة حتى كاد قلبي يخرج من قفصي الصدري فرحاً وأنا أدخل على الخليفة. دخلتُ على هارون وكُلّي أمل بأن يجعلني محظية عنده، استبشرتُ خيراً عندما تفحّصني مبتسماً من أعلى رأسي حتى أخمص قدميّ، عندها أمر الخادم بان يأخذني إلى السجن! تحيّرت وانعقد لساني من الذهول، أيُّ سجن هذا؟ ولماذا؟ كنتُ على وشك الانفجار حتى علمتُ أنهم يستخدمونني لإغواء احد السجناء بحجة خدمته! رغم انني ذُهلتُ أيضاً لهذه المهمة الغريبة، ومن هو هذا السجين الذي يود الخليفة أن يجعلني خادمة له ليفتنه بالنساء واللهو وهو في قعر السجن! ولماذا؟ وسرعان ما طردت هذه الأفكار من رأسي، المهم إنني سأدخل السجن أؤدي مهمة اعتدتها ولن أُطيلَ المقام كثيراً فأنا لستُ سجينة، ومهما كان السجين فإنه سيركع ويسجد أمام جمالي بسرعة وسيزداد عدد ضحاياي. ذهبت مع الخادم إلى السجن وكان سجناً مظلماً ضيقاً خانقاً، امتعضتُ للوهلة الاولى، كيف سأبقى في هذا السجن؟! وما كان يُطمئن قلبي أنني لن أُطيل المكوث هنا، فأي سجين في هذا السجن المخيف يرفض امرأة بارعة الجمال تخدمه وتقضي حوائجه! تشتّتْ أفكاري هذه على صوت فتح باب الزنزانة، دخلت الزنزانة وإذا بي أرى رجلاً مقيداً بالسلاسل والأغلال، عليه سيماء الصالحين، ففي وجهه نور لم ألحظهُ أبداً في ضحاياي، كنتُ أتأملُ ذلك النور حينما أخبره الخادم بأنني هدية الخليفة إليه لأخدمه في السجن، كنتُ أظن أنني سأراهُ مبتهجاً لهذه الهدية. فوجئتُ كثيراً عندما قال له: قل لهارون: بل أنتم بهديتكم تفرحون، لا حاجة لي في هذه وأمثالها. استشطتُ غضباً منه كيف يرفض هدية الخليفة؟! وأي هدية! أنا فاتنة الرجال؟! تحيّرتُ في أمره مَنْ يكون؟ خرجتُ من الزنزانة وعباب الأفكار يلـّفُ رأسي، لا أُنكِرُ أنني أعجبتُ بقوة إرادته رغم أغلاله وقيوده وزنزانته، ولكنني غضبت لرفضه، وغضب هارون أيضاً، فقال للخادم قل له: ليس برضاك حبسناك ولا برضاك أخدمناك، واترك الجارية عنده وانصرف. أُعجبتُ بمقالة هارون وصمـّمتُ على إغواء ذاك السجين، وكأن الأمر أصبح تحدياً بيني وبينه. عدتُ إلى الزنزانة مجدداً وعزمتُ على تنفيذ المهمة في أسرع وقت. بقيت واقفة عندما كان السجين منقطعاً في صلاته ما بين ركوع وسجود، وكان يطيل السجود كثيراً، فغضبتُ لأنني اعتدت أن يركع الرجال ويسجدون تحت قدمي. وقفتُ كثيراً وطال وقوفي وهو يصلي ليله ونهاره، فلما انصرف من صلاته وهو يسبح الله ويقدسه قلت له: هل لك حاجة أعطيكها؟ فقال: وما حاجتي إليكِ؟ قلتُ: إني أُدخلت عليكَ لحوائجك. فقال: فما بال هؤلاء؟ - وأشار بيده إلى جهة- فالتفتُّ فاذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري، ولا أولها من آخرها، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج، وعليها وصفاء ووصايف لم أرَ مثل وجوههنّ حسناً، ولا مثل لباسهنّ لباساً، عليهن الحرير الأخضر، والأكاليل والدر والياقوت، وفي أيديهن الأباريق والمناديل، ومن كل الطعام، وإني لمّا عاينت من الأمر نادتني الجواري: يا فلانة ابتعدي عن العبد الصالح حتى ندخل عليه فنحن له دونك. فوقعتُ ساجدة لعظيم ما رأيت لا أرفع رأسي وأردد: قدوس سبحانك سبحانك. لم أشعر إلا وقبضة الخادم الذي أمره هارون بمراقبتي مع ذلك السجين تجرجرني إلى الخليفة الذي كان يستشيط غضباً وهو يقول: سحرها والله موسى بن جعفر، عليَّ بها. أتيتهُ وأنا أرتعدُ وقد شَخَصْتُ ببصري نحو السماء وأنا أذكر الله وأمجّده، فسألني هارون: ما شأنكِ؟ قلتُ: شأني شأن البديع، وقصصتُ عليه ما رأيت. قال لي: يا خبيثة لعلّك سجدتِ، فنمتِ فرأيتِ هذا في منامك! قلت: لا والله يا سيدي، رأيتُ هذا قبل سجودي، فسجدتُ من أجل ذلك. فقال الرشيد الخادم: اقبضْ هذه الخبيثة إليك، فلا يُسمع منها هذا. واعتقلني الخادم عنده، فأقبلتُ على العبادة والصلاة، فاذا سُئلتُ عن ذلك قلتُ: هكذا رأيت العبد الصالح(١). ولم تمر أيام قليلة حتى سمعتُ بنبأ وفاة العبد الصالح. فتأثرتُ كثيرا، فلم يكن العبد الصالح مجرد رجل مرّ في حياتي لم يأبه لجمالي وفتنتي، بل لأنني عشتُ بفضله لحظة مقارنة تأملتُ فيها دناءة نفسي مع تلك النفوس القدسية. ولأنني عرفتُ على يديه معنى الحرية الحقيقية، تلك الحرية التي تكمن في الروح وترفض أغلال الظالمين وسلاسلهم وزنازينهم وترفض اتّباع الشهوات، نعم وجدتُ الحرية هنا بين هذه القضبان! متجسّدة في العبد الصالح موسى بن جعفر. عرفتُ على يديه الكريمتين معنى الصلاة بالركوع والسجود الحقيقي، سجود العبودية لله هو حرية الانسان الحقة من سلاسل الذات والمال والجمال والشهوة والسلطة وغيرها، عرفتُ كيف يُسلّم ُالإنسان لأمر ربه بيقين وتوكل، ومهما ضاقت عليه السبل ظاهرياً إلا أنه في نعمة باطنة لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم. عرفتُ تلك الحقيقة عندما رأيت نعيم الجنة للعبد الصالح وهو حبيس هذه الزنزانة. عرفتُ كم كنتُ بشعة وحقيرة ورخيصة ومتهتكة أمام جمال الحور العين اللاتي رأيتهن وهن يبعدنني عن العبد الصالح لأنني قد لوثتُ نفسي بالمعاصي والذنوب واصطياد عيون وقلوب الرجال وغرائزهم، وافتخاري بذلك على بقية الجواري أمثالي! كانتْ لحظة غيرّتْ مسار حياتي وفكري وعقيدتي وروحي، لحظة جعلتني أُدركُ الحقيقة، حقيقة أن لكل سوق بضاعة والبضاعة لها ثمن، إلا نحن النساء اللاهيات العابثات، فنحن السوق ونحن البضاعة ونحن الثمن! مهما ركع الرجال بين أقدامنا نبقى في الحضيض وفي قعر سجن الذات والشهوات. لم أَعُدْ سوقاً ولا بضاعة ولا ثمناً بخساً للذئاب البشرية، فقد تعلمتُ من مولاي العبد الصالح أن الدنيا سوق والجنة هي البضاعة والثمن هو عملنا الصالح والعبادة الحقيقية. فوقعت ساجدةً سجدةَ عشقٍ أَعلنتُ بها توبتي الى الله مما كنتُ عليه وبدأت صفحة النقاء والعفة والانقطاع إليه تعالى. كانت أعظم دروس توبتي هي معرفة معنى السجود من مولاي صاحب السجدة الطويلة والدمعة الغزيرة. فالآن عرفتُ لماذا كان يطيل العبد الصالح السجود، فقد كان منقطعاً برفقة من أحبّ في محراب العشق الإلهي. يا بنات حواء، هذه قصة توبتي بين أيديكن، اقرأْنها بقلوبكن، فمهما تغيّرت الحياة عبر قرون وقرون، تبقى المرأة مرأة بكل جمالها وعنفوان أحاسيسها ومشاعرها المندفعة والمترعة بالعاطفة. لا تُحوّلنَ عواطفكن إلى سوق أنتن فيه البضاعة والثمن، كُنَّ بضاعةً في سوق العفاف وثمنكن الكرامة، فالله قد أكرمكن في الدنيا والاخرة، فالمرأة الصالحة في الدنيا خير من الحور العين في الجنة. _____________________ (١) أنظر مناقب آل أبي طالب، إبن شهر آشوب، ج٣ ، ص٤١٥.

اخرى
منذ سنتين
3214

شمسٌ مُكَبلةٌ

بقلم: إشراق الخاقاني يسير مسرعًا، بخطى غير متوازنة؛ لشدة الفرح والسرور الذي اجتاح قلبه، وتغلغل في فؤاده، كفرحة أرضٍ جرداء بهطول المطر... كفرحة طفلة عاد والدها من السفر، كفرحة عاقر بُشِّرت بولدٍ بعد طول السهر! نعم، أنها فرحة لقاء الحبيب بمحبوبه، سيعود من انتظره بشوق، وحزن، ولوعة... قال له الحبيب: إن الفرج قريب، وما ينطق عن الهوى، سيأتي بعد كل هذا العناء، سيعود وستمطر السماء... يقرع البيوت... البيت تلو الآخر؛ ليخبر أهلها بأن الشمس ستُشرِق عليهم ضحى يوم الجمعة، على جسر الرصافة ببغداد! لم ينم الليالي الفاصلة عن اليوم الموعود؛ شوقًا لقطب الوجود... أتى يوم الجمعة المُقَدَّر فيه حضوره، ليته لم يأتِ! اجتمع المحبون، على جسر الألم بانتظار من تقطع قلبهم للقائه؛ لتكتحل العيون! وتهدئ النفوس بطلته البهية... وماهي إلا سويعات من انتظار الاشتياق؛ لقطع سني الفراق، لاحت من بعيد جنازة التلاق، فيها شمس مكبّلة بالأصفاد! يحملها أربعة حمالين وضعوها على جسر الرصافة! وكما وُعِدوا! بوضعها على الجسر المشؤوم، وضعوا قلوب محبيه، وشيعته، ومن ذاب قلبه للقائه.. خابت الآمال والمواعيد، وعاد الحزن من جديد، كأن الفرح لم يُكتب لهم يوماً! وها نحن مثلهم نتجرع غصص الفراق، والمحن والآلام، بانتظار الموعود الهمام (عجل الله فرجه)؛ لتشرق علينا شمسٌ طالما عشنا ونعيش بانتظار بزوغها يوم الجمعة!

اخرى
منذ سنتين
948

شبهاتٌ حول التشيع في النبوة (5) لا حاجة لنا بما جاء به النبي لأنّه أما أن يأتي بما يوافق عقولنا، أو يأتي بما يخالفها

بقلم: علوية الحسيني تمهيــد: إنّ الله تعالى خلقنا لأجل الوصول إلى غاية وهي الكمال، وإنّ مِن الكمال هو كشف المجهولات، وقد اختلفت النظريات في ذلك، فمنها من قالت بعدم إمكان معرفة شيء ما (وهي النظرية اللا أدرية)، واخرى قالت بأنّ المعرفة تتحقق إذا كانت لها فائدة مجدية في سلوكنا الحياتي (وهي النظرية البراغمية)، وأخرى قالت بأن المعرفة تتحقق عن طريق الحواس الخمس فقط (وهي النظرية الحسية)، واخرى قالت بتحققها عن طريق التجربة فقط (وهي النظرية التجريبية)، واخرى قالت بتحصيلها عن طريق العقل فقط (وهي النظرية العقلية)، وأخرى قالت بتحققها عن طريق الحس والعقل والوحي (وهي النظرية الإسلامية) وحيث أنّ النظريتين الأوليين خارجتان عن الجواب عن الشبهة محل الكلام، فلا نناقشهما، ونسلط الضوء على النظريات الأربعة الأخيرة ضمن المطالب التالية: ■المطلب الأول: تحصيل المعرفة عن طريق الـحواس فقط *الفرع الأول: بيان النظرية الحسية الحس: "وهو المتمثّل بالحواسّ الخمس المعروفة (الباصرة، السامعة، الذائقة، الشامّة، اللامسة)، والحسّ الباطنيّ المتمثّل بـ (الحسّ المشترك، الخيال، المتصرّفة، الواهمة أو المتذكّرة) كما هو مذكورٌ في علم النفس الفلسفي"(1). ومقتضى هذه النظرية: "أنّ الحواس هي الطريق الوحيد الذي تصل لنا المعارف عن العالم الخارجي، ولهذا قالوا: من فقد حسًا فقد علماً -معرفةً-. وما التصورات التي نملكها إلاّ هي نتيجة عمليتين: الأُولى هي احساس الحواس. والثانية تحويل الإحساسات إلى صور ذهنية. فيقوم الذهن بالتركيب بين الإحساسات والصور الذهنية فتنتج المعرفة"(2) فالمعرفة= احساس وصور ذهنية. *الفرع الثاني: نــقد النظرية الحسية لا ينكر أحدٌ منا دور الحواس في سلوكنا الحياتي عمومًا، وفي تحصيلنا للمعرفة خصوصًا، إذ بحاسة البصر نحصل على صورة الشيء وإرسالها بإيعاز إلى الذهن، وبحاسة السمع يحصل على معرفة تحصيل العلم السمعي، وبحاسة الشم يحصل على معرفة الروائح المفيدة من المضرة، وبحاسة الذوق يحصل على معرفة الأطعمة الحلوة المذاق من المرّة منها، وبحاسة اللمس يحصل على معرفة حرارة الأشياء وبرودتها، ومدى نعومتها وخشونتها، ودقة سمكها ورقتها. لكن فاقد الحواس فانّ باب تحصيل المعرفة ليس مغلقًا عنده، فـلو كان طريق المعرفة منحصراً بالحواس لــكان فاقدها جاهلاً، والتالي باطل، فالمقدم مثله في البطلان، وسيأتي بيان وجه البطلان في النظرية الإسلامية. وهذا يعني وجود طريق آخر للمعرفة غير الحواس الخمس. ■المطلب الثاني: تحصيل المعرفة عن طريق التجربة فقط *الفرع الأول: بيان النظرية التجريبية التجربة: "هي القضية التي يحكم بها العقل بواسطة تكرر المشاهدة منّا في احساسنا، فيحصل بتكرر المشاهدة ما يوجب أن يرسخ في النفس حكم لاشك فيه"(4). ومقتضى هذه النظرية: "أنّ التجربة هي الطريق الوحيد لتحصيل المعرفة، وسيتدلون بالطفل الذي يمد يده إلى النار فيجدها حارة فيحكم عليها بأنها محرقة ويكف عن الدنو منها ثانيةً، فبتجربته هذه استحصل معرفة كون النار حارة محرقة"(5). *الفرع الثاني: نـقد النظرية التجريبية أيضاً لا ننكر ما للتجارب من أهمية في الجانب العلمي، إذ كم من تجربة فتحت لنا آفاقًا واسعةً في بعض العلوم. لكن هناك الكثير من التجارب لم يكتب لها النجاح فأتت لنا بالجهل بكليات أو جزئيات الشيء محل التجربة، وما فشلها إلاّ دليل على عدم حصر المعرفة بها. فـلو كانت التجربة الطريق الوحيد للمعرفة لانغلق باب المعرفة وراء كل تجربة فاشلة ولبقي الشيء محل التجربة مجهولاً. والتالي باطل، فالمقدم مثله في البطلان، وسيأتي بيان وجه البطلان في النظرية الإسلامية. ثم أنّ (جوستاس) بنفسه يقول في كتابه مدخل إلى الفلسفة: "إنّ العلم التجريبي يعتبر جميع استنتاجاته وقتية، مهما كان التثبت منها حسنًا" (6) فوقتية نفع التجربة ينافي عموميتها، وهذا يعني وجود طريق آخر للمعرفة غير التجربة. ■المطلب الثالث: تحصيل المعرفة عن طريق الـعقل فقط *الفرع الأول: بيان النظرية العقلية العقل: "هو قوة بها يوجد التمييز بين الأمور القبيحة والحسنة"(7). ومقتضى هذه النظرية: " أنّ العقل هو الطريق الوحيد لتحصيل المعرفة البديهية والنظرية، فالمعرفة البديهية مثل (اجتماع النقيض محال، الواحد نصف الاثنين، الكل أكبر من الجزء،...إلخ) والمعرفة النظرية مثل ( تمدد الجسم بالحرارة وتقلصه بالبرودة، حجية ظواهر الكلام، ...إلخ)، فالعقل هو مصدر المعارف هذه. " لكن هذه النظرية لا تقول باستقلالية العقل في تحصيل المعرفة، بل للحواس والتجربة دخالة في ذلك، إذ لولا الحواس لم يدرك العقل شيئًا، ولو كثرة التجارب لم يخرج العقل بقواعد كلية"(8). *الفرع الثاني: نقد النظرية العقلية لا ينكر عاقل أنّ العقل محدود لا يستطيع إدراك جميع الأمور مهما كان صاحبه شديد الذكاء، بـل نجده معتمداً على الحواس لتعينه في عملية الإدراك، وأشار إلى ذلك الله تعالى بقوله: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون}(9). وهذا ما يكشف عن عدم صحة من أخذ بالنظرة الأُحادية لاكتشاف المجهولات وحصرها بالعقل. "ومع تلك الأهمية التي يوليها القرآن للعقل، ومع تلك الخصائص التي يتميز بها؛ فإنّ ذلك لا يعني إطلاقية الأحكام الناتجة عنه... ولأن العقل محصور بين الزمان والمكان؛ فإنّ السؤال الذي يطرح دائمًا متى؟ وأين؟. في حين أنّ الحقائق الكبرى لازمان لها ولا مكان. بيد أنّ العقل يعجز عن تصور ذلك، فتراه يعجز عن التسليم بواحد من احتمالين: هل الكون متناهي الحدود أو غير متناهي الحدود؟ ... وهذا التردد بين الاحتمالين وعدم استطاعة العقل الاقتناع بواحد منهما دليل على حـــدوده"(10). ■المطلب الرابع: تحصيل المعرفة عن طريق الحواس والعقل والوحي معًا *الفرع الأول: بيان النظرية الإسلامية الشمولية إنّ الإسلام وافق ما يقول به الفلاسفة في نظرياتهم السابقة في تحصيل المعرفة، لكن لا على نحو الموجبة الكلية؛ حيث لم يحصر طريق اكتشاف المجهولات بأحد الطريقين (العقل، التجربة)، ولم يقل بالأخذ بهما فقط جمعًا، وإنما أخذ بالنظرة الشمولية العامة للطريقين، وأضاف لهما طريقاً آخرًا يسمى (بالوحي) الذي اكتشف مجهولات عجز الحس والتجربة والعقل عن اكتشافها وادراكها، ولكلٍ دليل نقلي يؤكد ذلك. الوحي: "نوع تكليم إلهي تتوقف عليه النبوة قال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده}"(11). فبالوحي تكتشف المجهولات، وتكتمل المعرفة، والوحي من مختصات الأنبياء، فتتجلى الضرورة لوجود النبي والأخذ بتعاليمه المستقاة من الوحي. إذاً ممكن بيان ضرورة الأخذ بتعاليم النبي -علميًا- بالنقاط التالية: 1/المعرفة عن طريق الوحي أوسع من معارفنا؛ لأن منهلها من الله العليم، فيقول تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء}(12). 2/إنّ المعرفة المتحصلة عن طريق الوحي تفوق نوريتها المعرفة التي تحصلها حواسنا وتجاربنا وعقولنا، فيقول تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد}(13). 3/المعرفة المتحصلة عن طريق الوحي تكون فيصلاً للاختلاف في نتائج المعرفة تجريبيًا وعقليًا، فيقول تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْــتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون}(14). *الفرع الثاني: مؤيدات النظرية الإسلامية الشمولية أولاً: الإسلام يؤمن بتحقيق المعرفة حسيًا 1/قرآنيًا: قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون}(15). فجعل الله تعالى حاستا السمع والبصر طريقًا لتحصيل العلم، وأشار إلى وجوب شكره على ذلك، حيث عدّها نعمة عظيمة. 2/روائيًا: روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "...والحواس أئمّة الأعضاء"(16)، فالحواس منبع إرسال الإشارات للأعضاء بالتوجه نحو أمر معين، فالرواية جعلت الحواس أئـمة؛ لما لها من السيادة والتأثير على الأعضاء. •ثانياً: الإسلام يؤمن بتحقيق المعرفة تجريبيًا 1/قرآنيًا: قال تعالى: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا* آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا* فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبا}(17) فها هو ذي القرنين ذكر الله تعالى قصته في القرآن الكريم عـبرةً لنا بنجاح تجربته العلمية في بناءِ سدٍ ضخم يمنعهم عن قوم يأجوج ومأجوج. 2/روائيًا: عن محمد بن إسحاق قال: إن عبد الله الديصاني سأل هشام بن الحكم فقال له: ألك رب؟ فقال: بلى، قال أقادر هو؟ قال: نعم قادر قاهر قال: يقدر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا؟ قال هشام: النظرة. فقال له: قد أنظرتك حولا، ثم خرج عنه فركب هشام إلى أبي عبد الله عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له فقال له: يا ابن رسول الله أتاني عبد الله الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلا على الله وعليك، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: عماذا سألك؟ فقال: قال لي: كيت وكيت، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام كم حواسك؟ قال خمس قال: أيها أصغر؟ قال الناظر قال: وكم قدر الناظر قال: مثل العدسة أو أقل منها فقال له: يا هشام! فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى، فقال: أرى سماء وأرضا ودورا وقصورا و براري وجبالا وأنهارا فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إن الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة، فأكب هشام عليه وقبل يديه ورأسه ورجليه وقال: حسبي يا ابن رسول الله وانصرف إلى منزله"(18)، فالإمام الصادق (عليه السلام) هنا حثّ على طريقة التجربة حيث جرّب الديصاني نظريًا باستعماله لكرةٍ صغيرة –بؤبؤ العين- كيف أنّها حوت دائرةً كبيرة –الكون-، فكانت تجربته حجّة عليه فولّى مدبرًا. ثالثاً: الإسلام يؤمن بتحقيق المعرفة عقليًا 1/قرآنيًا: يقول تعالى (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ.) [الأنبياء 22] حيث دلت الآية على أن افتراض واجب وجود ثانٍ يؤدي إلى فساد الكون، وهو دليل فلسفي على ضرورة التوحيد في الذات الواجبة، ذُكرت تفاصيله في محلها. ٢-روائيًا: الروايات الشريفة جاءت مصرحة أيضاً بأهمية العقل ومنزلة شرفيته، فجعلته مِلاك الثواب والعقاب، حيث روي عن ابي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: " لَمَّا خَلَقَ الله الْعَقْلَ اسْتَنْطَقَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ وَعِزَّتِي وَجَلالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ وَلا أَكْمَلْتُكَ إِلا فِيمَنْ أُحِبُّ أَمَا إِنِّي إِيَّاكَ آمُرُ وَإِيَّاكَ أَنْهَى وَإِيَّاكَ أُعَاقِبُ وَإِيَّاكَ أُثِيب"(21). رابعًا: الإسلام يؤمن بتحقيق المعرفة وحيانيًا 1/قرآنيًا: قال تعالى آمرًا نبيّه الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) أن يقول: {قُلْ أُوحــِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبا}(22) والآيات في هذا المجال كثيرة. 2/روائيًا: وهذا ما لا يحتاج إلى كثير بيان، فإن كثيرًا التعبديات التي وصلتنا لا نعرف الملاك فيها، ولا العلة في تشريعها، وإنما نأخذها من باب أنها وحي على النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ولا يسعنا إلا الأخذ بها. ■الــخلاصة: جاء الإسلام مشرقًا بنظريته التي حلّت العديد من المشكلات العلمية بإيمانه بالحواس والتجارب والعقل والوحي جميعًا. إذ كم من قضايا مجهولة عجزت الحواس عن إدراكها، والعقول عن الإحاطة بها، والتجارب عن الوصول إلى جوهرها، إلاّ أنّ الوحي أخبرنا بجزء ماهيتها؛ باعتبار أنّ الوحي والمنزَل عليه لا يعلم الغيب كلّه، مثل البرزخ، الذي حار الجميع في معرفة ماذا يحصل للإنسان ما بعد الموت. وغيره من الامثلة التي لا تخفى على كل اولي الألباب أثناء مقارنتهم بين النظريات العوراء الشوهاء، والنظرية الشاملة الإسلامية. ________________________ (1) ظ: النفس من كتاب الشفاء لابن سينا، ص227. (2) عقيدتنا في الخالق والنبوة والآخرة: للشيخ عبد الله نعمة، 86. (3) ظ: نظرية المعرفة في القرآن الكريم وتضميناتها التربوية: د. أحمد حسين الدغشي، ص231. (4) المنطق: للشيخ المظفر، ج2، ص284. (5) عقيدتنا في الخالق والنبوة والآخرة: للشيخ عبد الله نعمة، ص93-94. (6) ظ: الإسلام بنظرة عصرية. (7) تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات: لابن سينا، ص150. (8) عقيدتنا في الخالق والنبوة والآخرة، ص93. ﴿9) النحل: 78. (10) ضوابط المعرفة: للميداني، ص130. (11) تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي، ج2، ص147. (12) البقرة: 255. (13) ابراهيم:1. (14) النحل: 64. (15) النحل 78. (16) مستدرك الوسائل: للميرزا النوري، ج 11، ص 206 ،ح12751. (17) الكهف: 95-97. (18) الكافي: للشيخ الكليني، ج1، ب23، ح4. (19) الاسراء: ٧٠. (20) الميزان، سورة الاسراء (21) الكافي: للشيخ الكليني، ج،1 باب العقل والجهل، ح1. (22) الجن: 1. (23) وسائل الشيعة: للحر العاملي، ج25، ب15، ح1. والحمد لله حمدًا سطع فارتـفع، وأيـنع ولمع، وصل اللّهمّ على محمدٍ وآله خير من أطاع.

اخرى
منذ سنتين
2715

السجين المنتصر

بقلم: محمد حسن آل حيدر من الأسئلة التي كثيرًا ما نواجهها حين نتعرض لحياة أي واحد من القادة العظماء الذين غيروا مجرى التاريخ: ما هو الدور الذي قام به لإحداث التغيير هذا التغيير؟ ومما لا يخفى على ذي لب أن إمامنا الكاظم موسى بن جعفر (عليهما السلام) من أعظم القادة، فما هو دوره التغييري وما هي خطواته العملية للتغيير؟ حين ننظر لبداية إمامته والظروف المحيطة بها نجدها تتسم بقدر عالٍ من الخوف على شخص الإمام (عليه السلام) وعموم أتباعه من بطش السلطة العباسية الغاشمة التي قتلت أباه الصادق (عليه السلام) وعزمت على قطع هذه السلسة النبوية المباركة بقتل خليفته، فقد أرسل أبو جعفر "المنصور" إلى واليه على المدينة محمد بن سليمان بأن يأخذ من أوصى إليه الإمام الصادق (عليه السلام) ويقتله، فلما فتحوا وصيته (عليه السلام) وجدوا فيها خمسة أسماء (ابنه عبد الله الأفطح، ابنه موسى الكاظم (عليه السلام)، زوجته حميدة المصفاة، الخليفة أبو جعفر المنصور، والوالي محمد بن سليمان) فلم يكن من سبيل لقتل هؤلاء الأوصياء. حين نرى أن الإمام الصادق (عليه السلام) يستخدم هذا التكتيك لإخفاء الإمام من بعده، نعرف قدر الخطر الذي كان يحيط به وبخليفته (صلوات الله عليهما). وقد اعتمد الإمام (عليه السلام) على فهم بعض كبار أصحابه - كأبي حمزة الثمالي - لمقصده ومعرفتهم بأصول تنصيب الإمام، إذ اتجهوا مباشرة ووجهوا من عوام الشيعة تدريجيًا إلى الائتمام بالإمام الكاظم (عليه السلام)، فالخليفة لا يمكن أن يكون من غير السلالة الطاهرة من أبناء علي وفاطمة (صلى الله عليهما وآلهما) ولا يمكن أن يكون ظالمًا ولا امرأة ولا مصابًا بعاهة خَلقية كالفطح (وهو عرض في وسط الرأس والارنبة حتى تلتصق بالوجه كالثور الأفطح)، وتحيّر بعضهم فذهب إلى الأفطح الذي استغل الفرصة ليدّعي الإمامة لنفسه، فاختبروه ببعض المسائل الفقهية فوجدوه جاهلًا فأرسلوا إلى الإمام الكاظم (عليه السلام) من يختبرونه فوجدوه بحرًا لا ينفد من العلم والتقوى وفيه علائم الإمامة كلها، ولكنه برغم كل ذلك كان (عليه السلام) لا يستطيع التصريح بإمامته حينذاك ويكتفي بالإشارة إليها بالكنايات. وبهذه الطريقة انتشرت إمامته شيئًا فشيئًا بين عموم الشيعة واستقرت في النفوس. هكذا ابتدأت إمامته (صلوات الله عليه)، ومنها ننتقل مباشرة إلى يوم شهادته وتشييعه في بغداد (أقوى عواصم التاريخ الإسلامي في زمن أقوى وأعتى حاكم عرفه المسلمون، العاصمة التي بنيت على جماجم الشيعة والعلويين) بالبكاء والعويل، وتعطيل سكك بغداد كلها في تشييعه، ثم دفنه في مقابر قريش (المقابر الرسمية للعائلة الحاكمة ولكبار شخصيات الدولة)! كيف صنع الإمام (عليه السلام) ذلك؟ أو بالأحرى: ماذا صنع في أعوام إمامته الخمس والثلاثين ليقلب ذلك الخوف إلى قوة؟ كيف جعل هارون (حاكم نصف الكرة الأرضية وأحد أقوى ملوك التاريخ) يخاف من أن يعرف الناس أنه سمّه فيدُخل عليه الناس ثلاثة أيام إلى السجن ليلتقوا به ويشهدوا على أنهم لم يروا فيه بأسًا؟ هل كان له جيش يخيف السلطة؟ هل كان له حراك سياسي (بالمعنى المتعارف عند طلّاب السلطة)؟ بالتأكيد لا.. فقد كان (عليه السلام) يقتصر على الافتاء وتعليم الناس دينهم بكل هدوء، ويقدّم للسلطان تطمينات كبرى تثبت له أنه أبعد ما يكون عن منازعته سلطانه. كان (عليه السلام) يقدّم أعلى أنموذج للتقية (دين آبائه وأجداده)، فصنع بها ما لم تصنعه سيوف إخوته وأبناء عمومته الثوّار، صنع كيانًا خاصًا للشيعة كمذهب مستقل فكرًا وعقيدة وفقهًا، بعد أن كان التشيع في نظر عموم المسلمين مجرد محبة لأهل البيت (عليهم السلام) وأنهم (صلوات الله عليهم) مجرد علماء كغيرهم من العلماء وأن خلافهم ومن تبعهم مع غيرهم وأتّباعهم مجرد خلاف علمي، حتى أن الحمالين الذين نادوا على جنازته (صلوات الله عليه) بالاستخفاف وصفوه بأنه إمام الرافضة، مما يشير بوضوح إلى أنهم كانوا يرون التشيع كمذهب مستقل. مع ملاحظة أنهم (صلوات الله عليهم) لم يفصلوا الشيعة عن المجتمع الإسلامي الكبير، فكان أشبه ما يكون بالانتشار دون ذوبان. وقد بنى (عليه السلام) -بما روي عنه من أحاديث شريفة- أسس ومبادئ هذا المذهب الذي أراد له الله تعالى البقاء والخلود لقرون دون تغيير في أسسه ومبادئه، وهذا أمر طال ما أثار استغراب المتتبعين للأديان والمذاهب (الدينية والفكرية) التي اجتمعت على أن تتغير مبانيها وأسسها مع تغير الزمان. وبهذه الطريقة (التقية) نجد ذلك السجين المحاصر المضطهد يقوّض أركان تلك الدولة الجبارة وذلك السلطان الذي يقول للسحابة: سيري فأينما تمطرين عاد إليّ خراجكِ. ومن هنا نعرف وجه تشنيع بعض المغرضين على التقية ومحاولة حرفها عن مسارها، لأنهم عرفوا أنها السلاح الأقوى للشيعة (اعزهم الله) الذي أورثه إياهم أئمتهم (عليهم صلوات الله). فالحذر كل الحذر من هذه الأصوات.

اخرى
منذ سنتين
603

أريج التوبة مع الإمام الكاظم (عليه السلام) (١)

بقلم: عبير المنظور قارورة عطر... في دكان للعطور، كنتُ مع رفيقاتي القوارير أنتظرُ من يشتريني... وفي أحد الأيام اشتراني شاب من أثرى أثرياء بغداد... وكان يبدو عليه الاضطراب، وطيّبَ بعطري ورقة كان مكتوبًا عليها: اسم الله تعالى، وهو يقول (سيدي اسمك ها هنا ملقىً على الأرض؟!)... فعلمتُ أنه وجد هذه الورقة على الأرض، ثم شاهدته وهو يدفن الورقة في إحدى فتحات بيته كي لا تكون في معرض التدنيس مرة أخرى، فعجبتُ من أمر ذلك الشاب المعروف بسوء السمعة والسلوك. وازداد تعجبي أكثر، حينما رأيته في نفس تلك الليلة وقد أخبره قائل في منامه (يا بشر بن الحارث رفعتَ اسمنا عن الطريق وطيّبته، لأُطيّبنَّ اسمك في الدنيا والاخرة)... فصرتُ أترّقب كيف يطيّبُ الله اسم شاب معروف باللهو والفجور وارتكاب المحرمات؟! ومرّت الأيام وهذا الشاب العابث يلهو كعادته بين الغانيات والخمر والقمار وآلات الطرب والمعازف... وفي إحدى لياليه الحمراء، استبطأ جارية له خرجت لترمي النفايات، وسألها عن علّة تأخرها، فأجابت: رأيت رجلًا سألني سؤالا غريبا عنك سيدي، قال لي: سيدك حرٌ أم عبد؟! فعجبتُ لأمره كيف لا يعرفكَ، فقلت له: بل حر. قال لي: (صدقتِ لو كان عبداً لخاف من مولاه). وهنا رأيته قد تغيّر لونه وانتفض راكضاً وراء ذلك الرجل الذي عرفه بِشْر، وعرفته أنا أيضاً من طيب موعظته... إنه الإمام الكاظم (عليه السلام)، فعرفتُ أنه هو الطبيب الرباني الذي حَبَا الله به بِشرا، بأن جعل الإمام الكاظم سبباً لهدايته.... عاش بِشر لحظة الثورة على الذات والانقلاب الروحي بتأمل بسيط بكلمات الإمام، فسمع الموعظة بقلبه فأحيته بلحظة حاسمة ومصيرية، غيّرتْ مسار وواقع حياته، فاتخذ قراره بسرعة وخرج حافياً ليلحق بالإمام ويعلن توبته على يديه الكريمتين تاركًا وراءه غر الشباب وغفلته وثروته وجاهه... وتفرغ للعبادة وأصبح جليساً للعلماء، حتى أصبح بِشر الحافي من كبار الزهّاد والعّباد في عصره... وفعلًا شهدتُ كيف طيّبَ الله اسم بشر في الدنيا قبل الآخرة، حتى توفي في بغداد عام ٢٢٦ للهجرة عن عمر ٧٥ عامًا. نعم أيّها الإنسان... إنه بِشر الحافي الذي طيّبَ اسم الله في الدنيا فطيّب الله ذكره في الدنيا والآخرة، تلك هي المعادلة التي قلبت حياة بِشر. حياة بِشر كحياة العديد من الشباب قبل الكبار، يعيشون الغفلة والابتعاد عن الله، فلا تيأس من رحمة الله وتُبْ، فقد يكون لك عمل خير خالص لوجهه تعالى، يغير مجرى حياتك بتوفيق ذلك العمل وأثره الوضعي في الدنيا. كُنْ كبِشر الحافي... واتخذ في حياتك قارورة عطر معنوي... وطّيب بها نيّتك وأخلاقك وسلوكك وعبادتك مع خالقك وتعاملك مع الخلق خالصاً لله تعالى... وطيّبْ بها صورة دين الله في زمن اختلطت فيه القيم والمعايير وأصبح الإلحاد أقرب إلى الناس من الإيمان... وسترى كيف يطّيبُ الله حياتك في الدنيا قبل الآخرة... فحياتك ومصيرك يحددها ما تختار من قارورة عطر!

اخرى
منذ سنتين
1831

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
101409

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
97820

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
55373

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
52822

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
51870

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
50740