Profile Image

Salma

وقفاتٌ على أبوابِ الصالحين

بقلم: سلمى عبد الرضا الوقفة التاسعة على بابِ سيّدةِ العفاف زينب (عليها السلام) سرتُ خلفَكِ سيّدتي، لعلّ روحي تلحقُ بركبِك المُبارك، أسرعتُ المسيرَ دونَ جدوى؛ فالمسافةُ بيني وبينَ ربوعكِ تحتاج لقطعها دهرًا طويلًا، تتطلّبُ منّي طيَّ المسافةِ بسُرعةِ الضوء، وأينَ أنا من قداسةِ طُهركِ الوضّاء؟! مولاتي، ليتني كُنتُ خيطًا في نسيجِ عباءتكِ المُلتهبةِ بنيرانِ من أشعلَ الباب، لكنّكِ مولاتي رغمَ البُعدِ الذي بينَنا فقد أسدلتِ لي خيوطًا من أشعةِ عفافكِ لأتمسّكَ بها وألتحقَ بالقافلة.. ما زلتِ مولاتي في طريقِ العشقِ وتهبين لقلوبِ العاشقين صبرًا وثباتًا، أخطأوا حينَ حسبوه طريقًا للسبي، وأنّ السياطَ أداةٌ للضربِ والتعذيب، ولم يعلموا أنّه طريقُ اللهِ (تعالى)، وفيه سجدت السياطُ على متنكِ المُباركِ لتطبَعَ قُبلةً تشهدُ بها على جريمةِ الشيطان، فما سبوكِ وما ضربوكِ، ولكن خيُّلَ لهم. كثيرًا ما شكوتُ لكِ مولاتي بأنَّ الطريقَ موحشٌ وصعبُ المسير، ويكادُ يخلو من السائرين سوى القلائل، لكنّكِ كريمةٌ بنتُ الأكرمين، لم تتركيني أُقاسي الوحدةَ، فكثيرًا ما كُنتِ تهبيني الأُنسَ واليقينَ بأنّ طريقَ الحقِّ سالكوه قليلون فلا تستوحشيه، رويَ عن الإمامِ علي بن أبي طالب (عليه السلام):"لا تستوحشوا طريقَ الحقِّ لقِلّةِ سالكيه". وكم أرسلتِ لي –مولاتي- رسائلَ لتُسكِّني بها روعةَ قلبي، حتى لا أخافَ وحشةَ الطريقِ ولتُذكّريني بأنَّ يزيدَ ينتظرُ من تنحرفُ عن الطريقِ تشفّيًا بالرسولِ (عليه الصلاة وعلى آله)، بقولكِ يا بنتَ سيّدةِ نساءِ العالمين (عليها السلام): (وكيفَ يُرتجى مُراقبةُ مَن لفَظَ فُوهُ أكبادَ الأزكياء، ونَبَتَ لحمُه بدماءِ الشهداء؟! وكيف يستبطئ في بُغضِنا أهلَ البيتِ مَنْ نظرَ إلينا بالشَّنَف والشَّنآن، والإحَنِ والأضغان ؟!) ولتُعلّميني مولاتي كيفَ أصرُخُ بوجهِ الطاغوتِ وأقولُ: (فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك، فوَاللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها وهل رأيُك إلاّ فَنَد، وأيّامك إلاّ عَدَد، وجمعك إلاّ بَدَد!).. تعلّمْتُ منكِ القوّةَ في المواجهةِ بكمالِ الحياء والعفاف. عباءتُكِ المُغبرّةُ بأذيالها المُحترقةِ ما زالتْ تُخيفُ الطُغاةَ مولاتي، وما زالتْ تهبُ لي النورَ؛ فكثيرًا ما كُنتُ أدورُ حولَها وأتشبّثُ بأطرافِها؛ كي أتحسَّسَ الطريق؛ فأنا يا مولاتي إحدى يتيماتِ الحُسين (عليه السلام)، وأعلمُ بأنّكِ لن تتركيني بعيدةً عن حِماكِ، أعلمُ بأنّكِ ستلفّينني بعباءتكِ لتُبعديني عن عيونِ الشيطان. يا مولاتي إنّي أشْكُو إلى الله (تعالى) فَقْدَ نَبِيِّنا (صَلَواتُ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَغَيْبَةَ وَلِيِّنا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنا، وَقِلَّةَ عَدَدِنا، وَشِدّةَ الْفِتَنِ بِنا، وَتَظاهُرَ الزَّمانِ عَلَيْنا. يا مولاتي يا زينب (عليك السلام)؛ عاشوراءُ ما زالتْ قائمةً ونيرانُ يزيدَ امتدَّ لهيبُها ونشبتْ بيننا، فأحرقتْ خيامَنا، وفرّقتْ عيالَنا. مولاتي، باتتْ عاشوراءُ لنا وطنًا، وأصبحتِ الغربةُ فينا سكنًا، ووصيةُ الحسين (عليه السلام) لكِ ما زالت قائمةً فينا: أُخيّة تعزي بعزاءِ الله... احفظي لي العيال... نحنُ عيالُ الحُسين (عليه السلام) سيّدتي، فاجمعي العيالَ مولاتي، اجمعي العيال.

اخرى
منذ سنة
551

وقفاتٌ على أبوابِ الصالحين الوقفةُ الأُولى: على بابِ الأمير

بقلم: سلمى عبد الرضا لي والدٌ يهوى عليًا (عليه السلام)، فلم يكنْ يتركُ مُناسبةً إلّا وكانَت له سفرةٌ إلى ديارِه المُقدّسة، وكانَ يصحبُنا معه في كُلِّ مرةٍ.. عادَ أبي إلى البيتِ مساءً وأبلغنا بأنّ سفرَنا إلى مدينةِ الأميرِ صباحًا، فعليكم بالاستعدادِ للرحلة.. أخذتُ معي كتابًا للأدعيةِ ومصحفًا صغيرًا؛ فالطريقُ طويلٌ، وددتُ أنْ أستثمرَه في العبادة. أليسَ هو طريقاً للولي؟! وبه طريق القُربِ الإلهي، فلن أُضيّعَ الوقتَ، سأتلو القرآن... وفي الصباحِ تحرّكتْ بنا السيارة، كانتْ تبدو على غيرِ عادتِها، كأنّها تطيرُ مُتراقصةً مع هواءِ الصباحِ المُنعش. كُنتُ أشعرُ بسعادتِها رغمَ إنّها من العجماوات! لم أستغرب كثيرًا؛ لعلمي أنّ ما بالكون جميعًا طائعٌ للهِ (تعالى)، ونحنُ في طريقِ الله (سبحانه). لم يبقَ للوصولِ لأرضِ اللهِ (عز وجل) إلا ساعةٌ.. هملتْ عيني لحظةً وكأنّي في رحابِ الأميرِ (عليه السلام)؛ فقد رأيتُه كأبٍ حنونٍ ينتظرُ وصولَ أبنائه ويدعو لهم بالسلامة، فانهمرت دموعي خجلًا، ولم أكنْ أدري أيّ ذنبٍ أُخفيه عنه وأيّ معصيةٍ أُبديها.. واخجلتاه يا أبي من حضرتِك؛ لم أكنْ كما تُحِبّ فقد قدِمتُ إليك بخطواتٍ حاسرةٍ، مثقلًا بأوزارٍ أحملُها على ظهري أبطأتْ إليك المسير، وقلبٍ علاه الرينُ بالمعاصي والذنوب ولم يلجأ إلى الاستغفارِ لجلائه. شددتُ بنفسي وثاقي، فكيفَ السبيلُ للوصولِ لديارِك سيّدي، وقد لوّثتُ فطرتي ولم أعُدْ أرى الطريقَ وتفرّقتْ بي السُبلُ واندثرتْ في نفسي الآثار.. يا أبانا اهدنا الصراطَ المُستقيمَ علّنا نلحقُ بركبِ الصالحين. تذكّرتُ وصيةَ حبيبي رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله): (إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلّوا..) فرحتُ كثيرًا، فإنّي متمسّكٌ بالقرآنِ والعترةِ فلن أضلَّ، هذا وعدُ حبيبي رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)... تأمّلتُ قوله (صلى الله عليه وآله)، وكأنّه (صلى الله عليه وآله) يُخاطبني: - انتظرْ، لقد قلتُ لكم: ما إنْ تمسّكتم... فهل تمسّكتم بالقرآن؟ - نعم، فأنا أتلوه كُلَّ حين.. نعم أتلو وأتلو... - وهل المطلوبُ تلاوتُه وتحسينُ قراءته، وتنظيم المسابقات لحفظه، و.... وأنَّ إن تمسّكتم أي طبّقتم؟! ألم يكنِ القرآن قانونًا لحياتكم، فهل طبّقتم؟ احترتُ في الإجابةِ؛ فقد طبّقتُ بعضًا وتركتُ بعضًا. - ألم تقرأ كتابَ اللهِ (تعالى) حين قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(الانفال ٢٤).. - يا إلهي أين أنا؟! لقد أرجعني القرآن إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)! وكأنّي أوّل مرة أسمعُ هذه الآيةَ.. حسنًا إنّ العترةَ هم أبوابُ اللهِ (تعالى)؛ فقد أوصى رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) بهم.. - نعم، لكنّكم اتخذتُم من العِترةِ أبوابًا لطلبِ حوائجكم في الدنيا، وعندما تُقضى الحوائجُ ترجعون إلى لهوِكم وتفاخرِكم ولم تتخذوهم هُداةً للوصولِ إلى اللهِ (تعالى).. لم يكنْ لي ردٌّ على جميعِ أسئلةِ هواجسي، فكيفَ بي عندَ وقوفي أمامَ اللهِ (تعالى) حينَ يُطالبُني بالقرآن والعترة... سالت دموعي حسرةً وندامةً ولجأتُ إلى أميرِ المؤمنين (عليه السلام) فهو الهادي؛ وسوف يهديني إلى الطريق.. وها أنا أقفُ عندَ بابِه؛ لأبدأ السلام: (السلامُ على اسمِ اللهِ الرضي، ووجهه العلي، وصراطه السوي....) يا إلهي إنّني على الطريقِ فقد دللتَني على الطريقِ إنّ عليًا (عليه السلام) هو الطريق..

اخرى
منذ سنة
554

شمسٌ فوقَ الأعواد الشعاع الأول: مِنْ قصرِ الإمارة

بقلم: سلمى عبد الرضا في حكومةِ الكُفرِ والفسوقِ والظلمِ والفسادِ الذي سادَ البلاد، ووسطَ ضحكاتِ إبليس ورقصاتِ الشياطين وطبولِ الباطل طلبَ الإذنَ بصعودِ الأعواد؛ كيَ يُفهِمَنا أفضليةَ التأدُّبِ بالآداب العامة؛ كونَ يزيدَ صاحبَ المجلسِ وإنْ كانَ غاصبًا مسند الخلافة!، وأفضليةَ عدمِ تجاوزِها في كُلِّ حال. دافعَ بقوّةٍ عن حقِّه بالكلام، لا لأجلِ الكلام، وإنّما في كلماتٍ كانَ للهِ (تعالى) فيها رضا، وللناسِ فيها هدى وأجرٌ وثواب، فلا بُدّ له من الإصرارِ عليه. حملَ أمانةَ السماءِ ورسالةَ الأنبياء التي عُرِضتْ على السمواتِ والأرضِ والجبالِ فأبينَ أنْ يحمِلنها وأشفقنَ منها، وعلى الرغمِ من قيودِه وجراحاتِه وما جرى عليه من مصائب فقد أخافَ صدى صوتِه الحُكّامَ، وحاولوا منعَه لكنّه أبى إلا الكلام. تقدّم بخُطى ثابتةٍ ليشقَّ طريقَ الحقِّ مع صوتِ تسبيحِ السلاسلِ وتهليلِ القيود، مُعتليًا دكّاتِ أعوادٍ من بقايا بابٍ مُحترقة، نبتَ بينَ أضلاعِها مساميرُ الغدر؛ لتقطرَ أُمّهاتٍ ثكلى وأيتامٍ ولهى وأراملَ ناعيات. صعدَ الأعوادَ فاخضرّتْ درجاتُه آياتٍ وصلوات، فاستحالتْ حبلَ اللهِ بينَ الأرضِ والسماء، تُراقِبُ عيونُ الحاضرين حركاتِه، وتتابِعُ آذانُ المُحلِّقين سكناتِه. صمتٌ أطبقَ على الكون، وهدوءٌ خيّمَ على المكان، وتوقّفتْ عقاربُ الزمان ووحوشُ الإنسِ والجان؛ لتُصغي إلى تراتيلِ القُرآن وصفوةِ الرُسُلِ والأوصياء. بكلماتِه انقلبتِ الموازين، وانهدمتْ قصورُ الشركِ على رؤوسِ الجبّارين، فأحيَتْ قلوبَ التائبين، وأصبحتْ مسلكًا للشاكّين، وكهفًا للخائفين، وأملًا للراجين، وملجأ للراغبين، وشكرًا للشاكرين، وتيسيرًا للمُطيعين، ودليلًا للمُريدين، وبابًا للمُحبّين، ووسيلةً للمُتوسِّلين، وجبرًا للمُفتقرين، ونورًا للعارفين، وذكرى للذاكرين، وملاذًا للمُعتصمين، وعصمةً للزاهدين. رفعَ صوتَه ليسمعَ الخلائقُ مقالتَه... أَيُّهَا النَّاسُ، أُعْطِينَا سِتًّا وَفُضِّلْنَا بِسَبْعٍ، أُعْطِينَا الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ وَالسَّمَاحَةَ وَالْفَصَاحَةَ وَالشَّجَاعَةَ وَالْمَحَبَّةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفُضِّلْنَا بِأَنَّ مِنَّا النَّبِيَّ الْمُخْتَارَ مُحَمَّدًا، وَمِنَّا الصِّدِّيقُ، وَمِنَّا الطَّيَّارُ، وَمِنَّا أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ، وَمِنَّا سِبْطَا هَذِهِ الْأُمَّةِ، مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي أَنْبَأْتُهُ بِحَسَبِي وَنَسَبِي.

اخرى
منذ سنة
777