تشغيل الوضع الليلي

خاطرة

منذ سنة عدد المشاهدات : 388

فرحُكَ بنجاحِكَ وتقدُمِكَ أمرٌ طبيعي، ولكن فرحك بنجاحِ الآخرين و مساعدتهم في تقدُمِهم دليلُ نقاءِ قلبِك..

اخترنا لكم

المُشترِك مشغول

(المُشترِك مشغول؛ حاولِ الاتصالَ في وقتٍ لاحق)... استمر بالحُبِّ ما استطعتَ؛ لا تنظرْ لسجلِ الاتصالات.. من اتصلَ بمَنْ أكثر؛ هو سجلُّ أعمالِك.. املأهُ بما تُحِبُّ أنْ تراهُ يومَ يوفّى كُلٌّ حسبَ نيتِه وعملِه! #كاردينيا_ياس #تواصلْ_حُبًا_لله

اخرى
منذ سنة
479

زيارة القبور طاعة لله لا شرك به (13)

زيارةُ القبورِ طاعةٌ للهِ لا شركٌ به(13) بقلم: رضا الله غايتي الفصل الثاني المبحث الثاني: شُبهةُ تحريمِ الاستشفاعِ والتوسُلِ والاستغاثةِ بالأنبياءِ والأئمةِ (عليهم السلام) المطلب الثالث: شُبهةُ تحريمِ الاستغاثةِ بالأنبياء والأئمة (عليهم السلام) تقدّمَ أنَّ الوهابيةَ يرون أنّ المُشركين وعَبَدةَ الأصنامِ في زمنِ الرسولِ الأكرمِ (صلى الله عليه وآله) موحِّدون في الربوبية؛ لأنّهم لا يعتقدون أنّ للأصنامِ تأثيرًا كونيًا مُستقلًا عن اللهِ (تعالى)، ولذا فهم لم يطلبوا منها سوى الشفاعةِ عندَ الله (سبحانه)، إلا أنّهم في الوقتِ نفسِه يستنكرون الاستغاثةَ بالأنبياءِ والأولياء بدعوى أنّها شركٌ في الربوبيةِ، ويُدخلون من يعتقدُ بها في دائرةِ أولئك المُشركين وعَبَدَةِ الأصنام! وهذا تناقضٌ واضحٌ، فحسب رؤيتهم إمّا أنْ يكونَ المشركون وعَبَدةُ الأصنامِ غيرَ موحِّدين في الربوبية؛ ومن يطلبُ النُصرةَ من الأنبياءِ والأولياءِ اليومَ يدخلُ فيهم، ومن ثم فهم غيرُ موحِّدين على غرار المشركين، أو أنْ يكونَ المُستغيثون بالأنبياءِ اليومَ موحِّدين في الربوبيةِ كما كانَ المُشركون كذلك. وأما حُجَجهم في تحريمِ الاستغاثةِ بالأنبياءِ والأئمةِ (عليهم السلام) فهي: أولًا: كلماتُ الاستغاثةِ (انصُرني أو اِغنِني أو اِشفني) كلماتُ شرك. قال ابن تيمية: "إنَّ قولَ أدركني أو أغثني أو اشفعْ لي أو انصرني على عدويّ ونحو ذلك ممّا لا يقدرُ عليه إلا اللهُ إذا طُلِبَ في أيامِ البرزخ كانَ من أقسامِ الشرك"(1). يَعُدُّ الوهابيون قولَ (انصرني أو اغنني أو اشفني) شركًا باللهِ (تعالى) وأنَّ قائلَها حلالُ الدمِ إلا أنْ يتوب؛ لأنّه إشراكٌ للأنبياءِ مع الله (تعالى) في النُصرةِ والإغناءِ والإشفاءِ على الرغم من أنّه (جلّ وعلا) بجلالتِه قد استخدمَ ألفاظًا نسب فيها الإغناءَ والرزقَ والفضل إلى رسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله)، إذ قال: "وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ"(2)، وقال (جلّ وعلا): "وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ "(3). بل ونسب (جلّ شأنه) الرزقَ إلى عمومِ الناسِ أيضًا كما في قوله (سبحانه): "وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ"(4) فإنْ كانتْ هذه الكلماتُ كلماتِ شركٍ، أ فهل يُعقَلُ أنْ يذكرَها اللهُ (تعالى) في كتابِه الكريم الذي طفحَ بالكثيرِ من الآياتِ الداعيةِ إلى التوحيدِ ونبذِ الشركِ وعبادةِ سواه؟ ثانيًا: الاستغاثةُ بغيرِ اللهِ (تعالى) موجبةٌ للارتدادِ عن الدينِ والدخول في عِدادِ المشركين. قال محمد بن عبد الوهاب: "إنّ دعاءَ غيرِ اللهِ والاستغاثةَ بغيرِ اللهِ موجبٌ للارتدادِ عن الدينِ والدخولِ في عِدادِ المُشركين وعَبَدَةِ الأصنامِ واستحلالِ المالِ والدمِ إلا مع التوبة"(5) وللردِّ عليه لا بُدّ من بيانِ التوحيدِ في الربوبية أولًا.. التوحيدُ في الربوبية: هو الاعتقادُ أنْ لا خالقَ للكونِ ولا مُدبِّرَ له سوى اللهِ (جلّ شأنه)، قالَ (تعالى): "اللهُ الّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغيرِ عَمَدٍ تَرَونَها ثمّ اسْتَوى على العَرْشِ وسَخّرَ الشَّمسَ والقَمَرَ كلٌّ يَجْرِي لاَجَلٍ مُسمًّى يُدَبِّرُ الاَمرَ..."(6) وقد استدلَّ القرآن الكريم على التوحيدِ الربوبي بالتناسُقِ الكوني والتناغُمِ بين مكوِّناتِ الكونِ في الخلقِ والتدبير كما في قوله تعالى: "لَوْ كانَ فيهما آلِهةٌ إلاّ اللهُ لَفَسَدَتا"(7)؛ وذلك ردًا على المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنامَ والأوثانَ والكواكبَ والنجومَ؛ لاعتقادِهم بأنّها تضرُّ وتنفعُ وتؤثِّرُ في الكونِ على نحوِ الاستقلالِ والانفرادِ دونه (عزَّ وجلّ)، بل وكانوا يعدّونها نُظراءَ وأندادًا له (سبحانه) قالَ (عزّ من قائل): "وَمن الناسِ مَنْ يتّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أنْداداً يُحبُّونَهُمَ كحبِّ اللهِ"(8) ومن الجديرِ بالذكرِ أنّ نفيَه (تعالى) الأندادَ المُدبِّرةَ للكونِ لا يعني اقتصارَ التدبيرِ الكوني عليه (سبحانه)، فقد ذكرَ أنَّ هناك مُدبِّراتٍ للكونِ سواه (جلَّ في علاه) كما في قوله (جلّ وعلا): "فالمُدبّراتِ أمْراً "(9) إشارةً إلى الملائكةِ التي تتولّى تدبيرَ الكونِ بأمرِه (سبحانه)، وكما في قوله (تعالى): "قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)"(10) إذن فالتدبيرُ الكوني لا يقتصرُ عليه (سبحانه) من جهة، ولكن من جهةٍ أُخرى فهو (تعالى) الذي يُحدِّدُ من له تلك السلطة ومقدارها، كما أنّ من يمنحُه السُلطةَ يستحيلُ عليه التصرُّفُ بها قيدَ أنمُلةٍ أو دونها إلا بأمرِ اللهِ (تعالى) وإذنه. وعليه، فلو استغاثَ بالأنبياءِ مُعتقدًا بأنّهم عبادٌ أقدرَهم اللهُ (تعالى) على الإجابةِ أحياءً وأمواتًا بإذنه لا على نحوِ الاستقلال، تكونُ الاستغاثةُ بهم حينئذٍ من قبيلِ التوسُّلِ بالأسباب، وأما إن استغاثَ بهم بما أنّهم آلهةٌ أو أربابٌ ينصرونه أصالةً واستقلالًا فهو شركٌ باللهِ (تعالى) لا محالة. وبالعودةِ إلى اعتقادِ أتباعِ المدرسةِ الإماميةِ لا نجدُ أحدًا منهم يستغيثُ بالأنبياء أو الأولياء (عليهم السلام) بدعوى ألوهيتهم، أو ينتصر بهم على نحوِ الاستقلال عن اللهِ (تعالى) إطلاقًا، بل يستغيثُ بهم لما لهم من قُدرةٍ منحَها لهم اللهُ (تعالى) ليس إلا، وهو على يقينٍ بعدمِ انتصارِهم له ما لمْ يأذنِ اللهُ (تعالى) بذلك وإنْ كانوا قادرين. ثالثًا: تحرمُ الاستغاثةُ بالأولياءِ بعدَ مماتِهم أو في غيبتِهم في الأشياءِ التي لا يقدرُ عليها إلا الله (تعالى) قال محمد بن عبد الوهاب: "فإنَّ الاستغاثةَ بالمخلوقِ فيما يقدرُ عليه لا نُنكرُها، كما قالَ اللهُ (تعالى) في قصة موسى: "فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ"(11)، وكما يستغيثُ الإنسانُ بأصحابِه في الحربِ أو غيره في أشياءٍ يقدرُ عليها المخلوق، ونحنُ أنكرنا استغاثةَ العبادةِ التي يفعلونها عندَ قبورِ الأولياء، أو في غيبتِهم في الأشياءِ التي لا يقدرُ عليها إلا الله"(12) من الواضحِ جدًا أنّ محمدًا بن عبد الوهاب لا ينفي مشروعيةَ مطلقِ الاستغاثةِ بالأنبياء، وإنّما ينفيها في حالِ مماتِهم فقط، وهذا شركٌ حسب منظورِ الوهابية؛ لأنّهم يرون تحقُّقَ الشركِ عندَ ضمِّ غيرِ اللهِ (تعالى) إليه، وهذا كما يتحقَّقُ في حالِ ضمِّ الميتِ إليه (سبحانه) فهو يتحقَّقُ حالَ ضمِّ الحي إليه بصورةٍ أجلى. وأما تقييدُه بقيدِ كونِ المُستغاثِ به قادرًا في قوله: "فإنّ الاستغاثةَ بالمخلوقِ فيما يقدرُ عليه لا نُنكرها"، فيردُ عليه: إنْ كانَ يعتقدُ بأنَّ تلك القُدرةَ نابعةٌ من ذاتِه على نحوِ الاستقلالِ لا من إقدارِ اللهِ (عزّ وجلّ) وتمكينِه فهو الشركُ الأكبرُ، وإنْ كانتْ في نظره يسيرة، وأما إنْ كانَ يعتقدُ أنّ هذه القدرةَ من اللهِ (تعالى) وهو الذي أضافَها للمخلوقِ فلا فرقَ بين الحيّ والميتِ حينئذٍ، فكما يُقدِرُ اللهُ (تعالى) الحيَّ في الحياةِ الدُنيا فإنّه يُقدِرُ روحَ الميتِ في حياتِه البرزخية. وطالما كانتِ القُدرةُ في كُلِّ الأحوالِ نابعةً من اللهِ (تعالى) من جهةٍ، وقُدرتُه (تعالى) غيرُ مُتناهيةٍ من جهةٍ أخرى، وما المخلوقُ سوى سببٍ يُضيفُ اللهُ (تعالى) تلك القُدرةَ إليه حسب مقامه وشأنه، فلا معنى حينئذٍ لتفريقِ محمدٍ بن عبد الوهاب بين (الأشياء التي لا يقدرُ عليها إلا الله) وبين سواها من الأشياء. أولم يكنِ النبيُّ عيسى (عليه السلام) يُحيي الموتى؟! كما أنّ التفريقَ بينَ الأمورِ الاعتياديةِ وسواها يقتضي القولَ بالثنوية، أيّ لا بُدّ من التوحيدِ في الأمورِ غيرِ الاعتياديةِ (الأمور الخارقة) وأما في الأمورِ الاعتياديةِ فلا يُشترَطُ فيه. وهذا قولٌ باطلٌ وشركٌ صريحٌ، إذ لا بُدّ من التوحيدِ في جميعِ الأفعالِ الإلهية، والقولِ باستنادِ المخلوقاتِ في جميعِ أفعالِها إلى القُدرةِ التي أقدرَها اللهُ (تعالى) عليها بصرفِ النظرِ عن كونِها أفعالًا اعتيادية أو لا. رابعًا: الاستغاثةُ بالأنبياءِ والأئمة عبادةٌ لهم قال محمدٌ بن عبد الوهاب: "من الشركِ أنْ يستغيثَ بغيرِ اللهِ أو يدعوَ غيرَه، وقولُ اللهِ (تعالى): "وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ" ... فيه مسائل ... الثالثة: أنْ هذا هو الشركُ الأكبر ... الثالثة عشر: تسميةُ تلك الدعوةِ عبادةٌ للمدعو"(13). وللردِّ على هذه الشُبهةِ لا بُدَّ من بيانِ معنى التوحيد في العبادة.. التوحيدُ في العبادة: هو أنّ حقّ العبادةِ حقٌّ محضٌ للّه (تعالى)، ولا يجوزُ عبادةُ غيرِه، فلا معبودَ سواه(14)، ولكي يتجلّى معنى التوحيدُ في العبادةِ ويتضحَ حدُّه لا بُدّ من التعرُّضِ إلى معنى العبادةِ ذاتِها ومعرفةِ حدودِها. *مفهــومُ العبــادة: لُغـــةً: قالَ الراغبُ في المُفرداتِ: "العبوديةُ إظهارُ التذلُّلِ، والعبادةُ أبلغُ منها؛ لأنّها غايةُ التذلُّل"(15). وأما ابن منظور فقال في لسان العرب: "أصلُ العبودية: الخضوعُ والتذلُّل"(16). وكما هو واضحٌ لا يُمكِنُ التعويلُ على المعنى اللغوي للعبادةِ في فهمِ المعنى الشرعي لها؛ لأنّه لا يُمثِّلُ حدًّا منطقيًا، أي ليسَ بجامعٍ للأفرادِ ولا مانعًا من دخولِ الأغيار وإن بلغَ الخضوعُ مُنتهاه والتذلُّلُ أقصاه، وإلا لكانَ اللهُ (سبحانه) أولَ مَنْ أمرَ بأنْ يُشرَكَ به حينَ أمرَ الملائكةَ بالسجودِ لآدم (عليه السلام) إذ قال (عزّ من قائل): "وإذْ قُلنا لِلمَلائِكةِ اسْجُدوا لآدَمَ"(17)! وكيف يأمرُهم بعبادةِ غيرِه وهو (سبحانه) القائلُ: "وقَضى ربُّكَ ألاَّ تَعبُدوا إلاّ إيّاهُ"(18)، فهل يُعقَلُ أنْ ينهاهم عن شيءٍ ويأمرَهم به؟! ثم إنّ أمرَه (تعالى) إيّاهم بعبادةِ ما سواه هو من الفحشاءِ وهو (جلّ في علاه) لا يأمرُ بالفحشاء، قال (تعالى): "إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحشاءِ أتَقُولونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ"(19) وقد حاولَ بعضُ من فسَّرَ العبادةَ بالخضوعِ التخلُّصَ من هذا المأزقِ بدعوى أنّ سجودَ الملائكةِ لآدمَ (عليه السلام) لم يكنْ عبادةً له؛ لأنّه كانَ بأمرِ اللهِ (سبحانه)، ولولا أمره لانقلبَ عملهم عبادةً له. وهي دعوى تفتقرُ إلى الدِقّةِ (لأنّ معنى ذلك أنّ أمرَ اللهِ يُغيّرُ الموضوعَ، ويُبدِّلُ واقعَه إلى غيرِ ما كانَ عليه، مع أنّ الحُكمَ لا يُغيِّرُ الموضوع، فلو نفترضُ أنّه (سبحانه) أمرَ بسبِّ المُشركِ والمُنافقِ فأمرُه (سبحانه) لا يُخرِجُ السبَّ عن كونِه سبًّا)(20) إذن للعبادةِ مُقوّمٌ مهمٌّ لم يكنْ موجودًا في سجودِ الملائكةِ لآدم (عليه السلام) ولم تذكرْه معاجمُ اللغة، وعليه فلا بُدّ من الانتقالِ إلى المعنى الاصطلاحي لكلمةِ العبادة. مفهومُ العبادةِ اصطلاحًا حدَّدَ مفهومَ العبادةِ الكثيرُ من العُلماءِ بناءً على ما وردَ في الآياتِ الكريمةِ والرواياتِ الشريفة، منهم العلّامةُ الشيخُ جعفر السبحاني الذي قال إنّها: (عبارةٌ عن الخضوعِ الصادرِ عمّن يتّخذُه الخاضعُ إلهًا)(21) . إذن -حسبما جاء في تعريف العلامة- العبادةُ تتألّفُ من رُكنين هما: الأول: الخضوعُ والتذلُّل. الثاني: اعتقادُ الخاضعِ التامِ والجازمِ أنّ من يخضعُ له هو إلهه وربّه وخالقه. وبهذا التعريفِ لمفهومِ العبادةِ يتضِحُ أنّ اللهَ (تعالى) عندَما أمرَ الملائكةَ بالسجودِ لآدمَ (عليه السلام) لم يكنْ يأمرُهم بعبادتِه؛ لتجرُّدِ خضوعِهم له من الاعتقادِ بألوهيته أو ربوبيته أو خالقيته، ومن ثم يكونُ قد أمرَهم بتعظيمِه فحسب. وعليه يُمكِنُنا الردُّ على هذه الشُبهةِ بأنّ المُستغيثَ بالأنبياءِ والأئمةِ (عليهم السلام) وإنْ خضعَ لهم وتذلّلَ وتضرّعَ إلا أنّ كُلَّ ذلك لا يُمكِنُ أنْ يُعدَّ عبادةً لهم؛ لانعدامِ الركنِ الثاني، أي لتجرُّدِه من الاعتقادِ بألوهيتهم وربوبيتهم وخالقيتهم. وعلاوةً على ما تقدّمتْ من ردودٍ على حُجَجِهم الواهيةِ في تحريمِ الاستغاثةِ فإنّ هناك العديدَ من الأدلةِ التي تؤيدُ الاستغاثةَ بالأنبياءِ والأئمةِ، وتؤكِّدُ مشروعيتها، ومنها: أولاً : الاستغاثةُ بقبرِ النبي (صلى الله عليه وآله) من الأمورِ المعروفةِ بينَ المسلمين، وكانَ الصحابةُ هم من يُرشدون إليها كما في روايةِ الصحابي الجليل: عثمان بن حنيف: روى الحافظُ الطبراني عن الصحابي الجليلِ عثمان بن حنيف: أنّ رجلًا كانَ يختلفُ إلى عثمان بن عفان في حاجةٍ له، وكانَ لا يلتفتُ إليه ولا ينظرُ في حاجته، فلقى ابنَ حنيف فشكى إليه ذلك، فقال له ابنُ حنيف: ائتِ الميضأة، فتوضّأ ثم اِئتِ المسجدَ فصلِّ ركعتين، ثم قُلْ: اللّهُمَّ إنّي أسألُكَ وأتوجّه إليك بنبيّنا محمد نبيّ الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بكَ إلى ربِّك أنْ تقضيَ حاجتي، وتذكرُ حاجتك. فانطلقَ الرجلُ فصنعَ ما قالَ، ثم أتى بابَ عثمان فجاءَه البوّابُ حتى أخذَ بيدِه، فأُدخِلَ على عثمان فأجلسَه معه على الطنفسة فقال: حاجتك؟ فذكرَ حاجتَه وقضى له، ثم قالَ له: ما ذكرتُ حاجتَك حتى كانتِ الساعة، وقال: ما كانتْ لك من حاجةٍ فاذكرها، ثم إنّ الرجلَ خرجَ من عنده فلقى ابنَ حنيف فقال له: جزاكَ اللهُ خيرًا، ما كانَ ينظرُ في حاجتي ولا يلتفتُ إليّ حتى كلّمتَه فيّ. فقال ابن حنيف: والله ما كلّمتُه، ولكنْ شهدتُ رسولَ الله، وأتاه ضريرٌ فشكى إليه ذهابَ بصره، فقالَ له النبي (صلى الله عليه وآله): إنْ شئتَ دعوتُ أو تصبر، فقال: يا رسولَ الله إنّه ليس لي قائدٌ وقد شقَّ عليّ، فقال له النبي: اِئتِ الميضأةَ، فتوضّأ ثم صَلِّ ركعتين ثم اِدعُ بهذه الدَعَوات. قالَ ابنُ حنيف: فو اللهِ ما تفرَّقْنا وطالَ بنا الحديثُ حتى دَخَلَ علينا الرجلُ كأنّه لم يكنْ به ضر(22). قالَ الترمذي: هذا حديثٌ حقٌّ حسنٌ صحيحٌ. وقال ابنُ ماجة: هذا حديثٌ صحيحٌ. وقال الرفاعي: لا شكّ أنّ هذا الحديثَ صحيحٌ ومشهورٌ(23). ثانيًا: ابنُ حبان* يستغيثُ بقبرِ الإمامِ الرضا (عليه السلام). في حديثِه عن قبرِ الإمامِ الرضا (عليه السلام) يقولُ ابنُ حبان: "قد زُرتُه مرارًا كثيرةً، وما حلّتْ بي شِدّةٌ في وقتِ مقامي بطوس، فزُرتُ قبرَ علي بن موسى الرضا (صلوات الله على جدِّه وعليه)، ودعوتُ اللهَ إزالتَها عنّي، إلا استُجيبَ لي، وزالتْ عني تلك الشدة. وهذا شيءٌ جرّبتُه مرارًا، فوجدتُه كذلك. أماتَنا اللهُ على محبةِ المُصطفى وأهلِ بيته (صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين)"(24) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الهدية السنية ص40 (2) التوبة 74 (3) التوبة 59 (4) النساء 5 (5) أنظر كشف الارتياب ص214

اخرى
منذ 5 أشهر
293

إدارةُ الخِلافاتِ الزوجية

بقلم: وجدان الشوهاني لا تخلو أسرةٌ من خلافاتٍ، إلا أنها لا تعني أنّ هناك انعدامًا تامًا للتفاهُمِ بين الزوجين، أو اختيارًا خاطئًا. نعم، قد تكونُ سببًا أساسيًا لخلافاتِ البعضِ، ولكن ليسَ الكُلّ. الخلافاتُ أمرٌ مفروض في أغلبِ أُسرِنا، وأسبابُه كثيرةٌ، ولكن ينقصُنا فهمُ تلك الخلافاتِ لنتمكّنَ من إدارتِها وحلِّها بما يحولُ دونَ تفاقُمِها الذي يكون سببًا في تهديمِ العلاقة الزوجية. وبدايةً نوضِّحُ حقيقةَ العلاقةِ الزوجيةِ التي تكونُ عبارةً عن مشروعِ عملٍ مستقلٍ يشتركُ فيه اثنان، بناءً على ضوابطَ وضعتها الشريعة. ولذا وجبَ على الشريكينِ أنْ يعملا كفريقِ عملٍ واحد، يكونُ لكُلٍّ منهما مهامٌ يُكمِّلُ من خِلالها أحدُهما الآخرَ ليكونَ مشروعًا ناجحًا. ومن خلالِ ما تقدَّمَ نستطيعُ أنْ نُشخِّصَ ونفهمَ أهمَّ أسبابِ الخلافاتِ التي تنشأُ من المُقارنات، مثلُ مُقارنةِ الزوجةِ زوجَها بآخر، وكذا الزوج. فلو فهمَ الزوجان أنّ علاقتَها عبارةٌ عن مشروعٍ مُستقلٍ، لما كانَ للمُقارناتِ أيُّ محلٍّ في علاقتهما. الاستقلاليةُ تعني وجودَ علاقاتٍ زوجيةٍ أخرى، تختلفُ من حيثُ ذات الأزواجِ وبيئتهما وزمانهما وغيرها من أمورٍ أخرى، ومن ثم فالمُقارنةُ تُعدُّ مقارنةً غيرَ مُنصفة. وقد يكونُ الخلافُ بسببِ تداخُلِ المهام، حيثُ إنّ العلاقةَ الزوجيةَ هي علاقةٌ تكامليةٌ بمعنى أنّ أحدَهما يُكمِلُ الآخر من خِلالِ المهامِ المنوطةِ به، فلو فهمَ الزوجان ذلك لما كانَ للخلافِ وجود، فكثيرٌ من الأزواجِ يشتكي من الطرفِ الآخر بأنّه لا يؤدّي عملَه وعندما نسألُ نجدُ أنّه ليس من مهامهِ، ممّا يُسبِّبُ خلافًا بينهما. وهناك خلافاتٌ تنشأُ بسببِ إهمالِ الضوابطِ الشرعيةِ التي وضعتْها الشريعةُ لتكوينِ علاقةٍ زوجيةٍ ناجحةٍ مثل الاختيارِ الخاطئ. هذه أهمُّ الخلافات، ولكي نتمكّنُ من إدارتِها بشكلٍ جيّدٍ لنحولَ دونَ تفاقُمها، علينا أنْ نُشخِّصَ موقعَ الخلافِ لنتمكّنَ من الحلِّ. وبالرغمِ من أنّ الدراساتِ الحديثةِ قد وضعتْ حلولًا وطرقَ معالجات كثيرة لكن لا يُمكِنُها أنْ تصلَ إلى ما وصلت إليه الشريعةُ في مُعالجةِ الخلافات. قال الله (تعالى): "وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" لو دقّقنا بمفهومِ المودةِ الذي ينشأُ من الاختيارِ الصحيحِ لشريكِ الحياة لتمكنّا من حلِّ الخلافِ الذي يُعكِّرُ صفوَ العلاقة، فإدارةُ الخلافِ لحلِّه يكونُ بالحُبّ؛ إذ العاطفةُ كفيلةٌ لإذابةِ كثيرٍ من الخلافاتِ، من خلالِ الكلماتِ الرقيقة مثل: حبيبي أو حبيبتي، فهاتان الكلمتان لهما من الأثرِ الشيء الكثير. أما إنْ كانَ هناك اختيارٌ خاطئٌ لإهمالِ بعضِ الضوابط وكانَ هو السببَ في كثيرٍ من الخلافاتِ فعلينا أنْ نلجأ للمفهومِ الثاني الذي أشارتْ إليه الآيةُ الكريمةُ وهو الرحمة؛ فمفهومُ الرحمةِ مفهومٌ واسع، ولو أدارَ الزوجان خلافاتِهما من مُنطلقِ الرحمةِ فسوف نجدُ سياسةَ الحوارِ والصبرِ وطيّ الخلافِ وغيرِها من أمورٍ حاضرةٍ في كُلِّ خلافٍ ليُعلنَ عن انتهائه. وقد تنجمعُ المودةُ والرحمةُ في كثيرٍ من العلاقاتِ ممّا يوسعُ من سُبُلِ إدارةِ وحلِّ الخِلافاتِ الزوجية، على العكسِ من انعدامِها من العلاقةِ والعياذُ بالله، فلو انعدمتِ المودةُ والرحمةُ بين الزوجين فالحياةُ ستنقلبُ إلى جحيمٍ وقد يلجأ أحدُ الطرفين لإدارتِه وحلِّه بالكي من خِلالِ الطلاق وهو أبغضُ الحلال. ومن هُنا فنحنُ ندعو الأزواجَ إلى تفعيلِ المودةِ والرحمةِ بينهما ليتمكنوا من تخطّي كثيرٍ من الخِلافات، وقبلَ ذلك ندعوهم لفهمِ حقيقةِ العلاقةِ الزوجيةِ لتجنُبِ الخلافاتِ والعيشِ بهدوءٍ واستقرار. فإدارةُ الخِلافاتِ بأيدينا، لا ينقصُنا إلا تفعيلُ تلك الإدارةِ بما يحولُ دونَ تفاقُمها.

اخرى
منذ سنة
632

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
125374

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
114282

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
73641

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
67145

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
64541

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
56035