Profile Image

حوراء قاسم كريم

خريجة تقنيات أجهزة طبية اعمل في وزارة الصحة العراقيه

تشتاقُ روحي بصمت

بقلم: حوراء قاسم كريم إلى أحلامِ الطفولةِ البسيطةِ التي لا تتعدّى شراءَ دُميةٍ كبيرةٍ بلوني المُفضَّلِ، وإذا امتلكتُها تُصبِحُ فرحتي كمن ملكَ العالمِ بأسره.. إلى شعوري بالسعادةِ من مُجرّدِ قطعةِ شوكولا تشتريها لي أُمّي كأنّها تُعطيني قطعةً ذهبيةً.. إلى سريرِ والديَّ حيثُ أغفو بعُمقٍ بجانبهما بحُجّةِ الخوفِ من النومِ وحدي، كانَ سريرًا عاديًا، لكنّه في نظري كانَ كسفينةِ نوحٍ، الملاذِ الأخير، الملجأِ الوحيد الذي يُشعِرُني بالأمانِ؛ فكنتُ أشعرُ كأنّني أحتمي من العالمِ أجمعِ بينَ جبلينِ شاهقينِ يُحيطانِ بي من كُلِّ الجوانبِ لحمايتي.. إلى بيتِنا القديمِ في حيّنا الهادئِ، حيثُ مسقطُ رأسي كأنّه عالمٌ مُصغّرٌ بالنسبةِ لي، إذا عبرتُ حدودَه أشعرُ بالضياعِ والغُربة.. إلى أصدقاءِ الطفولةِ؛ لأنّ حُبَّنا لبعضِنا صادقٌ دونَ قيدٍ أو شرطٍ، كانَ حُبًّا بريئًا نقيًّا كنقاءِ قلوبِنا في تلك الفترةِ.. إلى بيتِ جدّي واجتماعِ كُلِّ أفرادِ العائلةِ يومَ الجمعة لتبادُلِ أطرافِ الحديثِ والجميعُ يستذكرونَ ما حدثَ معهم طوالَ الأسبوعِ، ورويدًا رويدًا تبدأُ الأصواتُ تتعالى والضحكاتُ النابعةُ من القلوبِ تسودُ المكانَ كأنّه كوكبٌ من السعادةِ والمُتعة.. إلى يومي الأولِ في الدراسةِ حيثُ الدموع والخوف والتوتر لكن رغمَ كُلِّ هذا عرفتُ مدى حُبِّ أُمّي لي؛ لأنّها لم تتركني وحيدةً، فيه كانتْ وستظلُّ كظلّي الذي لا يُفارِقُني أبدًا.. إلى قصصِ أُختي الرائعةِ التي كانتْ ترويها لي، جميعُها كانتْ نهاياتُها سعيدةً مثاليةً عكسَ واقعِنا الحالي تمامًا كأنّها كانتْ تُخفي عنّي بشاعةِ بعضِ البشرِ وتصرفاتِهم المُقرفةِ بما كانتْ تقصّه عليّ لعلي أعيشُ حياةً سعيدةً مثلما ذكرتْ في حكاياتها.. تشتاقُ روحي بصمتٍ إلى جميعِ من رحلَ عن حياتي تاركاً خلفَه أثرًا جميلًا سواءَ بكلمةٍ أم فعلٍ؛ فحياتُنا كالمرسى تستقرُّ فيها السُفُنُ لتضعَ ما تحملُ من بضائعَ، أحيانًا تكونُ بضائعَ جيّدةً فتتركُ فينا أثرًا رائعًا، وأحيانًا بضائعَ مُزيفةً مُنتهيةَ الصلاحيةِ فتتركَ فينا درسًا لا يُنسى وترحل. يبقى اشتياقي بصمتٍ؛ إذ لو علا صوته لأصدرَ ضجيجًا وضوضاء عارمةً تملأُ المكانَ على قدرِ عُمقِ وصدقِ هذا الاشتياق...

اخرى
منذ شهرين
213

مُعاناةُ أُمٍّ عراقية

بقلم: حوراء قاسم أنا امرأةٌ عراقيةٌ، استُشهِدَ ولدي فلذةُ كبدي، فتوقّفَ نبضي بينَ ليلةٍ وضُحاها، قُطِعَ وتيني وجفّتْ دموعي، معالمُ وجهي باتتْ كصحراءَ جرداء لم ينبتْ فيها الأملُ.. مُنذُ يومِ رحيلِه تلاشتْ روحي وغرقتْ كسفينةٍ عصفتْ بها الأيامُ، بعدَ سماعِ خبرِ استشهاده أردتُ أنْ أصرُخَ لكن لم أستطِعْ، شعرتُ كأنّ حبالي الصوتيةَ لا تقوى على هذا الألم، كأنّني أغرزُ سكاكينَ في حُنجرتي مع كُلِّ صرخةٍ كأنّ أحدَهم يُقطِّعُ أحشائي إربًا إربًا ويشعلُ في جسدي النارَ وأنا حية.. يسألُني البعضُ: هل ينتابُكِ شعورُ الغيرةِ في الحياة؟ نعم، أنا امرأةٌ أغارُ من جلدِ ولدي فهو يُغطّي لحمه وعظامه، يحتضنُه، قريبٌ منه لدرجةِ أنْ لا يفارقه حتى تحت التراب، على حين أنا أتحسّرُ على لمسةٍ من يديه التي أرهقها حملُ السلاحِ طوالَ اليوم وكأنّ البندقيةَ أصبحتْ جزءًا من جسدِه الذي أشقاه القتالُ وشفاهُه الجافةُ التي كانتْ تطبعُ قُبلةً على جبيني عندَ اللقاء كانتْ كالأرضِ العطشى لدرجةِ أنّني كُنتُ أشعرُ بجفافِها عندَما يُقبِّلُني.. حُبُّك يا حُشاشةَ القلبِ كشالٍ صوفي ألفُّه على رقبتي بإرادتي ليُدفئَ روحي من البرد الذي أصابه؛ فبعد فراقك كُلُّ شيءٍ أصبحَ باردًا، بعدَ رحيلِك حتى صيف تموزٍ لم أعدْ أشعرُ بحرارتِه! ذكرياتُك كزخّاتِ المطرِ تمحو غبارَ المقابرِ الذي يُغطّي عباءتي كُلَّ يومٍ، وتُطفئُ الجمرَ المُشتعلَ في فؤادي، أنا أمٌّ لرجلٍ تجرّدَ من جميعِ الألقابِ والمناصبِ، ارتقى إلى ربِّه برُتبةِ شهيدٍ، وما أعظمُها من رتبةٍ! هذا فقط ما أراده، أنْ يسبقَ اسمَه الجميل كلمةُ (شهيد)، أنا امرأةٌ لا أنحني لا أنكسرُ؛ خارجي صُلبٌ قويٌ، وداخلي ماتَ إذ اغتالته ذات الرصاصة التي اطفأتْ شبابَ ولدي وحقّقتْ حلمه الكبير في الشهادة.. أحيانًا أشعرُ -عندما أزورُ المقابرَ- أنّ الشهداءَ يتلون آياتٍ من القرآنِ الكريم يبتسمون لنا ويعيشون في مكانٍ أجمل بكثيرٍ من تصورنا، كم أتمنى أنْ أكونَ معك يا بُني أشمُّ عطرَك الرائعَ ليس لأنّه من ماركةٍ عالميةٍ وإنّما هو عطرُ البارودِ والانتصاراتِ والعِزّةِ والإباء.. فاقدو الشرفِ والكرامةِ لا يستطيعون النظرَ لوجوهٍ يفيضُ منها العطاءُ والإنسانيةُ، قتلوك؛ لأنّهم لا يتحمّلون رؤيةَ وجهِك المُنير كالقمرِ في سماءِ صافيةٍ. أفتقدُ أيامَنا معًا، أشتاقُ لصوتِك الأجشّ الذي كانَ يُزينُ مسمعي ويُطرِبُ روحي ويُحيي كُلَّ شيءٍ جميلٍ بداخلي.. عندما كُنتَ تقولُ: أُمّاه لا تحرميني من دعائكِ، ليتك كُنتَ تعرفُ أنّني أنا من أحتاجُ لدعائك، أنا من أحتاجُ شفاعتَك يا بُني؛ فللشهيدِ منزلةٌ لا ينالُها إلا الصالحون.. يومٌ بعدَ يومٍ كُلُّ شيءٍ يزدادُ سوءًا، أُريدُ فقط أنْ أُغادرَ هذا العالمَ، أٌريدُ أنْ آتيَ إليك، أجلسَ معك أتحدثَ معك.. متى سأقابلك مرةً أخرى ليبتسمَ وجهي وترى عيناي النورَ من جديد؟! مهما أصِفُ تبقى الكلماتُ والمشاعرُ ضائعةً تجولُ في نسائمِ الجهادِ كي تنسجَ معاني قصصِ الشهداء، أنا امرأةٌ قسى عليَّ الزمنُ وبقيتُ صامدةً مُتحديةً وأكملتُ مسيرةَ الشرفِ برأسٍ مرفوعٍ، لكن دونَ روحٍ، بجسدٍ فقط؛ فروحي غادرتني لعالمٍ آخر مُنذُ تلك اللحظةِ التي انقطعتْ أنفاسُ ولدي فيها... سأعيشُ وأُقاوِمُ بانتظارِ يومِ اللقاءِ، لتعودَ روحي لي من جديد..

اخرى
منذ شهرين
144