Profile Image

أم باقر العارضي

قصةُ فداء

بقلم: أُم باقر العارضي يا لها من أيامٍ صعبةٍ هذه التي قضيتُها مع والدتي في المُستشفى، هُنا الدُنيا مُختلفة، وخلفَ كُلِّ شخصٍ ألفُ قصةٍ وحكاية، لقد رأيتُ في هذه الأيامِ القلائلِ حوادثَ كثيرةً وقصصًا مُروِّعة، وأدركتُ جيّدًا كم هي ثمينةٌ نعمةُ العافية، لقد عايشتُ في هذا الأسبوعِ قصصًا عِدّة: فقصةَ أُمٍّ وولدِها، وزوجةٍ وزوجِها، ووالدٍ وابنتِه، لكن أكثر ما أثارَ ألمي وأقرحَ فؤادي هو منظرُ شقيقين كانا يبدوانِ وكأنّهما شخصٌ واحد، حُبٌّ عجيبٌ جمعَ بينَ قلبيهما، صورةٌ فريدةٌ لم أرَ لها في واقعِنا القاسي الذي نعيشُه مثالًا، إنّهما أحمدُ وهادي، هكذا سمعتُ الآخرين يُنادونهما. كانَ أحمدُ شابًا في الثلاثين من عمرِه، تبدو على وجهِه آثارَ الصلاحِ والتقوى، وهادي كانَ يكبُرُه قليلًا، رأيتُهما في منظرٍ رهيبٍ لم أستطعْ محوَه من ذاكرتي رغمَ خروجي من المُستشفى مع والدتي مُنذُ أسبوع، لقد هالني منظرُ هادي وهو يحملُ أخاه جريحًا إلى المُستشفى، وعيناهُ تسيلانِ الدموع. نعم، فلقد حصدَ الانفجارُ الذي وقعَ في سوقِ المدينةِ أرواحَ الكثيرين، لكنّ أحمدَ بدا وكأنّه لوحةٌ مُلوّنةٌ بالشظايا، لقد كانَ قريبًا من الانفجارِ إلا أنّه لم يمُتْ بل قُطِعَتْ يداه، وفقدَ أحدَ ساقيه، وامتلأ جسمه بالشظى والجراحات. أنا لا أنسى ذلك اليومَ الذي لم تهدأ فيه صفّاراتُ الإسعاف، ولم يبقَ فيه مكانٌ في المُستشفى على الرغمِ من أنّها المُستشفى الأكبرُ في المدينة؛ فمُنذُ ساعاتِ الصباحِ الأولى والردهاتُ تغصُّ بأفواجِ الجرحى والمُصابين، كانَ منظرُهم يُقطِّعُ القلب، وكانَ صُراخُ الأُمّهاتِ وعويلُهن قد ملأَ أركانَ المستشفى. استأذنتُ من والدتي؛ لأقتربَ أكثرَ وأعرفَ ماذا حدث؟ ولِمَ تعالى فجأةً الصراخُ والنحيبُ؟! ذهبتُ إلى خارجِ الردهةِ فرأيتُ أخًا يحتضنُ أخاه والدموعُ تسيلُ من عينيه كأنّها حبّاتُ المطر، إنّه هادي نفسُ الشابِ الذي جاءَ بأخيه صباحًا لإسعافه، يبدو أنَّ أحمدَ قد مات! نعم، رحلَ أحمدُ وخلّفَ في قلبِ أخيه حسرةً لا تنتهي، لقد رأيتُه وهو يكتوي بنارِ فقدِ أخيه ويصيحُ بصوتِه المبحوح: - سندي.. أخي... أحمد... من لعيالك؟ كيفَ سأُخبِرُهم بموتك؟ ماذا سأقولُ لابنتِك الصغيرةِ فاطمة؟ ألم تعدها أنْ تشتريَ لها دُميةً في هذا اليوم؟ لا شكَّ أنّها الآنَ واقفةٌ خلفَ البابِ تنتظرُ عودتَك، وترسمُ في مُخيّلتها صورتَك، وأنتَ تحملُها وتحتضنُها بلهفةٍ لتطبعَ على وجنتيها قُبلتَك الأبويةَ اليومية.. أخي ماذا سأقولُ لأبي.. لأُمّي.. لأُختي؟ لقد كسرتَ ظهري يا أخي...... هكذا ظلَّ هادي ينوحُ على أخيه الذي غادرَ الحياةَ وهو في ريعانِ الشباب، ورغمَ بشاعةِ المأساةِ التي حلّتْ في ذلك اليوم، وكثرةِ الموتى في المُستشفى، إلا أنّ كلماتِ هادي الحزينةَ أبكتْ كُلَّ من سمِعها.... عُدتُ إلى غُرفةِ والدتي لأرويَ لها قصةَ حُزنٍ يبدو أنّها ألِفَتْ بيوتَنا وشوارعَنا، واعتادتْ أنْ تسرقَ منّا أحلامَ حياتِنا الهانئةِ، عُدتُ وكلماتُ هادي ترِنُّ في أُذُني: - أخي كسرتَ ظهري... وهُنا طافَ بي خيالي إلى كربلاءَ، إلى حيث العباس وأخيه سيدِ الشهداء (سلام الله عليهما)، حلّقتُ بروحي بالقُربِ من خيمةِ مُعجزةِ الإخاءِ والوفاء، أبي الفضل (عليه السلام)؛ لأرى من احتارَ بكمالِه وجمالِه الواصفون، وتعجّبَ من جودِه وحنانِه كُلُّ العالمين، إنّه العباسُ مُعجزةُ الإخوةِ التي حفرتْ في ذاكرةِ الزمنِ معنى التضحيةِ والإخلاصِ والإيثار. لقد رأيتُ شبلَ حيدر يلوحُ البأسُ على أساريرِ جبهتِه، وهو لم يفتأ عن مُناصرةِ الحقِّ في شممٍ وإباء، رأيتُ رمزَ البطولةِ الذي ارتضعَ لبانَ البسالةِ من صدرِ أُمِّه التي ذابتْ في حُبِّ الزهراء، رأيتُ من تربّى في حِجرِ الإمامةِ وترعرعَ ونصبَ عينيه أمثلةً للشجاعةِ والتضحيةِ والفداءِ دونَ النواميسِ الإلهية، فأمّا فوزٌ بالظفر، أو ظفرٌ بالشهادةِ والعلياء... نعم، لقد رأيتُ العباسَ (عليه السلام) وهو يستبشرُ بالموتِ تحتَ مشتبكِ الأسِنّة، ويراه أحلى وألذَّ من الحياةِ في ظِلِّ الذُلِّ والاضطهاد.. هكذا رأيتُ سيّدي العباس (عليه السلام) وهو بينَ نزوعٍ إلى الكفاحِ لمواجهةِ الباطل، وبينَ تأخُّرٍ عن التقدُّمِ والحركةِ استجابةً لإمامِه وأخيه الحسين (عليه السلام)؛ الذي كانَ يراه أنفسَ الذخائر، فهو صاحبُ اللواءِ وحامي العيال وكفيلُ الحوراء. ولكن لمّا بلغَ الأمرُ نصابَه، وتعالى أنينُ الحرمِ والأطفالِ من العطشِ تارةً ومن البلاءِ المُقبِلِ تارةً أخرى، ولمّا رأى العباسُ (عليه السلام) أنَّ مركزَ الإمامةِ وسبطَ النبي (صلى الله عليه وآله) قد دارتْ عليه الدوائرُ وتقطّعتْ عنه خطوطُ المدد، وتفانى أصحابُه وذووه في ساحةِ المواجهة، هنالك هاجَ صاحبُ اللواءِ وضاقَ صدرُه وسئمَ الحياة، وجاءَ طالبًا الإذنَ بالقتال... ها أنا أراهُ يقتربُ من ريحانةِ الزهراءِ ويقولُ لأخيه راجيًا: - هل من رُخصةٍ؟ نزلتْ دموعي دونَ إذنٍ منّي لمّا رأيتُ الحسينَ (عليه السلام) يبكي بُكاءً شديدًا وهو يُخاطِبُ أخاه العباس (عليه السلام) بألمٍ قائلًا: - "أخي أنتَ حاملُ لوائي وكبشُ كتيبتي، إذا مضيتَ تفرَّقَ عسكري" وهُنا رأيتُ مولايَ العبّاسَ قد انحنى على يدي أخيه يُقبّلهما وهو يقول: - "سيّدي، لقد ضاقَ صدري وسئمتُ الحياة، أُريدُ أنْ آخذَ بثأري من هؤلاءِ الأعداء" عندَ ذلك أذِنَ له الإمامُ (عليه السلام)، وطلبَ منه أنْ يرويَ العطاشى ويطلبَ للعيالِ والأطفالِ قليلًا من الماء. ذهبَ ابنُ الكرّارِ (عليه السلام) إلى الميدانِ واعظًا ومُذكّرًا ومُحذِّرًا من غضبِ الجبار، فلم ينفعْ مع أولئك المُتوّحشين النُصحُ، ولم يؤثِّرْ فيهم الوعظُ، وكشفتْ ساحةُ كربلاء عن بشاعتِهم وحِقدِهم حينما نادى الشمرُ بأعلى صوته: - "يا بن أبي تراب لو كان وجه الأرض كُلُّه ماءً، وهو تحتَ أيدينا، لما سقيناكم منه قطرةً، إلّا أنْ تدخلوا في بيعةِ يزيد". وتملّكَ الألمُ قلبَ العباس (عليه السلام)، ورجعَ إلى أخيه يُخبِرُه الخبر، وهُنا سمعَ الأطفالَ يتصارخون: - العطش.. العطش.. نظرَ إليهم، فرآهم وقد ذبُلتْ شفاههم، وتغيّرتْ ألوانُهم، وأشرفوا على الهلاك، ففزعَ أبو الفضل (عليه السلام)، وسرى الألمُ العاصفُ في مُحيّاه، واندفعَ ببسالةٍ لإغاثتهم. لقد نهضتْ بساقي العطاشى غيرتُه الشمّاء، فأخذَ القِربةَ وركبَ فرسَه وقصدَ الفراتَ، ولم يرُعْه الجمعُ المُتكاثِر، وقد كانَ الآلافُ من جيوشِ الكفرِ قد أحاطوا بالفرات؛ ليمنعوه عن الحسين (عليه السلام) وأهلِ بيته، ولكنّ شبلَ عليٍ (سلام الله عليه) واجهَهم بحدِّ السيف، فانهزموا من بين يديه، يُطاردُهم الفزعُ والرعب، بعدَ أنْ ذكّرَهم ببطولاتِ أبيه فاتحِ خيبر ومُحطِّمِ فلولِ الشركِ والزيف. ها أنا أراهُ وقد كشفَهم عن الماءِ وملكَ الشريعة، حدّقتُ النظرَ لأرى ماذا يصنعُ أمثولةُ الإيثارِ والإخاء، الذي كانَ يتلظّى من الظمأ، وكانَ كبدُه كصاليةِ الجمرِ من العطش، ها أنا أراهُ يُخاطبُ نفسَه والماءَ فيقول: - يا نفسُ مِن بَعدِ الحُسينِ هُونِي وَبَعدَهُ لا كُنتِ أنْ تَكونِي ملأ قربتَه وخرجَ مُسرِعًا يقصدُ عيالَ الحسين (عليه السلام)، فتكاثرَ الأعداءُ عليه من كُلِّ جانب، يُريدون قطعَ طريقِه، ولكنّ الأسدَ العلويَ لم يُبالِ بكثرتِهم، وحملَ عليهم بسيفه، وهو يقولُ: - إنّي أنا العبـاسُ أغدو بالسِقــا ولا أخافُ الشرَّ يومَ المُلتقى نفسي لِسِبطِ المُصْطَفى الطُّهرِ وِقا قلبي يرتجفُ، وكُلُّ مفاصلي ترتعش، كادتْ روحي أنْ تخرجَ من بدني؛ وأنا أراهم يرمونه بالنبال من كُلِّ جانب حتى صار درعه كالقنفذ، ومع ذلك فقد عجزوا عن مواجهته رغم كثرتهم. ها هو زيدُ بن ورقاء اللعين، يكمنُ له وراء نخلةٍ، تُرى ماذا سيفعل؟! لا ..لا.. لقد ضربَه على يمينه فقطعها، ولكنّ صاحبَ اللواءِ لم يستسلمْ فقد أخذَ السيفَ بشماله وهو يقول: - واللهِ إنْ قَطعتُمُ يمينــــي إنّي أُحامِي أَبَدًا عن دِيني‏ وعنْ إمامٍ صَادِقِ اليَقِينِ نَجْلِ النّبيِّ الطــاهِرِ الأَمينِ‏ فقاتلَ حتى ضعُفَ عن القتال، يا إلهي لقد أعياه نزفُ الدم، يا إلهي ها هو اللعينُ ابنُ الطُفيل يُكرِّرُ ما فعلَه ابنُ ورقاء، فيكمنُ له ليهويَ بسيفِه الحقودِ على شمالِ العميد.. آهٍ.. آهٍ.. لقد قطعَها. ماجتْ في ثغرِ إبليس ابتسامةُ النصر، وصارَ يُشجِّعُ أتباعَه على المواصلة، وها هم يُلبّون نداءَ سيّدِهم مُسرعين، فيتكاثرون على العباس بعدَ أنْ أمِنوا سطوتَه، ها أنا أراهُ رغمَ كُلِّ ما حلَّ به، لا يُفكِّرُ إلا بإيصالِ الماءِ إلى خيامِ الإمام (عليه السلام)، كانَ يمسكُ قربتَه بأسنانِه ويهرولُ مُسرعًا صوبَ أخيه، ولكن ها هي السهامُ تأتيه كالمطر... أصابَ أحدُ هذه السهامِ القربةَ التي مُلئت بالماءِ؛ لترويَ عطشَ الأطفال! يا إلهي... لقد أُريقَ ماؤها، وضاعتْ وسطَ غاباتِ الوحوشِ هذه ابتسامةُ الأطفال، فلا ماءَ ولا يدين، ولا زالتِ السهامُ تترًا على فلذةِ كبدِ أُمِّ البنين! فهذا سهمٌ يُصيبُ صدرَه، وآخرُ ينبتُ في عينِه، وجاءَ ملعونٌ من بعيد، يحملُ عمودًا من حقدٍ وبغضٍ وحديد؛ ليضربَ به رأسَ العميد، فيسقط العباسُ إلى الأرضِ شهيدًا فداهُ كُلُّ شهيد.. ها أنا أراهُ وهو يؤدّي تحيتَه ووداعَه الأخيرَ إلى أخيه قائلًا: "عليكَ منّي السلامُ أبا عبدِ اللهِ". وحملَ الأثيرُ محنتَه إلى أخيه، فمزّقتْ قلبَه، وأثقلتْ بالآلامِ روحَه، فانطلقَ مُسرِعًا نحوَ نهرِ العلقمي.. ها أنا أراهُ ينحني ليتناولَ من الأرضِ شيئًا، تُرى ما هو؟ ها أنا أراهُ وهو يُقبِّلُه ودموعُه تجري، يا إلهي... إنّهما كفّا أبي الفضل (عليه السلام).... ذهبَ نحوَ أخيه، جلسَ إلى جنبِه يُضمِّخه بدموعِ عينيه، ويلفظُ شظايا قلبِه الذي مزّقته النوائب... ها هو يرى هيكلَ البسالةِ وقُربانَ القداسةِ فوقَ الصعيدِ وقد جلّلته النبالُ وغسلتْه الدماءُ السائلات، ها هو يرى ذلك الغُصنَ الباسقَ قد ألمَّ به الذبولُ وطالتْه يدُ الغدر. ها هو عزيزُ الزهراءِ قطيعَ اليدين، مرضوضَ الجبين، وفي عينيه سهمٌ يحكي مرارةَ المصابِ وهولَ الفاجعة.. ها أنا أسمعُ سيّدي الحسينَ (عليه السلام) وهو يُنادي بصوتٍ تذوبُ له القلوب: "الآنَ انكسَرَ ظَهري، وقلَّتْ حِيلَتي، وَشمتَ بي عَدُوِّي". ها أنا أرى مولاي الحسين (عليه السلام) وهو يعودُ إلى المُخيّمِ مُنكسرًا حزينًا يُكفكِفُ دموعَه بكُمّه؛ كي لا تراه زينبُ وباقي العيال.. ها أنا أرى زينبَ الصبرَ تخرجُ لتستقبلَ أخاها المظلومَ وتتساءلَ بلهفةٍ عن العباسِ، وتنعى وحدةَ وغربةَ إمامِ زمانِها بينَ هؤلاء القوم. لا أعلمُ ما ألمَّ بسيّدي الحسين (عليه السّلام) من فادحِ الحزنِ وعظيمِ المصاب؛ فقد بانَ عليه الانكسار، وغرقَ في بكائه وحسرتِه وهو يُخبِرُ أختَه بالخبر، بنبراتٍ مُتقطِّعة، تتخلّلُها حسراتٌ تُلهِبُ صدرَه، وتجري من عينيه الدموعُ الساخنة، حينها رأيتُ زينبَ (عليها السلام) وكأنّها تحتضر؛ فقد ذابَ قلبُها لهولِ المصيبة... وضجّتِ الخيامُ بالعويلِ وارتفعتِ الأصواتُ بالبُكاء والنحيب، فالكُلُّ يتوجّعُ ويذرِفُ الدمعَ لهذا الرُزءِ الكبير، ويتعالى النداء: واضيعتنا بعدَك أبا الفضل. طالَ بي البقاءُ في أرضِ الآلام، وصارَ لزامًا عليَّ أنْ أعودَ إلى واقعي الذي أعيشه، ينبغي أنْ أُجفِّفَ دمعَ عيني وأتركَ الحريةَ لروحي لتذرِفَ الدموعَ وتعيشَ حرارةَ المأساة، ينبغي أنْ أُقدِّمَ لوالدتي دواءَها؛ فهذا هو وقته، وسأعودُ إلى حديثِ زينبَ (عليها السلام) وليل الطفوفِ الكئيب، سأعودُ لأُحدِّثَكم به في وقتٍ آخر، فهو يعيشُ معي مُنذُ ولِدت، وتعالى صوتُ أُمّي قُربَ مهدي الصغير، وهي تقرأُ مُصيبةَ الحوراءِ زينب (عليها السلام) وتحكي قصةَ فداءِ إخوتِها في كربلاء.

المناسبات الدينية
منذ 3 أشهر
342

خُطاهُ بينَ الجموع

بقلم: غدير خم العارضي كقُطبِ رحىً تُديرُ الكون، تتوجّهُ إليها القلوب، وتتطلّعُ لها العيون، دموعُ الشوقِ تُذرَفُ هُناك بحنينٍ، على طريقٍ سرمدي، يحملُ ذكرى خلودٍ أبدي، اجتذبَ نحوَه الملايين، وازدحمتْ طُرُقُه بخُطى السائرين نحوَ كربلاء، حيثُ تسيرُ أفواجُ العاشقين من الرجالِ والأطفالِ والنساء، تحفُّهم ملائكةُ الرّحمنِ بالصّلواتِ والدُعاء. وبينَ كُلِّ هؤلاءِ الزاحفين نحوَ كعبةِ الأحرارِ مِن المؤمنين، لا شكَّ أنّ هناكَ مَنْ يسيرُ بسكونٍ والدّمعةُ في عينيه، يحيا لوعةَ الذكرى وما تزالُ صورةُ عيالِ الحُسينِ (عليه السلام) وهم يحدونَ من كربلاء إلى الشامِ ترتسمُ أمامَ ناظريه، يشعرُ بسياطِ البغي وهي تتلوّى على كتفيه، يمشي مُنكسرًا وكُلُّ صرخاتِ أطفالِ الطّفوفِ لها صدى يتردّدُ في أُذنيه، يسيرُ مُتجرِّعًا غُصَص السّبي، سبي قومٍ هُمْ من آلِ بيتِ النّبي، وبقيةٌ من نورِ الزّهراء (عليها السلام) وذكرى أميرِ المؤمنين علي (عليه السلام)، أتتساءلون من هو؟ إنّه بقيةُ اللهِ (تعالى) في أرضِه المُنتظرُ المهدي (عجّل الله (تعالى) فرجه).. كأنّي به يسيرُ وهو يتوسّطُ الجموع، وتُذرَفُ من عينيه لمُصابِ جدِّه المظلومِ (عليه السلام) الدّموع، يحفُّ السائرينَ بنظرتِه، ويحرسُهم بدعوتِه، ويُحيطُهم بذكرِه، ويُظلِّلُ عليهم برداءِ رعايتِه. يرى كُلَّ دمعةِ مُشتاق، يحسبُ كُلَّ خطوةٍ يقطعُها العُشّاق، وينظرُ في الأحداق، فيرى من ملأَ عينَه الانتظارُ والشوقُ لزيارةِ أبي عبدِ اللهِ الحُسين (عليه السلام) نبراسِ الأحرار، ويحفظُ في قلبِه الكريمِ أسماءَ قومٍ زاروا الحُسينَ (عليه السلام) بقلوبِهم، إذ لم تُعِنْهم لقصدِ روضتِه أجسادُهم. لو كُشِفَ عن أعيُنِنا الغطاءُ لرأيناه، ولو أُزيلَتْ عن آذانِنا الحُجُبُ لاستمعنا إليه يقول: إنَّ جدّي الحُسينَ (عليه السلام) في خِضمِّ الحرب، توجّه إلى الرَّب، حينَ حانَ وقتُ الصّلاة، فلا تدَعوا صلاتَكم في زيارتِه. وإنّ عمّتي زينبَ (سلام الله عليها) في يومِ العاشر، وفي دربِ السّبي المحفوفِ بالرّزايا والمخاطر، لم تتخلَّ عن حِجابِها وعِفّتِها، فلا تتخلّيَنَ يا فتياتِ الإسلامِ عن الحِجابِ، وواسينَ بذلك زينبَ (عليها السلام). وسيقولُ أيضًا لكُلِّ شابٍ: لتكُنْ لك في عليٍ الأكبر أُسوةٌ حسنةٌ، وهو يقولُ: أوَلسنا على الحقِّ؟! إذن لا نُبالي أوَقعنا على الموتِ أم وقعَ الموتُ علينا، وافعلْ ما تفعلُه وأنتَ تطلبُ الحقَّ، وتتوخّى الصِدق، وتسعى لرضا اللهِ (عزّ وجل) دون الخلق. ولَتحدّثَ أيضًا لكُلِّ موظفٍ وعاملٍ ومسؤولٍ قائلًا له: عليكَ بالإخلاصِ والإتقانِ والعطاءِ والإيثار، فعمّي العبّاسُ (عليه السلام) حينَ طُلِبَ منه إحضارُ الماءِ للأطفالِ الصّغار، توجّه نحوَ المشرعةِ وهناك فقدَ يديه وعينه، ولكنّه بقيَ مُصِرًّا على أنْ يُتقِنَ عملَه، على أتمِّ وجهٍ طلبًا لرضا الواحدِ القهار. وحديثُه (له الأرواح فداءٌ) سيطولُ، لكنّه في كُلِّ كلماتِه يريدُ أنْ يقول: اجعلوا لجدّي الحُسينِ (عليه السلام) جُزءًا من أرواحِكم، ونبضًا من قلوبِكم، اجعلوه شريكًا في تفاصيلِ عيشِكم، ورسمِ مِنهاجِ حياتِكم؛ فجوهرُ الزّيارةِ الأربعينيةِ هو ما خرجَ من أجلهِ سبطُ سيّدِ البشرية؛ لذا تذكّروه وابحثوا عن رِضاه في أحاديثِكم وأفعالِكم وأعمالِكم وعلاقاتِكم وخلواتِكم وآمالِكم وآلامِكم وأفكارِكم ومحبتِكم وبغضِكم ونومِكم ويقظتكم. واعلموا أنّكم إنْ فعلتم ذلك ستعيشون أحرارًا كُرَماء، أعِزّةً أتقياء، وفي الدُنيا والآخرة بأنوارِ محبتِه وضياءِ شفاعتِه من السُّعداء.

اخرى
منذ شهر
161

رسالةُ جريح

بذلَ الدماءَ فداءً، وضحّى بكُلِّ شيءٍ مُتاح؛ ليعرجَ إلى قِمَمِ الكمالِ والفلاح، صانَ وجهَ الأرضِ أبيًا وصرخَ من وهجِ الشوق: - إلهي خُذْ مِنّي نجيعي، وتقبّلْ نزفَ الجراح، ها هو فيضُ دمي يُخبِرُك أنّني خُضِّبْتُ فيك، ها هو جسدي يمتلئ بالشظايا وكُلّي شوقٌ إليك، فأنا الجريح، مُجاهدٌ غيورٌ ثَبَتُّ في الميدانِ وكُلُّ همّي أنْ أُرضيَك، كُنتُ أرقبُ النصرَ أو الشهادةَ لألتقيَك، لكنّني عُدتُ إلى بيتي جريحًا قبلَ أنْ أبلغَ المرام، وحملتُ جراحاتي وسامًا ويا له من وسام، واصلتُ دربي وجعلتُ من ألمي زادًا لإخوتي المُجاهدين الكرام، وانطلقَتْ من فمِ جراحي النازفةِ عباراتُ التشجيعِ والدعمِ للمُرابطين هناك على الثغور، لأحملهم على الثبات حتى تحقُّقِ النصرِ أو الفوزِ بالشهادة والحبور. فمن قالَ إنّني لا أستطيعُ حملَ السلاح؟ وهل يقتصرُ الجهادُ على الوجودِ في ميادينِ الصراعِ والكفاح؟! أبدًا واللهِ، إنّه يتجلّى في كُلِّ زاويةٍ نستطيعُ من خِلالِها تعجيلَ بشائرِ النصرِ وتحقيقَ النجاح، فرسالتُنا مُستمرةٌ دائمة، وإنْ بقينا حبيسي دورِنا أو كراسينا المُتحركة، رسالتُنا وعيُنا وحُبُّنا لدينِنا وإلهنا وإسلامنا ومُقدّساتنا، وهذه لا تعرفُ الحبسَ ولا القيود، بل تتحرّكُ على الدوامِ داعيةً لتحمُّلِ المسؤولية والتفاني في سبيلِ رضا المعبود، والتمهيدِ لدولةِ الحقِّ المُرتقبةِ لإمامِنا الموعود. نعم، قد نخسرُ أبصارَنا، أو نُبتلى بفقدِ أحدِ أطرافِنا، ولن نبتئسَ لما قدّمْنا لثقتِنا بما وعدَ ربُّنا، أولم يَقُلْ نبيُّنا مُحمّدٌ (صلى الله عليه وآله): "من جُرِحَ في سبيلِ اللهِ جاءَ يومَ القيامةِ ريحُه كريحِ المِسكِ ولونُه كلونِ الزعفران، عليه طابعُ الشهداء"؟! أو لم يمسحِ النبيُّ (صلى الله عليه وآله) على فؤادِ ذلك الرجلِ الضرير الذي كانَ مُتألِّمًا من فقدِ بصرِه، حينما أتاهُ يسألُه الدُعاء، فقالَ له: "تُثابُ عليه الجنة أحبُّ إليك أم يردّ عليك بصرُك؟ فقال: يا رسولَ اللهِ وإنّ ثوابَها الجنة؟!، قال: اللهُ أكرمُ من أنْ يبتليَ عبدًا مؤمنًا بذهابِ بصرِه ثم لا يُثيبه الجنة". نحن نعلمُ بكُلِّ هذا ولا نعترضُ على ما اختارَه اللهُ (تعالى) لنا بحكمته، وإنْ أمضينا بقيةَ عُمرِنا في عجزٍ وألمٍ وعناء، فنحنُ نعلمُ أنّ الطريقَ لا يزالُ مفتوحًا أمامَنا، وأبوابُ الارتقاءِ مُشرعةٌ بوجوهِنا، فلطالما كانتْ لصورِنا وجراحِنا وعزمِنا أبلغُ الأثرِ على نفوسِ إخوتِنا الأبطال، فنحنُ من يشدُّ عزائمَهم، ويشحذُ هِمَمَهم، ويرفعُ معنوياتِهم، ويمُدّهم بالقوّةِ والصبر حتى الظفر. لقد جعلنا من جراحِنا لوحةً مُتحرِّكةً تجوبُ الأزِقّةَ والأحياء؛ لتُعبِّرَ عن الصمودِ والتحدّي والإباء. نعم، نحنُ على فراشِ مرضِنا أو على كراسينا المُتحرِّكةِ صورةٌ تنبضُ بالولاءِ لأهلِ البيت (عليهم السلام)، وتُعبِّرُ عن السيرِ الصادقِ على دربِهم النيّر الرافضِ للكُفر والفسادِ والظلام، ويكفينا فخرًا أنّ لنا في كربلاء قدوةً ونبراسًا ومثلًا، ذلك هو مولانا قمرُ بني هاشم العباس (عليه السلام) الذي قُطِعتْ يداه، وحجبَ السهمُ والدمُ النورَ من عينيه، وامتلأ جسدُه بالجراحِ ولكنّه لم ينسَ رسالته، ولم يُفرِّطْ بقضيته، ولم يتوانَ لحظةً واحدةً عن إكمالِ دورِه وإتمامِ مسيرته، هو في جراحِه وكفاحِه قدوتُنا، وسيبقى مُلهمَنا وقائدَنا الذي نرنو إليه، حتى ينتهيَ العُمرُ فنفوز بشفاعته، ونرتشف من حوضِ الكوثرِ كأسًا من يدِ أبيه (سلام الله عليه).

اخرى
منذ شهر
167

شذا النجيع

في كُلِّ مدينةٍ نمضي إليها نرى صورَهم تُزيّنُ الشوارعَ والطُرقات، نتأمّل ملامحَ شبابِهم وغضاضةَ أعمارِهم فتتكسّرُ في صدورِنا العبرات، ثم ما نلبثُ إلا قليلًا لنبتسمَ حينَ نُدرِكُ أنّهم الأحياءُ ونحنُ الأموات. نعم، فبتضحياتِ الشُهداءِ عادتْ لأرضِنا الحياةُ وعمّتِ البركات، وحُفِظتِ الأعراضُ والمُقدّسات؛ لذا يحقُّ عندَ الحديثِ عنهم أنْ تتوارى خجلًا الكلمات، ويخبو عند تمجيدِهم وهجُ العبارات. فما عسانا أنْ نقولَ فيمن رفعوا رايةَ الفتحِ من سنا كربلاء، وتوضّؤوا بشجاعةِ أبطالِها فحملوا رايةَ العِزِّ والفداء، وصنعوا النصرَ المؤزّرَ بفيضِ الدماء، بعد أنْ عادتْ من جديدٍ ملحمةُ الطفِّ واعتلى صوتُ الإباء، وهتفتْ حُنجرةُ الحقِّ من على منبرِ سيّدِ الشهداء تُنادي: ألا من ناصرٍ ينصرُ الإسلامَ، فأطبقَ الصوتُ سمعَ الدهرِ ووصلَ صداه إلى كُلِّ الأرجاء، فهبَّ رجالُ اللهِ الأشِدّاء، مُلبّين النداء، هاتفينَ: لبيكَ يا ابنَ الأتقياء. لبّوا دعوةَ الحقِّ التي أطلقَها المرجعُ الأعلى، كما يُلبّي المطرُ نداءَ الأرضِ العطشى، وأقبلوا يتهافتون على المنايا بكُلِّ شغفٍ ورجاء، بعدَ أنِ ارتضعوا حُبَّ الإسلامِ مع اللبنِ المُعتّقِ بحُبِّ أئمةِ الهدى من صدورِ الأُمّهاتِ وحسنِ تربيةِ الآباء، واشتدّ عودُهم في مدرسةِ الولاءِ لمحمدٍ وآله النُجباء. شبابٌ يتفتّحُ الوردُ من أكمامِهم، وتمتلئُ صدورُ أُمّهاتِهم بروائعِ أحلامِهم، تساقطوا في الميدانِ كوريقاتِ شجرٍ أضناها الشوقُ إلى الرحيل، فاحتفظَ التُرابُ الذي امتزجَ بنزفِ جِراحِهم بكُلِّ حكاياتِهم، ودوّنَ قصةَ عشقٍ قديمٍ جميل، قصةَ شبابٍ وكهولٍ اجتمعوا من غيرِ ميعادٍ في أرضٍ يشتركُ كُلُّ أهلِها بنعمةِ الحُبِّ والغيرةِ والعطاء. جاؤوا من مُحافظات عديدة، اختلفتْ ألوانُهم ولهجاتُهم وعاداتُهم، بل وحتى أديانهم، لكنّهم توحدوا تحتَ رايةِ الحقّ، وتفيّؤوا ظلالَ الحُبِّ للأرضِ بعيدًا عنِ العبوديةِ المُذِلّةِ والرق. احتشدوا كجداولَ صغيرةٍ، ثم توحّدوا ليُشكِّلوا نهرًا هادرًا اجتثّ بسيلِ جريانِه أصولَ الظالمين، وسقى بفيضِ عطاياه أرضَ الأولياءِ والصالحين. ذهبوا بعدَ أنْ مزَّقَ فجرُهم حُجُبَ الظلام، وتلألأتْ نجومُهم في عتمةِ الليالي والأيام، فطهّروا تُرابَ الوطنِ من القاذورات، ولقّنوا العدوَّ درسًا لن ينساه مدى الحياة، وضربوا أروعَ الأمثلةِ في الصمودِ وصلابةِ الإيمانِ والثبات، فنسجوا من سِجلِّ بطولاتِهم عباءاتِ سترٍ للمؤمنات، ولوّنوا بقاني دمائهم سِفرَ البطولةِ والكرامات، وضمّنوا تاريخَ عراقِهم الذي أحبّوه أروعَ الصفحات. وها هُمُ اليومَ أنوارٌ تُضيءُ سماءَ حياتِنا، وإلى علياءِ المجدِ بهديها تُرشِدنا، ها هي أرواحُهم تعيشُ بيننا، تُلهِمُنا وتُسدِّدُ خطوَنا، وتفتحُ أمامَ نواظرِنا آفاقَ الارتقاءِ، وسُبُلَ العروجِ للعلياء. تُعلِّمُنا كيفَ نصنعُ النصرَ في كُلِّ ميادينِ الصراعِ بينَ الحقِّ والباطلِ؛ لنهزمَ الأعداء، تنطقُ بلسانِ الوعي والبصيرةِ أنَّ على كُلِّ واحدٍ مِنّا أنْ يكونَ جُنديًا مُرابِطًا على الثغورِ في البيتِ والمدرسةِ والشارعِ والجامعةِ والعمل.... توضِّحُ لنا أنّ العدوَّ قد أفلسَ في ساحةِ المواجهةِ وبانتْ هزيمتُه، وخرجَ من أرضِ الغيارى يجرُّ أذيالَ عارِه وخيبتِه، لكنّه سيعود.! نعم سيعودُ، لكن ليسَ بلباسِ الحربِ؛ لأنّه لا يجرؤ على مواجهةِ أبطالِنا الأحرار، بل سيأتي بأوجهٍ عِدّةٍ وألبسةٍ مُزركشةٍ مُلوّنة تخطفُ الأبصار! سيأتي في حملاتِ التشكيكِ والفِتن، سيأتي في مواقعِ التواصُلِ المشوبةِ بالضلالةِ والإحَن، سيأتي عازفًا على أوتارِ الوجعِ العراقي؛ ليؤثِّرَ في النفوسِ فيسلبها سِرَّ ثباتِها وعناصرَ قوّتِها. سيأتي مع أبواقِ الطربِ وفي حفلاتِ الغناء، سيأتي مع دعوى التحرُّرِ وآخر صيحاتِ الموضةِ والأزياء، سيأتي يبغي زَلزلة العقيدةِ والانتماء، بشُبَهٍ وأباطيلَ ترتدي ثوبَ القداسةِ والنقاء. سيأتي بألفِ لونٍ ولون، ولنْ يكتشفَ أمرَه إلا الأذكياء الحاذقون، الذين يعلمون أنّ الباطلَ لن يدخلَ الميدانَ بنفسِ الأُسلوبِ والصورة، ولنْ يتجرّعَ مرارةَ كأسِ الهزيمةِ أكثر من مرة، وأنّ عليه، -كي يوطِّدَ أركانَه ويُثبِّتَ أُسسَ بُنيانه-، أنْ يستخدمَ طُرُقًا وأساليبَ أُخرى، لنْ يكونَ كشفُها سهلًا ولا التصدّي لها ميسورًا. إنَّ دماءَ الشُهداءِ تصرخُ فينا أنْ نكونَ يقظين، وبحُبِّ اللهِ (تعالى) مُتسلِّحين، وبصدقِ الولاءِ لآلِ البيتِ (عليهم السلام) مُتدرِّعين، وللعلمِ من مصدرِه طالبين، ومن كُلِّ أبواقِ الفِتنةِ حذرين، ولصمّامِ أمانِنا من الضياعِ مُتبِعين، ولأمرِ مرجعيتِنا المُباركةِ طائعين. وإنَّ أقلَّ وفاءٍ لدماءِ الشهداء هو أنْ نُدخِلَ هؤلاء الشهداءَ الغيارى إلى بيوتنا، ونسردَ سيَرَ عطائهم وبطولاتِهم لأولادِنا، ونحملَ فكرَهم في أرواحِنا ونُسلِّمه بكُلِّ أمانةٍ للقادمِ من أجيالِنا. لا بُدّ أنْ يفهمَ أبناؤنا أنَّ رسالةَ الشهيدِ رسالةٌ مُقدسةٌ ينبغي أنْ تحظى باهتمامِنا، وتكونَ مصدرَ حركتِنا وعملِنا. لا بُدَّ أنْ نعلمَ ويعلمَ الجيلَ القادمَ أنّ رسالتَنا اليومَ تقتضي أنْ نصونَ ذكرى الفتوى والشهداءِ فنُكمِلَ مسيرتهم، ونقتفي أثرهم، ونتعلّم منهم كيفَ نكونُ حُرّاسًا لدينِنا وعقيدتِنا ومُقدّساتِنا، ونُرخِّصُ في سبيلِ اللهِ (تعالى) الأرواحَ ونبذلُ المُهَج. لا بُدَّ أنْ نحملَ رسالةَ الدمِ كما حملَها الإمامُ زينُ العابدين (عليه السلام)، وعمتُه زينبُ (سلام الله عليها)؛ لنجوبَ بها الأقطار، ونُدخِلَ مضمونَها لكُلِّ مدينةٍ وزقاقٍ ودار. لا بُدّ أنْ نُحيي ذكرى الفتوى المُباركة كما يليقُ بها، ونستذكرَ أمجادَ مُلبّيها، لا بُدَّ أنْ نعيَ ويعيَ العالمُ أجمعُ عظمةَ الأهدافِ التي استشهدَ خيرةُ رجالِنا من أجلها، لا بُدّ أنْ نُقدِّمَ هؤلاءِ الأحرار كأروعِ قدوةٍ لشبابِنا وأفضلِ تذكار، فذكرُهم وبقاؤهم في ضميرنا، ووعي أهدافِهم في حياتِنا هو بوابةُ الظفرِ والانتصار.

اخرى
منذ شهر
202

قصةُ ثائر

بقلم: أُمّ باقر العارضي جُرحُه الغائرُ حَوَّلَه إلى أعظمِ ثائرٍ، لم يكُنْ همُّه إلا نُصرةَ المظلومينَ والقضاءَ على الظُلمِ والظالمين، وإحقاقَ الحقِّ في زَمَنِ سيطرةِ القَتَلةِ والمُجرمين الذين سفكوا دماءَ الطاهرين وأفرغوا ما في قلوبِهم السوداء من حِقدٍ دفين، قد توارثوه مُنذُ عشراتِ السنين. رجلٌ ليسَ ككُلِّ الرّجالِ، وريثُ أُسرةٍ عُرِفتْ بالشجاعةِ والإقدامِ وخوضِ الصِعابِ والأهوال، نُصرةً للحقِّ وطلبًا لرضا ذي العِزّةِ والجلال. صاحبُ رأي سديد، وعملٍ رشيد، معروفٌ بثباتِ القدم وأنّه في طريقِ الحقِّ قويٌّ عتيد، لا يخضعُ للمُساومات، ولا تَفُتُّ عضده المِحَنُ والتحدّيات، ضَليعٌ بمواجهةِ الحيَلِ والمكايدِ والمؤامرات، إنّه ذلك البطلُ الأبيّ المُختارُ الثقفي (رضوان الله عليه).. اسمٌ لمعَ في سماءِ الشُرفاء، وطُرِّزتْ حروفُه بالدّماءِ السائلاتِ ذودًا عن الحقيقةِ الغرّاء، ارتبطَ ذكرُه بمحنةِ كربلاء وما جرى فيها على ريحانةِ المُصطفى سيّدِ الشهداء (عليه وعلى آبائه وأبنائه الكرام أزكى السلام وأطيب الثناء)، فما إنْ يُذكَرُ اسمُه حتى يصمّ السمعَ نداءُ: يا لثاراتِ الحُسين (عليه السلام)... شعارُه الذي رفعَه بعدَ أنِ اكتوى فؤادُه بمُصابِ سيّدِه وإمامِ زمانِه، الذي لم يحظَ بنُصرته؛ لتغييبِه في السجونِ من قِبَلِ الطواغيتِ أول انطلاقتِه كي لا يكونَ من جُندِه وأعوانِه.. شعارٌ يحكي عُمقَ الألمِ الذي استوطنَ قلبَه وجرحَ روحَه التي ذابتْ في ولائها للعِترة، راحَ يُترجِمُه عملًا دؤوبًا وحركةً مُتواصلةً وقيامًا مُقدّسًا لإعلانِ الثورة، في انطلاقةٍ إلهيةٍ وقودُها جراحُ الطفِّ الغائرة، التي خَيّمتْ بحزنِها على بيوتِ العلويين المطهرة، وحوّلتْ نهارَهم إلى ليلٍ حالك بعدَ رحيلِ تلك الوجوهِ المُشرقةِ النيّرة... سنواتُ عذابٍ وآهاتُ مصابٍ رافقتْ آلَ البيتِ (عليهم السلام) بعدَ رجوعِهم من كربلاء، فصليلُ السيوفِ وصرخاتُ الأطفالِ والنساءِ ما تزالُ ترنُّ في أسماعِهم، ومنظرُ الصغارِ وهم يركضون في البيداءِ هربًا من نارِ الأعداء ما فَتِئ يُجري غزيرَ دموعِهم، وتلك الذكرياتُ المُرّةُ التي عاشوها وطُبِعتْ في أذهانِهم طوالَ رحلةِ سبيهم تؤلمُهم وتحرقُ قلوبَهم، فيتجدّدُ الرُزءُ مع كُلِّ أَنَّةِ طفلٍ أو لوعةِ ثكلى، ويرتفعُ النشيجُ عندَ كُلِّ رشفةِ ماءٍ أو آيةٍ تُتلى، حتى غادرتِ الابتسامةُ وجوهَهم، وكُسِفَتْ شمسُ البهجةِ في سماءِ بيوتهم، فلا حديثَ لهم إلا وينتهي إلى رُزءِ سيّدهم الإمامِ الحُسين (عليه السلام)، وعندَ مِحنتِه تتضاءلُ العباراتُ وينتهي وهجُ الكلام، فتُترجِمُ الزفراتُ والعبراتُ ما حلَّ بقلوبِ ساداتِ الأنام... وهُنا يخرجُ المُختارُ طلبًا للثأر، ويتوعّدُ بالقصاصِ من قَتَلةِ سيّدِ الشهداء وأبي الأحرار، ولا غرابةَ في أنْ ينالَ شرفًا كهذا وهو البطلُ المِغوار، الذي جعلَ من بيتِه ملجأً للشيعةِ إبانَ قدومِ سفيرِ الحُسين مُسلمٍ بن عقيل (سلام الله عليه)، الذي آواه في بيتِه وسَخّرَ كُلَّ وجودِه لخدمتِه، وإنجاحِ مشروعِ نهضةِ سيّدِه، وقد بالغَ في حمايتِه وتوفيرِ كُلِّ فُرَصِ النجاحِ لعملِه، إلا أنَّ الغدرَ والمكرَ، وغفلةَ جُملةٍ لا يُستهانُ بها من البشر، لطالما كانتْ سببًا في وأدِ المشاريعِ الإلهيةِ التي تحملُ الخيرَ والسعادةَ للبشرية... نعم، لا غرابةَ في أنْ يكونَ المُختارُ الثقفي (رضوان الله عليه) سببًا في إدخالِ السرورِ على البيتِ الهاشمي، وهو الذي تحمّلَ في سبيلِ نُصرتِهم السجنَ والتعذيبَ والتنكيلَ، وعينُه التي شُتِرَت - بقضيبِ ابنِ زياد (لعنه الله (تعالى)) إبانَ اعتقاله- على حُبِّه وولائه خيرُ دليل.. لقد انطلقَ هذا الثائرُ الأبيُّ للأخذِ بثاراتِ آلِ النبي، ولاحقَ بمُجرّدِ تحرُّرِه من السجنِ أعداءَ الإسلام وقَتَلةَ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) في كُلِّ مكانٍ حتى أذاقَهم الموتَ الزؤام، وشفى قلوبَ أهلِ البيتِ (عليهم السلام)، وبَرّدَ أكبادَهم التي أحرقتْها الآلام، وما بَلسَمَ جراحَها مرورُ الليالي والأيامِ وتصرُّمُ الشهورِ والأعوام.. جاءَ المُختارُ الثقفي ليضع حدًّا للمُعاناةِ، ويفتحُ بابًا جديدًا للحياةِ، في بيوتٍ ألِفَتِ الحُزنَ والأسى والزفرات، حتى شكرَ سادةُ الساداتِ عملَه، وترحّموا عليه وثمّنوا مواقفَه وفعلَه، ونطقوا أمامَ الملأ بفضلِه، فقد رويَ عن أبي عبدِ اللهِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "عندَما أرسلَ المُختارُ برأسِ عبيدِ اللهِ بن زياد وعمر بن سعد إلى المدينة: إنَّ المُختارَ أدخلَ السّرورَ على أهلِ البيت (عليهم السلام). ثم قال: ما امتشطتْ فينا هاشميةٌ ولا اختضبتْ حتى بعثَ المُختارُ إلينا برؤوسِ الذين قتلوا الحُسينَ (عليه السلام)". ورويَ عن الإمامِ السجّاد (عليه السلام) أنّه قال: "جزى اللهُ المُختارَ خيرًا"... ولا ريبَ أنّ موقفاً مُشرِّفاً مثل هذا سيخلقُ أعداءً كثيرين له؛ لذلك واجهَ هذا البطلُ الأبيُّ صنوفَ المُعاناةِ في طريقه، وتحمّلَ مُختلفَ الابتلاءاتِ في مسيرتِه، لكنّه لم يتراجعْ لإيمانِه بخطه، وثقتِه بنصرِ اللهِ (تعالى) له، ومحقِ عدوه ولو كانَ ثمنُ ذلك العُمرَ كُلَّه، فالشهادةُ في فكرِ الصالحين تُحفةُ اللهِ التي لا تتهيّأ لأيٍّ كان، ونيلُها يحتاجُ إلى توفيقٍ ولطفٍ خاصٍّ من الرحمن، وما الحياةُ في نظر العبدِ الحقيقي إلا رحلةُ جهادٍ وإيمان، ينبغي أنْ تُختَمَ بخيرٍ وإحسان، وهكذا كانَ مصيرُ المُختارِ عداوةَ الأشرارِ من بني أمية وآلِ الزبير ومن لفَّ لفَّهم في رحلةِ التمحيصِ والاختبار... لقدِ اختارَ المُختارُ نهايتَه على طريقِ سادتِه الذين ذابَ في حُبِّهم، واصطبغتْ كُلُّ حياتِه بجرحهم، فحملَ همَّهم وقودًا يوري كبدَه بنارٍ لا تنطفئ أبدًا، بل تزدادُ سعيرًا كُلّما لاحَ طيفُهم، أو مرَّ في سمعِه ذكرُ مُصابهم؛ لذا جعلَ من كربلائهم مُنطلقًا لثورتِه التي كانَ يُريدُ لها أنْ تُعيدَ حقَّهم، وتُبلسِمَ شيئًا من جراحِهم، وتنشرَ عبقَ كلماتِهم، وتنثرَ عبيرَ عدلِهم الذي غابَ مع انطفاءِ أنوارِ علي (عليه السلام) والدهم. ولكن لم يُكتبْ لثورته الاستمرارُ بعدَ رحلةِ الثأر من الأشرار، ومسيرةِ النشرِ لنهجِ الميامين الأبرار، فقد تكالبَ على قتلِه واستئصالِ وجودِه مَنْ أعمى الشيطانُ قلبَه فاختارَ الخزيَ والعارَ والخلودَ في النار، لتكون نهايتُه على يدِ آلِ الزُبير الذين كشفوا عن حقيقتهم، وبانَ بجلاءٍ ما كانَ مخفيًا عن الناسِ من أمرِهم، عندما أقدموا على نحرِ كُلِّ من كانَ مع المختار الثقفي حتى بعدَ استسلامهم، فضلًا عن أمرهم لجلاوزتهم بقطعِ رأسِ المُختارِ وكفِّه وتسميرِها بمُسمارٍ إلى جانبِ المسجدِ ليُرعِبوا كُلَّ من يُفكِّرُ بالثورةِ ضِدّهم. وبهذا فضحَ الدمُ الزكيُّ للمُختارِ أكاذيبِهم، وكشفَ الستارَ عن مكرِهم ودهائهم وحقيقتهم، فكانتْ تلك الدماءُ الزكيةُ من جهةٍ أولَ مسمارٍ في كرسي الدولةِ الزبيرية، ومن جِهةٍ أخرى دليلَ الولاءِ والانتماءِ الصادقِ للعِترة النبوية، التي ترجمتْ بتدفُّقِها معنى أنْ يكونَ المرءُ معهم وعلى خطِّهم، وأوضحتْ بجريانِها ما هي البراهينُ التي ينبغي تقديمُها في سبيلِ إثباتِ ولائهم، نسألهُ (تعالى) أنْ يوفِّقَنا وإيّاكم للكونِ معهم، والسيرِ على طريقِهم من خِلالِ الإخلاصِ لمنهجِهم، وحملِ فكرِهم، وبثِّ كلماتِهم، والانتظارِ الصادقِ لقائمِهم الذي تتحقّقَ على يديه كُلُّ أحلامِهم، وتُشرِقُ من فناءِ بيته الأقدس شمس أنوار علومِهم (صلوات الله وسلامه عليهم).

اخرى
منذ 4 أيام
64