كيف تُحفز ولدك على الدراسة؟

الحلقة الثالثة التركيز على النجاح بدل العلامات. يخطئ الكثير من الأهل والكثير من التربويين عندما يقيدون معنى النجاح بحصول الطالب على علامة مرتفعة ويعتبرون أن النجاح عبارة عن علامات ودرجات مرتفعة يحصل عليها التلميذ من خلال الاختبارات التي يمر بها. تقييد مفهوم النجاح بهذا المعنى يدفع بالطالب إلى التركيز على العلامة بدل التركيز على أدائه ومجهوده الذي بذله، إذا حصرنا مفهوم النجاح بهذا النمط فإننا نقوم بتحطيم قيمة التعليم لأننا اختزلنا العلم والتّعلم بعلامة ليس إلّا، وهذا ما يجعل مهمة القراءة والمتابعة تافهة في أذهان الكثير من التلاميذ لأنها تركّز على أشياء فرعية وليست أساسية. فالأساس هو أن ندفع بأطفالنا إلى عشق التعليم والانسجام معه لكي يقوموا بأداء واجباتهم من منطلق حب الاشياء واتقانها، فلو استطعنا تقليل الصعوبات وتذليلها للأطفال فإننا نقوم بوضعهم على الطريق الصحيح، لأننا بهذا العمل نقوم بتحفيزهم نحو الدراسة بشكل إيجابي وهذا ما يجعل الأطفال يتقدمون بالتعلم وتزداد لديهم سرعة الفهم والادراك للمواد الدراسية. فمن السلبيات التي يفعلها أغلب التدريسيين هي أنهم يركزون على العلامة التي يحصل عليها الطالب في الامتحان ويهملون المجهود الذي يبذله من أجل النجاح متناسين بهذا العمل عملية الإحباط التي يشعر بها باقي التلاميذ الذين بذلوا مجهوداً ولم يحصلوا على علامات مرتفعة، مما يسبب ارباكاً وتشويشاً لعقول الطلاب بشكل كبير، وهذا ما يسبب لدى هؤلاء التلاميذ شعوراً بالفشل والإخفاق، وهذا الشعور تم استشعاره عن طريق عدم دعمهم وتشجيعهم. إن التركيز على اصحاب العلامات المرتفعة واهمال التلاميذ أصحاب العلامات الأقل يؤدي إلى ظهور حالات إحباط لدى كثير من الأطفال اصحاب المستوى المتوسط، وترى ذلك واضحاً في أغلب المدارس من خلال مكافئة التلاميذ اصحاب العلامات المرتفعة وإهمال الباقين بحجة أن مثل هكذا مكافئات تدفع بالباقين إلى النهوض بأنفسهم من أجل اللحاق بمستوى أقرانهم الدراسي، ومن مظاهر التفرقة بين التلاميذ من خلال جعل العلامة هي المحور الثابت للنجاح هو وضع التلاميذ المتفوقين في اوائل الصف من ناحية جلوسهم على المقاعد في الصف وهذا ما يجعلهم يشعرون بالأفضلية على أقرانهم وبأن لهم الحق في كل شيء لأنهم يحصلون على علامات متقدمة. أما ما يشعر به باقي التلاميذ فغير مهم، فليس لهم الحق في الحصول على مكافئات لأنهم لم يحصلوا على درجة تمكنهم في الوقوف على منصة المكافئة وليس لهم الحق في الجلوس بأول مقعد في الصف فهم تلاميذ من الدرجة الثانية أو الثالثة وهذا ما يسبب لهم الشعور بالتعاسة لأنهم يشعرون بالرفض من معلميهم. ربما يسأل البعض ويقول: أليست مكافئة التلاميذ المتفوقين بصحيحة؟ وهنا نقول: نعم، إنها صحيحة وتدخل ضمن نطاق التحفيز ولكن الأسلوب خطأ، فممكن اعطاء باقي التلاميذ مكافئة أيضاً لحثهم على الدراسة وتحفيزهم عن طريق الدعم المعنوي. عندما أركز على العلامات فإنني أجعل الطفل يصاب بالقلق والتوتر إذا لم يحصل على علامة مرتفعة وهذا ما يجعله أبعد عن مفهوم النجاح الذي يشعره بالرضا عن الذات والشعور بالسعادة، فكل مجهود يقدمه التلميذ سعياً منه للتقدم الدراسي يعتبر نجاحاً، فإذا وسّعنا مفهوم النجاح في نظر الأطفال فإننا نجعلهم يرغبون بالدراسة ويحبونها أكثر. لا أريد أن أقول: إنه يجب على الأهل أن يثبطوا من همم أبنائهم في الحصول على علامات عالية، ولكن لا تجعلوا المحور والمدار هي الدرجة والعلامة التي يحصل عليها ولدكم. ادفعوا به إلى النجاح من أجل النجاح وليس من أجل العلامة فشتان ما بين أن أقرأ لأشعر بلذة النجاح، وبين أن أقرأ لأحصل على علامات مرتفعة… قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنتين
2248

خيرة النساء وظلم التاريخ (1)

خيرة النساء لقب أطلقه الإمام الحسين (عليه السلام) على ابنته سكينة التي أحبها حبا شديدا وأخذت بمجامع قلبه لقداستها وطهرها حتى وصفها (عليه السلام) بهذا الوصف لما وقف عليها يوم الطف، ورآها باكية نادبة، فقال : سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي منك البكاء إذا الحمام دهاني لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة ما دام مني الروح في جثماني فإذا قتلت فأنت أولى بالذي تأتينه يا خيرة النسوان ومما لا شك فيه أن المعصوم بأقواله وأفعاله هو الفاروق بين الحق والباطل، فلا يحب إلا من كان حبيبا لله (تعالى)، فكيف بمن يشتد حبه إليها ؟ بل وكيف بمن يصفها بالسمو والرفعة، بأنها من خيرة النساء ؟! والسيدة سكينة اسمها آمنة، وإنما لقبتها أمها الرباب بلقب (سَكينة) لهدوئها وسكونها. عاشت في كنف أبيها ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) متأثرة بأنفاسه القدسية وأخلاقه الإلهية فكانت شديدة الحياء، تستغرق في عبادتها لله (تعالى)، شهدت واقعة الطف وعاشت آلامها وحُفِرَ في ذاكرتها ما جرى في تلك الواقعة على بيت النبوة من قتل للأحرار وتمثيل بأجساد الأطهار الى نهب بنات الرسالة وسبي ربائب الوحي والتنزيل، حتى كانت تروي تلك القصص بمرارة شديدة وكأن الحدث لم يمر عليه إلا ثوانٍ، وقلبها يعتصره أسى المصاب، وأكتافها تستشعر ألم السياط وتكاد أحداقها تذرف عينيها بدل الدموع كلما شخصت صورة يزيد اللعين وهو يضرب بمخصرته ثنايا أبيها الحبيب، فكانت كأخيها الامام السجاد (عليه السلام) في بكاء دائم وكأمها الرباب في حزن لازم وكعمتها العقيلة زينب في عزاء قائم حتى توفيت (عليها السلام).. بيدَ إن الحسد الزبيري على البيت العلوي لم يكتفِ بتلك الآلام التي جرَّعها الحقد الأموي لهذه السيدة الجليلة في واقعة الطف الأليمة، فراح يؤلف الأكاذيب وينسج القصص مستهدفاً بها طهر هذا البيت وقداسته، والحط من رفعته، والنيل من كرامته، حسداً منه لأحقيته في الخلافة، فامتدت يده الخبيثة تعضدها أقلام ذوي النفوس الدنيئة التي حركها بريق الدنانير الذهبية، وأسال رنينها لؤم مدادها، فأشاعوا قصصاً مكذوبة وأقاويل مزورة، يمكن تصنيفها إلى ظلامتين بحقها (سلام الله عليها)، وهما من أبرز ظُلاماتها (عليها السلام) التاريخية بعد ظلم السبي الأموي. الظلامة الأولى: مجالستها الشعراء وتحكيمها بينهم واستماعها الغناء. الظلامة الثانية: حديث الأزواج. سنتناول كلاً منهما بشيءٍ من الإيجاز.. الظلامة الأولى: مجالستها الشعراء وتحكيمها بينهم واستماعها الغناء. كانت سكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير صاحبة ملاحم عمر بن أبي ربيعة معروفةً بالميوعة والتهتك ومجالسة الشعراء والتحكيم بينهم والاستماع الى الغناء وما الى ذلك، وعوضاً من أن يصحح الزبيريون انحراف مسار ابنتهم فإنهم عمدوا الى نسبة كل ما كانت تقوم به الى السيدة الجليلة سكينة بنت الامام الحسين (عليهما السلام) مستغلين تشابه اسم بنت الزبيريين الفاجرة بلقب بنت الامام الحسين (عليه السلام) الطاهرة، فشرعوا في الخلط والتدليس وتزوير التاريخ، واخترعوا القصص الماجنة، ورموا بها شخص «آمنة» سكينة بنت الحسين (عليهما السلام). فقد وضعوا روايات تنسِب إلى هذه السيدة الفاضلة أنها كانت صاحبة مجالس شعرية تجالس فيها الشعراء وتتحدث اليهم وتستمتع بأشعارهم الغزلية وتحكم بينهم، وأن الشعراء كانوا يقولون فيها شعراً، نورد منها رواية رعايةً للاختصار وهي ما نقلها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني حيث قال (قال أبو الفرج: أخبرني علي بن صالح قال: حدثنا أبو هفان، عن إسحاق ،عن أبي عبدالله الزبيري قال: اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه، فتشوقن إليه وتمنينه، فقالت سكينة بنت الحسين: أنا لكن به، فأرسلت إليه رسولا وواعدته الصورين، وسمت له الليلة والوقت، وواعدت صواحباتها. فوافاهن عمر على راحلته، فحدثهن حتى أضاء الفجر وحان انصرافهن، فقال لهن: والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصلاة في مسجده، ولكني لا أخلط بزيارتكن شيئا، ثم انصرف إلى مكة من مكانه، وقال في ذلك: قالت سكينة والدموع ذوارف منها على الخدين والجلباب ليت المغيري الذي لم أجزه فيما أطال تصيدي وطلابي كانت ترد لنا المنى أيامنا إذ لا تُلام على هوى وتصابي(1) وهذه الرواية مفتراة على هذه السيدة الطاهرة، وموضوعة من قبل الأيادي الحاقدة، وذلك لسقوطها سنداً ومتناً: فأما سنداً، فقد حقق السيد محمد علي بن يحيى الحلو في كتابه (عقيلة قريش آمنة بنت الحسين عليهما السلام الملقبة بسكينة) هذا الخبر من حيث السند وتوصل الى سقوطه عن الاعتبار لضعف رواته ومجهوليتهم. (2). وأما متناً فإن بصمات الوضع واضحة عليه ومن جهاتٍ عديدة: أولاً: قد ذكر أن «نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف اجتمعن»، أ فهل يُعقل أن تكون هذه الحادثة في مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وفي عهد قريب من زمن الرسالة أيضاً؟ أم هل يُعقل أن تشتاق نسوة من أشراف الأسر إلى شاعر متهتك فاحش الشعر والغزل ويتمنينه ويجتمعن معه ليلة كاملة حتى أضاء الفجر! ثانياً: لِمَ أعرض الراوي عن تشخيص أولئك النسوة، ولم يذكر منهن ولو واحدة فقط سوى السيدة سكينة بنت الحسين (عليها السلام)؟ بالرغم من أنهن كما تذكر الرواية من بيوت اشراف المدينة ولسن من النساء المطمورات التي لا يعرفن أحد. فمن المفترض بالراوي أن يكون على علم ببعضهن على ادنى التقادير.. ثالثاً: اختيار الراوي في قصته الشاعر عمر بن أبي ربيعة دونما سواه ليكون بطلاً لهذه القصة لا يخلو من دلالة يقصدها، فهذا الشاعر معروف بمجونه وخلعه، حتى هشام بن عروة يصف عواقب أشعاره وفحشها بقوله :"لا ترووا فتيانكم شعر عمر بن أبي ربيعة لئلا يتورطوا في الزنا تورطا"(3). وهل يمكن عقلاً أن تتلاءم مجالسة السيدة سكينة (سلام الله عليها) لهكذا شاعر مع ما عرف عن البيت العلوي من العفة والطهارة والترفع عن أدناس الجاهلية ؟! فتخصيص عمر بن أبي ربيعة إذن في هذه القصة يستهدف قداسة البيت العلوي وكرامته ليس إلا. من كل ذلك يُعلَم أن الخبر وإن كان قد روي على أنه مجرد خبر يتناول شاعراً معروفاً آنذاك ويتحدث عن ظرافته وميل النساء إليه بكل براءة في حين انه حيكَ بمكر ولؤم ليلبس ما يروم إليه حقدهم وحسدهم وهو التعرض للسيدة «آمنة» سكينة بنت الحسين بالسوء.. رابعاً: وردت هذه القصة في موضعين آخرين من نفس الكتاب (الأغاني) وبنقل نفس الكاتب إلا أنه يذكر في كلٍ منهما أسم سكينة فقط دونما نسبتها إلى الإمام الحسين (عليه السلام). وهذا التهافت من الكاتب إن دلّ على شيءٍ إنما يدل على أن هناك سكينة أخرى هي بطلة هذه القصة وليست بنت الامام (عليهما السلام) خامساً: من المعلوم أن السيدة سكينة (عليها السلام) عاشت بعد استشهاد والدها وزوجها عبد الله بن الحسن (عليهما السلام) في كنف عمها زين العابدين وسيد الساجدين (عليهما السلام) ومن بعد استشهاده (عليه السلام) انتقلت للعيش في كنف ابنه الامام الباقر (عليه السلام) فهل يقبل منطق أو يصدق عقل بأن من تعيش حياتها منذ ولادتها وحتى وفاتها متنقلة من ظل معصوم الى ظل معصوم آخر وتتنفس أنفاسهم القدسية وتحيطها رعايتهم وفي بيوتهم وتدخل الشعراء عليها وتستمع إليهم ، وتساهرهم حتى الصباح ؟ ولقد أحسن من قال : حدث العاقل بما لا يليق ، فإن صدق فلا عقل له . سادساً: عُلِمَ عنها (عليها السلام) أنها لم تكن حالها بعد واقعة الطف الأليمة كحالها في السابق فقد عزفت نفسها عن الحياة، و رفضت من تقدم لها من الأزواج، واتخذت الحزن خليلا والدمع أنيسا، إذ عاشت حياتها بين دمعة وحزن وتألم وشجن بل إن الاخبار تذكر أن ما من علوية امتشطت من واقعة الطف وحتى نهوض المختار وأخذه بثارات شهداء الطف .. فهل يعقل من تكون هذه حالها أن تمرح مع الشعراء أو تستطيب غزلهم أو تساهر المغنين أو تواعد المتخلعين ؟ أم يُعقل أن تعشق رجلاً هوايته الحديث العاطفي إلى النساء والتغزل بهن وتدمع عيناها عشقاً له، وهما اللتان كادتا أن تجفا لما سكبتا على فاجعة الطف؟! من كل ما تقدم يتضح زيف ما نسب الى هذه السيدة الطاهرة المطهرة ظلما وزورا.. الظلامة الثانية: حديث الأزواج تأتي.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأغاني ج1 ص171 (2) أنظر عقيلة قريش آمنة بنت الحسين (عليهما السلام) ج1 ص33 (3) تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان 1 : 281 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
4862

شبهاتٌ حول مذهب التشيع/ في النبوة(4) عصمة النبي في مقام تبليغ الرسالة

اتّفقت الاُمّة على وجوب عصمة الأنبياء عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ عمداً وسهواً غير القاضي أبي بكر، محمد بن الطيب الباقلاني البصري المتكلم الاَشعري، فإنّهما جوّزا ما كان من ذلك على سبيل النسيان، وفلتات اللّسان. يذكر أنّ النبي لابد أن يكون معصوماً في مقام التبليغ, والعصمة في هذا المقام لها ارتباط وثيق بالعصمة في المقامين السابقين (تلقي الرسالة, وتطبيق الرسالة)؛ لقيام الدليل القطعي النقلي والقطعي على ذلك, وهذا ما سيتم بيانه في المطلب الأول. وعليه سيتم تناول موضوع العصمة في مقام التبليغ ضمن المطلبين التاليين. المطلب الأول: رأي الشيعة الإمامية في عصمة النبي في مقام تبليغ الرسالة الإلهية اتفق الإمامية على ضرورة ذلك، ويمكن بيان دليل رأيهم من خلال: الفرع الأول: الدليل العقلي لو لم يكن النبي معصوماً في تبليغ معالم الدّين للزم عدم الوثوق به وعدم الالتفاف حوله, وبالتالي نفي التصديق به, فينتفي الغرض من بعثته وهو الهداية. فالتالي باطل والمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو رأى الناس نبياً يبلغ أحكام الدّين بصورة خاطئة, فإنّهم لا يثقون به مستقبلاً؛ لاحتمالية تكرار خطئه, وعدم وثوقهم به يوجب نفرتهم عنه وعدم الإذعان له, فيبقى النبي وحيداً لا أمة حوله ليبلغها ما تلقاه من الوحي, ويبقى العباد في حيرةٍ وضلالة إذ لا مبعوث معصوماً يرشدهم للهداية. الفرع الثاني: الدليل النقلي الأدلة النقلية على ذلك كثيرة, نورد منها: 1- قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}(1). قال العلامة الطباطبائي (قدس سره) في تفسير هذه الآية: "المراد بالهوى هوى النفس ورأيها، والنطق وإن كان مطلقاً ورد عليه النفي وكان مقتضاه نفـــي الهوى عن مطلق نطقه (صلى الله عليه وآله) لكنه لما كان خطابً للمشركين وهم يرمـونه في دعوته وما يتلو عليهم من القرآن بأنّه كاذب متقوّل مفترٍ على الله سبحانه كان المراد بقرينة المقام أنّه (صلى الله عليه وآله) مـــا ينطق فيما يدعوكم إلى الله أو فيما يتلوه عليكم من القرآن عن هوى نفسه ورأيه بل ليس ذلك إلا وَحــياً يوحى إليه من الله سبحانه"(2). 2- قال الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا}(3). يقول الشيخ الشيرازي (قدس سره) في تفسير هذه الآية: "... فإن النبي (صلى الله عليه وآله) خير نموذج لكم، لا في هذا المجال وحسب، بل وفي كل مجالات الحياة، فإن كلا من معنوياته العالية، وصبره واستقامته وصموده، وذكائه ودرايته، وإخلاصه وتوجهه إلى الله، وتسلطه وسيطرته على الحوادث، وعدم خضوعه وركوعه أمام الصعاب والمشاكل، نموذج يحتذي به كل المسلمين. إن هذا القائد العظيم لا يدع للضعف والعجلة إلى نفسه سبيلا عندما تحيط بسفينته أشد العواصف، وتعصف بها الأمواج المتلاطمة، فهو ربان السفينة، ومرساها المطمئن الثابت، وهو مصباح الهداية، ومبعث الراحة والهدوء والاطمئنان الروحي لركابها"(4). فهذا هو رسول الامة تنزّه عن أخطاء بني جنسه حتى اصطفاه الإله؛ لورعه وضبطه وتقواه. وهذا مجمل عقيدتنا في عصمة نبيّنا الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) في هذا المقام. وبإمكان القارئ أن ينظر نظرة شمولية لموضوع العصمة بكل مقاماتها وسيتجلى له الارتباط الوثيق بين مقام وآخر بحيث يستحيل الانفكاك بينهما أبدا. وبعبارة موجزة: ((إذا كان النبي معصوماً في مقام تلقي الرسالة وجبَ أن يكون معصوماً في مقام تطبيق وتبليغ تلك الرسالة الإلهية)). وهذا ما انفردت به عقيدة الشيعة الإمامية أعزهم الله وهدى أعداءهم. [ المطلب الثاني: رأي أبناء العامة في عصمة النبي في مقام تبليغ الرسالة الإلهية للأمانة العلمية لم نجد دليلاً صريحاً يقول بخطأ النبي (صلى الله عليه وآله) في مقام تبليغه معالم الدّين اصولاً وفروعاً وأخلاقاً. (1) النجم: 3-4. (2) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي, تفسير سورة النجم. (3) الأحزاب: 21. (4) تفسير الأمثل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, تفسير سورة الأحزاب. والحمد لله الواحد الأحد, والصلاة والسلام على العبد المؤيد, والرسول المسدد, والمصطفى الامجد, ابي القاسم محمد, وعلى آله اولي العلم والسؤدد. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
1705

من الفروق بين النبي والرسول والامام

لقد فرقت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الصحيحة بين الإمامة والنبوة والرسالة من حيث المفهوم والحقيقة ، فالنبوة وظيفة إلهية وسفارة ربانية بين الحق تبارك وتعالى وبين خلقه ، بما يوحى إليها من قبل الحق تبارك وتعالى ، فالنبي هو الذي ينزل عليه الوحي ، وما يستلمه من الوحي يعطيه للناس ، ولا يجب على النبيّ عليه السلام الإبلاغ في حال عدم طلب الناس منه ذلك ، بخلاف الرسول ؛ فإنّه يجب عليه الإبلاغ وإن لم يطلب منه الناس ذلك ، وقد يجتمع الأمران في شخص واحد فيكون نبياً ورسولاً في آن واحد . وأمّا الإمامة ، فهي مقام يوجب على صاحبه قيادة الأمّة دينياً واجتماعياً وسياسياً ، وفق ضوابط وقواعد الشرائع السماوية الموجبة لإيصال كل فرد من أفرادها إلى كماله وهدفه المطلوب منه . وهي منزلة قيادة البشرية ، فالإمام يسعى إلى تطبيق أحكام الله عملياً عن طريق إقامة حكومة إلهية ، واستلام مقاليد الأمور اللازمة ، وإن لم يستطع إقامة الدولة يسعى قدر طاقته في تنفيذ الأحكام . بعبارة أخرى : مهمة الإمام تنفيذ الأوامر الإلهية ، بينما تقتصر مهمة الرسول على تبليغ هذه الأوامر ، وبتعبير آخر أيضاً ، مهمة الرسول ، إراءة الطريق ، ومهمة الإمام الإيصال إلى المطلوب . . . ومن نافلة القول أن كثيراً من الأنبياء ، كنبي الإسلام عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام حازوا على المنازل الثلاث ، كانوا يستلمون الوحي ، ويبلغون أوامر الله ، ويسعون إلى إقامة الحكومة وتنفيذ الأحكام ، وينهضون - بما لهم من تأثير روحي - بمهمة تربية النفوس . فختمت النبوة لخاتمية الرسالة والشريعة فكانت الشريعة الاسلامية تامة وشاملة لجميع نواحي الحياة إلى يوم القيامة ، وكملت بتعيين من تستمر بهم مهمة تطبيقها وحفظها وحمايتها وإيصال الناس إلى المطلوب الإلهي وهم الأئمة الهداة صلوات الله عليهم ، فهم الحافظون للشريعة والمحامون عنها والمطبقون لها بتفسير وتبيين حقائقها ودقائقها مما علّمهم به رسول الله صلى الله عليه وآله وما أُلهموا به من علومهم الخاصة الربانيّة ، فعن النبي صلى الله عليه وآله في احتجاجه يوم الغدير حيث قال : علي تفسير كتاب الله ، والداعي إليه ، ألا وإن الحلال والحرام أكثر من أن أحصيهما وأُعرّفهما ، فأمر بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد ، فأمرت أن آخذ البيعة عليكم والصفقة منكم بقبول ما جئت به عن الله عز وجل في علي أمير المؤمنين والأئمة من بعده ، معاشر الناس تدبروا وافهموا آياته ، وانظروا في محكماته ولا تتبعوا متشابهه ، فوالله لن يبين لكم زواجره ، ولا يوضح لكم عن تفسيره إلا الذي أنا آخذ بيده .(وسائل الشيعة ج 18 ص143 ). الشيخ مصطفى الفرهود

اخرى
منذ سنتين
904

المعالم التربوية في السلوك النبوي《١》

تعددت أسباب بعثة الأنبياء للأمم ولكنها جميعا تصب في مصب واحد وهي تربية البشرية وهدايتها إلى جادة الصواب وأحكام الشريعة والفطرة الإنسانية، وتختلف السبل في تحقيق أهداف تلك التربية من شريعة لأخرى بحسب الظروف الموضوعية لكل أمة من الأمم. والرسالة الإسلامية شأنها شأن جميع الرسالات السماوية فأهدافها وأساليبها تحاكي طبيعة المجتمع الجاهلي قبل البعثة الذي كان مجتمعا وثنيا عاكفا على عبادة الأصنام كما كان مجتمعا فوضويا لا يقوم على أسس مبدئية او فطرية أو إنسانية أو قانونية تحكمه وتضمن حقوق أفراده، كان مجتمعا تسود فيه قيم الغاب والتمايز الطبقي والعرقي والجنسي ،كان مجتمعا يأكل القوي فيه الضعيف ويشجع على القتل والسلب والنهب والإغارة على القبائل اﻷخرى، مجتمع ذكوري بحت تعتبر المرأة فيه عيبا وعارا، مجتمع إذا بشر أحدهم بالأنثى في أحسن اﻷحوال يسْودُّ وجهه وهو كظيم لأن النظرة العامة في المجتمع آنذاك تتبنى قولا وفعلا مقولة (نعم الصهر القبر) فانتشرت فيه ظاهرة وأد البنات، مجتمع يتصف بالخشونة والغلظة والفظاظة في التعامل مع الرق والعبيد، وكذلك الفوارق الطبقية المقيتة التي قسمت المجتمع إلى ثلاث طبقات: ١- طبقة الأثرياء ٢-طبقة الفقراء ٣- طبقة العبيد وفي ظل هذه الظروف انطلقت بعثة الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) لهداية هذا المجتمع المتحلل من كل القيود والالتزامات الإنسانية والعرفية والفطرية، ولأجل تحقيق هذه الغاية فقد تعددت أساليب النبي (صلى الله عليه وآله) لتغيير تلك المفاهيم الخاطئة وتنوعت سبل تربية الأمة على المبادئ الحقة الإنسانية التي قام الإسلام على أساسها. إن الإسلام يحقق المساواة بين البشر جميعا -رجلا كان او امرأة او طفلا- فقوانين وأحكام الإسلام هي قوانين تنظر للإنسان على إنه إنسان وتهدف في الأساس إلى صناعة اﻹنسانية فيه، ولهذا تنوعت أساليب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في التدرج في تربية أفراد الأمة تربية إسلامية صحيحة بما يتناسب وظروف المجتمع وحركة الوعي فيه لزرع الوعي واﻹيمان في النفوس. إن من أهم معالم التربية في السلوك النبوي هو: تثبيت منهج اتخاذ القدوة الحسنة. ومن أفضل من النبي قدوة؟! فهو الصادق اﻷمين قبل البعثة وهو قدوة المسلمين في القول والفعل والتقرير بعدها، فأصبح سلوكه (صلى الله عليه وآله) سنة لأمته من بعده ومنهجا يقتدي به المسلمون ما بقيت الدنيا. ومن سلوكياته (صلى الله عليه وآله) التي عززت منهجا رائعا في التأثير في الأمة هو اهتمام الكبير باﻷطفال وتعهدهم بالرعاية والحنان، فكان معروفا عنه (صلى الله عليه وآله) أنه يمسح على رؤوس الصبيان في الطرقات ويسلم عليهم ويضع أطفال المسلمين في حجره ويلاعبهم ويلاطفهم ويكثر من تقبيلهم كما كان شديد التعلق بأولاده (صلى الله عليه وآله) يقبلهم ويشمهم. روي أنه جاءه إعرايي فقال له: تقبّلون الصبيان؟ فما نقبلهم. فقال (صلى الله عليه وآله): أو أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة(1). وتذكر الروايات أن الأقرع بن حابس أبصر النبي (صلى الله عليه وآله) يقبّل الحسن بن علي فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه من لا يَرحم لا يُرحم(2). ومن هنا فإن النبي (صلى الله عليه وآله) -في سلوكه مع الأطفال ورحمته بهم وملاطفته لهم- يؤسس منهجا إنسانيا في الاهتمام بالطفولة في بناء شخصية الفرد مستقبلا. كما استخدم (صلى الله عليه وآله) أسلوب الموعظة في الحث والترغيب على ثواب الآخرة في التأكيد على مسألة البنات من الأطفال والحرص الشديد على رعايتهن والاهتمام بهن في مجتمع كان يئد البنات وينظر لهن نظرة دونية، فتجده (صلى الله عليه وآله) يعلم الامة ويرشدها ويربيها على احترام المرأة والاهتمام بها منذ طفولتها، فقد جاء عنه (صلى الله عليه وآله): (من كن له ثلاث بنات فصبر على ﻷوائهن وضرائهن وسرائهن كن له حجابا يوم القيامة)(3). وعنه (صلى الله عليه وآله): (نعم الولد البنات ملطفات مجهزات مؤنسات باكيات مباركات)(4). وعنه ايضا (صلى الله عليه وآله): (من عال ثلاث بنات يعطى ثلاث روضات من رياض الجنة كل روضة أوسع من الدنيا وما فيها)(5). وعنه (صلى الله عليه وآله):(نعم الولد البنات المخدرات من كانت عنده واحدة جعلها الله له سترا من النار ومن كانت عنده إثنتان أدخله الله بهما الجنة ومن كان ثلاثا أو مثلهن من الأخوات وضع عنه الجهاد والصدقة)(6). وفي حديث جميل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ما من بت فيه البنات إلا نزلت كل يوم عليه اثنتا عشرة بركة ورحمة من السماء ولا تنقطع زيارة الملائكة من ذلك البيت يكتبون لأبيهم كل يوم وليلة عبادة سنة)(7). ومن سلوك الرسول لتأكيد هذا المعنى هو اهتمامه بعائل البنات ودعاؤه له ولهن وملاطفته للبنات من الاطفال، ومن أروع سلوكيات الرسول في هذا المعنى ما جاء عن أم خالد بنت خالد بن سعيد وهي تتحدث عن أيام طفولتها:( أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع أبي وعلي قميص أصفر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (سنه سنه), قال عبد الله: وهي بالحبشة (حسنة)، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): دعها، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إبلي وأخلقي ثم إبلي وأخلقي ثم إبلي وأخلقي)(8). وفي هذه الأحاديث وأشباهها تأكيد ضمني عنه (صلى الله عليه وآله) على مسألة بالغة الأهمية في شريعته السمحاء وهي الاهتمام بالمرأة التي عاشت في مجتمع يمتهنها ويئدها ويحرمها من جميع حقوقها الإنسانية، وينظر إليها وكأنها متاع من أمتعة الرجل، فكرّم الرسول الأنثى وحفظ لها كيانها المساوي للرجل في الاسلام وإن كان الاختلاف بينهما من الناحية الفسيولوجية فقط لطبيعة كل جنس ونوع المهام المناطة به لا أكثر من ذلك ولا اقل. وهناك سورة كاملة في القرآن الكريم باسم النساء وهناك العديد من آيات القرآن الكريم تقرن الرجل بالمرأة في النداء والأحكام والعمل والحقوق والواجبات وغيرها. وهذا أمر أكد عليه الرسول (صلى الله عليه وآله) كثيرا عندما أعطى الحق للمرأة في حرية الانتخاب السياسي _إن صح التعبير_ عندما شاركت النساء في البيعة وقبل الرسول بيعتهن، كما ضمن حق المرأة في الإرث ووجوب النفقة عليها من قِبَل ولي أمرها كي لا يشق عليها ذلك ويكفيها المؤونة رعاية لطبيعتها الرقيقة ومشاعرها المرهفة وحفظا لها وسترا. كما اتخذ (صلى الله عليه وآله) أساليب تربوية اخرى مستثمرا القرآن الكريم وقدسيته عند المسلمين في القصص القرآني والأمثال في القران واتخاذها منهجا في تغيير قناعات المجتمع الجاهلي الممتهن للمرأة والتعريف بطاقات المرأة ودورها في نصرة جبهة الحق واعلاء كلمة الله ودينه، حيث ذكر القرآن الكريم المرأة في القصص القرآني وبين دورها الكبير في دعم الرسالات السماوية، كالسيدة مريم وزوجة فرعون وأم موسى وأخته وبلقيس. كما تعرض إلى الملكات النفسية لبعض السيدات الجليلات عندما ضرب ببعضهن الأمثال للذين آمنوا كمريم ابنة عمران وآسيا بنت مزاحم، إضافة إلى ذكر النموذج الآخر من النساء في جبهة الباطل لبيان طبيعة الصراع بين جبهة الحق والباطل وبيان السلوك الخاطئ، كما ضرب ببعضهن الأمثال للذين كفروا كامرأة نوح وامرأة لوط وكامرأة العزيز. كل ذلك لأجل تثبيت مبدأ أن الرجل والمرأة في حركة المجتمع وفي نصرة الحق ومواجهة الباطل سواء. كما كان رسول الله يؤكد في حديثه على مكانة المرأة في الإسلام ليرتقي بالمجتمع المسلم إلى مدارج الكمال الإنساني والأخلاقي فنجده (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي أكثر من مناسبة يذكر مناقب ابنته الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) على الملأ مرارا وتكرارا لبيان عظمة مقامها ليست لأنها ابنته فحسب، وإنما لمكانتها عند الله تعالى فهي التي قال عنها (صلى الله عليه وآله): (يرضى الله لرضى فاطمة ويغضب لغضبها)(9) كما قال (صلى الله عليه وآله) عنها في حديث طويل اقتطفنا منه موضع الحاجة (وأما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين وهي بضعة مني وهي نور عيني وهي ثمرة فؤادي وهي روحي التي بين جنبي)(10) وفي حديث يقاربه لفظا قوله (صلى الله عليه وآله): (فاطمة بضعة مني وهي روحي التي بين جنبي يسوؤني ما ساءها ويسرني ما سرها)(11) كما كان يفديها بنفسه بقوله (صلى الله عليه وآله): (فداها أبوها)(12). ورغم كل هذا التركيز النبوي على مقام الصديقة الزهراء (عليها السلام) ودورها في حركة الأمة ورسالتها، إلا أن الأمة كانت حديثة عهد بالجاهلية ولما يدخل الإيمان في قلوبهم بعد، فابتعدوا كل البعد عن منهج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فظلموا بضعته وروحه التي بين جنبيه وابتزوا حقها وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها. وللأسف الشديد لا زالت أمة خاتم الأنبياء والرسل وبعد أربعة عشر قرنا من الزمن وتطور الافكار وتعدد الايديولوجيات وتعاقب الحضارات وازدهار التكنولوجيا الحديثة إلا أنها لا زالت تتبنى أفكاراً ومبادئ الجاهلية ولكنها جاهلية حديثة لا تكرم المرأة بل تمتهنها وتتشدق بذلك تحت مسميات براقة تناسب الحضارة كما يزعمون، كالمناداة بحقوق المرأة وحقوق الإنسان والحرية الشخصية والتحلل من كل القيود الدينية والعرفية والاجتماعية، لا بل حتى الإنسانية أحيانا، لتسلخ المرأة من هويتها الإسلامية وتنزع حياءها شيئا فشيئا، في مخطط يهدف إلى تمييع المبادئ والثوابت الإسلامية. فعلينا أن نعي هذه المخططات ونعمل على مجابهتها وتوعية النساء بخطورة الانجراف وراء تلك المخططات، والالتزام بالمنهج النبوي للحفاظ على كرامة المرأة المسلمة لنحفظ بذلك سلامة ديننا ووحدة مجتمعنا وصلابة أفراده أمام التحديات الكبيرة التي تواجهها الأمة في زمن تأثر أفرادها كثيرا بالإلحاد والعولمة. الهوامش (1)موسوعة الدفاع عن رسول الله ج3 ص477 (2)أم لم يعرفوا رسولهم ص281 (3)الخصال ص181 (4)مستدرك الوسائل ج15 ص87 (5)نفس المصدر (6)المصدر السابق ص88 (7)نفس المصدر (8)عناية الرسول بالمرأة والطفل ص21 (9)مستدرك سفينة البحار ج4 ص152 (10)بحار الأنوار ج28 ص38 (11)بحار الأنوار ج27 ص63 (12)بحار الأنوار ج43 ص20 عبير المنظور

اخرى
منذ سنتين
2570

كيف تُحفز طفلك على الدراسة؟

الحلقة الثانية يمر أغلب الأهل من الآباء والأمهات في دوامة من الصراع الذهني والنفسي مع الذات بسبب المعاناة التي يشعرون بها مع أبنائهم اثناء بداية العام الدراسي. وهذه المعاناة تتمثل في فقدان الرغبة في الدراسة والاستياء منها وظهور مشاعر سلبية لدى أغلب الأطفال اتجاه المدرسة والتعليم، وقد تكلمنا في منشور سابق عن بعض الأسباب التي تؤدي إلى ظهور الانزعاج والابتعاد عن الدراسة، وسنركز في هذا المقال على سبب رئيسي يسبب فقدان حب المدرسة والعزوف عنها. إن العامل الاساسي لشخصية الطفل هو الإيمان بالذات، وعن طريق هذا العامل يمكن أن ينجح الطفل في حياته أو يشعر بخيبة الأمل إذا تدنى مستوى ايمان الطفل بذاته. إذن ماذا يعني إيمان الطفل بالذات؟ وكيف يؤثر بشكل سلبي أو إيجابي على شخصيته بشكل عام وعلى تدنى مستواه الدراسي؟ وكيف يرتفع أو ينخفض تقدير الذات لدى الطفل؟ الإيمان بالذات: هو أن يثق الطفل بقدراته وامكاناته على النجاح والصمود أمام التحديات المختلفة كالنجاح في أداء الاختبارات المدرسية أو في الاعتماد على نفسه في أداء بعض المهام الموكلة به، وهذه المهام تكون مناسبة لعمره ويستطيع اقرانه أن يفعلوها بأنفسهم دون الحاجة إلى الاعتماد على الأهل، ولنأخذ مثالاً للتوضيح: إذا كان لديك طفل بعمر الثلاث سنوات، فباستطاعته أن يقوم بالأكل وغسل اليدين لوحده، وهو بهذا الفعل يحاول أن ينجح في مهمته ليشعر بالقدرة على أداء بعض أموره بنفسه، فالواجب هنا على الوالدين أن يفسحا المجال لطفلهما في ممارسة هذه الأعمال من أجل (إثبات الذات) وهذا الشعور يعطيه دفعة وجرعة قوية في (الإيمان بذاته) وهذا ما نريده نحن بالضبط. لنأخذ مثالاً آخر لتقريب الصورة أكثر: إذا كان ولدك البالغ من العمر ثمان سنوات يريد أن يحل مسألة رياضية مثلاً وجاءك وطلب مساعدة لحل هذه المسألة فلا أنصحك بأن تقوم بحلها نيابة عنه إطلاقاً، وإنما دعه يحاول معها مرة ومرتين ليمرّن عقله وينشط تفكيره، فالخطأ الذي يقوم به كثير من الأهل هو المسارعة لحل المسألة وهذا ما يضعف تعزيز إيمان الطفل بذاته ويدفعه لاستسهال ذلك الأمر والاعتماد على والديه في التفكير نيابةً عنه، ولا ننسى أن كل حركاتنا وتصرفاتنا تؤثر سلباً أو إيجاباً في تشكيل شخصية الطفل... وهنا يجب أن ينتبه الأهل إلى أن الطفل لا يمكنه أن يضبط هذه الأعمال من أول تجربة، فيمكن أن يقع بالخطأ أو يعمل الأعمال بشكل غير متقن، وهنا يأتي دور الأهل في مساعدته قدر الحاجة مع تشجيعه ودعمه ليشعر بالنجاح، فشعوره بالنجاح عند تأديته مهمة معينة يعطيه دافعاً للإيمان أكثر بذاته. أما لو حرمنا الطفل من هذه التجربة، فإننا نقوم بتحطيم إيمانه بذاته أولاً ونقوم بإعطائه رسالة مفادها: (أنك لا تستطيع) وبالتالي سنساهم في فقدان إيمان الطفل بذاته، فمنذ تلك اللحظات الأولى من سنواته الثلاث يبدأ الطفل بتشكيل (تصّور عن ذاته) وهذا التصّور يمكن أن يكون سلبياً أو إيجابياً اعتماداً على أسلوبنا في التعامل معه، فإذا تركنا له الحرية في التجربة والاعتماد على نفسه في فعل بعض الأشياء التي يستطيع عملها، أو كنّا نتعامل معه باحترام وتقدير، أو كنّا نستمع إلى آرائه وأفكاره ونقدرها ونحترمها، فإننا بهذا الأسلوب نجعله يشكل تصّوراً إيجابياً عن ذاته وهذا ما يجعله مؤمناً بذاته ومعتقداً بها. أما لو كنّا نتعامل معه باستهزاء ونستخفّ بمشاعره أو نقلّل من امكانيته كأن نقول له: إنك لا تستطيع أن تفعل ذاك الشيء، أو نطلق عليه الصفات السلبية كالغبي والفاشل، أو ننتقص من شكله الخارجي كأن نقول له: أنت قبيح المنظر، أو نقارنه بالآخرين من حيث القدرات والإمكانيات، فإننا بهذه السلوكيات نقوم (بتحطيم إيمان الطفل بذاته) مما يجعله ينظر لنفسه نظرة ازدراء واحتقار وأنه لا يستطيع دائما، فترى الطفل الذي يشعر بعدم تقدير الذات يكرر عبارة (لا استطيع) دائماً، أو (غير قادر) وينتقد ذاته باستمرار أو يندب حظه! فإذا لاحظت أيها الأب وأنت أيتها الأم، هذه المواصفات في أحد ابنائكما فعليكما مراجعة أسلوبكما معه، والتوقف عن مسببات ضعف الذات وتشجيع الطفل بالمديح المتزن حتى يسترجع إيمانه بذاته ويعيد حياته بأمل وتفاؤل. إن أغلب الأبناء الذين يفتقدون الإيمان الذات يحملون أفكاراً سلبية عن أنفسهم، فإذا كان الطفل يردد عبارة (لا أستطيع النجاح هذه السنة في المدرسة) فاعلم أن وراء هذه الجملة فكرة سلبية عن ذاته ويجب عليك أن تقلعها من جذورها وتستبدلها بعبارة: أنت تستطيع أن تنجح، وأنا مؤمن بك كثيراً. وخصوصاً إذا كان مستوى الطفل جيداً في العام السابق. لا أقول: إن هذا الموضوع سهل المنال، خصوصاً إذا أعتاد الطفل على تبنّي أفكار سلبية عن ذاته بسبب أسلوب التعامل غير الصحيح الذي تلقاه من أسرته ومدرسته وبيئته، ولكن بإمكان الأبوين الواعين أن يُعيدا الإيمان لطفلهما إذا قررا ذلك وادركوا خطأهما في الماضي. ومن الله التوفيق قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنتين
926

《وانك لعلى خلق عظيم》القلم (٤)

ذو شخصية عظيمة اجتباه الله تعالى بالنبوة والفضل والخلق الرفيع فكان اسوة حسنة، شعَّ نوره بهاءً واعتلى المكرمات، فكان بصفاته الحميدة مضرب الأمثال، صادقاً أميناً هكذا عُرف بين أبناء قومه قبل بعثته الشريفة. محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهذا الاسم له لحن عجيب على مسامع البشر فهو خاتم الرسل والأنبياء، وذكر صفاته التي لا تسعها بطون الكتب خير دليل على تربية إلهية وتأديب رباني إذ يقول (صلى الله عليه واله): "أدبني ربي فأحسن تأديبي". فمن يكون الله تعالى له مربياً ومؤدباً فمن المؤكد أن الكمال رفيق له ومحيط به. ونذكر نُتفاً من أخلاقه (صلى الله عليه وآله): ١- المداراة والرحمة: تشمل دعوة ذلك المجتمع الجاهلي على ما هو عليه من عادات جاهلية ومعتقدات خاطئة وتصرفات بالية فكان دوره عظيما لاستيعاب ذلك الكم الهائل من التخلف والعدوانية فذللت تلك الصعوبات، فكان نقاشه معهم واضحا صريحا الهدف منه إصلاح المجتمع وهداية الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة . { ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } (١). ٢- القول الحسن : الرسول الاكرم محمد (صلى الله عليه واله) كانت رسالته مشفوعة بالقول الحسن والدعوة إلى الدين الإسلامي بالقول الحسن والمعاملة الطيبة لجميع الناس فلا خدش كرامة احد قط ولا صدرت منه أذية لأحد وهذا التعامل والخلق الرفيع زاد الإسلام انتشارا وقبولا لدى الناس إضافة الى المزايا الكثيرة التي اتصف بها هذا الدين الحنيف، وقد ورد هذا النهج في القرآن الكريم بقوله تعالى: { وقلْ لعبادي يقولوا التي هي أحسنُ} (٢). ٣-الدفع بالتي هي أحسن: عُرف النبي محمد (صلى الله عليه واله ) فضلا عن خلقه ودماثة خلقه ، بإحسانه الى الذين كانوا يعاملونه بقسوة ويؤذونه بالفعل والقول وكان يسامح ويحسن إلى الجميع عملا بقول الله تعالى :{ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (٣). ولنا في قصته مع الرجل الذي كان يرمي القاذورات على باب داره مثالا رائعا للإحسان الذي عهده منه الجميع، لكن عندما مرض ذلك الرجل علِم النبي (صلى الله عليه واله) بمرضه وذهب لزيارته وعيادته ونتيجة لذلك اسلم ذلك الرجل ، وهذا الإحسان هو جزء يسير من صفاته الكريمة التي أثمرت واينعت خلقا محمدياً سامياً. ٤- الصبر: قابل النبي (صلى الله عليه واله) كل معاملة ضده سواء بالقول والفعل، قابلها بصبر عظيم استطاع معها أن يذلل كل الصعوبات التي واجهته في تبليغ هذه الرسالة السماوية إيمانا منه بدعوته وحرصا على تبليغها على اكمل وجه بثبات وصبر عظيم ، إذ أمره ألله تعالى به حيث قال: {فأصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} (٤). ٥- اللين والتسامح : لقد سعى واعتمد النبي محمد (صلى الله عليه واله) اللين والتسامح والابتعاد عن الشدة والغلظة وكل ما يدعو الناس للابتعاد عن الإسلام، وقد ارشده العلي الاعلى إلى هذا الخلق السامي بقوله: { ولو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك}°5. جاء في الحديث عن الحسين بن علي (عليهما السلام) إنه قال: سألت أبي أمير المؤمنين عن رسول الله (صلى الله عليه واله) كيف كان سيرته في جلسائه؟ فقال: كان دائم البِشر، سهل الخلق ، لين الجانب، ليس بِفظ، ولا غليظ ولا صخّاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي، فلا يؤيس منه ، ولا يخيب فيه مؤمليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث كان لا يذم احدا ولا يعيره، ولا يطلب عثراته ولا عورته ولا يتكلم الا في ما رجا ثوابه ، اذا تكلم اطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث (6). _____________________ ١ – سورة النحل : ١٢٥ ٢. سورة الإسراء : ٣٥ ٣. سورة فصلت ٣٤ ٤. سورة الأحقاف: ٣٥ ٥. سورة آل عمران: ١٥٩ ٦. معاني الأخبار ، ص 83 رشا عبدالجبار ناصر

اخرى
منذ سنتين
5834

المظلوميات الإعلامية للإمام الحسن (عليه السلام) 《٣》 مقارنة صلح الإمام الحسن بقيام الإمام الحسين (سلام الله عليهما)

من المظلوميات الإعلامية العديدة التي تعرض لها الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) مقارنة صلحه مع قيام أخيه الحسين (سلام الله عليه) والجمع بين الموقفين، وهذا بلا شك ظلم عظيم لاختلاف ظروف عصر كل إمام السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وتعدد هذه الأسباب والظروف هو الذي يحدد طريقة كل إمام في التعامل مع هذه المعطيات المرحلية فتتعدد أساليب المواجهة بما يتناسب وهذه المتغيرات . فلو كان الإمام الحسن (عليه السلام) في زمن يزيد لقام بالسيف وكذلك الإمام الحسين (عليه السلام) لو كان في زمن معاوية لصالحه على الشروط ذاتها لأنهما نور واحد ومنبع واحد والهدى واحد، ولكن الاختلاف الحاصل كما أشرنا هو في الظروف الموضوعية وعلى كافة الصُعُد في عهد كل منهما، وأيضا لاختلاف سياسة معاوية عن سياسة يزيد فمعاوية كان داهية ولا تهمه خسة ودناءة الأساليب التي يتبعها بقدر ما تهمه الغاية فهو من أنصار مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) وإن كانت هذه الوسائل تنمّ عن غدر ومكر وخديعة، وهذا ما أشار إليه الإمام علي (عليه السلام) في حديث له :(والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه بغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ولكن لكل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة والله ما استغفل بالمكيدة ولا أُستغمز بالشديدة)(1) أي إنه لولا خوفه من الله لاتّبع ذات أساليب معاوية الملتوية، إنها أخلاق أهل البيت (عليهم السلام) ومبادئهم في السلم والحرب، وهذا ديدن أهل بيت العصمة والطهارة فهم المطهرون من الرجس بنص الذكر الحكيم، وكذلك الإمام الحسن (سلام الله عليه) فهذا الشبل من ذاك الاسد، فإن استقامته (عليه السلام) لا تسمح له بانتهاج نهج الأدعياء وأبناء الطلقاء لأن استقامته نابعة من نهج الأنبياء والأوصياء. ثم إن معاوية كان يتستر على تلك الدناءة باسم الدين، أي إنه كان يحافظ على الواجهة الإسلامية لتمرير مخططاته ومصالحه الشخصية على السواد الأعظم من سُذّج هذه الأمة ولهذا كان دائما ما يستأجر علماء ورواة البلاط لوضع الأحاديث المجعولة التي تتحدث بفضائل ومناقب وهمية لمعاوية منها أنه كاتب الوحي وأنه خال المؤمنين وغيرها كثير كي يعزز موقعيته الدينية عند المسلمين بهالة من القداسة، فانطلت هذه الواجهات الإسلامية المظهر على الأمة التي غطت في سبات عميق وابتعدت كثيرا عن مفاهيم الإسلام الحركية والعملية دون النظرية منها، ولهذا كان لزاما على الإمام الحسن (عليه السلام) أن يقوم بالسيف. فمن قال أن الإمام الحسن (سلام الله عليه) صالح ولم يقاتل؟! نعم قاتلَ، ولكن خيانات جيشه والمؤامرات فيه هي التي اضطرت الإمام أن يصالح معاوية ليحافظ على الشيعة المخلصين وأيضا ليكشف للأمة زيف ادعاءاته وخسة منهجه في سياسة البلاد والعباد التي خفيت على الكثيرين. أما يزيد فكان شابا ماجنا فاسقا خمارا ملاعبا للقرود وملازما للنساء لا يفقه من أمور دينه شيئا ولهذا فإن للحاكم الظالم حدًّا للقيام عليه من قبل الجهات المعصومة المخولة من قبل رب العزة والجلال وهذا الحد هو أن يتجاوز هذا الحاكم كل الخطوط الحمراء الأساسية في الإسلام وأن يعلن فسقه وفجوره وتخلّيه عن نهج الإسلام الذي هو أساس ومنطلق خلافته، أو ليس يدعون أنه (خليفة رسول الله!) فأي خلافة هذه لرسول الله؟ وكيف حفظ هذا المقام؟ فتأمل. ولهذا جاء على لسان الإمام الحسين (عليه السلام) حينما أراد الوليد عامل معاوية على المدينة أن يجبر الإمام الحسين (سلام الله عليه) على البيعة ليزيد فرفض الإمام الحسين بشدة معللا بذلك الحد الذي تجاوزه الظالمون في الاستهتار بالدين كما فعل يزيد فقال (عليه السلام) :(إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحل الرحمة بنا فتح الله وبنا يختم ويزيد رجل شارب للخمر قاتل النفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله)(2) وهنا ختم الإمام الحسين بكلمة رائعة للمتأمل فيها بروية وإمعان وهي (مثلي لا يبايع مثله) أي إنه (عليه السلام) نفى شخصنة القضية وإن رفضه لبيعة يزيد ليس حقدا كلاسيكيا بين بني هاشم وبني أمية كما يتصوره البعض لسذاجة تفكيره وعدم معرفته بأهل البيت (عليهم السلام) فهم نهج السماء المتجسد على الأرض وهم القمة السامقة في السمو الروحي والأخلاقي ولهذا قال (مثلي لا يبايع مثله) أي إن المسألة تعدت مسألة الزمان والمكان وكلمة (مثلي) هنا يمكن أن نجيب بها على الإشكالية التي يشدق بها البعض من مقارنة صلح الإمام الحسن بقيام الإمام الحسين (سلام الله عليهما) فمن خلال كلمة (مثلي) في النص السابق نتساءل هل يوجد مثل مساو تماما للحسين غير الإمام الحسن (عليه السلام)؟ أوليس الإمام الحسن مثله تماما في الفضل والكرامة والمنزلة عند الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) أو لم يقرن الحسن مع الحسين (عليهما السلام) على لسان الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) بأمر رب العباد مرارا وتكرارا على مسامع هذه الأمة؟ فإذا كان الحسن مثل الحسين ومثل الحسين لا يبايع يزيدا وبالتأكيد يعني قيام الإمام الحسن (عليه السلام) بالسيف لو عاصر يزيدا ولصالح الإمام الحسين (عليه السلام) معاوية ، إذن المبدأ واحد لكل الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لكن الاختلاف في ظروف الأمة هو من يجعل لكل معصوم خطا يتميز به دون غيره من المعصومين تبعا لتلك الظروف. وما يجيب على هذه الإشكالية أيضا قول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) :(الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)(3) وقد أشار الإمام الحسن (عليه السلام) الى مفهوم هذا الحديث في هذه الرواية عن أبي سعيد عقيصا قال :قلت للحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام) :يا ابن رسول الله لـمَ داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟ فقال: يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماما عليهم بعد أبي عليه السلام؟ قلت: بلى. قال: ألست الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قلت: بلى. قال: فأنا إذن إمام لو قمت وأنا إمام إذا قعدت، يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل ، يا با سعيد إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما اتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيما اتيته ملتبسا ألا ترى الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وفتل الغلام واقام الجدار سخط موسى عليه السلام فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي هكذا أنا سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه ولولا ما اتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل)(4). ومن الإجابات على إشكاليتهم أيضا: أنه من قال أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يصالح معاوية كما صالحه الإمام الحسن (عليه السلام)، نعم لقد التزم الإمام الحسين (عليه السلام) بصلح أخيه الحسن (عليه السلام) حتى وفاة معاوية وخير دليل على ذلك هو الكتب والرسائل التي أرسلها أهل الكوفة للإمام الحسين (عليه السلام) _وهي أكثر بكثير من تلك الكتب والرسائل التي أرسلوها في عهد يزيد_ والتي يطالبونه فيها بأن يقدم عليهم ليعزلوا معاوية عن الخلافة بعد أن تبين لهم عدم التزامه بالضوابط الدينية وأن يجعلوا الحسين (عليه السلام) خليفة على المسلمين فرفض الإمام الحسين ذلك بشدة وقال بما مضمونه لا يمكن أن أفعل هذا حتى يهلك معاوية إن بيني وبينه لعهدا(5) مشيرا بذلك الى وثيقة صلح الإمام الحسن (عليه السلام) التي كان من ضمن بنودها ان يسلم الحسن (عليه السلام) الخلافة لمعاوية وأن لا يعهد معاوية لأحد من بعده فإذا هلك معاوية فيخلفه الحسن فإذا رحل الحسن فأخوه الحسين. وهذا الجواب الشافي لمن يتشدق بأن الإمام الحسين خرج على إمام زمانه وأنه خرج عن حدّه فقتل بسيف جدّه وغيرها من الترهات، متناسين وثيقة الإمام الحسن التي هادن بها معاوية والتي دفعت مسبقا كل الأقاويل الباطلة على الإمام الحسين (عليه السلام). فإذن نستطيع القول بأن صلح الحسن وقيام الحسين يعني أيضا صلح الحسين وقيام الحسن . ونعني بصلح الحسين الفترة التي التزم بها الإمام الحسين بصلح أخيه الحسن حتى وفاة معاوية. ونعني بقيام الحسن هو قيامه بالسيف لولا خيانات ومؤامرات الحزب الأموي داخل جيشه مما اضطره للصلح الذي مهّد لعاشوراء، فالأمر سيان لأن فعل المعصوم ينبع من نور واحد من نور الله جل وجلاله وعلمهم اللدني الذي أكرمهم به الله تعالى به إصافة الى العلم الذي تعلموه من جدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) نعم إنها أسرار الإمامة فلكل إمام دور يتناسب وعوامل حركة المجتمع في الأمة اﻹسلامية وهي ذات العوامل لتي تفرض على المعصوم واقعا يجب التعامل معه بما يتناسب والإمكانيات المتاحة للمعصوم وان وقع عليه حيف أو ظلم كبير وتلك حكمة الله جل وعلا ،فالحكمة اﻹلهية شاءت أن يقاتل الإمام علي (عليه السلام) الناكثين والقاسطين والمارقين في الجمل وصفين والنهروان وأن يختم حياته مخضبا بدمه الشريف في المحراب. وهي ذات الحكمة التي شاءت أن تعصر الزهراء (عليها السلام) بين الباب والجدار وأن يصاب ضلعها الشريف بالمسمار وأن يسقط جنينها المحسن على أعتاب الدار لجهادها في ذات الله ولنصرة إمام زمانها وتثبيت دعائم الولاية بكافة الوسائل المتاحة لها ضد الحاكم الظالم. وهي تلك المشيئة اﻹلهية التي شاءت أن يصالح اﻹمام الحسن (عليه السلام) معاوية بعد خذلان جيشه وخيانته له وانتهاءً بقتله مسموما على يدي زوجته بأمر من معاوية. وهي ذات الحكمة اﻹلهية التي شاءت أن يقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ويذبح على أرض كربلاء ويرفع رأسه على الرماح وسيقت نساؤه سبايا بين القفار والأمصار لرفضه للظلم والاستعباد لتصبح كربلاء قبس هداية ينير مسير الأحرار . وهي ذات الحكمة التي أبقت اﻹمام السجاد (عليه السلام) حيا لعلته وسقمه في كربلاء ليجعل الله من عبادته (عليه السلام) نبراسا لكل العابدين الذين جاهدوا الباطل بعبادته ودعائه وسجوده في ظل ظروف صعبة من تضييق وإقامة جبرية وتعتيم كامل على نشاطه (عليه السلام) والتنكيل بشيعته بعد أحداث معركة الطف. وهي ذات الحكمة اﻹلهية التي شاءت أن ينشغل الظالمون عن اﻹمام الباقر (عليه السلام) بالمخاطر والتهديدات الخارجية لتتاح له الفرصة بذلك أن ينشر فكر أهل البيت (عليهم السلام) بعد الانغلاق التام عليها خاصة بعد مجزرة كربلاء مما ساهم (عليه السلام) في التمهيد لجامعة الإمام الصادق (عليه السلام) الذي شاءت حكمته تعالى أن يؤسس أعظم جامعة دينية علمية ثقافية لا زال العلماء ينهلون من معارف وأنوار تلك المدرسة الربانية حتى وقتنا الحاضر. وهي ذات الحكمة اﻹلهية التي اقتضت أن يتنقل اﻹمام الكاظم (عليه السلام) بين سجون العراق وتشريد ابنائه وذراريه حتى شهادته مسموما في سجن هارون العباسي. وهي ذات الحكمة التي جعلت المأمون العباسي يتظاهر بالتقرب الى العلويين ليمتص غضبهم ونقمتهم على بني العباس وليمنع ثورات العلويين عليه بإجبار اﻹمام الرضا (عليه السلام) بقبول ولاية العهد ليحجزه عن قواعده الشعبية وليسهل قتله بالسم في أرض طوس بعد أن وطد دعائم حكمه. وهي ذات الحكمة اﻹلهية التي جعلت من الإمام الجواد (عليه السلام) أول ظاهرة للإمامة المبكرة عند أئمة أهل البيت تماما كعيسى بن مريم ويحيى بن زكريا (عليهما السلام) ليقيم الحجة بذلك على إمامة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مع الأخذ لنظر الاعتبار التحديات التي واجهها الإمام وإنعكاساتها على الأمة. وهي ذات الحكمة الإلهية التي جعلت الإمام الهادي (عليه السلام) يعيش منفيا في سامراء وأن يسلك مسلك الاحتجاب الجزئي عن شيعته ومواليه تمهيدا لغيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه). وكذلك شاءت حكمة الله أن يسلك الإمام العسكري (عليه السلام) سلوك الاحتجاب الجزئي بشكل مكثف وأن يثبت البيعة لابنه المهدي وأن يثبت وجوده بين خلص شيعته ليحمي وجوده وأن يحرسه كذلك من السلطات العباسية التي كانت تروم قتله وأن يمهد الذهنية العامة لﻷمة لغيبة ولده الإمام المهدي (عليه السلام) الذي شاءت حكمته تعالى أن يظل محتجبا عن شيعته لتسع وستين عاما وأن يتعامل مع شيعته عن طريق السفارة التي تعتبر الخطوة التمهيدية للغيبة الكبرى التي شاءت حكمته جل وعلا أن تطول وتمتد لقرون حتى تكتمل مشيئته تعالى بأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، إنه مخطط رباني يهدف في الأساس إلى تربية اﻷمة نفسيا وروحيا وأخلاقيا وفكريا لتتكامل في ساحة العزة والجلال لتصل إلى المستوى المنشود من العبودية الحقة لله تعالى. وبلحاظ ما تقدم ندرك جيدا أن كل ما مر به الأئمة (عليهم السلام) من ظروف مرحلية هي التي حتمت عليهم طريقة الصراع مع قوى الظلم والاستكبار بما يتناسب وما توفر لهم من أدوات وسبل المواجهة بشكل واقعي وحسب نواميس الكون الطبيعية والسنن التاريخية عبر الأجيال فلا يأتي النصر بالمعجزة فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ولا بأس من اتخاذ حلول مؤقتة تناسب إمكانات وظروف المرحلة ريثما تتهيأ الظروف لتحقيق الاهداف الكبرى على المستوى البعيد وهذا يتطلب وعيا مستقبليا لمستجدات الأحداث على الساحة. وما أشبه صلح الإمام الحسن (عليه السلام) بغيبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه وسهل مخرجه) التي ما طالت إلا لغدر الأمة وعدم التزامها بأمام زمانها وعدم التفافها حول إمامها الحق وإذعانها للظالمين ومؤامراتهم ومخططاتهم مبتعدين عن الشريعة وانغماسهم في الملذات مما يؤخر ظهوره المبارك فكذلك كان صلح الإمام الحسن (سلام الله عليه) لولا أن الأمة تخاذلت عن نصرة الإمام الحسن ولم تعرفه حق معرفته وتراخت عزائمها أمام مكائد بني أمية لما حصل هذا الصلح أساسا. لكن يبقى كما قلنا أن الهدف الأساسي من الصلح والغيبة هو تربية الأمة فكريا وروحيا ونفسيا وتعبويا وتوعويا حتى قيام الإمام بالسيف لمقارعة الظلم والطغاة وهذا ما حصل بعد الصلح حيث تربى أنصار الحسين (سلام الله عليهم) روحيا وفكريا واستفادوا من فترة الصلح التي محصتهم وغربلتهم جيدا من خلال تجميع الأفكار وتوحيد الرؤى والثبات على ملازمة خط الإمامة ونصرة إمام زمانهم رغم إشاعات معاوية وانجرار بعض الشيعة إليها بوصفهم الإمام بأنه ضعيف الشخصية وأنه مذل المؤمنين ونحوها رغم تهديدات معاوية للشيعة والتعذيب والمطاردة والتشريد والتصفية الجسدية للمخلصين لخط الإمامة مما أنتج أفرادا قمة في الإخلاص لشخص الإمام واليقين به كأصحاب الإمام الحسين خيرة الأصحاب وقت الصعاب، وبنظرة تأمل بسيطة نرى ما يجري اﻵن للمنتظرين في زمن الغيبة وكيف يتعرضون لصنوف البلاء من التكذيب والتكفير والظلم والتشريد والتصفية والإبادة إضافة إلى تكذيب الفرق الضالة بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ونفي وجوده المبارك وتشويه وتسفيه القضية المهدوية بشتى الوسائل ولكن هذا لا يمنع المنتظرين لإمام الزمان من أن يزدادوا ثباتا والتزاما بولاية الإمام المهدي وإن حجبته عنا ذنوبنا إلا إن تلك الشمس التي خلف السحاب ستشرق علينا إن أخذنا العبرة من صلح الإمام الحسن وقيام الإمام الحسين (عليهما السلام) فهما صنوان لأن صلح الإمام الحسن يعلمنا في زمن الغيبة كيف نهادن العدو ومتى ويعلمنا كذلك الوعي في قراءة الواقع الموضوعي للأمة في ظل التحديات والمؤامرات التي يتعرض لها الرساليون في زمن الغيبة، كما تعلمنا من نهضة الإمام الحسين الإباء ورفص الظلم وطلب الإصلاح في الأمة ومعرفة الحدود والخطوط الحمراء التي يجب أن نأخذها على الحاكم الظالم للقيام بثورة فكرية وروحية وعسكرية -إن لزم الأمر- وعلى كافة الصعد الأخرى لنقتلع جذور الظلم والفساد في الأمة ممهدين بذلك لليوم الأكبر الذي ستملأ به الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا على بد الإمام المنتظر (هجل الله تعالى فرجه) سائلين المولى عزو جل أن يجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين تحت لوائه إنه سميع مجيب. _____________________ (1)نهج البلاغة للشريف الرضي ص180 خطبة 200(2)قراءة في مقتل الحسين للشيخ محمد صنقور ص77 (3)بحار الأنوار للمجلسي ج43 ص291 ح54 (4)بحار الأنوار للمجلسي ج44 ص1_2 (5)راجع من وحي الثورة الحسينية لهاشم معروف الحسني ص19 عبير المنظور

اخرى
منذ سنتين
3450

شبهاتٌ عقائدية حول مذهب التشيع/ في النبوة(3) عصمة النبي في تطبيق الرسالة

اختلفت المذاهب الكلامية في العصمة في هذا المقام إلى خمسة أقوال: الاول: مذهب أصحابنا الاِمامية: وهو أنّه لا يصدر عنهم الذنب لا صغيرة ولا كبيرة، لا عمداً ولا نسياناً، ولا يخطأ في التأويل، ولا للإسهاء من الله سبحانه. ولم يخالف فيه إلاّ الصدوق، وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد قدس سرهما، فإنّهما جوّزا الإسهاء من الله تعالى، لا السهو الذي يكون من الشيطان، وسيتم الرد عليه. الثاني: قول أكثر المعتزلة: أنه [أي وقت العصمة] وقت النبوة، وأما قبله وهو أنّه لا يجوز عليهم الكبائر، ويجوز عليهم الصغائر، إلاّ الصغائر الخسيسة المنفّرة كسرقة حبة، أو لقمة، وكل ما ينسب فاعله إلى الدناءة والضّعة. الثالث: قول أبي علي الجبائي: وهو أنّه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة، ولا كبيرة على جهة العمد، لكن يجوز على جهة التأويل، أو السهو. الرابع: قول النظام وجعفر بن مبشر ومن تبعهما: وهو أنّه لا يقع منهم الذنب إلاّ على جهة السهو والخطأ، لكنّهم مؤاخذون بما يقع منهم سهواً، وإن كان موضوعاً عن أُممهم لقوّة معرفتهم وعلو رتبتهم، وكثرة دلائلهم، وإنّهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم. الخامس: قول الحشوية، وكثير من أصحاب الحديث من العامّة: وهو أنّه يجوز عليهم الكبائر والصغائر، عمداً وسهواً وخطأً. والصحيح أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) يجب أن يكون منزهاً عن الخطأ في تطبيق الرسالة السماوية؛ لقيام الدليل العقلي والنقلي على ذلك، وهذا ما سيتم تناوله ضمن المطلبين التاليين. المطلب الأول: الدليل العقلي على عصمة النبي في تطبيق الرسالة 1-لو لم يكن النبي معصوماً في تطبيق الرسالة للزم نفور الناس من حوله وعدم الوثوق به وبتعاليمه. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: إنّ الغاية من بعثة الأنبياء هي هداية العباد، وهذه الغاية لا تتحقق إلاّ بوثوق الناس والتفافهم حول النبي وتصديقهم بقوله، لكنهم متى ما شاهدوا نبياً يسهو في تطبيق الشريعة التي أمرهم بها، أو يخطأ في اموره الفردية والاجتماعية فإنّ ذلك سيخرم وثاقته تجاههم ويبدلونها شكا، فيأخذون يتساءلون: هل أنّ التكاليف التي يأمرنا به النبي هل هي حقاً إلهية؟ أم أنّ النبي اشتبه في أمرهم بها ؟ وهل أنّ النبي خيّل إليه أنّه جاءه الوحي أم حقاً نزل عليه وأخبره بتلك التكاليف؟ إذاً مثلما النبي (صلى الله عليه وآله) معصوم في تلقي الرسالة فهو معصوم في تطبيقها، والملازمة أعلاه كفيلة ببيان ذلك. "ولابد من الإشارة إلى أنّ عقول الناضجين في الأبحاث الكلامية قادرة على التفكيك بين (عصمة النبي في تلقي الوحي) وبين (عصمة النبي في الامور الاخرى)، أمّا عامة الناس والهمج الرعاع فهم غير قادرون على التفكيك فيجعلون السهو في أحد المقامات (تطبيق الرسالة) طريقاً إلى السهو في المقامات الاخرى (تلقي الرسالة)- ولسد هذا الباب لابد من القول بتنزيه النبي في كافة المراحل"(1). 2- لو لم يكن النبي معصوماً في تطبيق الرسالة لجاز تعديه على أحكام الله تعالى، والمتعدي لذلك ظالم. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو أخطأ أو نسى أو اشتبه النبي (صلى الله عليه وآله) في احدى عباداته أو معاملاته كما لو اشتبه في حكم الربا وعمل به فقد تعدى الحكم الواقعي المفترض من قبل الله تعالى، وبذلك يكون قد ظلمَ نفسه –بعصيانه لحكم خالقه- استناداً للآية الكريمة: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه}(2). 3- لو لم يكن النبي معصوماً في تطبيق الرسالة للزم أن يُحتمل الكذب في كلامه. والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو أخطأ النبي في ركعات الصلاة مثلاً وصلاها ركعتان وأخبر قومه بأنّها أربع ركعات لجاز عليه احتمال عدم الوثوق بقوله وعدالته، عندئذٍ يكون بحكم من يجب التحري من كلامه؛ بدلالة الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}(3). 4- لو لم يكن النبي معصوماً في تطبيق الرسالة لكان ذلك تغريراً بالوقع بالمعصية، إذ يجب الاقتداء به استناداً للآية الكريمة: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة}(4). والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو أخطأ النبي في بيان حكم الحج مثلاً لوجب على المسلمين العمل بخطئه على أنّه سنّة نبوية. 5- لو لم يكن النبي معصوماً في تطبيق الرسالة للزم تكذيب الله تعالى حينما يأمر رسوله بالقول: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم}(5)، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو أخطأ النبي في حكم وجوب الصوم مثلاً وقال: إنّ الصوم عشرة أيام، فمن يتبعه كيف يكون محبوباً عند الله تعالى وهو قد ترك أداء العبادة الصحيحة ! فيلزم كذب الآية الكريمة، وحاشا الله سبحانه. المطلب الثاني: الدليل النقلي على عصمة النبي في تطبيق الرسالة الفرع الأول: الدليل القرآني قال تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيما}(6). فعلى النبي (صلى الله عليه وآله) أن يحكم بما أراه الله تعالى حينما أخبره الوحي، والحكم هو تطبيق للشريعة فوجب أن يكون حكمه مطابقاً لما أراه الله ايّاه، وإلاّ عد خائنا. الفرع الثاني: الدليل الروائي وآراء العلماء. أولاً: الدليل الروائي من كتب الشيعة ١-روي الشيخ الطوسي (قدس سره) "أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما سجد سجدتي سهو قط"(7). ٢-قال المحقق الطوسي (قدس سره): "يجب في النبي العصمة والذكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم السهو وكل ما ينفّر عنه"(8). 3- قال الفاضل المقداد السيوري (قدس سره): " وأصحابنا حكموا بعصمتهم مطلقاً قبل النبوة وبعدها عن الصغائر والكبائر عمداً وسهواً، بل وعن السهو مطلقاً، ولو في القسم الرابع، ونقصد به الافعال المتعلّقة بأحوال معاشهم في الدنيا مما ليس دينياً"(9). نعم/ توجد هناك روايات مروية عن زرارة تثبت السهو للنبي في صلاته قال بها الشيخ الصدوق موافقاً بها استاذه ابن الوليد أوضحت: أنّ أدنى درجات الغلو عدم القول بسهو النبي. ولكن يمكن القول بأن الروايات القائلة بسهو النبي محمولة على التقية مجاراةً لأبناء العامة، أو يكون مقصود أصحاب تلك النظرية -الشاذة عن اجماع علماء الشيعة- هو إمكان وقوع الإسهاء من الله تعالى على نبيّه، وليس السهو الناتج من غلبة الشيطان على العقل. علماً أنّ علمائنا ردّوا برسائل وكتب عديدة في نفي السهو عن النبي(10). وأما الرأي الغالب والمشهور هو ما أجمع عليه الإمامية هو القول بعدم جواز السهو على النبي؛ للأدلة التالية: 1- لمخالفتها للأدلة العقلية النافية للسهو. 2- لمخالفتها لأخبار واجماع الإمامية برواياتهم الدالة على مصونية الأنبياء. ثانياً: الدليل الروائي من كتب أبناء العامة وأقوال بعض علمائهم. ١-قال إمامهم مسلم في صحيحه: "عن ‏ ‏علقمة ‏، ‏قال : قال عبد الله ‏: ‏صلى رسول الله ‏ (ص[صلى الله عليه وآله]) ‏، ‏قال إبراهيم ‏: ‏زاد أو نقص ‏ ‏فلما سلم ، قيل له : يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء ، قال : وما ذاك ، قالوا : صليت كذا وكذا ، قال : فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : ‏إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر ‏ ‏أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته ‏ ‏فليتحر ‏ ‏الصواب فليتم عليه ، ثم ليسجد سجدتين"(11). فالرواية أعلاه تؤكد سهو النبي (صلى الله عليه وآله) في تطبيق أحد الشرائع السماوية، وهي الصلاة. ٢- قال ابن حنبل في مسنده: "عن عبد الله ‏، ‏قال : ‏صلى رسول الله ‏(ص[صلى الله عليه وآله]) ‏ ‏صلاة فلا أدري زاد أم نقص فلما سلم ، قيل له : يا رسول الله : هل حدث في الصلاة شيء ، قال : لا وما ذاك ، قالوا : صليت كذا وكذا ، قال : فثنى رجليه فسجد سجدتي السهو فلما سلم ، قال : ‏إنما أنا بشر أنسى كما تنسون وإذا شك أحدكم في الصلاة ‏ ‏فليتحر ‏ ‏الصلاة فإذا سلم فليسجد سجدتين"(12). فالعبارة واحدة في الروايتين، وقد تبيّن بطلان قولها عقلاً ونقلاً في المطلب الأول. 3- قال ابن تيمية شيخ الوهابية: "القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء ‏الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي ‏أن هذا قول الأشعرية، وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل ‏عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول. والدليل على ‏وقوع الصغائر منهم مع عدم إقرارهم عليها:‏ ... وهذا نبينا محمد صلى الله عليه[وآله] وسلم يعاتبه ربه سبحانه وتعالى في أمور كثيرة ‏ذكرت في القرآن، منها قوله تعالى (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ‏مرضات أزواجك والله غفور رحيم) [التحريم : 1] وكذا عاتبه في الأسرى، وفي خبر ‏ابن أم مكتوم"(13).‏ مــلاحظة: قد استدل القوم بتبريراتٍ واهية لإثبات صدور الصغائر –بسبب السهو والخطأ والنسيان- من النبي (صلى الله عليه وآله), منها: 1- قالوا: للتأسي بالنبي عند الوقوع في المعصية بالإسراع في التوبة، وعدم التسويف. ويُــرد عليهم: يجب علينا أن نقع في نفس المعصية التي ارتكبها النبي ثم نتوب حتى يكون تأسينا به مطلقاً – فعلاً وتوبةً-، وإلاّ لا مرجح لجهة التأسي بالتوبة دون التأسي بالوقوع في المعصية. 2- قالوا: ليعرف الناس الفرق بين الإله والنبي، فلا يفضي بالناس الغلو بتعظيم أنبيائهم وعبادتهم مع الله تعالى. ويُــرد عليهم: كفى بالفارق بين الإله والنبي هو أنّ النبي مخلوق محتاج يجوع ويعرى ويمرَض وينكح ويموت ويفنى, وجميع تلك الصفات لا سبيل لانطباقها على الإله، فلماذا اقتصرتم على بيان الفارق بوجوب صدور المعصية من النبي ! نعم- مَن لم يدرك عقله عدم الملازمة بين العصمة والالوهية فذلك لخلل في عقله وتزلزل في عقيدته، وعدم العلم بالدليل ليس علماً بالعدم. فتأملوا. _____________________ (1) ظ: محاضرات في الإلهيات: للشيخ السبحاني، 289. (2) الطلاق: 1. (3) الحجرات: 6. (4) الأحزاب: 21. (5) آل عمران: 31. (6) النساء 105. (7) التهذيب: للشيخ الطوسي، ج2، ص180. (8) كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد: للشيخ الطوسي،ص349. (9) ارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: للفاضل السيّوري، 304. (10) راجع التنبيه بالمعلوم من البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان، رسالة الشيخ المفيد في نفي السهو عن النبي، بحار الأنوار: ج17، حق اليقين: ج1، ومصابيح الأنوار: ج2. (11) صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج، كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب السهو في الصلاة السجود له، 572. (12) مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل، مسند المكثرين من الصحابة - مسند عبد الله بن مسعود (ر)،3591. (13) مجموع فتاوى ابن تيمية: لابن تيمية، ج4،ص 319. اللهم صلِّ على سيدنا محمد صلاة تخرجنا بها من ظلمات الوهم، وتكرمنا بها بنور الفهم، وتوضح لنا الشكل حتى نفهم، إنّك أنت الأعز الأجل الأعلم، وعلى آله الطاهرين وسلم. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنتين
2337

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
101408

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
97820

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
55372

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
52821

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
51870

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
50740