Profile Image

منار المهدي

جَريمةُ إنقاذِ غَريق

بقلم: منار المهدي عندما بدأ فريقُ خفرِ السّواحِل النِقاشَ حولَ كيفيّةِ انتشالِه، كانَ الماءُ قد ملأ الثُّلُثَ من رئَتَيه! طالَعَتْ عيناه المُحمرّتانِ الصّفوفَ البشريّةَ المُتفرّجة، ولمَحَ جُثّةَ جارِه الذي سقَطَ في الماءِ قبله تطفو على الماء! أقارِبُه، جيرانُه، إخوتُه، بل وحتى بعضُ أبنائه كانوا يقفونَ مكتوفي الأيدي ينتظرونَ مشهدَ ابتلاعِه.. وحدهُ ذاك الولدُ -الذي طالَما نبذَه وشرّدَه ولَكَم جارَ عليه وشحَّ- وحدَهُ الذي هَبَّ لنجدَتِه، وحدَهَ مَنْ مَخَرَ عبابَ المَوجِ وشقَّ له طريقَ النّجاة؛ أنزلهُ من على كتفيَهِ برفق، مَنَحَهُ قُبلةَ الحياة، وغطّاهُ بقميصهِ المَبتل وأمّنَ عليه، ثم مضى يواجِهُ مَصيرَه. اتّهمَهُ خفرُ السّواحِلِ بالتعدّي على صلاحيّاتِهم في الإنقاذ، وأنّهم كانوا سيجدونَ خُطّةً لإنقاذِهِ لو لَم يتدخّلْ هُوَ، واتّهمَهُ إخوَتُهُ بأنه أنقذهُ طمعًا في الإرث وأنّه سرَقَ أشياءَ أبيهِ الثّمينةَ أثناء عمليةِ الإنقاذ، واتّهَمهُ الجّيرانُ بمُحاولةِ قطعِ العِلاقاتِ وعزلِ أبيه عن المنطقة! دمعتْ عينا الأبِ المَكلومِ، أرادَ أنْ يُمجِّدَ ابنَه، أرادَ أنْ يفخرَ به، تمنّى أنْ يصرخَ ببرِّ ابنهِ وبراءتِه لولا أنّهُ مُثخَنٌ بالجّراحاتِ وأبكَم.. أما هُو فحوكِمَ بتُهمةِ إنقاذِ غريقٍ، وحُكِمَ عليهِ بالتشظّي حتّى الحَياة؛ لأنّ مِثلَه لا يُمكِنُ أنْ يَموت، بل أنجبَتْ شظاياهُ آلافَ المُنقِذينَ على جروفِ الآباءِ أو قُلِ الأوطان، وسيظلُّ حُكمُ التشظّي نافِذًا بحقِّهِم إلى يومِ الظّهور.

اخرى
منذ 10 أشهر
233

شايٌ، وَردٌ، ودِماء

بقلم: منار المهدي بينما هُوَ يصُبُّ الشّاي في كوبِ البلاستك للزبون المادِّ يدَه من نافِذةِ السيّارةِ سمعَها تُثرثِرُ عمّا عرضتْه في خِطبةِ ولدِها وانبرَتْ تستعرِضُ عضَلاتِه المادّية من وظيفةٍ وجاهٍ وشهادة، تكوّرَ بعضُهُ علىٰ بعضِه، وتراءىٰ له وجهَ والدتِه وهو يصفَرُّ كُلّما سألَها أحدُهم عن سببِ تأخيرِ زواجِ ولدِها الوحيد، هو لا يملكُ شيئًا عدا شهادتَه التي علّقَها على الجدارِ وقد أصبحتْ "إكسپاير"! هل يقولُ إنّه يملكُ الخُلُقَ والدّينَ فيكفيانِه ليُكمِلَ نصفَ دينه؟ هل بقيَ من يقنعُ بهذا الكلام؟ ابتلَعَ همَّه السّاخن كشاي الصّباحِ وهَمَّ بعبورِ الشارعِ بعدَما رأى تلويحةً تطلبُ الشاي في الجِهة المُقابلة. بالقُربِ منه وبينَ السّياراتِ العالقةِ في الازدحام، كانَ يقفُ صاحبُه، يحتضِنُ مجموعةً من الوردِ الأحمر يُنادي عليه بصوتهِ الأجشّ: "تبقى نظِرةً لأربَعين يومًا...بألف دينار فقط". عندما رأى صاحِبَ الشّاي من بعيدٍ، تمنّى حالَه فهو يعيش مع أمه فقط، ، لا زوجةً تُريدُ مصروفًا، ولا ثلاثةَ أولادٍ يكِدُّ لسدِّ رمقِهم. عندما رأى طفلةً تؤشِّرُ نحو الورد مضىٰ نحوها، وفي مُنتصف منطقةِ العبور التقىٰ بائِعُ الشّاي ببائِع الوَرد في الهواء، كُلُّ دونَ بِضاعتِه، شاهدَ بائعُ الشّاي إبريقَه يتمدّدُ مع جسدِه على الأرضِ، وأكوابَهُ تتناثرُ كما أحلامه، وأما صاحبُ الورد فلا تزالُ وردةٌ وفيّةٌ نجَتْ من بينَ الباقةِ المُتفحِّمةِ عالقةً بكفِّه. انتشىٰ الملِكُ وهو يُسلِّمُ ورقةَ تقريرِه اليوميّ إلى الشَّيطان، حصيلةٌ جيّدةٌ من أكوابِ الشّاي، ومجموعةٌ من وردٍ أحمر، وكمّيةٌ وافِرةٌ من دماءٍ ودموعٍ. الغريبُ أنّ الدماءَ هيّ التي بقيَتْ نضِرةً.. وليسَ لأربعينَ يومًا فحسب، بل إلى الأبد.

اخرى
منذ 10 أشهر
548