تشغيل الوضع الليلي

مثلثُ الشعيرةِ الشعبانية الحلقة الأولى

منذ 8 أشهر عدد المشاهدات : 384

بقلم: علوية الحسيني

إنّ هذه المناسبةَ المقدّسةَ التي هي من شعائرِ اللهِ (تعالى) ينبغي علينا إحياؤها دومًا بما يليق وقدسيتها، انطلاقًا من يومِ الخامس عشر من شعبان المُعظّم.
الشعيرةُ: هي كُلُّ عملٍ يكونُ مظهرُه الجزعَ على مصابِ الأئمةِ (عليهم السلام)، أو يكونُ مَظهرًا لمواساتهم في مظلومياتهم، أو مظهرًا من مظاهرِ الفرحِ لفرحِ آلِ مُحمّدٍ (عليهم السلام). وذكرُنا لذلك هو نوعٌ من إحياءِ الشعائِرِ من وجهٍ ونوعٌ من التمهيدِ لإمامِ الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) من وجهٍ آخر، يقولُ اللهُ (تعالى) في مُحكمِ كتابه الكريم: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب}(1).
*وهنا سؤالٌ:
كيفَ نُحيي شعيرةَ ذكرى ميلادِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؟
هل يكفي اطلاعُنا على الأدوارِ التي قامَ بها الإمام أو عبادته أو تعامله؟
أم هل يكفي الحُبُّ القلبي له (عجّل الله فرجه الشريف)؟
الجواب:
كُلُّ ذلك لا يكفي استقلالًا؛ بل لإحياءِ تلك الشعيرةِ مُثلثٌ مُرتبطٌ رأسه بقاعدته، لا بُدّ من تحقيقِها جميعًا؛ فرأسُه المعرفةُ بالإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وقاعدته: حبّ الإمام, والعمل بأوامره.
1/ مـــعرفةُ الإمامِ:
نبدأ برأسِ الهرم الذي هو معرفةُ الإمامِ (عجّل الله فرجه الشريف)، والأدلةُ على وجوبِ معرفةِ الإمامِ عديدةٌ نذكرُ البعضَ منها:
أولًا: الدليلُ القرآني:
والأدلةُ القرآنيةُ على ذلك عديدةٌ، منها: قول الله (تعالى): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(2). "فأوجبَ معرفةَ الأئمةِ من حيث أوجبَ طاعتَهم، كما أوجبَ معرفةَ نفسِه، ومعرفةَ نبيّه – (عليه وآله السلام)- بما ألزمَ من طاعتهما"(3)؛ أيّ إنّي إذا لم أعرفِ الإمامَ لا أُطيعه، فالمعرفةُ أولًا، ثم تتفرّعُ منها الطاعة. تمامًا كما هو الحالُ في طاعةِ اللهِ (تعالى)؛ فإذا لم أعرفْه كيفَ أطيعه؟!
ثانيًا: الدليلُ الروائي:
أ) عن زرارة قال: "قلتُ لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفةِ الإمامِ منكم، واجبة على جميعِ الخلق؟ فقال: إنّ اللهَ (عز وجل) بعثَ محمدًا (صلى الله عليه وآله) إلى الناسِ أجمعين رسولًا وحجةً للهِ على جميعِ خلقِه في أرضِه، فمن آمنَ باللهِ وبمُحمّدٍ رسولِ الله واتبعه وصدّقه فإنَّ معرفةَ الإمامِ منّا واجبةٌ عليه، ومن لم يؤمنْ باللهِ وبرسولهِ ولم يتبعه ولم يُصدِّقْه ويعرفْ حقَّهما فكيفَ يجبُ عليه معرفةُ الإمامِ وهو لا يؤمنُ باللهِ ورسولِه ويعرف حقَّهما؟!"(4).
ب) الدُعاءُ المروي عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "اللَّهُمّ‏ عَرّفْني حَجّتَكَ فَإنَّكَ إن لَمْ تُعرّفْني حُجّتَكَ ضَلَلْتُ عَن ديْني"(5)، فمن لم يعرفْ إمامَ زمانِه ضالٌ، تائهٌ، لا يعرفُ عقيدةً حقّةً، ولا فقهًا مُستدلًا عليه، ولا أخلاق إلهية؛ لأنّه لم يمسكْ بحبلِ اللهِ المتين، محمدٍ وأهل بيته الطاهرين.
ج) عن الإمام الصادق (عليه السلام): "من باتَ ليلةً لا يعرفُ فيها إمامَه ماتَ ميتةً جاهلية"(6)، فالحديثُ يصفُ من لم يعرفْ إمامَ زمانِه بأنّه جاهلٌ، والعقلُ يحكمُ بوجوبِ رجوعِ الجاهلِ إلى العالم، ومخزنُ علمِ اللهِ (تعالى) هم مُحمّدٌ وآله (عليهم السلام)؛ فنُلاحظُ عظمةَ معرفةِ الإماِم (عجّل الله فرجه الشريف)، وما يترتبُ على الجهلِ بها، فضلًا عن جحدها ولهذا عُدَّتْ رأسًا لهرمِ إحياءِ الشعيرةِ الشعبانية.
*وهنا سؤالٌ مهمٌ: كيف أعرفُ إمامَ زماني؟
الجوابُ باختصار: إنّ لمعرفةِ الإمامِ درجاتٍ، أدناها ما رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "وأدنى معرفةِ الإمامِ أنّه عدلُ النبيّ إلا درجةَ النبوةِ ووارثِه، وإنّ طاعتَه طاعةُ اللهِ وطاعةُ رسولِ الله، والتسليمُ له في كُلِّ أمرٍ والردّ إليه والأخذ بقوله"(7). فالحديثُ يستبطنُ ثلاثةَ أمورٍ هي: (معرفةُ الإمام، والتسليمُ القلبي بالمحبّةِ له، والعملُ بقوله)، وهي عينُ المُثلثِ الذي أشرنا إليه أعلاه. والكتبُ المهدويةُ كفيلةٌ ببيانِ معرفةِ الإمام، وآدابِ انتظاره، وعلاماتِ ظهوره، وجميعِ تفاصيلِ قضيّته، من شاءَ زيارة مركزِ الدراساتِ التخصُصيةِ في الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لقراءةِ الكتبِ الموثوق فيها.
نعم، هناك عدّة أمورٍ مهمةٍ ينبغي معرفتُها، منها:
1- إنّ الإمامَ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مُنَصَّبٌ كإمامٍ بجعلٍ إلهي -كما هو حالُ أجدادِه (عليهم السلام)-؛ قال (تعالى): {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}(8).
2- إنّ اسمه (عجّل الله فرجه الشريف) هو مُحمّد؛ كما رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "الخَلَفُ الصالحُ من ولدي وهو المهدي اسمُه مُحمّدٌ وكُنيتُه أبو القاسم يخرجُ في آخرِ الزمان"(9).

3- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) من ولدِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام)؛ كما رويَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "والأئمةُ التسعةُ من ولدِ الحُسينِ تاسعُهم مهديُّهم وقائمُهم"(10).
4- عصمتُه (عجّل الله فرجه الشريف) لخوفه الشديدِ من ربِّ الأرضِ والسماوات، فكانَ ورعًا لا يقترفُ المعاصي، ولا يتركُ الواجباتِ –كأجدادِه (عليهم السلام)-.
5- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) حاملُ عرشِ اللهِ (تعالى) –أي حاملُ علمِ الله-؛ لأنّه أولُ من نطقَ بالربوبيةِ للهِ (تعالى) في عالمِ الذرّ بعدَ النبيّ مُحمّدٍ وأهلِ بيتِه (عليهم السلام)؛ رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: حينَما سُئلَ عن آيةِ {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء}(11) وعلم أنّ هناك من يقولُ إنّ العرشَ كانَ على الماءِ والربّ فوقه، فقال: "كذبوا، من زعمَ هذا فقد صيّرَ اللهَ محمولًا ووصفَه بصفةِ المخلوقِ ولزمَه أنّ الشيءَ الذي يحملُه أقوى منه،... إنّ اللهَ حملَ دينَه وعلمَه الماءَ قبلَ أنْ يكونَ أرضٌ أو سماءٌ أو جنٌ أو إنسٌ أو شمسٌ أو قمر، فلمّا أرادَ اللهُ أنْ يخلقَ الخلقَ نثرَهم بينَ يديه فقالَ لهم: من ربُّكم؟ فأولُ من نطق رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وأميرُ المؤمنين (عليه السلام) والأئمةُ (صلوات الله عليهم) فقالوا: أنتَ ربُّنا، فحمّلَهم العلمَ والدين، ثم قالَ للملائكة: هؤلاءِ حملةُ ديني وعلمي وأُمنائي في خلقي وهم المسؤولون"(12).
6- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) وارثُ الأنبياءِ والأوصياءِ (عليهم السلام)؛ حيث إنّه ورثَ الكتبَ الصحيحةَ من التوراةِ والإنجيلِ والزبور، رويَ عن الإمامِ الباقر (عليه السلام): "إذا قامَ قائمُ أهلِ البيتِ...يستخرجُ التوراةَ وسائرَ كتبِ اللهِ (عز وجل) من غارٍ بأنطاكية، ويحكمُ بينَ أهلِ التوراةِ بالتوراة، وبينَ أهلِ الإنجيلِ بالإنجيل، وبينَ أهلِ الزبورِ بالزبور"(13).
مثلما ورثَ عصا موسى وتابوتَ آدم (عليهما السلام)؛ رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "عصا موسى...هي وتابوت آدم في بحيرةِ طبرية، ولن يبليا، ولن يتغيّرا حتى يُخرجهما القائمُ (عليه السلام) إذا قام"(14).
فضلًا عن أنّه ورثَ قميصَ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، روي عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "ألا أُريكَ قميصَ القائمِ الذي يقومُ عليه؟ فقلتُ: بلى. قال: فدعا بقمطر((4)) ففتحه وأخرجَ منه قميص...فقال: هذا قميصُ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)...وفيه يقومُ القائم"(15).
7- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) مُسدّدٌ بروحٍ من اللهِ (تعالى)، روي عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "عن أبي بصير قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز وجل): "يسألونك عن الروحِ قُلِ الروحُ من أمرِ ربّي" قال: خلقٌ أعـــظمُ من جبرئيل وميكائيل، كانَ مع رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وهو مع الأئمةِ، وهو من الملكوت"(16).
8- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) أفضلُ وأحكمُ وأعلمُ الأئمةِ من بعدِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام)؛ روي عن سلمان قال: "كُنّا مع رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) والحُسينُ بن علي (عليهما السلام) على فخذه إذ تفرّسَ في وجهه. وقال: يا أبا عبد الله أنت سيّدٌ من سادة وأنت إمامٌ ابن إمامٍ أخو إمام، أبو أئمةٍ تسعة تاسعُهم قائمُهم إمامُهم أعلمُهم أحكمُهم أفضلُهم"(17).
9- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) يُظهِرُ الأحكامَ الواقعية، ويُهذّبُ الدينَ من البدع؛ كما نقرأُ في دعاءِ العهدِ المروي عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "واجعله اللهمَّ... ومُجدِّدًا لما عُطِّلَ من أحكام كتابك"(18).
تُرى، هل تكفي معرفتُنا بالإمامِ لإحياءِ ذكره؟
الجواب: لا، والتفصيلُ يأتي لاحقًا إنْ شاء الله (تعالى).
_____________________
(1) سورة الحج: 32.
(2) سورة النساء: 59.
(3) الإفصاح: للشيخ المفيد, ص28.
(4) الكافي: للشيخ الكليني, ج1 باب معرفة الإمام والرد عليه, ص80-181, ح3.
(5) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب في الغيبة , ص342, ح29.
(6) الغيبة: للشيخ النعماني، ج1، ب4، ص124، ح1.
(7) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج36, ص407.
(8) سورة الأنبياء:73.
(9) كشف الغمة: للإربلي, ج3, ص275.
(10) عيون اخبار الرضا: للشيخ الصدوق, ج2,ص60, ح25.
(11) سورة هود: 7.
(12) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب العرش والكرسي, ص133, ح6. (13) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, باب13, ص241, ح26.
(14) مصدر سابق, ج1, باب13, ص241, ح27.
(15) مصدر سابق, ج1, باب13, ص248, ح41.
(16) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة عليهم السلام, ص273, ح3.
(17) مقتضب الأثر: لأحمد بن عياش الجوهري, ص9.
(18) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج53, ص96.

اللّهم عرّفني حجّتك؛ فإنّك إنْ لم تُعرّفني حجّتكَ ضللتُ عن ديني.

اخترنا لكم

زيارةُ الأربعين... تكامُلٌ روحي

بقلم: يا رحمة الله الواسعة زيارةُ الأربعين رايةُ هدايةٍ تخرقُ حُجُبَ الغيبِ بمشيئةِ اللهِ (تعالى)، وهي سببٌ من أسبابِ صلاحِ النّفسِ وتقويمِها. فكم مِنْ مُهتدٍ نالَ شرفَ الكرامةِ في هذا المسيرِ وثبتَ على الصراطِ المستقيم

اخرى
منذ شهرين
133

زكاةُ الجمالِ العفاف

بقلم: دعاء الربيعي ها هيَ أيامُ الدراسةِ الثانويةِ قد مضتْ وتصرّمت، والعامُ الدراسي قد انتهى، وأيامُه رحلتْ بكُلِّ ما فيها من جِدٍّ وتعبٍ واجتهاد، وتأهّلتْ ولاءُ ومريمُ لدخولِ الجامعةِ بعدَ حصولهِما على مُعدّلٍ يخوِّلهُما الدراسةَ في كُلّيةِ الآداب، كانتا فرحتين مسرورتين وتتهيآنِ لبيئتِهما الاجتماعيةِ الجديدةِ المُتمثِّلةِ بالجامعة. وفي أحدِ الأيامِ سألتْ ولاءُ رفيقتَها مريمَ: - ما استعداداتُكِ وتحضيراتُكِ؟ - أيّ استعدادٍ تقصدين المادي أم المعنوي؟ فإنّي بحمدِ الله (تعالى) ومنِّه استعددتُ معنويًا بالاطلاعِ على بعضِ الكتبِ وقراءةِ جُملةٍ من المواضيعِ التي تتحدّثُ عن الحياةِ الجامعية، وعن كيفيةِ التصرُّفِ داخلَ أروقتِها.. أنصحُكِ بالاطلاعِ على ذلك. - جيّد.. وما تحضيراتُكِ الماديّةِ من قبيلِ الملابسِ والمُستلزماتِ الأُخرى، فهذه الأمورُ مُهمّةٌ أكثرُ من القراءةِ والاطلاع؛ فالشكلُ والمظهرُ الخارجي هو الأساس. - نعم المظهرُ مُهمٌ، وهو ما يعكسُ شخصيةَ الإنسانِ ويُحدِّدُ أسلوبَ حياتِه، ولكنّ الأمورَ المعنويةَ مُهمّةٌ أيضًا ولها تأثيراتٌ ومردوداتٌ إيجابية. ولأنّي أهتمُّ بالاثنينِ معًا فقد ذهبتُ يومَ أمس مع والدتي وابتعتُ بعضَ الملابسِ الأنيقةِ والمُحتشمةِ في نفسِ الوقت، وحرصتُ أنْ تكونَ ملابسي فضفاضةً ولا تُبرِزُ مفاتني وتفاصيلَ جسمي، أودُّ أنْ أكونَ مُرتبةً ومُراعيةً لمعاييرِ العِفّةِ في الوقتِ نفسِه. - آهٍ يا مريم.. كمْ أنتِ رجعيّةٌ وما زلتِ تُصرّين على ارتداءِ الأزياءِ القديمةِ والملابسِ التي لم تعُدْ صالحةً لوقتِنا وزمانِنا، أنتِ مُخطئةٌ فيما تعتقدين. أما سمعتِ أنّ اللهَ جميلٌ ويُحِبُّ الجمال، فاللهُ يُحِبُّ أنْ يرى عبدَه جميلًا مُتزينًا ومظهرًا لما أنعمَ عليه من جمالٍ ومحاسن.. - عجبٌ يا أُختاه! من قالَ إنّ المُرادَ من هذا الحديثِ هو إبرازُ الجمالِ للآخرين دونَ حصرٍ أو قيد؟! اعلمي يا ولاء أنّ (زكاةَ الجمالِ العفاف)1 وأنّ اللهَ (تعالى) إذا أنعمَ على العبدِ بنعمةِ الجمالِ فعليه أنْ يُزكيّها ليُحافظَ عليها، وقد قالَ سادتُنا (كُلُّ ما أدّيتَ زكاتَه فهو مأمونُ السلب)2 ومن هذا الحديثِ المُباركِ يتبيّنُ لنا أهميةُ التزكيةِ وضرورتُها للحفاظِ على النِعَمِ الإلهيةِ من النقصِ أو الزوالِ، ويُعَدُّ الجمالُ نعمةً من نِعَمِ اللهِ (تعالى) التي يجبُ علينا المُحافظةُ عليها وصيانتها. - وما المُرادُ بالعفاف؟ - إنّ العِفّةَ هي حالةٌ قُدسيةٌ عاليةٌ، وطاقةٌ إيمانيةٌ كبيرةٌ تغشى المؤمنةَ حينما تتزيّنُ بلباسِ التقوى والعِفّةِ والفضيلة، وعلى المُسلمةِ أنْ تلتزمَ بالحجاب؛ لأنّ شيمتَها العِفةُ والوقار، وإذا أرادتْ أنْ تُحافظَ على جمالِها وتصونَه من كُلِّ ما يُدنِّسُه ويحرفه، فعليها أنْ تسترَ بدنَها بالحجابِ الشرعي الذي لا زينةَ معه ولا ريبة.. وها أنتِ يا أخيّة مُقبلةٌ على الدراسةِ في الجامعةِ المُختلطةِ والتي يكونُ فيها إخوتُنا وزملاؤنا مطلعّين علينا، فعليكِ أنْ تتوخّي الحذرَ بزّيكِ وبطريقةِ حديثكِ ومُعاملتِك الطلابَ، وعليكِ أنْ تعكسي صورةً جيدةً لدينِك ومُعتقدكِ، ويجبُ أنْ تكوني مُقتديةً بسيدتي الزهراء (سلام الله عليها)؛ لأنّنا مُحِبّون وموالون لها وعلينا أنْ نتخذَها قدوةً وأنموذجًا. - حسنًا يبدو أنّني اقتنعتُ بحديثِكِ، وسأُحاولُ أنْ أهتمَّ بزّيي ومظهري وأُراعي الحشمةَ والوقارَ فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1/ ميزان الحكمة محمد ري شهري ج3ص2006 2/ نفس المصدر ص 1151

اخرى
منذ أسبوعين
89

ضياءٌ وإحياء مِن كلام ربِّ السماء (٤)

بقلم: علوية الحسيني سُبحان قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون} (1) مفردةٌ ذات خمسة أحرف، لها جذور قرآنية وروائية، تلهج بها الألسن سلوكًا، ودعاءً وصلاةً. غالبًا ما تكون مقرونة بلفظ الجلالة أو أحد أسمائه الحسنى، فنقول: (سبحان الله)، (سبحان الواحد الأحد) وهكذا، وأحيانًا تقرن بضمير يعود عليه جلّ جلاله، فنقول: (سبحانه)، (سبحانك)، وأحيانًا أُخرى تقرن بالاسم الموصول، فنقول: (سبحان الذي)، وأُخرى تقرن باسم، فنقول: (سبحان ربّك، سبحان ربّنا) وجميع ما تقرن به يدل على الله تعالى. مفردة (سبحان) تحول الواقع النظري إلى عملي، فتضيء النظري، وتحيي العملي، فتحيي فينا حياة المعرفة الإلهية، بتسديداتٍ ربانيّة سبحانية. وسوف تضيء لنا هذه المفردة النقاط التالية: ■النقطة الأولى: الاستخدام اللغوي لمفردة: سبحان. سبحان نوع من التسبيح، و "التَّسبيح: هو تنْزيهُ الله جلَّ ثناؤه من كلِّ سوء. والتَّنْزيه: التبعيد. والعرب تقول: سبحان مِن كذا، أي ما أبعدَه" (2). ■النقطة الثانية: الاستخدام القرآني لمفردة: سبحان. إنّ المتأمل في الآيات القرآنية الكريمة يجد أنّ مفردة (سبحان) تكررت أربعة وأربعين مرّة، وجميعها تعطي معنىً واحدًا، وهو التنزيه، كما اتفقت التفاسير الشيعية على ذلك، حسب الظهور السياقي للآيات التي ممكن تقسيمها إلى ما يلي: 1- تنزيه الله تعالى عن أن يشاركه أحدٌ في علم الغيب دون إذنه، كما في قوله تعالى: { قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم} (3)، فعلم الغيب علمٌ استأثر الله تعالى به لنفسه، ولم يطلع على بعضه أحدًا إلاّ مَن شاء، بقول تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * اِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدا} (4)، أما إذا لم يشأ سبحانه اطلاع أفاضل خلقه على غيبه، فيستأثر به لنفسه، رغم أفضلية منزلته عند ربّه على سائر الأنبياء والملائكة، مثل: أ/ أمر الرّوح، يقول تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} (5). فانفرد تعالى بالعلم بالروح، وأمر نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرجع أمر العلم بحقيقتها لربّها فقط، فسبحانه من أن يشاركه أحد من خلقه في ذلك. ب/ يوم القيامة، يقول تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُو} (6). فانفرد تعالى بالعلم بموعد قيام القيامة، وأيضًا امر نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يرجع أمر تحديد زمانها إلى ربّه وحده، وسبحانه من أن يشاركه أحد من خلقه في ذلك. ج/ توحيد الله تعالى لنفسه، يقول تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} (7). فانفرد تعالى بكيفية توحيده لنفسه، وسبحانه من أن يشاركه أحد من خلقه في ذلك. فها هو الإله منزّه عن مشاركة خلقه لعلمه الغيبي. 2- تنزيه الله تعالى عن أن يكون له ولد. الأقوام السابقة الضالة اختلفت في نسبة نوع الولد لله تعالى، فمنهم من نسبَ له تعالى أن يكون له ابن من الذكور، كاليهود الذين قالوا بأنّ عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا إنّ عيسى ابن الله، سبحانه عمّا ينسبون، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه} (8)، ولهذا جاءت الآية الكريمة منزّهة لله تعالى عن تلك النسبة، حيث قال تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَد} (9). ومن الأقوام الضالة من نسب لله تعالى أن تكون له البنات أبناءً، ويكون لهم البنين،{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَه} (10)، ونزّه الله سبحانه نفسه عن تلك النسبة. ومنهم من نسب لله تعالى أن تكون له الملائكة أبناء {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون} (11)، فالله تعالى نزّه نفسه عن تلك النسبة أيضًا، وتنقل بعض التفاسير أنّ المنزلة العظيمة التي أعطاها الله سبحانه لملائكته ناشئة من علمه الأزلي بأقوالهم وأفعالهم جميعها طاعةً له – إذ خلقهم بعقلٍ فقط- " (12). والآيات كثيرة بصدد هذا المضمار، وجميعها تذيّل بكلمة (سبحانه)، أو (سبحانك)، أو (سبحان ربّك)، وما شابه، فتنزَّه الله تعالى عن أن يكون له ولد، بنت، ملائكة، أبناءً. 3- تنزيه الله تعالى عن الشريك في الملك، كما في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون} (13)، وهذه الآية مستبطنة لقضية شرطية –كما يستدل المناطقة- مؤداها نفي الشريك عن الله تعالى في الواقع الخارجي، بدلالة كلمة (سبحان الله) أي تنزّه الباري تعالى أن يكون له شريك، وذيل الآية جاء للفظ الجلالة –وهو ربّ العرش أي ربّ العلم، فلو كان لله تعالى شريك في الملك لكان تعالى عالمًا بذلك الشريك وبأفعاله وآثاره؛ لعلمه المطلق جلّ جلاله. ثم استنكرت الآية في ذيلها ما يصفون لله من شريك؛ ترتيبًا على التنزيه. 4- تنزيه الله تعالى عن التجسيم ولوازمه كالرؤية، كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} (14)، فهنا نبي الله موسى (عليه السلام) نزّه ربّه من أن يكون كالنور المادي المحسوس، وقول النبيّ حجّة، فوجب تنزيه الله تعالى عن الرؤية. 5- تنزيه الله تعالى عن الظلم، كما قال تعالى: {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا} (15)، إنّ العقل يدرك إجمالاً الحسن والقبح، فيقول هذا الفعل حسن، وهذا الفعل قبيح، فيؤمن أنّ الإيفاء بالوعد أمرٌ حسن، وخلفه قبيح، وبالتالي إنّ الله تعالى وعدَ عباده المطيعين الجنة، ووعد العاصين منهم النار، وإن لم يوف بعهده كان ظالمًا، والظلم أمرٌ قبيح؛ فهو هنا مترتب على خلف الوعد. ولهذا جاءت الآية منزّهة لله تعالى عن الظلم؛ بقرينة كلمة (سبحان ربّنا)، وهي حاكية عن لسان قومٍ وجدوا حقًا ما وعدهم ربّهم. ■النقطة الثالثة: الاستخدام الروائي لمفردة: سبحان. الروايات الشريفة كان رأس مالها الآيات الكريمة، فاستند الثقل الأصغر على الأكبر، وكان المؤدى واحدًا، وهو تفسير مفردة (سبحان) بالتنزيه؛ روي عن هشام الجواليقي، قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز وجل): سبحان الله ما يعني به؟ قال: تنزيهه"(16). ولم تزد الروايات على ذلك في المعنى. ■النقطة الرابعة: التفاتة عقائدية. إنّ عقيدة الشيعة تجذرت على ما جاءت به الآيات الكريمة، والروايات الشريفة، هذا من جانب النقل. أما من جانب العقل فلكلِّ تنزيه استدلال عقلي يختلف عن الآخر، لابد من التعريج عليه، بل والتركيز؛ لأنّ العقل طريق مشترك بين ذوي الأديان والمذاهب، وبالتالي يكون أشد صلابةً كدليلٍ ممكن أن يحاجج به لإثبات تنزيه الله تعالى، والكلام هنا ضمن نقاط: 1- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى من إثبات الولد له. بقضيةٍ شرطيةٍ نقول: لو كان لله تعالى ولد لكان هو أبًا له، والتالي باطل، فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: إن كان الله تعالى أبًا لكان له أب أيضًا، ولذلك الأب أب، وهكذا تتسلسل السلسلة، وبالتالي سيكون الله تعالى مخلوقًا من أبيه –على مبنى الفرض-، وعبادة المخلوق كفر؛ فالمخلوق لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا فأنّى له أن يُعبد ويغني عباده وهو في نفسه حقير فقير محتاج إلى خالقه؟! فالأب ليس العلّة التامة للابن، بل هو علّة ناقصة، وعلّته التامة هو الله تعالى. وبهذا ثبت تنزيه الله سبحانه عن اثبات الولد له. 2- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى عن إثبات الشريك له. هنا ممكن الاستدلال بدليل التمانع، المتكوّن من قضية شرطية أيضًا. وخلاصته: "لو كان لله شريك للزم فساد الكون، وهذا الدليل مستنبط من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (17)، والتالي باطل، والمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لو أراد الله تعالى خلْق جسم ما، وأراد الإله الآخر خلْق نفس الجسم، فهنا احتمالان: ١/إن اختلفت إرادتهما بأن يريده أحدهما ساكنًا، والآخر متحركًا، فالأمر لا يخلو عن ثلاث فرضيات: أ- أن يقع مرادهما، وهذا باطل؛ لأنه يلزم اجتماع النقيضين -الحركة والسكون-. ب- أن يقع مراد أحدهما، وهذا باطل؛ لأنه ترجيح بلا مرجح، ويدل على عجز الإله الثاني، فتنتفي فرضية وجود شريك مع الله سبحانه. ج- أن لا يقع مرادهما، وهذا باطل؛ لأنّه يلزم خلو الجسم من الحركة والسكون. ٢/إن اتحدت إرادتهما، بأن يريدا الجسم أن يكون متحركًا مثلاً، وهذا باطل أيضًا؛ لأنّ الجسم لا تتعلق به أكثر من إرادة واحدة، وبالتالي يقع مراد أحدهما، ويكون الآخر عاجزًا، والعاجز لا يصح أن يكون إلهًا، وهذا ينفي وجود شريك مع الله سبحانه" (18). 3- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى عن اثبات الجسم له. أيضًا بقضية شرطيةٍ نقول: لو كان الله تعالى جسمًا لكان تعالى محتاجًا إلى أجزائه، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. بيان الملازمة: لأنه لو لكان تعالى محتاجًا إلى أجزائه فالاحتياج صفة المخلوقات، والله سبحانه هو الغني المطلق، وهذا ينافي قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد}. أيضًا لو كان جسمًا لجرت عليه أحكام وقوانين الزمكان، فيلزم أن يكون موجوداً في المكان والزمان الذي تُفترض رؤيته فيه، وعدم وجوده في سائر الأزمنة والأمكنة الاخرى، وهذا ينافي قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير})، فلو حواه مكان للزمت الإشارة إليه بالحواس -بالنظر أو باليد-، والمشار إليه محدود. وما امتازت به الشيعة الاماميّة هو الاعتقاد ببساطة ذات الله تعالى، والمراد بالبساطة: عدم التركيب -الملازم للجسميّة-. وبما انّ واجبيّة الوجود هي المائز بين الموجود الواجب والممكن منه، تعيّن التعريف بذلك. الموجود الواجب: هـو الموجودُ الذي يكون وجودهُ نابعاً مِن صميمِ ذاتهِ، ومتحقق الوجود خارجًا بالضرورة. والموجود الممكن: هو الموجودُ الذي يكون وجودهُ مفاضًا عليه، اذ تساوت نسبة الوجودِ والعدم فيه، ولا يستدعي في حدِّ ذاتهِ ترجيح أحد النسبتين، بـل علّته الواجبّة ترجّح له نسبةٍ الوجود. ومِن هنا يتضح انّ واجبَ الوجودِ غنيٌ، غير محتاجٍ بلحاظ علِّيته، بينما الممكنُ محتاجٌ الى علّته، بلحاظ معلوليّته. واذا تعيَّن غنى الواجب سبحانه تعيَّن عدم كونه مركباً مِن أجزاء، فالمرّكب محتاجٌ لأجزائه، والاحتياج مِن سمات الممكن، اذًا الواجبُ بسيطُ الذات. ولإثبات بساطة ذاته تعالى نقول: إنّ الماهيّة إمّا أن تكون مركبة أو بسيطة، فالمركبة منها: أ- قد تكون مركبة تركيبًا عقليًّا (مِن قبيل النوع والجنس والفصل)، وهذا التركيب محالٌ على الله تعالى، "فلو كانَ الله تعالى له ماهيةً مركبة لكانت له أجزاءً عقليّة". والتالي باطلٌ، فالمقدّم مثلهُ في البطلان. ب- وقد تكون مركبة تركيبًا مقداريًا (مِن قبيل الخط والجسم والسطح) والمراد بالخط: هو المتحيّز الذي يقبل القسمة في الطول فقط. والسطح: هو المتحيّز الذي يقبل القسمة في الطول والعرض فقط. والجسم: هو المتحيّز الذي يقبل القسمة في الطول والعرض والعمق. وهذا التركيب محالٌ على الله تعالى أيضًا، بدليل القضيّة الشرطيّة التالية: "لو كانت ذات الله مركبة تركيبًا مقداريًا لكانت متحيّزة". والتالي باطل؛ لاحتياج المتحيّز الى مكان، والاحتياج ينافي الغنى المُطلق، فالمقدّم مثله في البطلان. ج- وقد تكون مركبة تركيبًا خارجيًا ( مِن قبيل الصورة والمادة) فالصورة: هي الجوهر المفيد لفعلية القوّة. والمادة: هي الجوهر الحامل للقوة. والله تعالى ليس بجوهر، فهو ليس بصورة، ولا مادة. "فلو كانَ الله تعالى جوهرًا لزمَ أن لا يخلو مِن الحوادث". والتالي باطل؛ لأنّ الذي لا يخلو مِن الحوادث فـهو حادث، والحادثية تنافي الأزلية، فالمقدّم مثله في البطلان. وإذا سقطَ فرضُ كون ماهية الله تعالى مركبة -بجميع أقسامها- ثــبَتَ فرضُ كونها بسيـطة، وتنزّه سبحانه عن الجسمية ولوازمها، وهوَ المطلوب. 4- الاستدلال العقلي على تنزيه الله تعالى عن اثبات الظلم له. إنّ العدل صفة كمال، واتصاف المولى بها يعد كمالاً له تعالى، وسلب العدل عنه تعالى يعدّ نقصًا له جلّ جلاله؛ لأنّه عندئذٍ سيوصف بالظلم، وهذا محال؛ لأنّه خلافٌ لما نراه من عدله في الأمور التكوينية والتشريعية والجزائية. ________________________ (1) الصافات: 159. (2) معجم مقاييس اللغة: لأحمد بن فارس، ج3، ص125. (3) البقرة: 32. (4) الجن 26-27 (5) الإسراء: 85. (6) الأعراف: 187. (7) آل عمران: 18. (8) التوبة: 30. (9) النساء: 171. (10) النحل: 57. (11) الأنبياء: 26. (12) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي، ج14، ص276. (13) الأنبياء: 22. (14) النمل: 8. (15) الإسراء: 108. (16) التوحيد: للشيخ الصدوق، ب45، ح3. (17) الأنبياء: 22 (18) ظ: أجوبة الشبهات الكلامية: محمد قراملكي، ج1، ص385. وسبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون، والحمد لله ربّ العالمين، وصل اللّهم على محمّد وآله الطاهرين.

النكات العلمية في القرآن الكريم
منذ سنتين
3180

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
107712

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
102649

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
60693

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
56789

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
55091

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
51890