Profile Image

خديجة علي

وراءَ الباب

بقلم: خديجة علي العينانِ المُبتلتانِ بالخوفِ التقتا على عجلٍ كومضةِ ضوءٍ في ظلام... تتلألآن بنيازك دمعٍ جارفةٍ لا تتوقُف... لاحتْ بينهما أحاديثُ تائهةٌ سريعةٌ ... استغرقتْ سنينَ ضوئيةً طويلةً بحجمِ الكارثةِ التي حدثتْ للتوّ ... أنفاسُهما المُتسارعةُ ترتطم في صدريهما... إلا أنّها تتكسّرُ في صدرِ إحداهما.. روحُ فاطمةَ تخفتُ على مهلٍ كفتيلِ مصباحٍ يوشِكُ على الأفول.. تجسُّ وجهَ أُمِّها المُحمّرِ الساخنِ المُسخَّمِ بالدُخانِ بأصابعها الصغيرة.. دخانٌ أسودُ يُحاصرُهما... وأصواتُ احتراقِ الخَشَبِ تختلطُ مع صيحاتِ الوحوش... مطرٌ برتقالي يتطايرُ شررًا... تُحاوِلُ ضمَّ أُمِّها بذراعيها.. بيدَ أنّها هلالٌ صغيرٌ يُحاولُ أنْ يتقوّسَ حولَ الشمس.. كفُّها.. ملابسُها.. خدُّها.. كُلُّها اصطبغتْ بدماءِ الضلعِ المُهشَّم.. مهلًا! المسمارُ مسجَّرٌ بفعلِ حرارةِ النيران.. لقد كوى صدرَ أُمِّها، ولم يُهشِّمْه فحسب! تصرخُ الصغيرةُ بهلع! فيخرجُ صوتُها مُتحشرجًا كأنّما كبُرَتْ أعوامًا في لحظاتٍ حينما تتلمّسُ راحتيّ والدتِها.. إنّهما محروقتان أيضًا! روحُ فاطمةَ تطفو بالهواءِ.. تستنشقُ زينبُ بعضًا منها فيسري ما يسري في عروقِها.. تتعلّقُ في صداها.. في مدارها.. في عالمِها الغامض الفضي.. تتشرّبَه كمنديلٍ سقطتْ عليه قطرةُ ماءٍ... مغمضةً عينيها.. بقلبٍ مُلْتاعٍ بالكاد تُمسِكُه..

المناسبات الدينية
منذ سنة
332

بعدَ طفِّ الباب

بقلم: خديجة علي على الصعيدِ المُختلطِ بالرمادِ مشيا خطواتٍ قليلةً وقصيرةً، توقّفا للحظة، أدارَ فيها الحُسينُ الصغيرُ رأسَه إلى الخلف... نظراتُه الحزينةُ كانتْ تخترقُ الجُدرانَ كضوءٍ مُنكسرٍ مرَّ على ماء، ارتفعتْ كفٌّ صغيرةٌ أخرى على كتِفِه حاثّةً إيّاه على مُتابعةِ المسيرِ على الرغمِ من الدموعِ المُتأرجحةِ في مآقيهما المُتورمة، تسمّرَتْ إحداها بُرهةً على حافةِ عينِ السبطِ الأكبر.. لقد قرأ الكثيرَ من الأسطُرِ في عينِ أخيه إلّا أنّه كانَ يُطمئنُه بكبرياءِ الملكِ المغدور.. ذلك الذي كانَ ينزفُ تحتَ درعِه ويُهدّئُ من روع شعبه! كأنّه قالَ له: هي حُجةُ الله (تعالى) علينا، وعلينا الامتثالُ لأوامرِها.. تحرّكا كقمرينِ يُفتّتانِ بضيائهما ظلامَ يثربَ تحتَ أقدامِهما، وقعُ خُطاهما دقَّ آنيًا مع نبضاتِ قلبِها.. كانتْ تُراقِبُهما وهما يمسحانِ الطريقَ بنورهِما لمسجدِ المدينة، أسندتْ طرفَ رأسِها الثقيلِ المحمومِ على الحائط، تكاثفتْ غيمةٌ بيضاءُ في عينِها المُعصّبةِ معه؛ فانهمر مطرٌ فضيّ لامعٌ على جِهةٍ واحدةٍ من خدِّها الرقيقِ المجروح، سيلٌ يتبعُه سيلٌ من الأوجاعِ، تنتشرُ في وجهِها دونَ استئذانٍ.. فحينما تُلطَمُ العينُ بهذا القدرِ من السوادِ لن تتركَ عِرقًا تتصلُ به إلّا وستعضّ عليه بأنيابِها بلا رحمة! تتوغّلُ كبُقعةِ ضوءٍ في بيتِها الذي تغيّرتْ ملامحُه كثيرًا بعدَ الحرق، تُزِمُّ شفتيها من الألم، تُحاولُ الوصولَ إلى محرابها.. زغبُ الملائكةِ الباكيةِ يتطايرُ حولَها، تمسحُ دموعَ الزهرةِ التي كانتْ في حقّةٍ تحتَ العرشِ تراها تذبلُ ها هنا، فتبكي لبُكائها، وكوردةٍ مكسورةِ الغصنِ تنحني قابضةً على ساقها، رافعةً كفًا واحدةً مُرتعشةً، كفًا مجُلتْ يومًا من طحنِ الشعير، ويومًا لفحتْها نيرانُ البابِ بالحرق! أو هل أحرقَ الظالمونَ يديها؟! وماذا عن المسمار؟ هل اكتفى بطعنِها فقط، أو أنّه وسمَ صدرَها كيّا؟! فلا يُعقلُ أنْ تنغرسَ قطعةُ الحديدِ هذه في بابٍ سُجِّرَ دونَ أنْ ينالَها نصيبٌ من جمره! المُجهضَةُ قهرًا، مَن تستوطنُها آلامُ الظهرِ والجسدِ الحادّةِ من الضرب، كيف قويتْ على القيام؟! أتُراها قامتْ فقط لتودِّعهم؟! هل اختلطَ دمعُها مع المياهِ الجاريةِ التي صبّتْها على الحسنين؟ كم عبرةً أجرتْ وهي تُقبِّلُ ملابسَهما مرارًا وتكرارًا؟ وكم لثمتْ قميصَ حُسينِها وضمَّته لصدرِها حتّى طُبِعتْ دماءُ ضلعِها عليه؟! وكم أصبحَ عمرُ زينبَ بعدَ أنْ سمعتْ منها حديثَ الطفّ؟! لا أحدَ يعرفُ ما الذي رتّلتْه كي تنفتحَ هذه الكوّةَ في السماءِ الآن؟! وكيف تحوّلتِ الآياتُ بِرِيقها إلى وهجٍ لاهوتيّ سلسٍ كثيفٍ ومُبجّل؟! ذراعانِ من الغيبِ الأبيض امتدتا نحوها، قُطفتْ روحُها المُتلألئةُ برفق، استُلّتْ نجمةٌ من هذا الواقعِ الوحشيّ الشرس، شمسٌ من عالمٍ علويّ بطراوةِ الشموعِ صبرتْ على مثلِ حَزِّ المُدى وطعنِ السنانِ في الحشا.. تعودُ إلى مَن بيدِه ملكوت كُلِّ شيءٍ وإليه ترجعون. فتنغلقُ الكوّةُ الملكوتيةُ، ليصلَ صداها المُتضخّم الكونيّ إلى مسامعهما، يُسرِعانِ، تفتحُ أسماءُ البابَ مُتجلببةً بالاعتذار، هاربةً بعينِها المُستعبِرةِ من أنْ تلتقيَ بعيني أحدِهما.. يتكسّرُ صوتُهما الآملُ الصابرُ مثلَ ثلجٍ يذوبُ بسؤالٍ بقيَ مُعلّقًا في ممّراتِ الزمنِ الطويلةِ حتى الآن: أسماء.. أينَ أمُّنا فاطمة؟

اخرى
منذ سنة
597

إنّها تُمطِرُ ضوءًا

بقلم: خديجة علي خلفَ القُطنِ الأبيضِ المُعلّقِ في السماءِ، تضجُّ ممالكُ الأحلامِ الليلة، إنّها تُمطِرُ ضوءًا، كُلُّ شيءٍ يبدو مُختلفًا، حتى غمائم البلّورِ بدَتْ أكثرَ بريقًا من ذي قبل.. جَلَبَةٌ في الأعلى يتخلّلُها هسيسُ الملائكةِ؛ لقد أُذِنَ لروحِ المنصورةِ أنْ تهبطَ.. فتاةٌ مصنوعةٌ من زهرٍ غُرِسَ بيدِ القُدرةِ، ابنةُ الشمسِ التي قُدِّرَ أنْ تكونَ هي امتدادَه والكوثرَ الذي ينبعُ من السماءِ ويصبُّ بالأرضِ عابرًا سلالمَ أنفاسِها ومعارجَه الفضيّة.. هي ليستْ بأسطورةٍ اختلقتْها عقولُ البشرِ؛ كي تكونَ إلهًا أو حتى نصف إلهٍ، هي حكايةٌ حقيقيةٌ مغموسةٌ بسحرِ القداسة، سفرُها: كُلّما فرغَ العالمُ من النورِ تبتسمُ العظيمةُ ثم يولدُ نجمٌ آخرُ.. ولأنّ الشيءَ يلمعُ أكثر بالقُربِ من نقيضِه، شاءَ اللهُ (تعالى) أنْ يزرعَها في مُجتمعٍ مُخيفٍ تملأه فزاعاتٌ رماديةٌ بأعوادٍ يابسة، فجعلَ من محُمّدٍ الساقي (صلى الله عليه وآله) وابنته الزهراء (عليها السلام) حديثَ الجميعِ.. فاطمةُ المرأةُ، تكونُ أُمًّا للنبوّةِ، وحافظةً للإمامةِ، هي نساؤنا في المُباهلة، والمشكاةُ في نورِ الكوكبِ الدُرّي الذي يحملُ في عروقِه ماءَ الحياةِ، وترسو بينَ جنبيه آخرُ سُفُنِ النجاةِ الباقيةِ، التي ستنتشلُ العالمَ من غرقهِ.. هي الصِدّيقةُ، المُباركةُ، الزكيّةُ، المرضيّةُ، الحوراءُ، والبتولُ، المُحدّثَةُ، والحانيةُ، والنهرُ العظيمُ الذي رسمَه المُصوِّرُ في خرائطِ الأبديةِ، مُشِعًّا داخلَ اللوحاتِ المُعلّقةِ على جُدرانِ الجنانِ؛ كي تحلمَ كُلُّ امرأةٍ بزرقةِ مائه، تركضُ بالقُربِ منه، وتُسابقه دونَ تعبٍ، تتوسّدُ العُشبَ الأخضر عندَ حدودِه كيفما اتفقَ، عابرةً ضِفّة أيّ حلمٍ بعينينِ من مرايا، حاثةً الخُطى... ثم لا تلبثُ فتُزهِر.

اخرى
منذ 7 أشهر
210

زهـــرةُ الشمـــس

بقلم: خديجة علي ليلة مولد السيد الزهراء (عليها السلام)... ما الذي يحدثُ هذه الليلة؟ حورياتٌ يتوضأنَ من نهرٍ يلمعُ وينبعُ من الهواء! ويتيمّمنَ بزعفرانٍ ومسكٍ وشيءٍ من السعادةِ الأبديةِ؛ استعدادًا لمُقابلتها أربعُ سيّداتٍ يسِرْنَ في موكبٍ يخرجُ من حكاياتِ الجنانِ نازلًا نحوَ الأرضِ.. الجميعُ يعرفُها هُنا.. لقد أذِنَ لروحِ المنصورةِ أنْ تهبطَ، وعلى عجل... لؤلؤةٌ... لؤلؤةٌ، تسقطُ من أذيالِهنَّ على سعفِ نخلةٍ، تتوثّبُ قفزًا.. حبّةٌ... حبّةٌ، كمفاتيحَ موسيقيةٍ تترنّمُ بالتسبيحِ عليها.. سعفةٌ تلو السعفة المُنتهية أطرافها قُربَ سقفِ بيتٍ مُتواضعٍ يشعّ! كانتْ تجلسُ فيه وحيدةً مُحتضنةً حملها.. هادئةً كراهبٍ مُتبتِّلٍ في صومعتِه يتحدّثُ بقلبِه أكثرَ من لسانِه.. يرتادُ نورًا مطلقًا لا يراهُ غيرُه دونَ الحاجةِ لمُرشدٍ أو لتعاليمِ الكتب.. لم تنبسْ ببنتِ شفة.. الصوتُ الناعمُ الذي ألِفَتْ سماعَه منها يوزِّعُ حنانًا يكفي الكونَ كُلَّه بعدَ أنْ هجرْتها نساءُ قومِها؛ لزواجِها من رجلٍ اختارَه العليُّ الأعلى.. لم يخترقْ خلوتَها سوى صورةٍ تُمحى وأُخرى تتشكّل.. عالمٌ غريبٌ يتوغّلُ بسلاسةٍ في حُجرتِها.. يبدو قريبًا منها كقابِ قوسينِ وبعيدًا كنجمةٍ في الأُفُق! أمرٌ بينَ الحقيقةِ والخيال! يتحرّكُ بثُقلٍ وخِفّةٍ معًا، أمامَها كالزيتِ المُختلطِ بالماء! هذه هي مهارةُ القُدرةِ الإلهيةِ في صياغةِ الأحداث! سارة، مريم، آسيا، كلثم، وعشرٌ أُخريات امتثلنَ لخدمتِها لحظةً واحدةً ليهربَ الواقعُ من صفاتِه، والمعنى من المعقول... وتخرج الأميرةُ كقطعةٍ من الشمسِ المُتوهِّجةِ فيتسابقُ الجميعُ للانحناءِ إجلالًا لها! كيفَ كانتْ؟ الأمرُ بحاجةٍ إلى فنانٍ يرسُمُ، لا إلى كاتبٍ يكتُبُ؛ كي يصفَ ما حدث! أشدُّ بياضًا من الثلجِ، وأكثرُ طراوةً من الماء.. رقراقةٌ، تتركُ أثرًا منها كشجرةِ كرزٍ تُهديكَ زهرَها كُلّما هبّتْ عليها نسمةُ صبا، فكيفَ بسيّدةِ الزهرِ كُلّه؟! وردةُ اللهِ (تعالى) المغروسةُ بيدِه، بينَ يديّ خديجة التي تجتاحُها مواسمُ الفرح.. كمِ انتظرتْ هذا اللقاء! رفيقتُها ومؤنستُها، هي أُمُّ أمِّها أيضًا! ولكم تشبهُ رائحتُها رائحةَ النبي(صلى الله عليه وآله) الذي تزاحمتِ الأنبياءُ والأملاكُ لتهنئتِه بتُحفةِ اللهِ (تعالى) وهديتِه ... هو لا ينسى كيفَ جاءَه جبريلُ على صورتِه الأصليّةِ كما في تبليغِ البِعثةِ مُبشِّرًا إيّاه بها.. وملكُ الوحيّ لا يأتي بشكلِه الحقيقي إلا لأمرٍ مُهم! لذا ها هو يقترِبُ، يبذرُ النجومَ تحتَ قدميه.. يقتربُ... تتسِّعُ حدقتاهُ وتتلألآن.. يقتربُ... تتعلّقُ عيناها الواسعتانِ الصافيتانِ بعينيه.. تُخرِجُ يديها الصغيرتين نحوَه.. يحملُها بعدَ أنِ اغرورقتْ مآقيه لوعدِ ربِّه.. يضمُّها لصدرِه الأوسعِ، فيتدفّقُ الكوثرُ الباردُ في عروقِه.. نورٌ على نورٍ... والصُبحُ ينبلجُ…

اخرى
منذ 11 شهر
426

ومعًا يبتسمان..

بقلم: خديجة علي جمعٌ من الناسِ ترنو أبصارُهم نحوَ مكانٍ ما، لا زالَ كساءُ الدهشةِ مُلقى على رؤوسهم، يُحاولُ بعضُهم أنْ يفهمَ، فيحشوه بالكلام الذي كان يزيدُه ثقلًا على أذهانِهم التي تعبُدُ آلهةَ التمر! إنّه حدثٌ لامعٌ، لقد دحرجتْه السماءُ كمسكوكةٍ ذهبيةٍ قذفتْ به نحوَ الأعلى على مرأى منهم، طبعتْ وجهَه عليها وانتهى الأمر.. ثلاثةُ أيامٍ ولم تخرجْ زوجةُ أبي طالب، تساؤلاتُهم ظلّتْ مُعلّقةً مع أستارِ الكعبة، كانَ يقفُ بالقُربِ منها، ثمّةَ ممرٌ نحيلٌ من ضوءٍ عارٍ من الدنيا، العابر من أنفاسِه نحوَ نُدبةِ البيتِ الجديدة، موجٌ من البوحِ، موجٌ من عسل! أطرافُ أجنحةٍ بيضاء تغتسلُ به، تنضحُ بعضًا منه على مقاعدِ حدائقِ الجنانِ حيثُ تقفُ الحورياتُ صافّاتٍ ليخضبنَ أصابعَهن به.. زهرٌ، زهر.. ينفلقُ الجدارُ كوردةٍ تتفتّحُ من الأبديةِ على مهل، كحبيبٍ يُفاجئُ حبيبَه، العُلبةُ المُقدسةُ يتوسّطها سيّدُ الأوصياء، شهبٌ تسقطُ وأخرى ترتفعُ، غيبانِ سماويان، فلكانِ مُنيران يقتربان، نجومٌ تندسُّ وتُضيءُ، والعالمُ يطوفُ بينهُما ويحلُم، يحملُه النبيُّ بشوقِ الرسولِ المُنتظِر لمُعجزتِه، تشفُّ عينا علي الصغير وترقى، يرى بعينِ الملكوتِ كُلَّ شيءٍ في عينِ مُحمّدٍ حتى بلغَ لونَ سدرةِ المُنتهى، إنّه يتركُ سرَّه وزهرَه المُحمّدي في حدقتِه، الكونُ يدخلُ في صدرِه، يُكشفُ له الغطاء، ومعًا يبتسمان.. كالغيمِ الأبيضِ يمشي والمسكُ يضوعُ منه، على آثارِ خُطاه هناك خُطى أصغر، تتعالى صيحاتٌ فجأة، أسرابُ غربانٍ صغيرةٍ ترميه بحجارةِ طينٍ وكلامٍ من سجين: ساحر.. كاهن.. كاذب.. لم يحاولْ إبعادَ الصبيةِ المُسلّطةِ من أبناءِ قومه، يمسحُ الدماءَ السائلةَ من وجههِ وخدِّه ويُتابِعُ المسير، وابلُ الحجارةِ لم يتوقّفْ، حتى شوهدَ القاضم... كانَ صبيًا أيضًا غيرَ إنّه فتى هاشمي نبيل، يُسرِعُ نحوَهم، ينالُ منهم واحدًا واحدا، ثم يعودُ مُهروِلًا، يقفُ أمامَ النبيّ بأنفاسٍ مُتسارعةٍ مُتقطعة؛ لينزلَ الآخرُ على ركبتيه كي يصلَ لقامةِ حيدرة الصغيرة، يُزيلُ آثارَ معركتِه مع الصبيانِ من على مِنكبيه وشعره. أثناءَ ذلك يختلسُ الكرّارُ النظرَ لوجهِ الرسولِ، كأنّه يترقّبُ أمرًا، فيُثلِجُ صدرَه (صلى الله عليه وآله) بنظرةِ القائدِ المُفتخِر بجنديه المنتصر، تنفرجُ أساريرُ الأميرِ الموعودِ... ومعًا يبتسمان.. كانَ محضَ كهفٍ فارغٍ قبلَ أنْ يجرَّ إليهِ حُزمةَ مجرّاتٍ وباقةَ أقمارٍ بلا ظلال، إنّه خيالُ التسبيحِ يُبدِعُ حينما يحوِّلُ نفسه، يُسبِّحُ في ذاتِ ضوءِ الممرِ النحيلِ العاري من الدُنيا. تسبيحٌ عظيمٌ يُناجي عظيمًا، لقد تركَه في فراشِه نائمًا وغابةُ الذئابِ تفترِشُ البابَ لتأكلَه، يقطرُ وردُه في روحِ الوصي قطرةً قطرة، يرتشفُها ابنُ أبي طالب مُطمئنًا (لا تحزنْ إنَّ اللهَ معنا)... ومعا يبتسمان..

اخرى
منذ 10 أشهر
272