Profile Image

يمن سلمان سوادي

اِملأ كأسَك..

بقلم: يمن سلمان سوادي خلقَ اللهُ (تعالى) الإنسانَ، وكرّمَه على سائرِ مخلوقاتِه، وأودعَ فيه طاقاتٍ معينةً. هذه الطاقاتُ تختلفُ من شخصٍ لآخر حسبَ درجةِ إيمانِه وعزيمتِه التي تتناسبُ طرديًا مع امتلاءِ كأسِه (عقله الباطن) بالإيمانِ والمعرفةِ لاسيما من مصدرِها الحقيقي: القرآنِ الصامت والعترةِ الناطقةِ.. وهو مُخيّرٌ بينَ أنْ يملأهُ بالطاقةِ الإيجابيةِ أو السلبيةِ، أو يجعله فارغًا لا حياةَ فيه.. فانتبـــــــه: هذا الكأسُ كأسُك، فلا تجعلْه عبدًا للشيطانِ والهوى؛ فإنّك مسؤولٌ عنه عاجلًا أم آجلًا.. ولهــــــــذا اِملأ كأسَك نورًا؛ لتفيضَ عطاءً قبلَ أنْ يغزوهُ أو يملأهُ غيرُك..

الخواطر
منذ سنة
767

بينَ الرّحى والقلوبِ الحرّى

بقلم: يمن سلمان سوادي ثَقُلَ ميزانُ الشوقِ إلى عِطرِ الزهراءِ (عليها السلام)... فركبْنا بساطَ الأسى والشوقِ؛ ليطيرَ بنا في سماءٍ يملأُها تسبيحُ الملائكةِ وهي تُردِّدُ تسبيحَ الزهراءِ (عليها السلام).. فنُشنّفُ أسماعَنا بذلك ونُسبِّحُ معهم.. البساطُ يُكمِلُ مسيرَه إلى أنْ نصلَ إلى زمنٍ أسود ملؤه الظُلمُ ونُكرانُ الجميلِ المُحمّدي... زمنٌ شابَ فيه صغيرُنا فكيفَ بكبيرنا؟! يهبطُ بنا البساطُ في بيتٍ امتلأتْ أركانُه بصدى: "وإنْ..." خُطّتْ حدودُه برمادِ السقيفة.. وإذا بلحظاتٍ حيثُ ينحبسُ النبضُ حياءً من صاحبةِ الدار التي خلّفتْ أطفالًا فقدوا نبضَ الحياةِ بفقدها.. وتتلاشى الأنفاسُ حزنًا على ما جرى... - مرحبًا.. بمَن صبر أهلُ الكساءِ من أجلِهم ولأجلهم! - مرحبًا.. بمن سألتْ مولاتي أباها: وهل يُخلقُ للحُسينِ شيعةٌ يبكونه فتُسرُّ بهم وتشفعُ لهم؟ - القلوبُ الحرّى: منِ المتكلِّم؟ - الرّحى: أنا من تشرّفتُ بيديّ أمِّ النبوّةِ والإمامةِ، وهي تُديرُني مرارًا وتكرارًا حتى رأيتُ دمَها الطاهرَ يسيلُ وهي تطحنُ لِتُطعِمَ جارَها قبلَ دارِها، لتُطعِمَ مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا خبزَ العطاءِ لا من أجلِ ثناءٍ بل حبًا للرحمن، فنزلَت في حقِّها سورةُ الإنسان.. - الأولُ: مرحبًا بكِ.. آهٍ.. يا ليتني كُنتُ مكانَكِ لأكونَ في داخلِ الكساء الفاطمي العلوي... "وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ"، وأنا أتلو هذه الآيةَ أتساءلُ: كيفَ بكِ وأنتِ ترينَ مولاتكِ تُضرَبُ وتُعصَرُ فيدخلُ المسمارُ في... آهٍ، لا أستطيعُ أنْ أكمِلَ... - الثاني: تسألني؟! إذا كانَ سيّدي حيدرُ الكرّارُ قد قامَ ووقعَ مرارًا حينما سمعً بخبرها! ... وإذا كانتِ الحياةُ قد اجهضتْ طعمَها وأسقطتْ حزنها على يتامى الزهراء (عليها السلام)!... إذا فقدَ الحمامُ صفةَ الطيرانِ وتغيّرتْ صفاتُ الكون! فأيَّ جوابٍ تتوقّعُ منّي؟! لأنَّ كُلَّ شيءٍ تألّم إلا قلوبُ مُحبي السُلطة ومُبغضي العترة.. كانت قلوباً لا مثيلَ لها بالقسوة...

اخرى
منذ سنتين
706

تعوّدْ على أنْ لا تتعوّد...

بقلم: يمن سلمان سوادي النمطيةُ أو الاعتيادُ على الشيء يُفقِدُه حيويتَه ويورِثُ الملل، وهذا ما يقعُ فيه الكثيرون؛ إذ يعتادون على رتابةِ الأمور وتُصبِحُ أجسادُهم تتحرّكُ بلا أرواح! كيف ذلك؟ حينما نتأمّلُ في حديثِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله): " أفضلُ العبادةِ غلبةُ العادة"، نجدُ أنّ العبادةَ تؤدّى من دونِ خشوعٍ عندَ البعضِ، وقد رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "كم من صائمٍ ليس له من صيامِه إلا الظمأ، وكم من قائمٍ ليسَ له من قيامِه إلا العناء، حبذا نوم الأكياس وإفطارهم"، وعنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "كم من قارئٍ القرآنَ والقرآنُ يلعنُه"، وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضًا: "لا تنظروا إلى كثرةِ صلاتِهم وصومِهم وكثرةِ الحجِّ والمعروفِ وطنطنتِهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدقِ الحديثِ وأداءِ الأمانة" وغيرها الكثير الذي يكونُ الاعتيادُ من أهمِّ أسبابِ ذمّها.. ليس ذلك فقط، بل الاعتيادُ قد يُفقِدُ الإحساسَ بشكلٍ كاملٍ بما وهبَه اللهُ (تعالى) من نِعَمٍ عظيمةٍ؛ منها الصحة؛ فالصحةُ تاجٌ لا يعرفُ قيمتَه إلا المرضى، وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): "خلّتان كثيرٌ من الناسِ فيهما مفتون: الصحّةُ والفراغ". لذا لا بُدّ من عدم الاعتيادِ، ولعلّ أهمَّ أداةٍ لقطعِ صلابةِ الاعتيادِ هي سكينُ التفكُّرُ، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "موتوا قبلَ أنْ تموتوا"! فلو استيقظنا من نومِ الغفلةِ لنُكحِّلَ عيونَنا بما أفاضَه اللهُ (تعالى) علينا من نِعَمٍ جمّةٍ لابتلّتْ عيونُنا بكاءً وامتنانًا لله (سبحانه)، حتى في ابتلائه إيّانا؛ لأنّ في ابتلائه من الرحمةِ والنعمةِ الكثير. ومما يهوِّنُ الابتلاء النظرُ إلى مصائبِ الغير وابتلاءاتهم، وهذا من أهمِّ مواردِ (المقارنة الايجابية). فاتركِ الاعتيادَ على النظرِ إلى الجزءِ الفارغِ من الكأس، واحبسْ نفسَك عمّا تتصوّره من فقدان النعم؛ لتستنشقَ من جديدٍ حياةَ هذه النعم، ولتتمكنَ من أداءِ كُلِّ أعمالِك بإخلاص..

اخرى
منذ سنة
893

اخترْني قبلَ أنْ تقرأني(13)

اخترْني قبلَ أنْ تقرأني(13) بقلم: يمن سلمان سوادي اختيارُ المجلس المجلِسُ: من جَلَس، وهو مكانُ الجلوسِ حيثُ اجتماعِ طائفةٍ من الناسِ لأمرٍ مُعين.. قبلَ الشروعِ بهذا الاختيار ينبغي التعرُّفُ على طبيعةِ عملِ المُخِّ البشري مع الأحداثِ من الناحيةِ الطبّية بشكلٍ مُختصر. لقد خلقَ اللهُ (سبحانه وتعالى) المُخَّ البشري بأربعةِ فصوصٍ وهي: الفص الجبهي، الفصّان السمعيان، الفص البصري الخلفي.. فحينما تجلسُ في مجلسٍ ما سوف يستلمُ الفصّانِ السمعيان ما تسمعه من كلماتٍ، ويقومُ بتحليلها مع بقيةِ الفصوصِ وفقَ نظامٍ غايةٍ في الدّقةِ والتعقيد مع تقدّم العمر.. ثم تذهب إلى العقلِ اللاواعي؛ فينتج عنه سلوكٌ واستجابةٌ.. ولهذا فإنَّ حاسةَ السمعِ من الحواسِ التي ينبغي أنْ نختارَ لها ما يليقُ بها، فقد مدحَ الباري (تعالى) الذين لهم ذوقٌ رفيعٌ في اختيارِ المجالس، إذ قال: "والذين هم عن اللغو معرضون"(١)، وقال (تعالى): "وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"(٢) أي إنّهم يبتعدون عن المجالس التي لا تنفعهم، بل تضرّهم كالمجلسِ الذي يُستمعُ فيه للغيبة مثلًا، وإنّما يختارون مجالسَ نافعةً. رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "جالسِ العلماءَ يزددْ علمُك، ويحسُنْ أدبُك، وتُزكَّ نفسك"(٣) وقال أيضًا: "مُجالسةُ الحكماءِ حياةُ العقول، وشفاءُ النفوس"(٤). وعنه (عليه السلام): " جالسِ الفقراءَ تزددْ شُكرًا" وغيرها الكثير من النصوصِ الذهبيةِ الجديرةِ بأنْ تُدرَسَ وتدرَّسَ في المدارسِ والجامعاتِ لتُصبِحَ دورَ تربيةٍ وتعليمٍ حقًّا لا حبرًا على ورق! سابقًا كانتْ هناك (دواوين) يدخلُ تحتَ ظلّها الشبابُ للتعلُّمِ من كبارِ ووجهاءِ العشائر، لكن بدأ هذا الظِلُّ يتقلّصُ شيئًا فشيئًا! ومن المعلومِ أنَّ للسمعِ درجاتٍ من السطحِ إلى العُمق، وهي سمعٌ، استماعٌ، إنصاتٌ، رويَ عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) أنّه قال: "من أصغى إلى ناطقٍ فقد عبدَه؛ فإنْ كانَ الناطقُ عن اللهِ فقد عبدَ الله، وإنْ كانَ الناطقُ ينطقُ عن لسانِ إبليس فقد عبدَ إبليس"(٥) وبالحديثِ عن ماهيةِ الاستماعِ وأهميّتِه فهو يوجِبُ محبّةَ واعتزازَ المُتكلّم؛ لأنّ المستمع يُعطيه أهميةً خاصةً، فما بالك بمن يُنصِتُ للقرآنِ الكريم؟! فإنّك إنْ واظبتَ على ذلك ربما ستكونُ بإذنِ اللهِ (تعالى) من أحبابِه (سبحانه).. إذن مملكةُ حواسك هي باختيارك.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١)المؤمنون آية ٣ (٢) الانعام آية ٦٨ (٣)و(٤) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ١ - الصفحة ٤٠٢ (٥)بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢ - الصفحة ٩٤

اخرى
منذ 10 أشهر
601

اخترني قبلَ أنْ تقرأني 14

اخترني قبل أنْ تقرأني(14) بقلم: يمن سلمان سوادي اختيارُ الحديثِ بعدَ فتحِ بابِ المجلسِ واختياره، نعرجُ على اختيارِ الكلامِ نطقًا واستماعًا وكما ذكرنا أنّ أفضلَ المجالسِ هو ما عُقِدتْ على ذكرِ اللهِ (سبحانه وتعالى) وذكرِ النبي وآله (عليهم السلام) وهُنا الإنصاتُ فيه يشقُّ طرقَ جريانِ عذوبةِ الموعظةِ إلى القلبِ لتُسقيه عبرةً وحياةً كما يقولُ الشاعرُ في فنِّ الإصغاء: اسمعْ مُخاطبةَ الجليسِ ولاتكُنْ عجِلًا بنطقك قبلما تتفهّمُ لم تُعطَ مع أُذُنيك نطقًا واحدًا إلا لتسمعَ ضِعفَ ما تتكلّمُ فالصمتُ هو بوابةُ الاعتبارِ، قال مولانا الإمامُ الرضا (عليه السلام): "إنَّ الصمتَ بابٌ من أبوابِ الحكمة، إنَّ الصمتَ يُكسِبُ المحبةَ، إنّه دليلٌ على كُلِّ خير"(١) ثم إنّك قد تسألُ: لماذا ذكرنا الصمتَ قبلَ اختيارِ الحديث؟ الجوابُ ببساطةٍ: لأنّ الصمتَ أرقى أنواع الحديث! وكيف ذلك؟! هناك قاعدةٌ نفسيةٌ كما يقول العلماء: (المُنصِتُ الجيّدُ مُتحدِّثٌ جيّد). الصمتُ ما هو إلا بدايةٌ لنموِّ حديثٍ نافعٍ ومؤثِّرٍ.. هذا من ناحيةٍ، وكذلك يُنمّي لديك الهيبةَ والحكمةَ ورغبةَ الآخرين بالاستماعِ إليك من ناحيةٍ أخرى.. الجميعُ يسعى جاهدًا لتنميةِ وتقويةِ حاسةِ النطقِ كونَه إنسانًا ناطقًا، ولكنّ القليلَ من يبحثُ ويتعلّمُ الصمتَ على الرغم من امتلاكه أذنين! رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "إنَّ من كانَ قبلكم كانوا يتعلّمون الصمتَ وأنتم تتعلّمون الكلام، كانَ أحدُهم إذا أرادَ التعبُّدَ يتعلّمُ الصمتَ قبلَ ذلك بعشرِ سنين فإنْ كانَ يُحسِنُه ويصبرُ عليه تعبّدَ وإلا قالَ: ما أنا لما أرومُ بأهل"(2) ويُشيرُ أئمتُنا إلى أنَّ الصمتَ هو من صفاتِ المؤمنين حتى أشارَ إلى ذلك: " كثيرٌ صمتُه، مشغولٌ وقته"(٣) وهو ما يجبُ التمسُّكُ به؛ لأنّه خيرُ مُعينٍ، رويَ عن مولانا الحسن المُجتبى (عليه السلام): "الصمتُ خيرُ مُعينٍ لك في مواطنَ كثيرةٍ ولو كُنتَ فصيحًا" وللإجابةِ عن السؤالِ السابق، نقولُ ما يقولُه أهلُ البيت (عليهم السلام): إنَّ من كثُرَ كلامُه كثُرَ خطأه. فتعلُّمُ الصمتِ هو الخطوةُ الأولى لاختيارِ الحديثِ المُناسبِ في الوقتِ المُناسبِ حيثُ الحكمة تستدعي ذلك، وحيثُ الكلام يؤدّي مُبتغاه ولا يؤثِّرُ سلبًا على الناطق أو المُستمع إليه.... يتبع... ـــــــــــــــــــــ (١)الكافي: ٢ / 113 / (٢) البحار: ٧٨ / ٢٨٨ / ٢. (٣) نهج البلاغة: الحكمة ٣٣٣.

اخرى
منذ 10 أشهر
632

اخترني قبلَ أنْ تقرأني(15)

اخترني قبلَ أنْ تقرأني(15) بقلم: يمن سلمان سوادي اختيارُ الحديثِ كي تنجحَ باختيارِ الحديثِ، هناك عِدَةُ إشاراتٍ مُهمةٍ ينبغي الالتفاتُ إليها؛ كونها تدلُّ على نُضجِ العقلِ وتكامله، منها: ١- مُحادثةُ أو مُخاطبةُ الناس على قدرِ عقولِهم، وهذا يدلُّ على مرونةِ شخصيةِ المُتحدِّث. ٢- لكُلِّ مقامٍ مقال؛ فليس من المنطقِ أنْ نتفوّهَ بكلامِ الفرحِ بموقفِ الحزن، والعكس كذلك!. والكلمةُ الطيبةُ في مكانِها وزمانِها الصحيحين كالبلسمِ يشفي الجروح.. ٣- اختيارُ الكلامِ البسيطِ والمؤثِّر؛ فالكلامُ الطيّبُ كما قال (تعالى): "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ"(١). وهذه الكلمةُ لا تدري بأيّ قلبٍ تأخذُ طريقَها وتؤتي أُكُلها وثمرتها.. ٤- مُراعاةُ ظروفِ المُستمعين الحياتية والأخذُ بنظرِ الاعتبار حالاتهم؛ فمثلًا إذا تكلّمَ المرءُ عن الأولاد وتربيتِهم فإنّه من حُسنِ الخلقِ أنْ لا يهيّجَ مشاعرَ وحنينَ الذين يتلهّفون لصُراخِ طفلٍ في بيوتهم! وكذا فإنَّ الإسهابَ في ذكرِ مثالبِ خطيئةٍ مُعينة، يُشعِرُ من كانَ مُقترفًا إيّاها ثم تابَ بالنقص، هذا إنْ لم يكُنْ بقصدٍ، فكيفَ بمن تقصّدَ ذلك؟!. رويَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): "مَنْ عيّرَ أخاه بذنبٍ قد تابَ منه لم يمُتْ حتى يعمله"(٢) وقد يُصبِحُ المجلسُ ساحةَ حربٍ يجرحُ المتكلِّمُ الآخرين بأداةِ اللسان، وهي جراحٌ أشدُّ ألمًا وقسوةً من الجراحِ المادية، قال الشاعر: جِراحاتُ السِّنان لها التئامٌ ولا يلتامُ ما جرح اللسانُ 5- مُراعاةُ الوقتِ المُلائم مع عددِ الكلماتِ، فمثلًا بحالةِ ضيقِ الوقتِ قد يسألك سائلٌ في مسألةٍ معينةٍ، فليس من المنطقِ أنْ تدخلَ في التفاصيلِ دونَ تقديمِ فائدة. واعلم أنه في السؤالِ يؤجرُ أربعةٌ، فقد رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "العلمُ خزائنُ، والمفاتيحُ السؤالُ، فاسألوا يرحمكم الله؛ فإنّه يؤجَرُ في العلم أربعةٌ: السائلُ، والمُتكلِّمُ، والمُستمِعُ، والمُحِبُّ لهم"(٣).. ـــــــــــــــــــــــــ (1) سورة ابراهيم آية ٢٤ (2) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٣ - الصفحة ٢٢١٢ (٣) بحار الانوار

اخرى
منذ 10 أشهر
564

اخترني قبلَ أنْ تقرأني(16)

اخترني قبلَ أنْ تقرأني(16) بقلم: يمن سلمان سوادي قال (تعالى): "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا". إنَّ اللهَ (تعالى) حينما خلقَ العقلَ استنطقَه كما وردَ عن النبي محمدٍ (صلى الله عليه وآله) ثم قالَ له: أقبِلْ فأقبل، أدبِرْ فأدبر.." فتميّزَ الإنسانُ عن بقيةِ المخلوقاتِ بالعقل، وآلةُ العقل هو اللسانُ كونه ناطقًا، وقد رويَ عن الإمام علي (عليه السلام): "للإنسانِ فضيلتان: عقلٌ ومنطقٌ، فبالعقلِ يستفيد، وبالمنطقِ يُفيد"(١).. وهاتانِ الفضيلتانِ تحتَ تصرُّفِ الإنسانِ واختيارِه، إنِ اختارَ الصوابَ فهما كذلك، وإلا فلا. اللسانُ يكشفُ عن خلفيةِ الإنسانِ الحياتيةِ وطبيعتِه المعرفيةِ والأخلاقيةِ، رويَ عن مولانا أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا؛ فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ"(٢). والقولُ الحسنُ هو من الضروراتِ الحياتيةِ التي أمرَنا بها الخالقُ (سبحانه) في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ حتى عُدّتِ الكلمةُ الطيّبةُ صدقة، وقد وردَ في الأدعيةِ المُباركة: (اللهم سدِّدْني بالقولِ والعمل.. وأنطِقْ ألسنتنا بالصوابِ والحكمة... وأنطقني بالهُدى، وألهمني التقوى". ونذكرُ هُنا على سبيلِ الطُرفة أنَّ ملكًا غضبَ على أحدِ الرعيةِ وهدّدَه بالقتلِ فقال له: يا سيّدي إنّما أنتَ كالسماءِ إذا برقتْ وأرعدتْ فقد قرُبَ خيرُها ونزلَ قطرُها، فسكنَ غضبُ الملكِ وأحسنَ إليه لحُسنِ كلامه! وأفضلُ القولِ الحسنِ هو ذكرُ ونشرُ أقوالِ العترةِ الطاهرةِ؛ فقولُهم أحسنُ القول. وقد يتبادرُ إلى ذهنِ القارئ سؤالٌ: وهل المُجاملةُ تُعدُّ قولًا حسنا؟ القولُ الحَسَنُ هو ذكرُ الحقيقةِ بأسلوبٍ حسنٍ وبليغٍ، بل أحيانًا هذا القولُ ليس باللسانِ فقط وإنّما بالإشارةِ أو السلوكِ أو حتى الكتابة (كلماتٌ بلا صوت)، قال (تعالى): "فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا"(٣) فقد أشارَ إليهم زكريا (عليه السلام) بالتسبيحِ ولم يتفوّهْ بكلمة! أما السلوكُ فخيرُ مثالٍ هو ما قامَ به سيّدا شبابِ أهلِ الجنة (عليهما السلام) بتعليمِ أحدِهما الآخر الوضوءَ الصحيحَ أمامَ رجلٍ مُسِنّ لا يُحسِنُ الوضوءَ حتى تأثّرَ بقولِهم الحسن غير المباشر! أما الكتابةُ مثلًا ما نُلاحِظُه في الوقتِ الحاضر من استخدامِ السوشيال ميديا على نطاقٍ واسع.. واللسانُ إما مفتاحٌ لأبوابِ الخير أو مفتاحٌ لدخولِ جهنّم؛ إذ إنَّ النميمةَ والغيبةَ والسبَّ والتجريحَ وما إلى ذلك ما هي إلا فروعٌ تصبُّ في مجرى واحدٍ، وهي ناتجةٌ عن خُبثِ النفس ولؤمها، ولذا كانتْ مسألةُ ترويضِ اللسانِ مسألةً في غايةِ الأهميةِ، فعند الغضبِ يُصبِحُ كبحُ جماحِ النفس نقطةَ ارتكازٍ مُهمّةٍ لئلا يُخرج شراراتٍ من لسانه تؤذي نفسَه أولًا وتؤذي الآخرين، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "لا تُسئِ اللفظَ وإنْ ضاقَ عليك الجواب"(٤). بل إن الصمتَ قد يُفحِمُ المُقابلَ أكثر من الردِّ بالمثل، وقد قال شاعرٌ: وذي سَفَهٍ يُخاطِبُني بسَفَهٍ فأكرهُ أنْ أكونَ له مُجيبًا يزيدُ سفاهةً وأزيدُ حلمًا كعودٍ زاده الإحراقُ طيبًا فلسانُك تحتَ تصرُّفِك أيُّها الإنسان... ــــــــــــــــــــــــــــــــ (١)العقل والجهل في الكتاب والسنة - محمد الريشهري - الصفحة ٥٤ (٢) تحف العقول (٣) سورة مريم اية ١١ (٤) غرر الحكم: ٢٧٢٢، ٢٦٧٥

اخرى
منذ 10 أشهر
616

اخترني قبل ان تقرأني (17)

اخترْني قبلَ أنْ تقرأني(17) بقلم: يمن سلمان سوادي اختيارُ الشريك لا أقصدُ شريكَ العمل، بل شريك الحياة بحلوِها ومُرِّها، بصفوِها وكَدَرِها، بتَعَبِها وراحتِها، هو الذي جعلَ اللهَ (تبارك وتعالى) بينك وبينه مودةً ورحمة، وذلك من آياته (جلّ جلاله). أعتقدُ ستقولُ في معرضِ الجواب: لا أفكِّرُ بهذا الآن، أو لنؤجله لأجلٍ غير مُسمّى. نعم أنت صاحبُ القرار لكن سينقضي الآن ويأتي الأجلُ غيرُ المُسمّى فيحينُ أوانُه، ويأتي الوقتُ الذي لا بُدّ لك من الارتباطِ فيه بالشخصيةِ التي أنتَ لها كفؤ. وقد تقول: إنَّ صعوباتِ الحياةِ كثيرةٌ، والشريكُ يحتاجُ إلى الكثيرِ من المُقدِّماتِ وقد تضعُ في الطريقِ الكثيرَ من المُعرقِلات، كالوضعِ المادي وعدمِ وجودِ سكنٍ مُستقلٍ؛ لأنَّ الحياةَ الاجتماعيةَ تغيّرتْ وغيرها من الأمور. نعم، صحيحٌ وهذا تفكيرٌ منطقي وسليمٌ إذا كانَ كُلُّ ذلك أنت من تتكفّله، لكن تذكّرْ: أنَّ الرزقَ مضمونٌ ومكفولٌ، وليس نحن من نُدبِّرُ الأمرَ، فقط علينا أنْ نتبعَ الخطواتِ التي إنْ أخذنا بها لا نضطرُ إلى فاقةٍ أو فقرٍ، رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) قال: "عياله الخلقُ، ضمنَ أرزاقَهم، وقدّرَ أقواتهم"١ فهل يا تُرى أنَّ ربَّنا يتخلّى عن عياله؟! فأحسنِ الظنَّ باللهِ (تعالى) يكُنْ عيشُك سعيدًا؛ لأنَّ كُلَّ شيءٍ ملكه، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "مَنْ تركَ التزويجَ مخافةَ العيلة (أي الفقر) فليس منا"٢ وأما إذا كانَ شيءٌ آخرُ يمنعُك من الزواج فأنتَ صاحبُ الاختيار.. والآنَ هل ستُغيّر رأيك؟ أنت جادٌّ وشجاعٌ في اتخاذِ القرار، لكن يظهرُ أنّك في حيرةٍ أخرى، ما هي؟ إنّها أخلاقُ الشريك، ودينُ الشريك، وحُسنُ الشريك (صورته)، صحيحٌ كُلُّها مطلوبةٌ لكن حسب الأولويات، أي إنِ اجتمعتْ كُلُّها فهي السعادةُ بتمامِها، وإلا عليك بذاتِ الدّينِ والأخلاقِ ثم الباقي.. نعم، هناك بعضُ الخصائص الأخرى كالعمرِ والدرجةِ العلمية وبعضِ الأمورِ الثانوية، كُلُّها تؤخَذُ بالحُسبانِ وأهمُّ شيءٍ هو الانسجامُ وتقارُبُ الأفكار. يبدو أنّك قد اقتنعت؟ مؤكّدٌ ذلك؛ فأنتَ صاحبُ القرارِ والاختيارِ... لكن تبقى مسألةٌ... ما هي هذه المرّة؟ هل يعني أنَّ الشابَ فقط هو من يختارُ، ولا دورَ لأنْ تختارَ الشابة ذلك؟ لا، ليس الأمرُ كذلك إطلاقًا؛ فكلاهما شريك، ولهما كاملُ الحُريةِ بالاختيارِ العقلائي، لكن جرتِ العادةُ هكذا.. ليس بالأمرِ الجديدِ أنْ تختارَ المرأةُ لنفسِها شريكًا، وقد تقولُ: أيحصلُ هذا في مُجتمعنا الذي ينتقدُ مثلَ هذه الحالات؟ نحنُ ندّعي التقدُّمَ، ونصِفُ من كانَ قبلَنا بالرجعية، ولا نقبلُ هذا الشيء إذن كيفَ قبِلَ مُجتمعُ قريشٍ هذه الحالة وهو موصوفٌ بالجهلِ ووأدِ البنات؟ أليسَتِ السيدةُ خديجةُ (سلام الله عليها) هي مَنْ خطبتْ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) وقد قبلَ النبيُّ بذلك٣. نعم، لا يمنعُ الدينُ من أنْ تختارَ المرأةُ لنفسِها شريكًا، ولو عملنا بتعليماتِ الدينِ لما حصلتْ مُثيراتُ المشاكلِ والانحرافات.. يظهرُ أنَّ هناك بارقةَ أملٍ، وأنَّ الأمرَ قد هانَ، أليس كذلك؟ ــــــــــــــــــــــــــــ ١) نهج البلاغة ٢) كنز العمال ،المتقي الهندي ٣)سيرة ابن هشام

اخرى
منذ 10 أشهر
534

اخترني قبل ان تقرأني 18

اخترني قبل ان تقرأني(18) بقلم: الشيخ علي شعيل الخضري الحقوق والواجبات أنتَ جزءٌ من هذا الكونِ العظيم نظامًا واتساعًا، ولك –مثل ما لغيرك- حقوقٌ مُقرَّةٌ ومُثبَّتَةٌ لك، وعليك واجباتٌ –مثل ما لغيرك- أنتَ مُطالَبٌ بها، هذا شيءٌ ينبغي معرفتُه منك، وأنتَ مُتفقٌ معي أنّ عدمَ استيفاءِ كاملِ حقوقِك لا يعني التقصيرَ في أداءِ بعضِ واجباتِك، فأداءُ الواجباتِ هو تحمُّلُ المسؤولية.. وهُنا نسألُ هذا السؤال: هل مارستَ قسمًا من مسؤولياتِك في سنٍّ مُبكِّرةٍ؟ جوابُك عن السؤالِ يُحدِّدُ مدى قُدرتِك على مواجهةِ الظروفِ والتحدّياتِ مُستقبلًا.. تعالَ معي لأذكرَ لك حكايةً عن شابٍ كانَ يسترزقُ من عملٍ استعراضي هو ومعه عجلٌ كبيرٌ، فيقومُ بعدَ أنْ تجتمعَ الناسُ حوله بحملِ ذلك العجلِ على مِنكبيه، فيستغربون من حمله هذا العجل الكبير بهذه السهولة، فأجابَ أنّه كانَ يحملُه مُنذُ أنْ كانَ خفيفًا سهلَ الحمل في عمرِ اليومين، واستمرّ على حمله يوميًا؛ فهو يزدادُ وزنًا وأنا أزدادُ قوّةً حتى أصبح من السهلِ حملُه. إذن لا بُدَّ لك أنْ تُجرِّبَ القيامَ بمسؤولياتك في عمرٍ مُبكِّرٍ لئلا تتراكمَ في وقتٍ لا تستطيعُ تحمُّلَها، فهناك مسؤولياتٌ عُظمى تنتظرُك، اجتماعيةٌ وشخصيةٌ وسياسيةٌ وعلميةٌ وغيرها. أمّا المسؤولياتُ الدّينيةُ فقد لخّصَها الإمامُ موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: "المؤمنُ ككفتي ميزانِ كُلّما زيدَ في إيمانه زيد في بلائه"١ إذ قد يُقال في فهمِ هذا الحديثِ بأنّه كُلّما ازدادَ المؤمنُ في معرفتِه وتقرُّبِه إلى اللهِ (تبارك وتعالى) ازدادتْ مسؤولياته تجاهَ ربِّه وتجاهَ المجتمع. فالاعتيادُ على تحمُّلِ المسؤوليةِ أمرٌ لا مناصَ منه، فابدأ بذلك بالسهلِ منها، كأنْ تُرافِق أحدَ أفرادِ العائلةِ إلى المشفى، أو تذهب إلى التسوّقِ بدلًا من والدك، أو تقوم بتعزيةِ جارٍ بوفاةٍ، أو ما شابه ذلك. كذلك أنتِ أيّتُها الشابةُ ربما ساعدتِ أمّك في أعمالِ البيت، أو في حملِ أُختِك أو أخيكِ الأصغر، أو في القيام بغيرها من الأعمال؛ فإنَّ تربيتَك الصالحةَ لأبنائكِ مُتوقفةٌ على ما تتحمّلينه من مسؤوليات؛ لأنّ تحمُّلَ المسؤولياتِ يُهذِّبُ شخصيتَك، ويجعلك مُستعدةً لما هو أصعب وأعقد.. فيا تُرى هل ذلك خيرٌ أم من لا يحسبُ حسابَ قادمِ الأيام حتى إذا واجهتُه أدنى صعوبةٍ انهار أمامها! ـــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الأنوار/٦٧

اخرى
منذ 10 أشهر
345

اخترني قبل ان تقرأني 19

اخترني قبلَ أنْ تقرأني (19) بقلم: يمن سلمان سوادي الاختيارُ في استثمارِ الوقتِ تدريجيًا عزيزي القارئ، بعدَ تصفُّحِ هذه الصفحاتِ، فإنّك بإذنِ اللهِ (تعالى) تشعرُ بأنّك _مثلما أرادكَ اللهُ (تعالى)_ مُكرَّمٌ وخليفتُه في الأرض، وهذه الصفحاتُ كفيلةٌ بأنْ تجعلَ صفحاتِ حياتِك أفضلَ ما يكونُ؛ إذ تشعرُ بأنَّ اللهَ (تعالى) رزقَك الكثيرَ ممّا لا يُحصى، فهو يُحِبُّك.. نعم، يُحِبُّك.. وأحدُ علاماتِ حُبِّه أنْ سخّرَ لخليفتِه في الأرضِ كُلَّ ما في السماواتِ والأرضِ، لتنفعَه في أمرِ دينِه ودُنياه. وأحدُ هذه الاشياءِ هو (الزمن)! ركِّزْ جيّدًا بروحِك وعقلِك.. كيف ذلك؟ أبسطُ مثالٍ هو قولُ النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله): إذا قامَ العبدُ إلى الصلاةِ فكانَ هواه وقلبُه إلى اللهِ (تعالى) انصرفَ كيومٍ ولدتْه أُمُّه(١).. هُنا من رحمةِ اللهِ (تعالى) الواسعةِ جعلَ تسخيرَ الوقتِ للإنسانِ في الدنيا ليستثمرَه في مرضاته (تعالى) وإعمارِ الأرضِ، لا العكس.. يأتي الاستنتاجُ لعملِ أينشتاين في (النظرية النسبية الخاصة) من إدراكِ أنَّ الوقتَ يتحرّكُ بالنسبةِ إلى المراقب؛ حيث يتعرّضُ الجسمُ المُتحرِّكُ لتمدُّدِ الوقت، ممّا يعني أنَّ الوقتَ يتحرّكُ بشكلٍ أبطأ عندما يتحرّك، مُقارنةً بالوقتِ الذي يكونُ فيه الشخصُ واقفًا.. بمعنى أوضح: تخيّلْ أنَّ شابًا يبلغُ من العمر خمسةَ عشر عامًا، يُسافرُ بسُرعةِ 99.5 % من سُرعةِ الضوء لمدّةِ خمسِ سنواتٍ (من منظور رائد الفضاء)، عندما يعودُ الشابُ البالغُ من العمر خمسة عشر عامًا إلى الأرض، وفقًا لوكالةِ ناسا، سيكونُ عمرُه عشرين عامًا فقط. ومع ذلك، سيكونُ عمر زملائه في الصف خمسة وستين عامًا، وهكذا.. فإذا كانتِ القاعدةُ الفيزيائيةُ هكذا، إذن تحرُّكُ الإنسانِ في أعمالِ البر من صلةِ الرحم وطاعةِ الوالدين وغيرها يُبطِّئُ عمرَ الإنسان، أليس كذلك؟! فالزمنُ تحتَ تصرُّفِ الإنسانِ، وعلى الإنسانِ أنْ يُدرِكَ ذلك لكي يُنصِفَ وقته! فالزمنُ أو العمرُ ليسَ هو المقياسَ، وإنّما بما نُمليه ونستثمرُه بالطريقةِ المُثلى وكيف نُمليه؟ دعونا نأخذُ العِبرةَ من رجلٍ ثري جدًا من أهالي كربلاء، كانَ قد أُصيبَ بلوثةٍ في عقله لسببٍ ما، وكانَ إذا أرادَ تحضيرَ كوبٍ من الشاي جعلَ يوقِدُ تحتَه من فئاتِ النقودِ الورقية ذات القيمةِ العاليةِ جدًا، مثل فئة عشرة أو خمسة دنانير، يومَها كانَ الدينارُ يساوي غرامًا من الذهب أو قريبًا منه، حتى ينتهي من تحضيرِ شايٍ يشربُه بانتشاءٍ كبيرٍ، وهو يقولُ: - لقد شربتُ شايًا بقيمةِ كذا ألفٍ من الدنانير، والحكمُ لك! نعم، لا تستغربْ منه؛ فإنّنا نُهدِرُ ما أثمنُ منه بكثيرٍ على ما هو أقلّ قيمةً من كوبِ شاي صاحبِنا! أجل إنّه الوقت، إنّه رأسُ مالِ الإنسانِ الذي إنْ أرادَ التجارةَ فيه بالدُنيا فربحُه التقدُّمُ والتطوّرُ والتفوّقُ، وإنْ أرادَ به التجارةَ للآخرة فربحُه ما لا أُذنٌ سمعتْ ولا عينٌ رأتْ ولا خطرَ ببالِ بشر.. ففي الدُنيا أيّ إضاعةٍ ولو لدقيقةٍ واحدةٍ تعني إضاعةَ فرصةٍ من التقدُّم، فكم هي الدقائقُ الضائعةُ، بل الساعات، بل السنوات بغيرِ حساب؟! وأما للآخرةِ ففي كُلِّ ثانيةٍ بإمكانِنا أنْ نكسبَ شيئًا من الجنة؛ ففي كُلِّ ثانيةٍ يُمكِنُ الإتيانُ بتسبيحة، أو يُمكِنُ معرفةُ حجمِ الخسارة التي تُصيبُ الإنسانَ إذا ضيّعَ وقتَه من خلالِ هذه الآيةِ المباركة " لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ "(١). أو هذه الآية: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ"(٢) انظرْ مقدار الخسارة! فهذه الحقائقُ ممّا لا بُدّ من معرفتها والتفطّن لها في وقتٍ مبكرٍ جدًا؛ فالتجارةُ خاسرةٌ إذا لم نستثمرِ الوقت، وكثيرةٌ هي وسائلُ اللهو ووسائلُ إضاعةِ الوقتِ في عصرنا هذا.. فيا أيُّها الشباب، أنتم اليومَ في تحدٍ كبيرٍ، ونحنُ نعوِّلُ عليكم في تجاوزِ هذه الصعوباتِ والاستثمارِ الأمثلِ للوقت؛ إنّه من النِعَمِ العظيمةِ على بني الإنسان، وهو مختارٌ بين أنْ يستثمره إيجابيًا أو سلبيًا لا قدّرَ اللهُ (تعالى)... ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - الصفحة ١٦٢٩ (2) سورة الرعد ١٨ (3) سورة الزمر ٤٧

اخرى
منذ 10 أشهر
337

اِخترني قبلَ أنْ تقرأني(20)

اِخترني قبلَ أنْ تقرأني(20) بقلم: يمن سلمان سوادي كيف تُنجِزُ مشروعًا؟ إنَّ أحدَ طُرُقِ استثمارِ الوقتِ والابتعادِ عن الفراغِ القاتل هو إنجازُ مشروعٍ يتركُ بصمةً للفردِ والمجتمع، صغيرًا كانَ أو كبيرًا؛ وذلك باتباعِ ست خطواتٍ ذهبية: 1- النيّةُ وتحديدُ الهدف. ٢- اليقينُ والتوكُلُ على الله (تعالى). ٣- الإخلاص. ٤- الكتمان. ٥- السعي والتنفيذ. ٦- الصبر. الخطوةُ الأولى لاستثمارِ الوقتِ تبدأُ بفكرة وبنيّةِ استثماره، نعم فهذه أولى خطواتِ النجاحِ أنْ تُدرِكَ أنَّ الوقتَ ثمينٌ، وأنّه يمرّ دونَ رجوع.. فالنيةُ بالنسبة للعمل بمنزلةِ الرأسِ من الجسد، ومن ثم فنجاحُ أيّ مشروعٍ يعتمدُ على صفاءِ وقوةِ النيّة.. وقد رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "ما ضَعُفَ بدنٌ عمّا قويَتْ عليه النية"(١).. وبعدَ النيّةِ تأتي العزيمةُ والإصرار، وهل العزيمةُ إلا حصيلةُ النية الثابتة؟! والخطوةُ الثانيةُ هو اليقينُ باللهِ (تعالى)، والتوكُّلُ عليه، وقد أكّدَ القرآنُ الكريمُ هذه القواعدَ الرئيسيةَ لنجاحِ أيّ مشروعٍ، قالَ (تعالى) في سورةِ آلِ عمران ١٥٩: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ". ثم إنَّ اليقينَ بأنَّ عملَه منظورٌ من قبلِ اللهِ (تعالى) ورسولِه (صلى الله عليه وآله) وأهلِ البيت (عليهم السلام)، وأنّه مُثابٌ عليه، يُشكِّلُ دافعًا له للإقدامِ وكسرِ العوائقِ والمُعِرقلاتِ التي لا يخلو طريقُ نجاحٍ منها. المشاريعُ الحياتيةُ مُتنوعةٌ حسب تنوّعِ اهتماماتِ الناسِ وميولاتهم وعزيمتِهم؛ فمنهم مَنْ يكتفي بمشروعٍ واحدٍ، ومنهم مَنْ يستمرُّ بمسيرتِه من نجاحٍ لآخر، فطوبى له.. الخطوةُ الثالثةُ هو الإخلاصُ للهِ (تعالى)، وهُنا يتحقَّقُ الاستثمارُ الأمثلُ للوقتِ.. كيف؟ لأنّه كما قال (تعالى): "مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"(٢)، فالإخلاصُ هو بمنزلةِ الجذورِ المتينةِ التي تُحافِظُ على ثباتِ العملِ ورسوخِه ومنعِه من التناثُرِ الذي يحصلُ بسببِ الرياءِ وعدمِ الإيمانِ باللهِ (تعالى)، وأنّه إليه يرجعُ الأمرُ كُلُّه فيكونُ جزاؤهم: "وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا"(٣) الخطوة الرابعة وهي الكتمان! نعم، لأنّك بمُجرّدِ أنْ تتكلّمَ عن مشروعِك قبل إتمامه سيتلوّثُ بداءِ التأخيرِ والمُماطلة، بل ربما عدم إنجازِه من رأس، ولهذا رويَ عن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله): "استعينوا على قضاءِ حوائجِكم بالكتمان، فإنَّ كُلَّ ذي نعمةٍ محسود"(٤).. فإذا أخبرتَ الناسَ ستتنوّعُ ردود فعلِهم ذاتُ الطاقةِ المؤثِّرةِ بينَ الرفضِ والقبول، بين المدحِ والنقدِ، وهكذا.. حسب ما يقولُه العلماء. الخطوة الخامسة وهي بمنزلةِ العجلةِ التي تقودُك للأمام، إنّها (السعي والتنفيذ)، فالحياةُ كالمياه إنْ ركدتْ فسدتْ! نعم، بمُجرّدُ النيةِ تبقى المشاريعُ حبيسةَ الذهنِ، والسعيُ لتحقيقِها يعني ولادتَها على أرضِ الواقع لينتفعَ بها الجميع، قال (تعالى) في سورةِ الإسراء آية (١٩): "وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا" ومن الجديرِ بالذكر، فإنَّ صاحبَ المشروعِ إنْ لم يتمكّنْ من تحقيقِه بسببِ مرضٍ يُقعِدُه، أو أزمةٍ تمرُّ به، أو موتٍ يأتيه، فقد وقعَ أجرُه على اللهِ (تعالى)، على شرطِ أنْ ينويَ به وجهَ اللهِ (تعالى) ورضاه.. أمّا الخطوةُ السادسةُ والأخيرة، التي ينبغي تسليطُ الضوءِ عليها فهي (الصبر).. نعم، فالإنسانُ عجولٌ وبسببِ عجلتِه وعدمِ صبرِه لقطفِ ثمارِ ما زرعَه من مشاريع قد تمرُّ به رياحُ اليأسِ لتُدمِّرَ ما بدأَ به بشكلٍ أو بآخر، منها الاستسلامُ للمُحبطاتِ والحواجز، ومنها الانشغالُ والميولُ إلى مشروعٍ آخر، وهذا ما يُسمَّى بـ(تداخُل الأولويات)، فيضحى بينَ طريقين، وهذا ما يستنزفُ طاقتَه وفكرَه؛ لأنَّ بوصلتَه الداخليةَ غيرُ مُتجهةٍ باتجاهٍ واحد.. فانتبهْ عزيزي القارئ، فالإنجازاتُ تأتي تباعًا، ولا موجبَ للعجلة، فإنْ لم تكُنْ صبورًا فتظاهرْ بالصبرِ تُدرِكْه.. ألا ترى المُزارعَ بعدَ تخطيطِه للزراعة وقيامه بالحرثِ والزراعةِ والسقي وغيرِها، هو ينتظرُ –مسترخيًا- ثمارَه ليقطفَها؟! فكذا المشاريعُ الدنيويةُ والأخرويةُ دواليك.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٤ - الصفحة ٣٤١٠ (٢) النحل ٩٦ (٣) الفرقان ٢٣ (٤) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ١ - الصفحة ٦٣٠

اخرى
منذ 10 أشهر
585

اخترني قبلَ أنْ تقرأني(21)

اخترني قبلَ أنْ تقرأني(21) بقلم: الشيخ علي شعيل الخضري اختيارُ القدوة لتكتملَ شخصيةُ الإنسانِ لا بُدَّ من توفُّرِ عواملَ مُتعدِّدة، بالإضافةِ إلى ما تقدَّمُ من اعتمادِ أفضلِ الاختياراتِ أو العملِ بالأمورِ التي من شأنِها أنْ توصِلَ إلى أفضلِ الاختيار، ومنها أنْ يختارَ لنفسِه مثلًا أعلى أو قدوةً يأخذُ منه ما يُكمِلُ شخصيتَه، أو يتأثّرُ بسيرتِه العلميةِ أو العملية كأنْ يكونُ أُستاذًا جامعيًا أو مدرسًا أو مُعلمًا أو أبًا أو أُمًّا أو حِرفيًا أو مربيًا أو عالمًا أو غيره، فالبحثُ بسيرةِ الأفاضلِ والأخذُ بها أو منها مطلوبٌ لكُلِّ إنسان، فأفضلُ الشخصياتِ في الوجودِ وهم الأنبياءُ قد كانَ لهم مثلٌ أعلى وهو اللهُ (تبارك وتعالى)، "وللهِ المَثَلُ الأعلى"١ فكانتْ نتاجاتُهم عظيمةً جدًا، ونجاحُهم باهرًا. ولذا نصحَ اللهُ (تعالى) المؤمنين قائلًا: "ولكم في رسولِ اللهِ أسوةٌ حسنة".. ولو نظرنا إلى سيرةِ العلماءِ بشتّى العلومِ سواء الدينية أم الطبيعية، لرأينا أنّهم كانوا طلابًا عندَ غيرهم أو أنّهم تأثّروا بشخصياتٍ أُخرى كانتْ لهم قدوةً ومثلًا أعلى أخذوا عنها. ولا يقتصرُ هذا الأمرُ على الأنبياءِ والعلماء، فإذا كُنتَ تُريدُ النجاحَ فلا بُدَّ أنْ تختارَ قدوةً ومثلًا أعلى، وتأخذَ من طرقه، وتحذو حذوه؛ فإذا أردتَ أنْ تصبحَ تاجرًا فعليك أنْ تنظرَ إلى سيرةِ وطريقةِ تفكيرِ أصحابِ الأموالِ الضخمة لكي تتعلّمَ المهنةَ، ومن كانَ شأنها المحافظةَ على الحياءِ والعِفّةِ ونشرهما إلى عمومِ المُجتمعِ فلتتخذْ من الزهراء وابنتها زينب (عليهما السلام) قدوةً لها، وهذا لا يخصُّ النساءَ فقط، بل يشملُ الرجال أيضًا، قال (تعالى): "وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون"٣ فنحن مأمورون بالاقتداءِ بالصالحين والصالحات على حدٍ سواء. إذن لا بُدَّ لنا من اختيارِ قدوةٍ نستعينُ بتجاربها لنُحقِّقَ أهدافنا. وقد يوجَّهُ سؤالٌ لكم: هل يعني أنّكم تبقون في دائرةِ التأثُّرِ دونَ أنْ تكونَ لكم تجربةٌ ونجاحٌ يتأثّرُ بها الآخرون؟ ولكن: ما المانعُ من ذلك؟! فمن الممكنِ أنْ تُصبِحَ في يومٍ ما مثلًا أعلى لغيرك في أيّ مجالٍ تشاءُ، لكن عليك أنْ تكونَ مثابرًا. إنَّ هذه الخطوةَ في الانتقالِ من كونِك مُتأثِّرًا إلى أخرى تكونُ فيها مؤثِّرًا هو ما نأملُه منك أيُّها الشابُ وأنتِ أيّتُها الشابة، ليسَ باستنساخِ تجاربِ الآخرين، بل بالاستفادةِ منها والإضافةِ عليها وابتداعِ ما هو جديد.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١)النحل ٦٠ (2)الأحزاب ٢١ (3)التحريم ١١

اخرى
منذ 10 أشهر
542