Profile Image

زينب

كيفَ نستفيدُ من ذكرى عيدِ الغدير؟

بقلم: زينب يأتي عيدُ الغديرِ حاملًا معهُ عبقَ ذكرى لا مثيلَ لها.. فكيفَ ننتهلُ من هذهِ الذكرى؟ كُلٌّ حسبَ وعائه وقدرِه، قال (تعالى): "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا" وهُنا يأتي السؤالُ: كيفَ نستفيدُ من هذا اليوم بشكلٍ يتركُ أثرَهُ علينا؟ هذهِ بعضُ الطُرُقِ التي سوفَ تُساعدنا لمعرفةِ عيدِ الغدير وإحيائه بشكلٍ يتركُ آثارهُ علينا: ١_معرفةُ عيدِ الغدير إنّنا مهما وصلنا من المعرفةِ لا نستطيعُ أنْ نصلَ إلى معرفةِ عيدِ الغدير معرفةً حقيقةً، وإلى ذلك أشارَ الإمامُ الرضا في حديثٍ له: "لو عرفَ الناسُ فضلَ هذا اليوم بحقيقتهِ لصافحتْهم الملائكةُ في كُلِّ يومٍ عشر مراتِ"١ وهُنا (لو) حرفُ امتناعٍ، أي إنّنا لا نستطيعُ معرفةَ عيدِ الغديرِ بحقيقتِه، ولكن المعرفةَ التي يجبُ أنْ نعرفَها حولَ عيدِ الغدير هي معرفةُ كُلِّ إنسانٍ حسبَ قدرتِه، وتنقسمُ معرفةُ عيدِ الغدير إلى قسمين: ١_ معرفةٌ بالحادثةِ وتفاصيلها. ٢_معرفةٌ بفضلِ وعظمةِ هذا اليوم. فأما المعرفةُ الأولى، معرفةُ الحادثةِ وتفاصيلها فيكونُ عن طريق: أ_ الرجوعُ إلى القرآن: إنّ القرآنَ الكريمَ قد ذكرَ حادثةَ الغديرِ في كتابه الكريم في قوله (تعالى): "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا "(المائدة 3)، وفي قوله (تعالى): "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين"(المائدة 67) ولكي نعرفَ عيدَ الغديرِ عن طريقِ القرآن الكريم يجبُ أولًا الرجوعُ إلى التفاسيرِ والتدبُّرِ في الآيات المباركة؛ فهو الذي يفتحُ لنا كنوزَها. ب_ المعرفةُ عن طريقِ مُراجعةِ الأحاديثِ التي وردتْ حولَ حادثةِ الغدير، ويكونُ ذلك عن طريقِ مُراجعةِ الكتبِ التي تناولتْ هذهِ الحادثةَ، وإنّ العلّامةَ الأميني قد اختصرَ الطريقَ المُتعِبَ لمن يُريدُ أنْ يقرأَ ويعرفَ كُلَّ تفاصيلِ عيدِ الغدير يجدُها مجموعةً في موسوعتِه الشهيرة "الغديرُ في الكتابِ والسُنّة" قدّمَ العلّامةُ لعيدِ الغديرِ هذا الكتابَ القيّمَ الذي انتفعتْ به البشرية، وعلى الرغمِ من أنّ هذا العملَ مُتعِبٌ لكنّ العلّامةَ كانَ غارقًا في خِدمةِ مولاه لدرجةِ أنّه قيل: إنّ العلّامةَ الشيخ "عبد الحسين الأميني" كانَ همُّه الأكبرُ تأليفَ كتابِ: "الغدير" ولأجله سافرَ إلى البلدان، وتحمّلَ المشاقَ والمتاعبَ، وعندما كانَ في الهندِ، قيلَ له: كيف تُطيقُ حرارةَ الطقس؟ فقال: وهل الطقسُ حارٌ؟! ولذا فمن الآثارِ التي تركَها عيدُ الغديرِ على العلّامةِ أنّ كتابَه ما زالَ إلى الآن يقرؤه الناسُ وينتفعون به.. وبعدَ هذا الكلامِ فلا عُذرَ لنا لكي نتحجّجَ بالتعبِ وضيقِ الوقت، وعلينا مهما كانَ حالُنا وضيقُ وقتِنا أنْ نسعى من اليومِ لأنْ نُقدِّمَ للإسلامِ ما نستطيعُ تقديمَه لعيدِ الغديرِ من دون تعبٍ أو مَلَلٍ أو كَلَلٍ، وأنْ نُقدِّمَ عملًا يتركُ آثارَه حينَ تختفي رسومُنا وآثارُنا. ولزيادةِ المعرفةِ حولَ حادثةِ الغدير أنصحُ بقراءةِ هذهِ الكُتُبِ لمن يجدُ الصعوبةَ في قراءةِ الموسوعاتِ الكبيرة: ١_رسالةٌ غديريةٌ للعلّامةِ السيّدِ هبة الدين الشهرستاني، وهي مخطوطةٌ قامَ بتحقيقِها الدكتور عماد الكاظمي، وأنصحُ بمُطالعتِها خصوصاً وأنها قصيرةٌ، وذات معنى كبير فقد تناولَ المؤلِّفُ السيّدُ هبةُ الدين الحديثَ المرويَ في حديثِ غديرِ خُمّ وتعزيزِه متنًا وسندًا، وقسّمَ الكتابَ إلى فصولٍ أربعةٍ قد تناولَ بها الحادثةَ من جوانبَ عِدّة. ٢_ليالي بيشاور المجلس الثامن . ٣_مُنتهى الآمال ج ١ وقائع العام العاشر للهجرة. ٤_إقبال الأعمال _ ص٧٤٧ في تنصيب علي للولاية. ويجبُ أنْ نعرفَ أنّ المعرفةَ ليستْ فقط أنْ نُحيطَ علمًا بما جرى، بل أنْ نعتقدَ به اعتقادًا جازمًا، نرى آثارَه في حياتنا.. وبعد أنْ نقرأ عن الحادثةِ نسألُ أنفسنا ونُحاسبها: هل غيّرَ فيها عيدُ الغدير شيئًا؟ هل تركتْ تلك الكلماتُ آثارَها على تلك الروح الجدبة؟ والجوابُ معرفةُ عظمةِ هذا اليوم وأهميته، رويَ عن أنّ الإمامَ الصادقَ (سلام الله عليه) قالَ لبعضِ أصحابه: "لعلّك تَرى أنَّ اللهَ (عزَّ وجَلَّ) خَلَقَ يومًا أعظم حرمةً مِنه؟ لاوالله، لا والله، لا والله"(١) وهناك الكثيرُ من الأحاديثِ التي ذكرَتْ فضلَ هذا اليومِ، ويُمكِنُ مُراجعةُ فضلِ عيدِ الغدير في كتابِ إقبالِ الأعمالِ وبحارِ الأنوار. بعد أنْ عرفنا عيدَ الغديرِ وتعرّفنا عليه وعلى فضلهِ تأتي الخطوةُ الثانيةُ وهي أداءُ حقِّ هذا العيدِ عن طريقِ: إحياءِ عيدِ الغدير: عيدُ الغدير من الشعائرِ التي يجبُ إحياؤها، وإنّ إحياءَها يعودُ بالخيرِ على الفردِ نفسِه؛ لأنّ فلسلفةَ الشعائرِ تهذيبُ النفسِ وتقويمُها، وإحياءُ عيدِ الغدير يكونُ عن طريقِ أمورٍ عِدّة: أ_ الصوم: إنّ من فلسلفةِ الصومِ الحصولَ على التقوى، وقد بيَّنَ اللهُ (تعالى) هذا الأثرَ في كتابِه الكريم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". إذن من فلسفةِ الغدير أنْ يكونَ الفردُ مُتقيًا عن طريقِ الصيام، وقد وردَ في فضلِ صيامِ هذا اليوم أجرٌ كبيرٌ. ب_ قراءةُ دُعاءِ النُدبة: لطالما تساءلتُ: إنّ العيدَ فرحٌ وسرورٌ فلماذا نقرأُ دعاءَ الندبةِ في الأعياد؟ حتى أجابتني الأفكارُ: لعلّ السببَ يعودُ إلى فقداننا صاحبِ العيد، فطالما كان غائبًا فالعيدُ يفتقرُ إلى وجودِه، فصلاةُ العيدِ ما زالتْ تنتظره أنْ يؤمَّ العالمَ بأكمله، فيجبُ علينا أنْ نأتيه طوعًا، ونُصلّي خلفَه ونحتفلَ بوجودِه.. تُرى متى.. متى يحدثُ ذلك؟ لهذا نقولُ له في عيدِ الغدير: "بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنّا، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ نازِحٍ ما نَزَحَ عَنّا" وإنّ من الأعمالِ المُستحبّةِ أيضًا إظهارَ الفرحِ، فكيفَ نجمعُ ضدّين؟ ربما يُجيبُنا عن ذلك حديثُ الإمامِ علي (عليه السلام): "المؤمنُ بشرُه في وجهِه، وحزنُه في قلبه".. فالمؤمنُ حزينٌ لفقدِ إمامِه دائمًا، وفي العيدِ يشتدُّ حزنُه ويبكي له ويندبُه، ولكن بشرُه في وجهِه لا يُفارقُه، إذ يُحيّي العيدَ بابتسامة. ونعرفُ أنّ من آثارِ قراءةِ دعاءِ الندبة في عيدِ الغدير أنْ يتذكَرَ المؤمنُ إمامَه ويندبَه ليُعجِّلَ الظهور وليُكملَ العيدُ به. ج_ زيارةُ أميرِ المؤمنين: إنّ من آثارِ زيارةِ الإمامِ علي (عليه السلام) تجديدَ الولاءِ له والاعتقادَ بهِ وبإمامته. د_ أنْ يُصلّيَ ركعتين ثمّ يسجُدَ ويشكرَ اللهَ (عزَّ وجلَّ) مائة مرة، ومهما شكرنا لا نؤدّي حقَّ نعمةٍ من نِعَمِ اللهِ (تعالى)، فكيف لو كانَ هذا اليومُ هو يومَ تمامِ النعمة؟! وهناك الكثيرُ من الأعمالِ المُستحبةِ التي ذكرَها الرسولُ (صلى الله عليه وآله) في خُطبته.. واعلمْ أن قد وردَ في هذا اليومِ فضيلةٌ عظيمةٌ لكُلِّ من أعمالِ تحسينِ الثّيابِ، والتزيّن، واستعمالِ الطّيب، والسّرورِ، والابتهاجِ، وإفراحِ شيعةِ أميرِ المؤمنين (صلوات الله وسلامُهُ عليه)، والعفو عنهم، وقضاء حوائجهم، وصلة الأرحام، والتّوسيع على العيال، وإطعام المؤمنين، وتفطير الصّائمين، ومُصافحة المؤمنين، وزيارتهم، والتّبسّم في وجوههم، وإرسالِ الهدايا اليهم، وشكر الله (تعالى) على نعمته العُظمى نعمةِ الولاية، والإكثار من الصّلاةِ على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ (عليهم السلام)، ومن العبادة والطّاعة، ودرهمٌ يعطي فيه المؤمنُ أخاه يعدلُ مائة ألفِ درهمٍ في غيرِه من الأيّام، وإطعام المؤمن فيه كإطعامِ جميعِ الأنبياءِ والصّديقين. وإنّ جميعَ هذهِ الأعمال نجدُها تُساعدُ على التقارُبِ بين المؤمنين، وتُساعدُ على رفعِ روحيةِ المؤمنِ فيرتقي درجات درجات. ولكُلِّ عملٍ يقومُ بهِ الإنسانُ لهُ أثرٌ سوف يتركهُ عليه لا محالة في الدُنيا والآخرة. وفي الختام: أقترحُ عليكم المُحاسبةَ بعدَ عيدِ الغدير بوضعِ مُخطّطٍ في دفترِ المحاسبةِ.. ماذا قدّمنا للغدير؟ ما الأعمالُ التي قُمنا بها؟ هل كانتْ أعمالُنا خالصةً لله (تعالى)؟ ماذا أضافَ لنا الغديرُ؟ كم كتابًا قرأنا عنه؟ متى بدأنا بالتحضيراتِ للعيد؟ المُحاسبةُ سوف تجعلُنا نعرفُ ونُدرِكُ مدى قيمةِ هذا العيدِ ومدى تقصيرِنا فيه.. وفّقنا اللهُ (تعالى) وإيّاكم لإحيائه والتنعُّمِ بآثاره في الدُنيا والآخرة ____ ١_إقبال الأعمال لابن طاووس:ص٤٦٨،فضل يوم الغدير.

اخرى
منذ شهر
158

مَصْلُوبًا عَلَى جذعِ نَخلة

بقلم: زينب الكوفةُ لم تعُدْ تلك المدينةَ مثل ما كان يعهدُها في زمنِ أستاذه ومُعلِّمه؛ فهي الآن تضجُّ بأنينِ الفقراء، وقسوةِ الظلام، وتُنبِئُ الأيامُ بفتنةٍ قادمةٍ.. آهٍ... إنَّ كُلَّ هذا ما كانَ يحدُثُ لو أنَّ الحسدَ لم يدب بينَ بعضِهم؛ فأنكروا الغديرَ، وقتلوا أستاذه في محرابِ مسجدِها.. نعم، قد قتلهُ ذلك اللعينُ الشقيُّ ابن الشقي، ومُنذُ ذلك اليومِ وكُلُّ من يُحِبُّ عليًا فحُبُّهُ جريمةٌ كُبرى؛ إذ حاولَ الظالمون أنْ يطمسوا ذكرَ علي، لكن يبقى كالنورِ الساطع، "يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" إنَّ الكوفةَ مُنذُ مقتلِ أُستاذه ومُعلِّمه وإمامِ المتقين أصبحتْ باهتةً ألوانُها، إنّه لم يعُدْ يُريدُ البقاءَ بها؛ لولا تلك النخلة التي هو واقفٌ الآن بقُربِها يُكبِّرُ ويُصلّي ركعتين، وبعدَ أنْ يُكمِلَ صلاته يُحدِّثُها قائلًا: لها خُلِقتُ ولي غُذّيت.. يودِّعُ النخلةَ ويودِّعُ الكوفةَ وداعَ من سيعودُ لها؛ فذلك من أنباءِ ما علّمهُ إيّاه سيّده ومولاه، حيث قال لهُ ذات يوم: إنَّك تؤخذُ بعدي، فتُصلَبُ وتُطعَنُ بحربةٍ، فإذا كانَ اليوم الثالث ابتدرَ منخراك وفمك دمًا يُخضِّبُ لحيتَك، فانتظرْ ذلك الخضاب، فتُصلَبُ على بابِ دارِ عمرو بن حريث، عاشر عشرة أنتَ أقصرُهم خشبةً وأقربُهم من المطهرة، وامضِ حتى أُريكَ النخلةَ التي تُصلَبُ على جذعها، فأراه إيّاها(١). ومضى يحملُ الذكرياتِ الجميلةَ مع مُعلِّمه، يحفظُ كلماته، بل يحفظُ القرآنَ وتأويله في قلبِه، كانَ تلميذًا مُجِدًّا، تعلَّمَ الكثيرَ من مُعلِّمه.. ودّعَ الكوفةَ وشدَّ رحالهُ نحو مكّة لحجِّ بيتِ اللهِ الحرام.. وانتهى المسيرُ بوصوله إلى مكة في أيامِ الحجّ فأحرمَ وبدأ بمناسكِ الحج... طافَ حولَ الكعبةِ وكأنّها المرة الأخيرة.. أو ربما هي الحجةُ الأخيرةُ، هكذا أنباءُ قلبه تُخبِرُه.. بعد أنْ ذبحَ هديَهُ وأحلَّ إحرامه ذهبَ مُتوجِّهًا إلى المدينةِ قاصدًا قبرَ النبي.. يودِّعُ القبرَ ثم يتوجّهُ إلى إمامِ زمانِه لعلّه يحظى بشرفِ وداعه، لكنّهُ لم يتمكّنْ من ذلكَ فأخبرَ أُمَّ سلمة أنْ توصلَ سلامَه واشتياقَه إلى حبيبه الحسين قائلًا لها: ...أخبريه أنّي قد أحببتُ السلامَ عليه، ونحن مُلتقون عندَ ربِّ العالمين. قالت: كثيرًا ما رأيتُ الحسينَ بن عليّ، بن فاطمة يذكرُك، فقال: أنا واللهِ أذكرُه أكثر فاقرئيه السلام. كانَ القلبُ يُخبِرُه أنّ المنيّةَ قد اقتربتْ، فأخذَ يُملي على ابنِ عباس ما تعلّمَهُ من علومِ القرآن وتأويله من سيّده ومولاه كلمةً كلمةً، خطّتِ الكلماتُ في قرطاسٍ ليبقى لهُ في هذهِ الدُنيا أثرٌ من كلماتٍ... وما إنْ عادَ من حجّه ووصلَ الكوفةَ حتى قبضَ عليه ابنُ زياد قائلًا له: - أينَ ربُّك؟ - قال: بالمرصاد لكُلِّ ظالمٍ وأنتَ أحدُ الظَلَمَةِ. - قال: إنّك على عجمتك لتبلغَ الذي تُريد، ما أخبرَك صاحبُك أنّي فاعلٌ بك؟ - قال: أخبرني أنّك تصلبني عاشرَ عشرةٍ، أنا أقصرُهم خشبةّ وأقربُهم إلى المطهرة - قال: لنُخالفنّه - قال: كيف تُخالفه؟ فواللهِ ما أخبرني إلا عن النبي (صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن اللهِ (تعالى)، فكيف تُخالفُ هؤلاء؟ وحُبِسَ معه المختارُ بن أبي عبيد، فقال له ميثم: - إنّك تفلتُ وتخرجُ ثائرًا بدمِ الحُسينِ (عليه السلام) فتقتل هذا الذي يقتلنا.. مرّتِ الأيامُ بالسجن، وكانَ ميثمُ واثقا بأنّ ذلك اليوم باتَ قريبًا مُتشوِّقًا للقاءِ تلك النخلةِ الحبيبةِ؛ فلقد طالَ الفراقُ بينهُ وبينها.. متى سوف يأتي لها.. وتُحرّرُ روحُه هُنا فوقَها؛ ليعلوَ إلى علياءِ السماء ويكونَ مع سيّدهِ في درجتِه كما وعدَهُ.. ما هي إلا لحظاتٍ حتى جاءَ أمرٌ من ابنِ زيادٍ بإخراجه من السجن وصلبه فقال له رجل: - ما أغناكً عن هذا يا ميثم؟ فتبسّمَ وقالَ -وهو يومئ إلى النخلة-: لها خُلِقتُ ولي غُذّيت. قدِ اشتاقتْ النخلةُ لهُ واشتاقَ لها، وعانقَ الحبيبُ حبيبَه فصُلِبَ فوقَها وتحقّقتْ نبوءةُ علي له.. وقبلَ أنْ يرحلَ كانَ لسانُه يلهجُ بفضائلِ عليٍّ حتى قُطِعَ.. ثم لُجِمَ وطُعِنَ وبقيَ مدةً إلى أنْ فارقَ الحياةَ على هذهِ النخلة، ولمّا عرجتْ روحُهُ إلى ربِّه بقيَ مصلوبًا على النخلةِ وكأنّها مُتمسِّكةٌ به تحضنهُ ولا تُريدُ أنْ تتخلّى عنهُ! وكانَ الحرسُ يحرسونَ النخلة كي لا يأخذَ جُثتَهُ أحدُ الموالين لكن قَدِمَ إليه سبعةٌ من الذين كانوا يعملون معه بالتمر ليلًا وأشعلوا النارَ فحالتِ النارُ بينهم، فحملوه حتى انتهوا به إلى فيضٍ من ماءٍ فدفنوه هناك وغمروه بالماء، ولمّا طلبهُ الحرسُ لم يعثروا عليه. وتحوّلَتْ تلك النخلةُ رمادًا بعدَ احتضانِ حبيبها بين أحضانها وإكمالِ مُهمّتِها وفراقِ حبيبِها.. وشاءَ اللهُ أنْ يبقى ذكرُ ميثمٍ التمّار خالدًا مع الخالدين؛ فمرقدُهُ معروفٌ حتى الآن في الكوفة.

اخرى
منذ شهر
161