حسين فرحان

كوكبُ العراقِ يدورُ في فلكِ المرجعيةِ العُليا

بقلم: حسين فرحان أقبل وهو يُخفي مشاعره خلف كمامته الطبية التي ابتلَّ أعلاها بدموعه، وهو يحمل كيسًا من عطاءٍ طيبٍ مباركٍ يكفي تلك الأنفس المُتعففة العزيزة مؤونة البحث عن رزقها، في زمنٍ أصدرتِ الأرض فيه قرارًا يحظر القانع والمعتر ومن يعمل لتحصيل قوت يومه من السعي فيها طلبًا للمعاش، حين حلَّ البلاء بالوباء وارتحل الرخاء. أقبلَ وهو ابنُ موكبٍ حسيني عرفته مجالس العزاء وزيارة الأربعين وساحات الوغى عارفًا للحقِّ وأهله، يقضي أيامه وهو يعمل دون اصطناعٍ في أداء أجر الرسالة ويُنصتُ بقلبه لزهراء الوجود تبارك له المواساة، ويترقب دون غفلةٍ تُلهيه (فتوى) تجعله المصداق الحسيني الانتماء. ما أجمل تلك الإطلالة بعيون من مسّهم الضر الذين كانوا ينتظرون عزيزًا يوفِّ لهم الكيل، فكان لهم ما أرادوا دونَ أنْ يقفوا بباب حاكمٍ أو مسؤولٍ أو أنْ يُرى عليهم ذُلَّ السؤال، حين خطّت يدُ السيد المرجع لأبناء الزهراء فتوى جديدة كالبلسم يُشفي الجراح ويُجيب استفتاءً كأن الذي كتب فيه (يا أيّها العزيز مسّنا وأهلنا الضر .. ) فنطقتِ الفتوى وهي تُشير إلى عدم الاهتمام الكافي من قبل الجهات الحكومية: "إنّ توفير الحاجات الأساسية للعوائل المتضررة من الأوضاع الراهنة هو بالدرجةِ الأساس من مسؤوليةِ الجهات الحكومية المعنيّة، ولكن في ظلِّ عدم الاهتمام الكافي منها بذلك لا مناص من التوجّه إلى سائر الأطراف القادرة على المساهمة في هذا الأمر المهم الذي هو من أفضلِ الخيرات والقربات، والعمل بما يفي بالمقصود يتطلّب تعاونًا وثيقًا من عدّة أطراف". ثم فصّلت الأطراف إلى فئاتٍ ثلاث: 1 - أهل الخير، من المتمكنين ماديًا ... 2 – التجار، أنْ يعرضوا بضاعتهم دون رفع سعرها ... 3 - مجاميع من الشباب الغيارى يتطوعون للتعرّف على العوائل المتعففة وإيصال المواد المخصّصة لها ... أما أصحابُ المواكب الحسينية فقد ذكّرهم السيد المرجع بدورهم المشرف في رفد المقاتلين بكلِّ ما يحتاجونه أثناء حربهم مع داعش. فكانت الاستجابة، وانبرى كلٌّ من مكانه لتلبيةِ النداء في واحدةٍ من أروع الملاحم وأجمل الصور الإنسانية التي دعت بعض أصحاب الضمائر الحيّة من محيطنا العربي أنْ ينقل هذه المشاهد عبر قنواته الإعلامية وهو يُظهر الدهشة ويبدو عليه الذهول أمام تعدد هذه المشاهد دون أنْ يتمالك دموعه وهي تتجارى على تكافل وتراحم أهل هذا البلد الذي قال عنه: "إنّه كوكبُ العراق"!، ولطالما تساءل عن الطينة التي خُلِقَ منها أهل هذه الأرض وهل هي طينةٌ تختلف عن الطينة التي خُلِقَت منها سائر الشعوب؟ رُبّما هو لم يطلعْ على السرِّ العظيم، ولم يعلمْ أنَّ هذه الأرض بعينِ سادات الأرض هي مدينتهم ومحلهم ومقر شيعتهم، ورُبّما هو لم يعلمْ أنَّ هذه الأنفس الطيبة خُلِقت من فاضل طينتهم (عليهم السلام)، ولا لومَ عليه، فما كلُّ أحدٍ عارفٌ بما اصطفى الله به عباده . نصرٌ بفضلِ فتوى، وتكافلٌ وتراحمٌ بفضل فتوى، وعينُ حراسةٍ مهدوية ترعى شعب الحسين وهو يضعُ اللثام ويُطرق خجلًا من تقصيرٍ غير مقصود بحقِّ عائلةٍ يشعر أنَّ ما يقدمها له هو أقلُّ من القليل، لكنّه بعينِ الله الذي يمحق ربا أنظمة الاقتصاد العالمية المُغلفة بشعاراتِ الانسانية، ويُربي صدقاتِ رهبانِ الليل وأسود النهار جند المرجعية الدينية العُليا في (كوكب العراق).

اخرى
منذ 5 أشهر
308

مُقدساتُنا المُستهدفة

بقلم: حسين فرحان "أظنَنْتَ يا يزيد حيث أخَذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبَحنا نُساقُ كما تُساق الأُسارى، أنّ بنا على الله هَوانًا وبك عليه كرامة ؟!" زينبُ الكبرى (عليها السلام) تخاطب طاغيةَ أمية، وجليسَ القرد، ونديم الكأس، فإنَّ من هوان الدنيا أنْ يُقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ويبقى الطليق ابن الطلقاء، وإنَّ من هوانها أيضًا أنْ تُسبى العقيلة زينب (عليها السلام). وللدنيا وهوانها شواهدُ كثيرةٌ تكون المقدسات فيها مستهدفةً، وتُهاجَم بسلاحين يتسلح بهما الأعداء: الأول، (جهلٌ مركبٌ) لا ينفع معه علمٌ ولا معلمٌ، والثاني (حقدٌ) في نفوسٍ مريضةٍ لا ينفع معها طبٌ ولا طبيبٌ! العالم بالتأويل ومن فُتِحَ له ألفُ بابٍ من أبواب العلم، وفُتِحتِ الأبوابُ على ألفِ بابٍ لكلٍّ منها، يُقارَن بمن أُشرِبَ في قلبه العِجل، وبمن جرتِ الجاهليةُ فيه مجرى الدم في العروق حتى عُدَّ في إرث أبناء السقيفة رابعًا؛ ليفصح في شقشقته التي هدرت ثم قرت: "مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ .. ". رحم الله صاحب الكوثرية إذ أشار إلى بطلان قياس القوم قائلًا: قاسُوكَ أبا حسنٍ بِسِـواكَ وهـل بالطّـودِ يُقاسُ الذَّرْ أنّى سـاوَوْكَ بمَـن ناوَوْك .. وهـل سـاوَوا نَعْـلَي قَنبَرْ ومن هوان الدنيا أنْ يوضع رأسُ خامس أهل العباء وبقية الأنبياء والأوصياء في طشتٍ أمام شيطان الطُلقاء وسُلالة البغاء. والدنيا – على هوانها - أمثالُ يزيد يفرحون بها أيامًا معدوداتٍ؛ لتحلَّ عليهم اللعنة عند اجتماع الخصوم، وأيُّ خصومٍ؟! أنبياء، وأوصياء، وأولياء: إبراهيمُ (عليه السلام) ومن أوقد النار، ويحيى (عليه السلام) وقاطع الرأس، وموسى (عليه السلام) ومن ادعى الربوبية، وعيسى (عليه السلام) ومن أنكره، ومحمدٌ (صلى الله عليه وآله) وأمةٌ انقلبت على الأعقاب، وعليٌ (عليه السلام) والناكثون والقاسطون والمارقون، وعترةٌ طاهرةٌ ومن نصبَ لها العداوة وأعمل فيها القتل "وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ الله فِيها... ". الحقدُ (معاوية نموذجًا)، وأما الجهل فأتباعٌ ينعقون وراء كلِّ ناعق، الحقدُ صريحٌ إلى درجةِ "لا خبر جاء ولا وحي نزل" وإعلانُ جهل التابعين أكثرُ صراحةً منه "أبلغ عليًا أنّي أقابله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل". تُرى هل انقضت تلك الأزمنة؟ هل انقرضت هذه البهائم البشرية، أو إنَّ الحقد أصبح أحقادًا، والجهل تسافل بالقوم إلى حضيض الجاهلية وشفا حفرة النار؟! إنَّه يعود تارةً أخرى، ويكرُّ كرةَ غدرٍ جديدة، لكن المُستهدف في هذا الزمان هو إرثُ الأنبياء والأوصياء: - التشيع .. - التقليد .. - المرجعية الدينية العليا .. - الشعائر الحسينية .. تعددتِ الجهاتُ، والهدفُ واحدٌ، وهو القضاء على ما تبقى "يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ .." حقدٌ أموي وشجت عليه أصولهم، وجهلٌ مركب لم تنفع معه القفزة العلمية لشعوب الأرض، وبقي الحمارُ يحملُ الأسفار دونَ أنْ ينتفع بها .. مقدساتُنا اليوم أصبحت عرضةً لهجوم هؤلاء، فنرى ونسمع ممن لا حريجة له في الدين أصوات نشازٍ تملأ صفحاتهم ومواقعهم، وهذا من هوان الدنيا التي لا يُعصى الله (تعالى) إلا فيها، فالمقدساتُ إرثٌ مُستهدف؛ روي عن الإمام السجاد (عليه السلام) أنَّه قال: "خرجنا مع الحسين (عليه السلام)، فما نزل منزلًا، ولا ارتحل منه، إلا وذكرَ يحيى بن زكريا (عليه السلام)، وقال يومًا: من هوان الدنيا على الله (عزّ وجلّ) أنّ رأس يحيى بن زكريا أُهديَ إلى بغيٍ من بغايا بني إسرائيل". التشيع .. التقليد .. المرجعية الدينية .. الشعائر الحسينية يُرادُ لها أنْ تموت، ويُهدى رأسها للبغايا في سعيٍ حثيثٍ يُقادُ بالحقد والجهل، ولكن ".. وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ..".

اخرى
منذ 5 أشهر
336

كورونا وعقاربُ الساعةِ البيولوجية

بقلم: حسين فرحان عندما تتحول وجبات الإفطار إلى وجبات غداء، وتحتل وجبات الغداء أوقاتًا ليلية لم تعهدها من قبل، فاعلم أنّك في زمن كورونا .. وعندما يضطربُ نومك، فتُصبح مساءً وتُمسي صباحًا، وتشاطر الخفاش يقظته، فاعلم أنّك في زمن كورونا .. وعندما تخرج بعد منتصف الليل وتجد صاحبَ الأسواق ينتظرك وهو يرتدي كمامته لتشتري لصغارك الحلوى أو ما يتسلون به وهم منكفئون على هواتفهم حتى مطلع الفجر فاعلم أنّك في زمن كورونا .. إنّها ساعتك البيولوجية امتدت لها يد هذا الفيروس سيء الصيت لتعبث بإعداداتها، فأخرجتك مُكرهًا من تلك الجدولة الزمنية التي طالما كنت تحلم بطريقةٍ للتمرد عليها، وها هو كورونا يُقدمها لك على طبقٍ من قلق .. تمرّد كما شئت؛ فالكلُّ يجيز لك التمرد .. نم وقتما تشاء .. استيقظ وقتما تشاء .. أخرج البطاريات من الساعات الجدارية، بل اقتلع عقاربها واحتفظ بها في مكانٍ تنعم فيه بالسكون بعد أنْ كانت تنافسك في مضمار حياتك فأنت لم تدركها يومًا بسبق ..اتركها تأخذ قسطًا من الراحة، واسترح أنت من صوتها المنتظم إلى حدِّ الملل، إنّك لم تعد بحاجةٍ إليها لتعرف موعد عملك ..أو نومك .. أو التزاماتك .. حتى مواعيد المباريات لم تعد تهمك فهي قد تلاشت من شاشات القنوات المشفرة، والتزم ميسي ورونالدو بالحظر خشية أنْ يكون للفيروس فيهما نصيب .. ما الذي فعله الوباء المنتشر؟ هل قلب الحياة رأسًا على عقب؟ وهل سيطول الأمر؟ أحسب أنَّ البعض منا - لو طال الأمر - سيخرج بعد انقضائه وهو يحتمي من الشمس بكفيه كالخارج من كهفٍ مظلمٍ رطبٍ بلحيةٍ كثة وشعرٍ أشعث وهو يتساءل: (كم لبثنا...؟!) العزلةُ وما يترتبُ عليها أثرٌ من الآثار غير المباشرة للوباء، فالفيروس وإنْ لم يقتحم جسمك لكنه اقتحم هذه الساعة البيولوجية التي يصفها العلماء بأنّها تلك "الساعة الحيوية التي تنظم وقت النوم ووقت الشعور بالجوع والتغيرات في مستوى الهرمونات ودرجة الحرارة في الجسم. وتعرف التغيرات الحيوية والنفسية التي تتبع دورة الساعة الحيوية في أربعٍ وعشرين ساعة بالإيقاع اليومي، وأنماطًا سلوكية دورية إيقاعية أي تحدث عند فواصلَ زمنيةٍ منتظمة، تتفق غالبًا مع دورة الليل والنهار، أو مع تعاقبِ الفصول، أو مع دورةِ المد والجزر, أو مع التموجاتِ التي تحدث في العوامل البيئية مثل الضوء والحرارة والرطوبة النسبية والضغط البارومتري، فالسلوك الذي يحدث يوميا يعرف بالإيقاع أو التواتر اليومي. "وإنّها - أي هذه الساعة - تعمل عند البشر حسب جداول زمنية ضرورية للحياة وللصحة. وللبشرِ إيقاعاتٌ بيولوجية يومية، وأسبوعية، وشهرية، وسنوية. ويختلف مستوى الهرمون والكيميائيات الأخرى في الدم على مدى هذه الفترات الزمنية. وكثيرٌ من عمليات الجسم الحيوية تتم بانتظام كلَّ أربعٍ وعشرين ساعةً وتتسق أنشطة الخلايا والغدد والكليتين والكبد والجهاز العصبي بعضها مع بعض، ومع إيقاع النهار والليل في البيئة". هل ينطبقُ هذا الكلام العلمي مع الواقع الذي نعيشه اليوم في ظل تحديات الوباء؟ هل وصلنا بسبب حظر التجوال وملازمة المنازل إلى مرحلة الاضطراب ؟ أتصورُ أنَّ جواب ذلك تجده عند أصغر أبنائك وهو يستيقظ بعد الظهر ليقول لك: صباح الخير! مع ذلك (ابق في البيت) وعندما تنتهي الحكاية أعِدْ عقارب الساعة لمكانها، والزمنُ كفيلٌ بأنْ يُصلح لك ساعتك البيولوجية.

اخرى
منذ 5 أشهر
224

صورةُ شهيـــد

بقلم: حسين فرحان قال والد الشهيد مخاطبًا الأم الثكلى بوحيدها: ــ أتعلمين أنَّ بضعتنا يرقدُ بجوار الحسين (عليه السلام)؟ أتعلمين أنَّ قطعةٌ منكِ ومنّي لبّت نداء الطف؟ ــ لطالما قرأتُ في الزيارة (فيا ليتني كنتُ معكم فأفوز معكم ..)، أتظنُ أنَّ ولدنا برفقة زهير وبرير الآن؟ ــ أظن؟! بل قولي: أتعتقد .. وهل بعد بشرى السيد المرجع يكون الظن أو التردد باليقين؟ ــ ما يُهوِّن عليَّ فراقه كلماتُ السيد حين بشّرنا بكونِه شهيدًا وأنّه مع شهداء كربلاء .. ــ ليلة الجمعة التي مضت وقفتُ طويلًا أمام شباك الشهداء .. اقتربتُ شيئًا فشيئًا استنشقُ عطرهم.. وقع بصري على أسمائهم، صدقيني .. أحسستُ بوجوده بينهم .. ورغم عشقي لهذا الشباك طيلةَ عمري غير أنني لم أكن أتخيّل أنَّ قوافل الشهداء لم تنقطع عنه منذ مئات السنين وهي تحطُّ رحالها في هذا المكان .. ــ انظر إلى صورته، أتراه يسمعنا الآن .. ــ ( ناغيه ) .. ــ لا قلبَ لي .. ــ يسمعنا .. هو الآن يسمعنا .. أتذكرين حين كان يبتسمُ لي في المهد .. لم تغِبْ تلك الصورة عن ذاكرتي منذ أنْ رأيتُ نعشه على السيارة، أصبحتُ لا أرى سواها .. وأنتِ ما الذي علق في ذاكرتكِ؟ ــ أنت تقتلني .. ــ هل اشتقت إليه؟ ــ خُذني إليه .. ــ غدًا بإذن الله تعالى نذهبُ إلى مقبرةِ وادي السلام . ــ كلا، خذني للحسين (عليه السلام).

اخرى
منذ 4 أشهر
212

الفيس بوك والأدعية المخترعة

بقلم: حسين فرحان لم يسلمْ تراثنا الإسلامي بأصالته وعراقته وعلو مضامينه من إضافاتٍ دخيلة مخترعة لا تمت إليه بصلة؛ فاستحسان بعض العبارات المُنمقة، والإعجاب بزخرفها وزبرجها، وسهولة نشرها، دعا الكثيرين إلى نشرها دون نظرٍ في صحتها وسندها. أدعيةٌ وابتهالاتٌ تملأ صفحاتِ التواصل الاجتماعي ومواقعِ الإنترنت عمومًا، لا يُعرف من أملاها، ومن كتبها، يختلط فيها الغث والسمين، والموضوع والأصيل، مع دعوةٍ لا تكاد تفارقها مثل (أقسم عليك بكذا وكذا) و (أرسلها لعشرة) و (لا تغلق الفيس قبل أنْ تنشرها لأصدقائك). لا بأس بالدعاء، ولكن .. أليس من الأمانةِ أنْ يتم نشره من مظانه ومصادره؟ أليس من حُسنِ الصنيع أنْ يُروى الدعاء كما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن أهل البيت (عليهم السلام)؟ وهل خلت الكتب من المأثور عنهم (عليهم السلام) حتى يلجأ البعض إلى أدعيةٍ هي من اختراعات المخترعين؟ فالقرآنُ الكريم والأدعيةُ التي وردت فيه، وكتبٌ مثل: إكسير الدعوات، البلد الأمين، الصحيفة السجادية، الصحيفة الرضوية، الصحيفة المهدية، مفاتيح الجنان، مُهَج الدعوات، مصباح الكفعمي، مصباح المتهجد، مفتاح الجنات، الباقيات الصالحات، وغيرها من الكتب القيّمة التي تضم في طياتها أدعيةً وردت عن النبي وأهل بيته (عليهم الصلاة والسلام)، ألا تكفي للأخذِ منها باطمئنانٍ؟ القضيةُ تستحقُّ وقفةً جادةً من أجل أن لا تنتشر الأباطيل على حساب منهج أهل الحق والصدق، فالمعصومُ (عليه السلام) حين يُعلِّمنا دعاءً معينًا فذلك يعني عصمة نفس هذا الدعاء، إذ إنَّ قولَ المعصوم فيه عصمةٌ من الخلل والزلل والخطأ والاختراع. "إنّ اعتقادنا الراسخ بوجوب العصمة في الأئمّة والأنبياء (عليهم السلام) وضرورتها لهم؛ لأنّهم يتحدّثون إلى الخلق عن الله (سبحانه وتعالى)، يدفعنا إلى القول بأنّ الأدعية التي وردت عن المعصوم (عليه السلام) والتي تضمنّت الاعتراف بالذنوب والخطايا، وتضمنّت الاستغفار وطلب التوبة والاستقالة منها، لا شكّ ولا ريب أنّها تعني معنىً غير الذي نفهمه ونعرفه من أنفسنا حين نغرق في الذّنوب والخطايا، وحين نطلب العفو والاستقالة منها. فالمعصوم (عليه السلام) ولشدّةِ كماله وانقطاعه إلى الله (جل وعلا) يرى أنَّه يجب أنْ تكون أوقاته مستغرقةً ومتمحّضةً دائمًا وأبدًا في خدمةِ الله وطاعة الله". روي عن عبد الرحيم القصير، قال: "دخلت، على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقلت: جعلت فداك، إنّي اخترعت دعاءً، قال (عليه السلام): دعني من اختراعك، إذا نزل بك أمرٌ فافزع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قلت: كيف أصنع؟ قال: تغتسل وتصلّي ركعتين تستفتح بهما افتتاح الفريضة، وتشهد تشهّد الفريضة، فإذا فرغت من التشهّد وسلّمت، قلت: اللهمّ أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام...". فقد أمر الإمام الصادق (عليه السلام) بترك الدُّعاء المُخترع، وعلّم صاحبَه دعاءً بعينه. وقد تكرَّر هذا الأمر في عددٍ آخر من المواقف يظهر فيها تشديدُ أهل البيت (عليهم السلام) على ضرورة الالتزام بالدعاء المأثور، كما في هذه الرواية: عن عبد الله بن سنان، قال: "قال أبو عبد الله (عليه السلام): "ستصيبكم شبهةٌ فتبقون بلا علمٍ يُرى ولا إمام هدى، ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق، قلت: كيف دعاء الغريق؟ قال: يقول: يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، فقلت: "يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلّب القلوب والأبصار ثبِّت قلبي على دينك"، قال: "إنّ الله (عز وجل) مقلّب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول لك، يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك". مما تقدم نرى نهيَّ الإمام (عليه السلام) عن الدعاء المخترع، وما أكثر الأدعية المخترعة التي يتم تداولها دون تحقق؛ لأنها جاهزةٌ للنشر ولا تُكلف صاحبها عناء البحث عن حقيقة صدورها!

اخرى
منذ 3 أشهر
288