Profile Image

حسن عبدالهادي اللامي

كُنْ مِمَّنْ ينظرُ اللهُ إليهم

بقلم: حسن عبد الهادي اللامي تُشيرُ الأبحاثُ الإسلاميةُ في علمِ النَّفسِ إلى أنَّ الدوافعَ النَّقيةَ مِن المصالحِ الأنانيّةِ والمُعتادَةِ على الإخلاصِ هيَ أفضلُ الدوافعِ في الأعمالِ الصالحةِ وخصوصًا إذا اقترنَ ذلكَ بالعملِ الصالحِ النوعيِّ، لا بكمِّيَّتِهِ وكثرتِهِ ... فالكثرةُ ليستْ هيَ المعيارَ في الميزانِ الإلهيّ، بلْ العملُ الخالِصُ والمُتقَنُ الصائبُ. إنَّ المؤمنَ يبحثُ عن تلكَ الأعمالِ الصالحةِ التي تجعلُهُ أكثرَ قُربًا مِنَ اللهِ (تعالى) وإنْ قَلَّ؛ ليفوزَ بنظرِ اللهِ (سبحانه) ولُطفهِ، ويَحظى بعنايتهِ الخاصّةِ فتُفاضُ عليهِ الألطافُ والبركاتُ. ومِن جُملةِ تلكَ الأعمالِ هوَ تنفيسُ الكُرَبِ وإزاحةُ الهَمِّ والغَمِّ عَن القلوبِ التي تعتصِرُها دوّاماتُ الحياةِ كالفَقرِ والأزماتِ والكوارثِ والمشاكلِ الاجتماعيةِ.. حينما يتمَظهَرُ دورُ المؤمنِ في إسعافِ أصحابِ الحوائجِ والعُسرةِ سيكونُ لهذا أثرٌ عظيمٌ في أصحابِ تلكَ النفوسِ فلا تنساهُ بالحمدِ والثناءِ ما بقيتَ في الحياةِ. وهذا ما يُرشِدُنا إليهِ إمامُنا الصادقُ (عليهِ السّلام) بقولهِ: "أربعةٌ ينظرُ اللُه (عزَّ وجَلَّ) إليهم يومَ القِيامةِ: مَن أقالَ نادِمًا، أو أغاثَ لهفانًا، أو أعتقَ نَسمةً، أو زوَّجَ عَزِبًا". فالنادمُ في صفقتِهِ بعدَ عمليةِ البيعِ والشّراءِ، ويرغبُ باسترجاعِ نقودِهِ أو بضاعتِهِ تُستَحَبُّ إقالتُهُ، والمبادرةُ إلى هذا العملِ الصالحِ يُعدُّ مِن أفضلِ الطاعاتِ والقُرُباتِ للِه (تعالى)؛ لأنَّهُ عملٌ صالحٌ نوعيٌّ. والملهوفُ الذي يقعُ في ضائقةٍ خانقةٍ أو عُسرٍ في أمرٍ ما، كأنْ تكون مُشكلةً اجتماعيةً، أو مرضًا لا يَجدُ ما يكفي لعلاجِهِ فيتطلَّعُ لمن يُسعِفُهُ ويَمُدُّ لهُ يدَ العَونِ، فمُبادرةُ المؤمن ِلإغاثتهِ تُعدُّ في الميزانِ الإلهيِّ مِنَ الأعمالِ النوعيّةِ المُتميّزةِ التي يستحِقُّ عليها المؤمنُ كرامةً خاصّةً مِن الخالقِ الكريمِ. وأما عِتقُ العَبيدِ فقد كانَ عملًا نوعيًا صالحًا يتسابقُ فيهِ المؤمنونَ في الأزمانِ السابقةِ، ورُبَّما في زمانِنا هذا يُمكِنُ أنْ يمُاثِلهُ -معَ الفارقِ- الأجيرُ الذي يعملُ كموظفٍ في المنازلِ أو المَحَالِّ والدكاكين، فينبغي أنْ تتمَّ مُساعدتُهُ مثلًا في إنشاءِ مشروعٍ خاصٍّ بهِ ليعملَ مُنفردًا عن الآخرينَ ويمتلكَ شُغلًا مُستقِلًا عَن سُلطةِ أيِّ جِهةٍ؛ ليكونَ مدُّ يَدِ العَونِ لهُ هذا عملًا نوعيًّا يستحِقُّ المؤمنُ عليهِ الأجرَ العظيم. وأمّا تزويجُ العُزّابِ والسَّعي في بناءِ بيتِ الزوجيةِ لمن لا يتمكَّنُ مِن ذلكَ فهذا من القُرُباتِ التي يُحبُّها اللهُ (تعالى)، وتجعلُ المؤمنَ في دائرةِ نَظَرِ الخالقِ وعنايتِهِ؛ لما يترتَّبُ عليها مِن صيانةِ شابٍّ وفَتاةٍ مِنَ الانحرافِ، والمساهمةِ في اتّساعِ الإنسانيةِ ودَعمِ بناءِ عُشِّ الزوجيةِ، وهذا مِمّا يُحبّهُ اللهُ (تعالى) ويَجزي فاعِلَه بالأجرِ الكبيرِ.. فاغتنمْ أيُّها المؤمنُ هذهِ الطُرُقَ النوعيّةَ مِنَ الأعمالِ الصالحةِ ما دُمتَ في دارِ الاختبارِ؛ فإنَّ ما بعدَ المَوتِ ينقطِعُ سَعيُكَ وتكونُ رَهِينَ عَملِكَ.

اخرى
منذ 6 أشهر
186

كيفَ تستفيدُ مِن مطالعةِ كُتُبِ التفسير؟

بقلم: حسن عبد الهادي اللامي ما مِنْ مؤمنٍ إلا وينظُرُ الى كتابِ اللهِ العزيزِ -القرآنِ المجيدِ- بعينِ الهَيبةِ والإجلالِ والتقديس؛ لأنَّهُ كلامُ اللهِ (تعالى) المُوحَى لنبيّهِ الكريم ِمحمّدٍ (صلّى اللُه عليهِ وآلهِ)، أنزَلَهُ اللهُ (سبحانه) للبشرِ؛ ليعمَلوا بهِ ويسيروا على ضوءِ هدايتِهِ، وليَصِلُوا الى منازلِ السعادةِ ومقاماتِ الكمالِ الروحيِّ والنفسيِّ في حياتِهم الأُخرَويةِ والدُّنيويةِ، لهذا يسعى المؤمنونَ إلى تلاوتِهِ والحِرصِ على حِفظِهِ وتَعَلُّمِهِ؛ فقد قالَ رسولُ اللهِ (صلّى اللُه عليهِ وآلهِ): "خيرُكُم مَن تَعلَّمَ القرآنَ وَعَلَّمَه". وقد كُتِبَتْ موسوعاتٌ كبيرةٌ وكثيرةٌ في التفسيرِ؛ فعِلمُ التفسيرِ عالَمٌ واسِعٌ ومترامي الأطرافِ؛ لأنَّهُ يتناولُ بيانَ معاني الآيات ِالقرآنيةِ، والكشفَ عَن غوامضِ المعاني الدقيقةِ والعميقةِ التي تضَمَّنَتها آياتُ الذّكرِ الحكيمِ، وليسَ مِنَ الصحيحِ أنْ تكونَ قراءتُنا للقرآنِ دونَ تَدَبُّرٍ وفَهمٍ لتلكَ المعاني؛ ولهذا ينبغي أنْ يستعينَ المؤمنُ بكُتبِ التفسيرِ المُمَنهَجَةِ والسَّليمةِ. ولكنْ كيفَ يُمكِنُنا الاستفادةُ مِن ذلكَ الكَمِّ الكثيرِ والكبيرِ مِنَ المدوَّناتِ التفسيريةِ؟ نضعُ بينَ يديكَ عدَّةَ أفكارٍ تُساعِدُكَ على تحقيقِ الاستفادةِ المُثمِرَةِ مِن مطالعةِ تلكَ المُدَوَّناتِ التفسيريةِ: أوّلًا: حَدِّدِ الطريقةَ التي ترغبُ فيها فَهمَ الآياتَ الشريفةَ؛ هل تستهويكَ المطالعةُ المُتسَلسِلَةُ لكتابِ اللهِ (تعالى) مِن بدايتِهِ إلى نهايتهِ، أي مِن سورةِ الفاتحةِ وحتى سورةِ الناسِ؟ أم أنَّكَ ترغَبُ بمعرفةِ موضوعاتٍ مُحدَّدةٍ ومُعَيَّنةٍ مِن كتابِ اللهِ (تعالى)؟ مثل معرفةِ معنى الصراطِ في القُرآنِ ومعنى الإيمانِ مثلًا. ثانيًا: إذا كُنتَ ترغبُ بطريقةِ تَتَبُّعِ آياتِ السُّورِ القرآنيةِ في ترتيبِها المُصحَفيِّ مِن بدايتِهِ إلى نهايتهِ، عليكَ أنْ تختارَ تفسيرًا كاملًا في المنهجيةِ، أيْ يتضمَّنُ التفسيرَ عِبَر المأثورِ مِنَ الرواياتِ عَنِ النبيِّ الأكرمِ وعترتِهِ، والتفسيرَ الاجتهاديَّ المُستَنِدَ على المنطقِ والعِلمِ والتفكيرِ العَقلانيِّ والعلومِ الشرعيةِ والأصوليةِ والتطبيقاتِ المعاصرةِ والنُّظُمِ الاجتماعيةِ والتربويةِ والنفسيةِ والأخلاقيّةِ.. ثالثًا: إنْ كُنتَ ممَّنْ يُحبُّونَ التنوّعَ في الموضوعاتِ وترغبُ بأنْ تُفَسِّرَ موضوعًا قرآنيًا مِنَ القرآنِ كُلِّهِ، أو مِن عِدَّةِ سُورٍ أو سُورَةٍ واحدةٍ، فهُنا عليكَ أنْ تبحثَ عَن مؤلفاتٍ تناولتْ تلكَ المفردةَ، فمثلاً تُحبُّ أنْ تتعرَّفَ على موضوعِ النفسِ في القرآنِ فهناكَ كتبٌ تفسيريةٌ تناولتْ بحثَ النَّفسِ مِن منظورٍ قُرآنيٍّ، وتناولتْ مفردةَ النَّفسِ بالبحثِ مِن خلالِ منهجيّةٍ مُتكاملةٍ، وهكذا.. رابعًا: اجتنبِ العشوائيةَ في مطالعةِ كُتبِ التفسيرِ سواءً في طريقةِ المتابعَةِ المُتسلسلةِ أم التفسيرِ الموضوعيِّ؛ لأنَّ هذا يجعلُ فَهمَكَ للآيةِ مُشتَّتًا ومُضطَرِبًا وغيرَ مُستَقِرٍ. خامسًا: ربطُ ما قرأتَهُ في تلكَ المُدَوَّناتِ معَ موضوعاتِ ومشكلاتِ حياتِكَ المعاصرةِ النفسيةِ والاجتماعيةِ والعلميةِ؛ إذ إنَّ الهدفَ الأساسَ في الاستفادةِ يتحقَّقُ عَقِبَ مرحلةِ التَّعَلُّمِ والتَّدَبُّرِ وذلكَ بالتطبيقِ لما تَعَلَّمتَهُ من القرآنِ الكريمِ فإنَّ القرآنَ منهجُ عَمَلٍ وليسَ تلاوةً فَقط.

اخرى
منذ 3 أشهر
124