Profile Image

نرجسة الزمان الموسوي

دمعة ياسمين1

دمعةُ ياسمين(1) بقلم: نرجسة الزمان الموسوي والكاتبة المغربية إيمان مصطفى الحسن أتقنَ الرّدى قبضتَه، تسابقتْ نبضاتُ قلبي وأصدرتْ حفيفًا مع أنفاسي، القشعريرةُ سَرَتْ بجوارحي حينَ هَوَتْ روحي تلهثُ من شاهقٍ كالبرقِ لتتحدَ مع جسدي.. انتشلني صوتُ أُمّي من الوَجَلِ الذي انتابني بسبب الكابوس الغامض.. - فاطمة.. فاطمة.. هيّا انهضي حانَ وقتُ صلاةِ الفجر، وكأنّ الملائكةَ ستدنو منكِ لتسحرينا بصوتكِ الشجيّ، وتروّينا بآياتِ القرآن. - سمعًا وطاعةً يا أُمّي. - تقبّلَ اللهُ (تعالى) بُنيتي، سوفَ أجمعُ الحطبَ لأسجرَ التنورَ حتى تُعِدّي الخبز، وسأذهبُ لأحلبَ البقرةَ، ونُعِدَّ الفطورَ ليذهبَ أبوك إلى عمله في البستان. - حاضر، سألحقُ بكِ بعد قليل. دنوتُ من تلك المرآةِ التي كانتْ تقطنُ في ذلك الدولابِ الذي أكلَ الزمنُ منه وشرب، تكسّرتْ صورةُ الزمنِ وأنا أرى لونَ عيني الذي سلبته من غابةِ النخيل، مشطتُ ضفائرَ الليلِ بلمعانِ النجوم، تلبّدتِ السُحُبُ في وجهي الذي تلاطمتْ عليه أمواجُ الديجور، استنفرتني رعشةُ الشتاءِ القارص، كُنتُ بينَ ألفِ طيفٍ أضمِّدُ حلمي الذي أحرقته أُمّي بسببِ الفقر، شممتُ شواءَ كُتُبي المدرسية، إذ لم نملكِ المالَ لعلاجِ أخي ذي الستةِ أشهر وعانقتْ روحُه السماء، قطعت أشجارَ عمري ثلاثون عامًا.. مرّتْ فلا أعلمُ هل سأتذوّقُ الربيعَ أم سيُمزِّقُ الخريفُ زهوري؟! ففي ليلةٍ من الليالي كأنّ السماءَ صبّتْ لعنتَها على الأرض، والظلامُ يثأرُ عنِ الكونِ والشمسُ انطفأت، الرياحُ تولولُ من كُلِّ حدبٍ وصوبٍ ولا نسمعُ سوى زئيرها المُخيف، الأمطارُ تهطلُ بغزارة، المياهُ تتسابقُ في السواقي.. على حين غفلةٍ توالتْ طرقاتٌ مُتواليةٌ على الباب، تحرّكَ والدي مُتثاقلًا بعدَ أنْ أنهكَه العملُ في البستان، فتحَ البابَ، وإذا بامرأةٍ في العقدِ الخامسِ من العمر ترتعشُ كغصنٍ خاوٍ، عيناها العسليتان كادتا أنْ تفرَّا هربًا من زمهريرِ البرد، من معطفِها الفرو لاحتْ عليها بوادرُ الثراء، صوتُها ياسرُ السامعَ إلى عُمقِ روحها الهادئة. علمتُ من طريقةِ حديثِها أنّها ليستْ من العراق، أو من محافظةٍ أخرى، فلهجتُنا تختلفُ من مكانٍ لآخر، أصابنا الذهولُ؛ لأننا لم نفقهْ ما تقول. ولأني تعلّمتُ القرآنَ الكريمَ في مسجدٍ بعيدٍ عن بيتنا فأنا أُتقِنُ اللغةَ العربية الفصحى. - وعليكم السلام.. لُطفا سيّدتي تفضّلي إلى الداخل، تحدّثي رجاءً بالفُصحى لكي نتمكّنَ من فهمك، لعلّنا نستطيعُ أنْ نخدمَك بشيء.. - آسفةٌ بُنيّتي، أنا مغربيةٌ مُستقرةٌ في العراق مُنذُ عشرين سنة، زوجي (رحمه الله) كانَ رجلَ أعمالٍ يعملُ في هذا البلد، وتركَ لي ضيعةً هُنا في القرية، آتي إليها لأستمتعَ بهدوءِ الطبيعة، لكنَّ الشتاءَ والظلامَ غلباني، وعلقتْ سيارتي في الوحل، أحتاجُ المُساعدةَ منكم؛ لأنّني لم أستطِعِ الاتصالَ بولدي لانعدامِ الشبكة.. ردَّ أبي مُتفهِّمًا ومواسيًا.. - أُختي لن نستطيعَ فعلَ شيءٍ الآن، عندما يتوقّفُ المطرُ سنكونُ بخدمتك، أنتِ ضيفةٌ عندنا اليوم، لديَّ هاتفٌ نقّالٌ صغيرٌ اتصلي بولدك منه.. نظرَ إلى والدتي.. - تعالي يا أختي، سنقدِّمُ لكِ ثيابًا، فثيابُكِ مُبتلةٌ وقد تمرضين... قدمنا لها بعضَ الخبزِ والثمر، كانَ السرورُ يفيضُ من عيونِها امتنانًا لنا. ............. عبد الرحمن.. لطالما حلمتُ أنْ أكونَ رجلَ أعمالٍ مُهم، وهذا ما حدثَ بالفعل، فقد عشتُ حياةَ الغِنى والترفِ بكُلِّ ما تحمِلُ هذه الكلمةُ من معنى.. لقد بالغتْ أُمّي في تدليلي؛ لكوني الأصغرَ بينَ أولادِها، سافرتُ إلى الخارجِ لأكمِلَ دراستي، وتعرّفتُ على أصدقاءِ سوء، أصبحتْ حياتي كُلُّها سهراتٍ وعلاقاتٍ غيرِ شرعيةٍ مع النساء، وكُلُّ ما يخطرُ على البال.. كُنتُ شابًّا طائشًا.. لا أُنكِرُ ذلك، ماتَ والدي بعد تخرُّجي مباشرة، ذلك الرجلُ المُكافحُ الذي تشهدُ على صلابته الصخور.. ذلك العصامي الفذّ الذي كانَ يُقاتلُ ليجعلَ منّي رجلًا يُعتَمَدُ عليه.. لقد نجحتُ في حياتي ماديًّا، وصرتُ من أغنى الأغنياءِ في البلد، لكن لم أستطعْ أنْ أصيرَ سعيدًا، فأنا يتيمُ السعادة.. في ليلةٍ من ليالي الشتاءِ الباردةِ عُدتُ مُتأخِّرًا كعادتي للبيت، توجّهتُ للمطبخِ وإذا بي أجدُ رسالةً من أمّي على الثلاجة، مكتوبًا فيها: "السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته يا بُني، لقد ذهبتُ للضيعة، اهتمّ بنفسك.." عقدتُ حاجبي بضيق، ورميتُ باستنكارٍ الورقةَ في سلّةِ المُهملات.. أُمّي تُحِبُّ تلك الضيعة، ذكرياتٌ مُخلّدةٌ زرعتها مع والدي هناك، كُنّا عائلةً سعيدةً لا ينقصُها شيء، لكن ما لبثَ أنْ تشتّتنا بعد موتِ والدي، وهاجرَ كُلُّ إخوتي بعدَ حصولِهم على الميراث، ونسوا الأمَّ الأرملةَ تحيكُ ثوبَ الحدادِ قهرًا ووحدة.. صعدتُ لغُرفتي، وبينما أنا أمامَ المرآةِ أتأمّلُ هالاتِ عيني البُندقيتين وسارحٌ أتلمّسُ شعري المُجعّد، وحينما كُنتُ أُغيّرُ ملابسي، وضعتُ ساعتي الغاليةَ الثمن فوقَ المنضدة، فإذا بضربةِ رعدٍ زلزلتِ المكان، فقُطِعَ التيارُ الكهربائي على مضض، جلستُ على الأريكةِ المركونةِ بزاويةِ الغرفةِ قُربَ النافذةِ وبقيتُ أُردِّدُ: "سبحانَ الذي يُسبِّحُ الرعدُ بحمده والملائكةُ من خيفته". تذكّرتُ أُمّي المسافرةَ في مثلِ هذا الجو المكهرب، وقلقتُ عليها، حاولتُ الاتصالَ بها مرارًا وتكرارًا ولكن دون جدوى، بقيتُ أراقبُ قطراتِ المطرِ تنهمرُ بسخاءٍ على زجاجِ نافذتي وتحملُ مع كُلِّ قطرةٍ ذكرى، ومع كُلِّ غيمةٍ قطوفَ حياة.. يتبع..

اخرى
منذ أسبوع
49

دمعة ياسمين -٢-

دمعةُ ياسمين(2) بقلم: نرجسة الزمان الموسوي والكاتبة المغربية إيمان مصطفى الحسن جفاني النوم، لبستُ معطفي مُقرِّرًا اللحاقَ بوالدتي لعلّي أطمئنُ عليها، فإذا برقمٍ غريبٍ يتصلُ بي. أجبتُ على عجلةٍ من أمري فإذا هو صوتُ أُمّي المُرتجفِ يخترقُ سماعةَ الهاتف: - السلامُ عليكم عبد الرحمن، أنا أُمّك يا عزيزي.. فأجبتُ مؤيّدًا: - آه يا أُمّي.. قلقتُ عليك، هل أنت بخير؟ أين أنت؟ فأردفتْ مُهدِّئة: - لا تقلقْ يا بُني أنا بخير، سيارتي تعطّلتْ بسببِ المطر، وجدتُ أناسًا كُرَماء ساعدوني، أتصلُ من هاتفِهم؛ لأنّ الشبكةَ عندي ضعيفة. - سآتي حالًا عندكِ يا أُمّي، فلا تقلقي.. - لا، الجو خطرٌ عليك، لا تخرجْ، سأتدبّرُ أمري.. - لا، مستحيل.. سألحقُ بك، أخبريني أينَ أنتِ؟ - قبلَ ضيعتنا بعشرين كيلومترٍ تقريبًا، عندما تصلُ اتصلْ بي على هذا الرقم.. انطلقتُ بسيارتي، وذلك المطرُ ينهمرُ بسخطٍ كأنّه يُعاقِبُني ويُزيلُ خطاياي، كُنتُ أقودُ السيارةَ بصعوبةٍ بسببِ وعورةِ الطريقِ المؤدّيةِ للقريةِ، وانعدامِ الإضاءةِ فيها، ودماغي يُفكِّرُ في حالِ أُمّي عندَ أُناسٍ غرباءَ لا نعرفهم، لقد حاربتْ تلك المسكينةُ للحفاظِ على شملِ العائلة ولكن من دون فائدة.. بعد مرورِ ساعةٍ في الطريقِ اتصلتُ بوالدتي فأرشدتني إلى طريقِ ذلك المنزل.. وما إنْ وصلتُ حتى رحّبوا بي بحفاوة، وأصرّوا علينا أنا وأُمّي أنْ نتناولَ معهم وجبةَ العشاء، قبلتُ دعوتهم وشكرتُ لهم.. أدخلونا غرفةَ الضيوف أو ما يُسمّى بـ(المضيف) في العراق، كانتْ غرفةً مُتواضعةً جدًا، الجُدرانُ مطليةٌ بطلاءٍ أبيض رخيصٍ جدًا، على الأرضيةِ سجادٌ أحمر (بساط شعبي عراقي) مُهترئ، وجدتُ أُمّي مُغطاةً بوشاحٍ أخضرَ صوفي لم أرَها من قبلُ ترتديه، فسألتُها بصوتٍ خافت: - هلِ اشتريتِ هذا الوشاحَ مؤخّرًا؟ لم أرَكِ تلبسينه من قبل. فأجابتْ أُمّي مُبتسمةً: - إنّه لفاطمة، كُنتُ أرتجفُ من البرد فغطّتني به، أنتَ تعرفُ أنَّ الجوَّ اليومَ باردٌ جدًا، وأنَّ الليلةَ مُمطرة، لعلّ هذه الأمطارَ تكونُ أمطارَ خير، وتدخل علينا بفرحك يا بُني.. - إنْ شاءَ اللهُ يا أُمّي، باركَ الرحمنُ فيها.. ابتسمتْ أمّي قائلةً: فاطمةُ فتاةٌ رزينةٌ وجميلة، تضعُ البيضةَ في فمِها فتنضج! لا يخرجُ من لسانها إلا الشهد، أعجبتني كثيرًا، حافظةٌ للقرآن الكريم.. طوال حياتي كُنتُ أتمنّى لك امرأةً صالحةً تصونك، لا أظنُّ أنّك ستجدُ أجملَ من فاطمة زوجةً لك، ستراها واحكمْ بنفسك.. فلا تتعجّلْ في اتخادِ أيّ قرارٍ.. خُذْ وقتك.. غمزتْ لي وهي تؤكِّد: - لن أقبلَ لك بغيرها.. أنتَ تحتاجُ لزوجةٍ وهي بحاجةٍ لتحسينِ وضعها المادي ولزوجٍ يصونها. نظرتُ باستحياءٍ لأُمّي ثم قلت: - و لكن.. ضغطتْ على يدي وهي تُخفِتُ صوتَها أكثر وتقولُ بضجر: - لا، ولكن ولا شيء، اسكتْ أنت، طوالَ حياتك سأظلُّ أُعلِّمُك كيفَ تستثمرُ الفُرص..؟! أحرجتني كلماتُها وأشعرتني بالاختناق، استأذنتُ بالذهابِ للحمام، فسمعتُ والدَ فاطمة يُنادي عليها: - فاطمة، يا فاطمة! جاءتْ مُهرولةً إليه على استحياء، نظرتْ لي فتلوّنَ وجهُها بكُلِّ ألوانِ الخجل فزادَها ذلك جمالًا وفتنة.. - جهّزي لضيفِنا الحمام.. أسرعتْ فاطمةُ إلى داخلِ المنزل؛ لأنّ المضيفَ يقعُ خارجَه، وجهّزتْ لي الحمام وعادتْ تُعطيني إذنًا بالدخول. بعد تناولِ وجبةِ العشاءِ مع عائلةِ السيدِ سعيد شكرناهم لحُسنِ ضيافتهم وتكلُّفِهم رغمَ فقرهم، واتفقتْ أُمّي مع أُمِّ فاطمة على زيارةٍ ثانيةٍ في المُستقبلِ في ظروفٍ أجمل من هذه، فرحّبتِ السيدةُ بالفكرةِ بكُلِّ فرح. في الطريقِ نفختْ والدتي رأسي بحديثِها عن إعجابِها بفاطمة وبجمالها العراقي القروي الأصيل وبتفنُّنِها في تجهيزِ مائدةِ العشاء.. وأمّا أنا فلم تُفارقْ عيني نظرتُها الخجولةُ الفاتنة، فبقيتُ سارحًا في الطريقِ أُفكِّر، لا أدري ما كانَ ذلك الشعورُ أهو ضعفٌ أم حُبٌّ أم إعجابٌ أم ماذا..؟ لم أستطِعْ أنْ أتنازلَ لأحصلَ على تلك الجوهرةِ الثمينة، نسيتُ كُلَّ ما بي وتخلّيتُ عن كُلِّ عائقٍ سيجعلُ زواجي بها مُستحيلًا. ............ بعدَ أيامٍ قلائل، جاءتِ المرأةُ مع ولدها وطلبتْ من أهلي أنْ يوافقوا على أنْ أكونَ زوجةً لابنها، وأخبرتهم بأنّها سوف تجعلُني أعيشُ حياةً رغيدة. ولأنّني لا أملكُ القرارَ في اختيارِ البعل، خاصةً في المناطقِ البعيدةِ عن المدن، فيكونُ القبولُ والرفضُ من وليّ الأمر، أي الأب.. ما إنْ خرجَ الخاطبُ وأمه حتى شرع والداي بالحديثِ عن الموضوع، استرقتُ السمعَ وإذا بي أسمعُ والدي يقولُ لوالدتي: - سأوافقُ لعلّ في هذا الزواجِ خيراً لابنتنا، وقد يُنجيها من الحرمان الذي تعيشه.. ثم ارتجفتْ نبرةُ صوتِه وأردفَ في شجن: - لقد كبرنا وقريبًا قد نرحل، فلا أريدُها أنْ تبقى وحيدة، سنتوكّلُ على اللهِ (تعالى) وسنصبرُ على فراقها.. ......... سبحانَ الله! من دهاليزِ الفقرِ جمعتْنا الأقدارُ الإلهية بلا موعد، خلقتْ هذه السيدةُ الأجواءَ لتربطَ خيوطَ اللقاء، لنشمَّ المفرقعاتِ النارية وهي تُطلقُ لإعلانِ اقتراني بولدِها الوحيدِ عبد الرحمن، ذلك الشاب الثلاثيني ذو الوجهِ الملائكي، الذي قدِمَ وكأنّه قد احتضنني وقال لي: - تعالي يا فراشةَ عمري، لن تبكي بعدَ اليوم، سأسقيكِ من زهورِ الترفِ قطرةً قطرة، وأُقرِّبُكِ للسماءِ لتُلملمي النجومَ وأصنعها لك قلادةً تضعينها على جيدكِ اللجين.. وعلى السحابِ سنعزفُ سمفونيةُ العِشقِ لتملأَ ضحكاتُك أرجاءَ العالم، فقد أضاءتْ عيناكِ ظلمةَ ليلي المُعتم، لقد فتحتْ لي الدُنيا أوسعَ أبوابِها وتزيّنتْ وتعطّرتْ وتجمّلتْ.. يتبع..

اخرى
منذ أسبوع
61

دمعة ياسمين -٣-

دمعةُ ياسمين(3) بقلم: نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية: إيمان مصطفى الحسن كانتْ مراسيمُ الخطوبةِ عراقيةً بامتياز (يومَ الشربت) أو كما يُعرف بـ(المشيَة)، كُنتُ جالسةً بقُربِ النافذةِ المُطلّةِ على البُستانِ وقد جاءَ عبدُ الرحمنِ مع أقاربه وأصدقائه مشيًا إلى منزلي لذلك نسمّيه بـ(المشية). قامَ والدي باستقبالِ الوافدين، وبعدَ جلوسِ الضيوفِ من الطرفين إلى بعضِهما تمّتْ مراسمُ الخطوبةِ الرسميّةِ بطلبٍ من عمِّ العريسِ للموافقةِ على اقتراني بابن أخيه، وأجابَ والدي بالموافقة، فَعَلَتْ أصواتُ الهلاهل، وقدّموا العصائرَ استبشارًا بهذه الخطوة، وتمَّ الاتفاقُ على المهرِ ومُستلزمات الزواج الأخرى كافة. حانَ يومُ عقدِ القِرانِ في بيتِ والدي، أتى عبدُ الرحمن ولفيفٌ من أقاربه مع عاقدِ القِرانِ المُعتمدِ من قِبل الدولة، ارتديتُ الثوبَ التقليديّ الأبيضَ، ثم جلستُ على كُرسيٍّ وضعتُ قدمي في وعاءٍ يحتوي على الماءِ ونبتةِ الياسِ، وأمسكتُ في يدي حبّاتٍ من الهيل، ووضعوا إلى جانبي صينيةَ العطّارِ المُحتويةِ على الشموعِ والحلوياتِ والعطورِ وأكوابِ السكر، ووضعوا القرآنَ الكريمَ بين يدي ومرآةً أمامي لجلبِ الحظ.. بعدَ انتهاءِ عقدِ القِرانِ أصبحتُ زوجتَه شرعًا، قامتْ فتاتان غيرُ مُتزوجتين من الأقاربِ بوضعِ قطعةٍ من القماشِ الأبيض على رأسي وتغطيةِ وجهي به ثم دخلَ العريسُ ورفعَ ذلك الخمارَ عن وجهي، اشتعلَ وجهي بحُمرةِ الخجل، ألبسني الذهبَ الذي قامَ بشرائه مُسبقاً. وبعدَ انتهاءِ العقدِ أدخلوني أنا وهو إلى غرفةِ المضيفِ في طريقتِنا للتعارُفِ قبلَ يومِ الزفاف.. جلستُ على استحياء، اقتربَ عبدُ الرحمن وأمسكَ يديَّ بحنانٍ، قرّبْهما إلى وجهه وهو ينظرُ إليّ بكُلِّ لهفة، اقشعرَّ بدني فأطرقتُ بوجهي إلى الأرضِ حياءً، شعرتُ أنَّ قلبي ينبضُ بغرابة، وكادَ أنْ يُقلِعَ من مكانه، اقتربَ أكثر فابتعدتُ عنه قليلًا، جذبني إليه بقوّةٍ قائلًا: - أنتِ زوجتي على سُنّةِ اللهِ ورسوله (صلى الله عليه وآله).. ابتسمتُ ونيرانُ الخجلِ تتقاذفُ من وجهي، وقلت: - نعم، ولكن لكُلِّ وقتٍ أوان، فلن أسمحَ لك بلمسي حتى يحينَ اليوم.... ثم لم أستطعْ إكمالَ حديثي، ورأيتُ في عينه ذهولًا وهو يقول: - هل حقًّا هذا؟! ما أروعَ ما أسمعه! جعلتني أُبهَرُ بكِ أكثر.. فلقد عشقتُ خجلك وبراءتك.. لكن هل تسمحين لي بلمسِ خُصيلاتِ شعركِ التي سرقتْ ناظري؟ أمسكَ شعري بكُلِّ رقّة، وكانتْ أصابعُه تُراقِصُ خصيلاتِ شعري، وسرقَ قبلةً طبعها على جبيني، وغرّدتْ سمفونيةُ العشقِ الحلال.. مرّتِ الأيامُ بسُرعةِ البرق حتى حانَ يومُ الفرشة، حيثُ توجّه أهلي إلى منزلِ الزوجيّة حاملين معهم الأغراضَ والأثاثَ الخاصّ بي، قاموا بترتيبها واختاروا غطاءَ سريرٍ أبيض، ووضعوا عليه النقودَ والورودَ ودُميةَ طفلٍ من أجلِ جلبِ الفألِ الطيّبِ لهذا الزواجِ بالمالِ والبنين. ........ عبد الرحمن.. نعم، كانتِ الخطوبةُ عراقيةً استمتعنا جميعًا، قرّرتُ أنْ أتكلّفَ بالعرس، وأنْ نُقيمَ عرسًا مغربيًا بلمسةٍ عراقية.. جهّزتُ لكُلِّ شيء، واشتريتُ لها جميعَ الهدايا التي ستحتاجها من حريرٍ وحناءٍ وملابس، كما اشتريتُ لها فستانَ العروسِ التقليدي المغربي، ويُسمّى "القفطان" مصنوعٌ من الحريرِ والشيفونِ بأكمامٍ طويلة، ومُطرّزٌ بالخرز، وله حزامٌ على الخصر، ألوانُه بينَ الأخضر والذهبي، سترتديه عندَ (القعدة)، أي عندما تجلسُ بجانبي يومَ الزفاف. وضعناهم في ما يُسمّى "الطيافر" وهي صناديقُ تقليديةٌ مغربيةٌ كبيرةٌ فاخرةٌ على شكلٍ هرمي مُغلّفةٍ بثوبٍ أخضرِ اللون ومُطرّزةٌ بنقوشٍ ورودٍ بخيوطٍ حريريةٍ ذهبيةٍ جميلة.. حجزتُ قاعةَ حفلاتٍ مُتواضعةٍ حسبَ طلبِ فاطمة، وكلّفتُ مُنسِّقَ حفلاتٍ بكُلِّ أمورها من طعامٍ وغيرِ ذلك.. ............ فاطمة.. حلَّ يومُ الحناء، وهو اليومُ الذي يسبقُ يومَ الزفاف، وفيه ارتديتُ أكثرَ من ثوبٍ بألوانٍ مُتعدّدةٍ، وسطَ أناشيدِ النساء الشعبيّة المتوارثة، وفي آخرِ الحفل وُضِعَتِ الحناءُ على يديّ وقدميّ من قِبلِ إحدى قريباتي الكبيراتِ في السِّن. عبد الرحمن.. في ليلةِ العرسِ حضرتُ مع عائلتي حاملين الطيافر المملوءةَ بكُلِّ الهدايا التي اشتريتُها، غير ذلك القفطان الملكي فقد أصرّتْ فاطمةُ على ارتدائه اليوم، وبين يدي باقةُ وردٍ كبيرة، برفقةِ فرقةِ الدقّةِ المراكشيةِ المغربيةِ الشعبية الذين طلبتُ مجيئهم ليأتوا من المغربِ خصيصًا لأجلِ هذه المناسبة.. من أجلِ تقديمِ عرضٍ هائل يُناسبُ فخرَ تقديمِ الهدية للعروس، لأتذكّرَ البلادَ؛ فكُلّي حنينٌ إلى وطني ولتتعرَّفَ عائلةَ فاطمة على عاداتنا، عبرتُ البساطَ الأحمر وكُلّي شوقٌ لرؤيةِ أميرتي، استقبلنا النادلُ بالتمرِ والحليب عندَ بابِ القاعة، كانتْ زوجتي في كاملِ زينتِها، وقد زادَها القفطانُ الأخضرُ جمالًا، حورية من الجنة أشرقتْ في دنياي، كانتْ جالسةً في العمارية تنتظرني، رفعتُ الغطاءَ عن وجهِها وإذا بها كالبدرِ في ليلةِ كماله، رفعتْ عينيها تنظرُ إليّ باستحياءٍ وتلك الابتسامةُ اللطيفةُ تُداعبُ وجنتيها، وبريقُ عينيها يكادُ يُذيبني من شدّةِ جمالهما.. والعماريةُ عبارةٌ عن كُرسي خشبي ومُزيّن وعالٍ يحملُه أربعةُ شبابٍ على أكتافهم يتبع...

اخرى
منذ أسبوع
57

دمعة ياسمين-٤-

دمعةُ ياسمين(4) بقلم: نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية: إيمان مصطفى الحسن كانَ الجميعُ مُستمتعًا والأناشيد تتلوّنُ بينَ أهازيجَ شعبيةٍ عراقيةٍ وأهازيجَ شعبيةٍ مغربية، وأشكالُ الطعامِ المغربي والعراقي تُزيّنُ الموائد، أما القاعةُ فرغمَ تواضُعِها كانتْ أنيقةً باللمساتِ التي أضافَ إليها المُنسق، وجعلتْ جوَّ الفرحِ دافئًا وممتعًا، فكانتْ فاطمتي تكتفي بابتسامةٍ خجولةٍ في وجهِ الجميع... فاطمة... أما اليومُ فهو اليومُ الذي جعلَ نياطَ قلبي تقفزُ وجلًا... سوفَ أرحلُ إلى المجهول.. إما السعادة أو الشقاء، طريقُ الذهابِ بلا عودة؛ فمن تخرجْ من بيتِ والدِها بفستانِ الزفاف الأبيض يجبْ أنْ لا تخرجَ من بيتِ زوجِها إلا بالكفنِ الأبيض! هذا ما ألزمتنا به كُتُبُ العرف. عندما كُنتُ جالسةً في قاعةِ الاحتفالِ شعرتُ بأنّي أميرةٌ عراقيةٌ تُزفُّ لملكٍ مغربي، صوتُ الزغاريدِ ارتفعتْ تُعلِنُ عن قدومِ العريس، وقفتُ في لحظةِ قلق، الجميعُ يبحلقُ فيّ، مع همزٍ ولمز: - ما الذي أعجبَه بها؟ - ما هذا الحظّ؟! إنّه ليس مثل حظّنا العاثر.. هذا ما كانَ يطرقُ مسامعي من بعضِ النسوة، عقدتُ أصابعي ثم بدأتُ أحرّكها بتوتُرٍ وأنا أهيّئُ نفسي، اجتاحتني رهبةٌ غريبةٌ أولَ مرّةٍ أحسُّ بها. دخلَ زوجي الذي لم أكنْ أحلمُ حتى أنْ أقترنَ به، سحرني جمالُه وأناقتُه.. كانَ يرتدي جلبابًا أبيضَ طويلًا يمتدُّ من فوقِ المنكب إلى حذوِ الكعبين، فضفاضَ يُغطّي كاملَ جسمه، مُتصلٌ في أعلاه بغطاءٍ للرأس يُسمّى "القب" حسب ما أخبرني به عبدُ الرحمن، ذا أكمامٍ طويلة، تصلُ إلى معصمِ اليد. يرتدي فوقه ما يُسمّى بـ"السلهام"، لونُه أحمرُ أنيقٌ طويل، يلي الجلبابَ إلا أنّه ليس له أكمامٌ مثل العباءة فهو جزءٌ واحدٌ بغطاءٍ للرأس يُسمّى (قب)، متواصلٌ مع بقيتِه، مصنوعٌ من صوفِ الأغنام، ومفتوحٌ تمامًا من الأمام. كانَ يرتدي في قدميه ما يُسمّى (البلغة)، هي نعلٌ تقليدي جلدي مغربي، لونُها أبيضُ تصميمُه بسيطٌ، تمّ تطريزه بشكلٍ خفيفٍ ومقدمتُه حادة. كانتْ أجواءُ العرسِ مُمتعةً جدًا، لحظةُ ارتداءِ الخاتمِ والفستانِ الأبيضِ جعلتْ نياطَ قلبي تتراقصُ فرحًا على عزفِ سمفونيةِ عشقٍ أبدي، ما أجملَ الحبّ حينَ يكونُ حلالًا! …… عبد الرحمن... رغمَ الابتسامةِ التي كانَ يُحاولانِ أنْ يرسمَها أبو فاطمة وأمّها عندَ رحيلِنا لم يستطيعا أنْ يخفيا حرقةَ فراقهما لابنتهما، ودّعاها والدموعُ ترقرق في عينيهما، شعرتُ أنّها هي سببُ وجودهما وصبرهما على كُلِّ تعرُّجاتِ الحياةِ من البؤسِ والفقر، وعلمتُ أنّي اقتطفتُ زهرةَ ربيعهما، فلنْ أجعلَها تذبلُ لفراقِ والديها وأنا أسمعُ صوتَ بكائها الذي قطّعَ نياطَ قلبي.. قبّلتُ يدَ عمّي، وأخبرتُه أنّي سأجهِّزُ لهما بيتًا بقربِ بيتِنا، حتى يلحقا بنا قريبًا، أشرقتْ أساريرُ وجهِه وأمسكتْ فاطمةُ بيدي وهي تُبدي شكرَها وامتنانَها لما قلتُه.. ...... فاطمة.. أمضيتُ أجملَ أيامٍ في حياتي مع عبد الرحمن، كانَ يُحقِّقُ كُلَّ مُتطلّباتي المادية، ساعدني أنا وعائلتي، كانَ رجلًا طيبًا جدًا، يخافُ عليّ أكثر من نفسه، لكنّ الغريبَ في الأمرِ أنّ عبدَ الرحمن لم يكُنْ يُحِبُّ الأطفال، في مرّةٍ سألتُه: -متى يكونُ لنا طفلٌ؟ فهو يجعلُ لوجودِنا معنى.. ما شاءَ اللهُ نحنُ لدينا نِعَمٌ لا تُعَدُّ ولا تُحصى.. احمرّتْ عيناه من الغضب وقال: -احذري.. إنْ حدثَ هذا الأمرُ فلن تلومي إلا نفسك! في ذلك اليومِ ضاقتْ بي الدنيا، قد يحينُ الوقتُ المُناسبُ لذلك الأمل في أنْ أكونَ أُمًّا، كُنتُ مُتوترةً جدًا فخطرَ في بالي أنْ أتحدّثَ مع عمّتي أمّ عبدِ الرحمن وأخبرها لعلّها تُقنِعُ ابنَها أكثرَ منّي؛ فهي بالتأكيدِ تتمنّى أنْ تكونَ جدّة. كانتْ تجلسُ في غرفةِ الصالون، وتُشاهدُ برنامجها المُفضل، صنعتُ العصيرَ وقدّمته إليها وجلستُ بقُربها، فابتسمت قائلة: -سلُمَتْ يداكِ يا فاطمة. -عمّتي، أريدُ أنْ أُخبرَكِ بشيء، وأتمنّى أنْ تُساعديني... -تفضّلي.. - أنا...أنا ... - أنتِ ماذا؟ تحتاجين للمال؟ -لا...لا، في الحقيقةِ أنا أُريدُ أنْ يكونَ لي طفلٌ وعبدُ الرحمن... لم تصبرْ لأكملَ كلامي حتى تجهّمَ وجهُها، وانتفضتْ وكأنّ السماءَ أطبقتْ على الأرض، ثم سقطَ كأسُ العصير من يدِها وتكسّر، شعرتُ أنَّ قلبي أرادَ أنْ يخرجَ من بينِ أضلُعي حينَ رأيتُ تقاسيمَ وجهِها وهي تقولُ بنبرةِ غضب: -هل جُنِنتِ؟ وكيفَ تُفكّرين في مثلِ هكذا أمر؟ لقد أخذتُكِ لولدي ليستأنسَ بك، لا أنْ يكونَ لديه طفلٌ منك، أم نسيتِ من أينَ انتشلتُكِ؟.. من قعرِ الفقرِ والجوع.. فاحذري سيكونُ آخرَ يومٍ لك مع ولدي إنْ أصررتِ على فكرتك. ثم نظرتْ لي بازدراء وذهبتْ إلى غرفتها وأغلقتِ الباب بقوة.. من فرطِ الدهشةِ من ردّةِ فعلِها شعرتُ أنّي أصبحتُ بكماءَ، واغرورقتْ عيناي بالدموع، وجلستُ وأنا مُصابةٌ بالذهول، وقفتُ وهممتُ بالخروج وفي جعبتي الكثيرُ من الأسئلة، ركبتُ سيارتي الفارهةَ التي اشتراها لي عبدُ الرحمن في عيدِ ميلادي وبدأتُ بالقيادةِ بسرعة.. لم أعلمْ إلى أينَ أذهبُ! ربما إلى اللا شيء.. وفي الطريقِ راودتني الأفكار: -ترى ماذا تقصدُ عمّتي بأنّها أخذتني ليستأنسَ بي فقط؟! ولماذا أنا تحديدًا؟ فهناك الآلافُ من الجميلاتِ يتمنينَ الزواجَ بمثلِ زوجي؟! فما أنا إلا فقيرةٌ، مُتوسطةُ الجمال، لم أحصلْ على شهادةٍ جامعية، كُنتُ أعيشُ في قريةٍ مُنزويةٍ عن العالم.. لماذا أخذوني لعالمِهم الغريب؟ من سيُجيبُني عن كُلِّ هذه الأسئلة؟ يتبع .....

اخرى
منذ أسبوع
58

دمعة ياسمين -٥-

دمعةُ ياسمين(5) بقلم: نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية: إيمان مصطفى الحسن فاطمة... أشعرُ أنّي خائرةُ القوى، كُلُّ أمنيتي أنْ يكونَ لي طفلٌ يؤنِسُ وحدتي... آهٍ.. ساعدني يا رب.. وبينما كُنتُ أصارعُ هواجسي رنَّ هاتفي، وإذا به عبد الرحمن.. - فاطمة، أينَ أنتِ؟ والدُكِ يسألُ عنك؟ - ماذا حصلَ لوالدي؟ أخبرني بسرعة... - ما بالُ صوتِك؟ هل أنتِ مريضة؟ هل أصابكِ مكروه؟ هل آتي لأخذك؟ أين أنتِ؟.. أجيبي - لا بأس، كُلُّ شيءٍ على ما يُرام لا تقلق، أنا في سيارتي، أينَ أنتَ؟ وماذا حدثَ لأبي؟ - أنا في المُستشفى القريبةِ من بيتِ والدك.. لقد تعبَ واتصلتْ بي والدتك. - حسنًا سآتي أنا في الطريقِ إليكم. احتسبت أمري لله تعالى، ودعوته أنْ لا يحرمني من نعمةِ وجود والدي، لعلّ اللهَ يُحدِثُ لي أمرًا، فصبرٌ جميلٌ يا قلبي الهش .. ....... عبد الرحمن... أصيبَ والدُ زوجتي بوعكةٍ صحية، فاتصلتْ بي أمُّها مُرتعبةً وقلقةً عليه؛ لأقدِّمَ لها يدَ المساعدة، اتصلنا بإسعافِ المُستشفى الخصوصي الذي نتعاملُ معهم فأتتْ على عجل، أخذوا السيدَ وعملوا معه الفحوصات اللازمة، حاولتُ الاتصالَ بفاطمة مرارًا ولكن دونَ جدوى.. خرجَ الطبيبُ من غرفةِ الفحوصات ليخبرني بضرورةِ إجراءِ عمليةٍ قسطرة لعروقِ قلبه بسببِ خللٍ في الدورةِ الدموية به أدّى إلى تلك الفاجعة، شحبَ وجهُ السيدة، ولم تعرفْ كيفَ تُجيبُ؛ لأنّها لا تملكُ مالًا يُساعدها على تعجيلِ العمليةِ لزوجها، هدّأتُها وأخبرتُها بأنّي سأدفعُ جميعَ تكاليفِ العملية، وقلتُ في نفسي: -لعلّي أردُّ لهما بعضَ المعروف، وأُكفِّرُ عن أخطائي بحقِّهم.. عاودتُ الاتصالَ بزوجتي فأجابتني بتوتُر، أخبرتُها بضرورةِ الحضورِ للمُستشفى للاطمئنانِ على والدها. أصرّتْ عليّ فاطمةُ ألّا أُكلِّفَ نفسي دفعَ مصاريفِ العملية، وأنّها ستقومُ بذلك، لكنّني امتنعتُ وأمرتُها بالاحتفاظِ بمُجوهراتِها وبما تدخره لما تُخبّئه الأيام، عندما لا أكونُ موجودًا، قُلتُ مواسيًا: - والدُكِ هو والدي، لا فرقَ في ذلك، لا يُهِمُّني شيءٌ سوى أنْ تكونوا بخيرٍ جميعًا، لن يمسّكم أذى ما حييت. خرجَ الطبيبُ وبشّرَنا بنجاحِ العملية، وقالَ: - إنَّ حالتَه ستتحسّنُ قريبًا إنْ شاءَ اللهُ (تعالى). أحببتُ فاطمةَ لدرجةِ الأنانية، أصبحتْ جوهرتي الثمينةَ التي لا أستطيعُ الاستغناءَ عنها مهما حدث، كُنتُ أطفِئُ شمعةَ الأملِ في عينيها كُلّما رفضتُ أنْ تُصبِحَ أُمًّا.. أنا أيضًا أحِبُّ الأطفالَ، وأحلمُ أنْ أكونَ أبًا، لكن ذلك السِرَّ اللعينَ الذي عكّرَ عليّ صفوَ عيشي، ودكَّ أوتادَه في صحراءِ مشاعري يقفُ كجدارٍ أمامَ حلمِ الأبوة، وضميري الذي لا زلتُ أُسمّيه ضميرًا يمنعني من أذيةِ المزيدِ من الأشخاص، خصوصًا أقربهم إلى القلب فلذة الكبد. لم أجدْ أفضلَ من زوجتي سندًا في ضعفي، ساءتْ حالتي الصحيةُ لدرجةِ أنّني أصبحتُ مُقعدًا لا حولَ لي ولا قوة، لم تنفعني ثروتي لشراءِ صحتي، لم أتركْ طبيبًا معروفًا إلا زُرتُه ليُشخِّصَ حالتي من دونِ فائدة.. بعدَ تعبٍ شديدٍ قرّرتُ أنْ نزورَ بيتَ اللهِ (تعالى) لعلّه يكونُ السببَ في تحسُّني. ...... فاطمة.. اقترحَ عليّ عبدُ الرحمن أنْ نذهبَ للعُمرةِ المفردة بسببِ تدهورِ حالتِه الصحيةِ في تلك الفترة، ذهبنا ودعوتُ اللهُ (تعالى) كثيرًا أنْ يشفيه ويهديه ليستجيبَ لمطلبي. بدأتْ تراتيلُ السعادةِ بالعدِّ التنازُلي؛ إذ بدأتْ حالةُ عبدِ الرحمن الصحية تسوء؛ فقدان الوزن، ارتفاع درجة حرارة الجسم (حمّى)، سعال، ضيق تنفس.. يتبع...

اخرى
منذ أسبوع
62

دمعة ياسمين -٦-

دمعةُ ياسمين(6) بقلم: نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية: إيمان مصطفى الحسن فاطمة.. بعدَ عودتِنا من بيتِ اللهِ (تعالى) وطوالَ الطريقِ كانَ يُهيّئني لأمرٍ عظيم، تسارعتْ نبضاتي، احتضنني وكأنّه يودِّعُني الوداعَ الأخيرَ واغرورقتْ عيناه بالدموعِ وهو يُقبِّلُ جبيني ويعتذر: - اعتذرُ منكِ، لقد حاولتُ بشتّى الطُرُقِ أنْ لا أنقلَ لكِ العدوى لأنّي أحببتُكِ. فعلًا أنتِ امرأةٌ جعلتني أخرجُ من عُمقِ الظلام، أطفأتِ نيرانَ هفواتي العاتيةِ بلمسةٍ حانية، يا ليتني لم أرَكِ.. يا ليتني مُت.. يا ليتني لم أشعرْ بحُرقةِ العشقِ ووخزِ الضمير، لقد انصهرتُ في روحكِ الصافية! - ما بكَ يا نورَ عيني؟ يبدو أنّك تُهلوِسُ فحرارتُك مرتفعة.. صرخَ مُزمجرًا: - ابتعدي عنّي.. اهربي.. لعلّكِ تنجين من فخٍّ نصبتُه لكِ أنا وأمّي، لقد اغتصبتُ عمرَكِ قهرًا، وبعتُكِ بثمنِ أهوائي، لكن أقسِمُ لكِ أنّي أحببتُكِ ولم أستطعِ التنازلَ عنك.. ارتعشتُ من الخوف، ظننتُ أنّه ضجرَ من كثرةِ إلحاحي بأنْ يكونَ لي طفلٌ فكانَ يُمانعُ بإصرار، وأنا أستغربُ وأتساءل: - لماذا؟ حتى قال: -أنا.. أنا.. مُصابٌ بمرضِ السيدا (الإيدز)! هوى على قدميَّ يُقبِّلها ويطلبُ السماحَ والغفران، تجمّدتْ أوصالي، لم أكنْ أفقهُ ما يقولُ وكأنّي هويتُ من شاهق، جسدي يرتعش، لُجَجُ النيرانِ اشتعلتْ في جوانحي، سادَ السكون.. أمطري يا دموعي، واقرعي طبولَ الحزنِ مع أمواجِ الدجون، خيّمَ على وجهي المساء، هل ذُبِحتُ وفي قلبي طفلٌ وليد، انهارَ قصري وتحوّلَ إلى لحدٍ ينتظرُ أنْ يلقى مثواه.. صرختُ: - عبد الرحمن.. حبيبي! لم يتنفس، لن يعودَ عبدُ الرحمن؛ فهو راقدٌ بلا حراك! هذه أنا! من حسدتها كُلُّ الفتيات، ومن كُنتُ أظنُّ أنَّ السعادةَ قد بَنَتْ لي أوطانا.. هل أُصِبتُ؟! هل أصيبَ والدي؟ هل هي لعنةُ الأقدار أم صاعقةٌ نزلتْ عليّ من السماء؟ آهٍ.. ما هذا الابتلاء؟ ..… وقفَ المُخرجُ وكُلُّ منْ كانَ يُشاهدُ التحضيرَ الأخيرَ لتسجيلِ القصة، وهم مبهورون يُصفّقون، يشهقون بالبُكاء، ويصرخون. قال المخرج: - أبهرتموني! لم نشعرْ بمرور الوقت، جعلتموني أفكِّرُ في أنْ أصوِّرَ فيلمًا بدلَ أنْ أسجّلَه في الإذاعة. أخرجَ منديلًا من جيبه وأعطاه لي كي أمسحَ دموعي.. أنا المُعلِّقةُ الصوتيةُ... ياسمين. تمّتْ بحمدِ الله. ____ بعضُ المعلوماتِ عن مرضِ الإيدز: س/ كم تستغرقُ الفترةُ الفاصلةُ بينَ إصابةِ المرءِ بفيروس العوزِ المناعي البشري وظهورِ أعراضِ مرض الإيدز عليه؟ ج/ تختلفُ هذه الفترةُ اختلافًا كبيرًا من شخصٍ لآخر، وتظهرُ على مُعظمِ حاملي الفيروس _إذا ما بقوا من دون علاج_ أعراضٌ مرضيةٌ لها علاقةٌ بالفيروسِ في غضونِ خمسةِ إلى عشرةِ أعوامٍ، ومن المُمكنِ أنْ تكونَ أقلَّ من ذلك. غيرَ أنّ الفترةَ الفاصلةَ بينَ اكتسابِ الفيروس وتشخيصِ المرض قد تستغرقُ فترةً تتراوحُ بينَ عشرة أعوامٍ وخمسة عشر عامًا أو أكثر أحيانًا. وبإمكانِ المُعالجةِ بالأدويةِ المُضادةِ للفيروسات القهقرية إبطاءُ تطوّرِ المرضِ بتخفيفِ تضاعُفِ الفيروس، وبذلك تقلّ عددُ الفيروساتِ في دمِ حاملي الفيروس والذي يُعرَفُ أيضًا بــ(الحِمل الفيروسي). ولمزيدٍ من التفاصيل عن الفيروس ادخل على الرابطِ: https://www.who.int/features/qa/71/ar/

اخرى
منذ أسبوع
69