Profile Image

رقية التقي

متزوجة وأم لبنت و وولدين، مدرسة في الحوزة العلمية ومبلغة وكاتبة.

للظَّلامِ حِكَايةٌ

بقلم: رقية التقي لهبّاتِ نسائمِ الصباحِ الحانيةِ وهي تحتضنُ ذاك الغُصنِ الطري الذي لم يشتد عودُه بعد، وقد بدا الشحوبُ على مُحيّاه، وتتقاطرُ حبّاتُ العرقِ مُلبِّدةً أطرافه، مُصفِّدةً أنفاسه مُجفِّفةً أعماقه، قارعةً لطبولِ نبضاتِ قلبِه، إنَّ لها لسحرًا يُفتحُ به كُلُّ محجوب. قد ينغلقُ الطفلُ على نفسِه وهو يسمعُ حكايةَ مسخِ الجماداتِ، وتحولَّها إلى وحوشٍ مُفترسةٍ تأكلُ كُلَّ من تخلَّفَ عن الامتثال، بل إنَّ البشرَ لتُمسَخ هي الأخرى؛ حينما تقفُ الأُمُّ صارخةً في وجهِ طفلِها وهي لا ترى كيفَ تمثّلتْ له وبأيّ شخصيةٍ مرعبةٍ من الشخصياتِ الكارتونية التي يُشاهدُها في البرامجِ والحكايات، فالصوتُ قد اختلفَ والشكل كذلك! صدمةٌ نفسيةٌ تعتري الطفلَ قد لا تنتهي في وقتها، بل تتحوّلُ إلى رهابٍ يتفاقمُ مع عدمِ الاستقرارِ النفسي والعائلي، مما يُزعزِعُ ثقتَه بنفسِه، ولا سيما حينما يتعرّضُ للنقدِ والسُخريةِ والتوبيخ، وسنِّ القوانين المتناقضة التي تُعجزُه وتشلُّ حركتَه. أما ساعاتُ النومِ فإنّها الكابوسُ الأعظمُ الذي لا يحتاجُ فيه أنْ يُغمِضَ العينَ ليراه، إذ إنّ الكوابيسَ كُلَّها تحضرُ بمُجرّدِ ذكرِه، وحتى أنّ الشبحَ المُخيفَ ليكون تحتَ السريرِ أو الغطاءِ في انتظارِ الاستلقاءِ عليه! أما هدوءُ الليلِ فإنّه مسكنٌ لدبيبِ النملِ العملاق وهو يطأُ أذني ذاك المسكين، مُخبرًا عن وجوده في المكان، بعدَ أنْ تحوّلَ المكانُ من صخبٍ وضجيجٍ مُستمرٍ لم ينقضْ إلا بكبسةِ زرِّ الإنارة لإطفائها، وإعلانِ رفِع الستارِ لعرضِ الفلمِ المرعبِ الذي يعيشُه الطفلُ كُلَّ مساءٍ كُلّما طُلِبَ منه الخلودُ للنوم وهو يُحاولُ الهروبَ منه. وما أنْ ينجلي الظلامُ حتى تعودَ له الحياةُ وتعود الحكايةُ كما هي، بين إهمالٍ للموضوع أو تعزيزٍ له بسُخريةٍ وتشكيك، أو بشكوى وتعنيفٍ، دونَ البحثِ عن السببِ وتداركه، فالطفلُ لا يستطيعُ فصلَ الواقعِ عن الخيال، ولكن عندما نجعله يُلقي بنظرةٍ تحتَ السرير أو الغطاءِ أو الخزانةِ في الظلامِ ليتأكدَ بنفسِه من خلوِّه ممّا يتخيّله فسيبدأُ الفصلُ بالتدريج، مع الاستعانةِ بضوءٍ ليليّ خافتٍ أو تركِ بابِ غرفته مفتوحًا قليلًا، وتهيئتِه للاستعدادِ للنومِ بتوفيرِ الأجواءِ المناسبة، وتخفيفِ الضغوطاتِ عليه والابتعادِ عن الحكاياتِ والبرامجِ المخيفةِ فكُلُّ ذلك كفيلٌ بحلِّ المشكلة، مع لمسةٍ حانيةٍ وحضنٍ دافئ. يجبُ احترامُ خوفِ الطفلِ وعدمُ السُخريةِ منه، وعدمُ إجباره على الاستماعِ إلى حكايةٍ مُرعبةٍ لأيّ غرض؛ لأنّه وفي حالة طُغيانِ الخوفِ ستتحوّلُ الحكايةُ تعذيبًا وليستْ متعة.

اخرى
منذ 3 أشهر
123

قبلَ اتخاذِ القرار

بقلم: رقية التقي حينَما تمتطي أحلامُنا فرسَ الأماني مُعانِقةً ذاك الفارسَ المُقبِلَ من السماءِ في سحابةٍ بيضاء ليُحقِّقَ أحلامَنا، فقد نغفلُ عن كيفيةِ الهبوطِ التي قد تُسقِطُنا أرضًا في مُستنقعِ الواقعيةِ مُمرِّغين أنوفنا بالتراب، وقد تُدرِكُنا أيدي الرحمةِ مفترشةً لنا الودّ بساطًا ووسادًا، ولو تأنّينا وأعدَدْنا المُقدِّماتِ لتجلّتْ أمامَنا النتائجُ شاخصةً، وتجنّبْنا المصيرَ المجهول. وليسَ هذا ضربًا من التنجيمِ وادعاءَ العلمِ بالغيب، بل إنّها رؤيةٌ صائبةٌ تُعبِّدُ لنا الطريقَ وترسُمُ معالمَ صورةِ المستقبل في الحياةِ لنطأَ موطئًا صلبًا ثابتًا بكُلِّ ثقةٍ واطمئنانٍ، عبرَ توفيرِ مُقوِّماتِ النجاح. صحيحٌ أنَّ للقدرِ في تشكيلِ أحداثِ حياتِنا حصةَ الأسدِ، ولكنّ ذلك لا يتعارضُ مع الاختيار، فقد أبى اللهُ (عزّ وجل) إلا أنْ تجريَ الأمورُ بأسبابِها.. واختيارُ الزوجِ المُناسبِ من أهمِّ الأسبابِ في نجاحِ العلاقاتِ الزوجية؛ فالتوافقُ الديني والفكري والعاطفي دعاماتٌ تُثبّتُ الأسرةَ والعكسُ صحيح، فمثلًا الزوجُ الذي لا يرى قيمةً للتديُّنِ سيُشرِكُ غيرَه معه في زوجته، بعرضِها مُتبرجةً على الناسِ إنْ كانتْ توافقه، أما إنْ كانتْ تُخالفُه وهو لا يقبلُ فإنّ بؤرةَ الخلافِ ستتسعُ حتى يصعبَ ردمُها.. أما الفكرُ فإنّه قد يُحدِّدُ المصيرَ؛ يقولُ الفيلسوف الصيني (لاوتسو): "راقبْ أفكارَك؛ لأنّها ستُصبِحُ كلمات، وراقبْ كلماتِك؛ لأنّها ستُصبِحُ أفعالًا، وراقبْ أفعالَك؛ لأنّها ستتحوّلُ إلى عادات، وراقبْ عاداتِك؛ لأنّها ستكوِّنُ شخصيتَك، وراقبْ شخصيتَك؛ لأنّها ستُحدِّدُ مصيرك" بل إنّ فكرَ الزوجِ قد يُحدِّدُ مصيرَ الزوجة، فإنْ كانتْ أفكارُه ناضجةً فسيرتقي وترتقي معه، وإنْ كانتْ أفكارُه رجعيةً غيرَ عُقلانيةٍ قائمةً على الأعراف والتقاليدِ وإنْ كانتْ فاسدةً لا على الشرعِ الإلهي الحكيم فإنّه سيكونُ حجرَ عثرةٍ في طريقِ مُستقبلِ الزوجة. أمّا الجانبُ العاطفي فهو كالماءِ الذي يروي رياحينَ الأرضِ، فيجعلُها خضراءَ مُتوردة، وبجفافه تذبلُ وتموت. ثُلاثيٌ مُهِمٌّ يتقدّمُ كُلَّ التوافقاتِ الاجتماعيةِ أو الماديةِ أو الجماليةِ وغيرها، وقد يتفقُ الشريكانِ ويختلفانِ في ذلك، وقد يصعبُ الاختيارُ في بضعِ دقائقَ معدوداتٍ تُعرفُ بالمقابلة، التي يتخفّى فيها الطرفانِ تحتَ ستارِ الكمالِ والتجمُّل، ويبقى التريُّثُ سيّدَ المواقف؛ ففيه يتمُّ السؤالُ ودراسةُ الأحوالِ قبلَ اتخاذِ القرار، فليسَ الزواجُ بتجربةٍ نخوضُها لنكتشفَ ثم نعود، فقد يصعبُ الرجوعُ، وخصوصًا مع وجودِ الأطفال.

اخرى
منذ 3 أشهر
101

وشاحُ الزُهدِ وجهازُ التواضُعِ

بقلم: رقية التقي أهازيجُ وزينةٌ ونثار.. أَهو عُرسٌ أم فرحةُ الجنان؟ عرسٌ في الجنة؟! اجتمعتْ حورُ العينِ مُتسائلةً فيما بينها بلسانِ حالِها، وهي ترى الجنةَ مُتزيّنةً بأبهى حُلّةٍ، لتُجيبَها الأهازيجُ بأنغامِ التسابيح والتهاليل: - بلى، إنه عُرسٌ، وشهودُ أربعمائة من الملائكة! ونثارٌ من الدُرِّ والياقوتِ من طوبى الشجر! فتعالَينَ وشارِكنْ تبريكاتِ السماءِ، والتقطنَ خيرَ الثمرِ؛ لتتهادينَه فيما بينكن لفرحةِ خيرِ البشر! يبدو أنَّ العقدَ الثمينَ للحُججِ في الأرض بينَ النبوّةِ والإمامةِ بدأَ بالتشكُّلِ! لؤلؤٌ منضودٌ بَرّاقٌ قد امتزجَ فيه نوران؛ ليزيدَه بريقًا وإشعاعًا على صفحةِ الوجود! هكذا بدتِ النشوةُ تتردّدُ بين سُكّانِ السماء، صلواتٌ وتبريكٌ للآل؛ لتُرسِلَ صداها للأرض. - أينَ أنتَ يا جبرائيل؟ فلتنزلْ إلى الأرض، وتأمرِ الحبيبَ بتزويجِ عليٍّ من فاطمةَ؛ فقد جاءَ الأمرُ الإلهي، وإنّ عليًا لكعبةٌ يُحَجُّ إليها، ولولاه لما كانَ لفاطمةَ كفؤ. ابتدرَ الأمينُ مُمتثِلًا لأمرِ العزيزِ ومُبلِّغًا رسالتَه، حاملًا أكاليلَ الفرحةِ وردًا يُطوِّقُ به العريسين، فإذا بالخاتمِ محُمّدٍ (صلى الله عليه وآله) يأمرُ الفتى عليًا (عليه السلام) أنْ يتقدّمَه للمسجد، بعدَ أنْ عَلِمَ برضى كريمته، وبمحضرٍ من المهاجرين والأنصار والمسلمين تمَّ الزواجُ الميمون، ليشهدَ الجميعُ عليه. توّشحتِ الفرحةُ رداءَ العريسين وعانقتهما، وأخذتْ من عطرِهما؛ ففاحتْ في أرجاءِ المدينة؛ لتدخلَ قلوبَ المُحبّين، وتُرسلَهم للتبريكِ والمُشاركةِ في مراسيم الزواج حتى تصلَ إلى بيتِ فاطمةَ وتستقر. ما أروعَ الزواج حينَ يكونُ للهِ (تعالى) وعلى سُنّةِ رسولِه (صلى الله عليه وآله)! ولقد تمثّلَ ذلك في زواجِ النورين؛ فالمهرُ لم يتجاوزِ الأربعمائة وثمانين درهمًا، وكانَ ذاك ثمنُ درعِ أولِ الناسِ إسلامًا، أما الجهازُ فسِمتُه التواضُعُ، ومُفرداتُه الزهدُ، وقد تمثَّلَ في قميصٍ بسبعةِ دراهم، وخمارٍ بأربعةِ دراهم، وقطيفةٍ، وثوبٍ، وسريرٍ، وفراشين حشوهما من صوفِ الغنم، وأربعِ مرافق، وسترٍ من صوف، وحصيرٍ، ورحى، ومِخْضَبٍ، وسقاءٍ، وقدحٍ من خشب، وشن، وجرّةٍ، وكوزينِ خزف، وعباءةٍ خيبرية، وقربةِ ماء. ولقد باركَ المُصطفى (صلى الله عليه وآله) ذلك الجهازَ، فقال: "اللهمَّ باركْ لقومٍ جُلَّ آنيتهم الخزف" أثاثٌ هو مدرسةٌ! أرضٌ فُرِشَتْ بالرمل، وسائدُ محشوةٌ بالليف، جرّةٌ، وكوز! لا غرابةَ في البين؛ فمَن طمعَ في الآخرة؛ زهدَ في الدنيا، ومَن عشقَ الدُنيا؛ فلن تجدَ البساطةُ في العيشِ إليه طريقًا، ولن يرضيَ نفسَه سوى البذخِ والترفِ في كُلِّ شيء. لقد حرصَ الإسلامُ على تقليلِ المهور، وتيسيرِ أمرِ الزواج، وأنْ لا تكونَ الأمورُ الماديةُ عائقًا أمامَ الزواج؛ فقد وردَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): "أفضلُ نساءِ أُمّتي أصبحُهنَّ وجهًا وأقلُّهنَّ مهرًا"، وقال: "من بركةِ المرأةِ قِلّةُ مهرِها، وشؤمها كثرةُ مهرها". أَمَا وبعد هذا البيان، والتأكيد؛ فليس صحيحًا أنْ يُبرّرَ بعضُنا غلاءَ المهورِ بأنّه أمرٌ يرجعُ إلى ما تراضى عليه الناس، وأنّنا في زمنٍ يضربُ الغلاءُ بجرانِه في كُلِّ ناحية، وأنّه لا بُدّ من مُراعاة ما تفرضُه الظروف! إنَّ الحلَّ لا يأتي بتبريرِ الخطأ، وإنّما بالتصدّي للسبب، ومُعالجةِ أصلِ المشكل. فيا أُختي الكريمة.. أنتِ لستِ سلعةً معروضةً للبيعِ في مزادٍ يمتلكُكِ من يدفعُ مالًا أكثر! وتذكّري قولَ الرسولِ الأعظم (صلى الله عليه وآله): "تياسروا في الصداق، فإنَّ الرجلَ ليُعطيَ المرأةَ حتى يبقى ذلك في نفسِه عليها حسيكة"، والحسيكة: هي الحقدُ والعداوة. واستحضري ما وردَ عن أمير المؤمنين من أنّه قال: "لا تُغالوا بمهورِ النساء فيكون عداوة".

اخرى
منذ 3 أشهر
110

أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ؟

قلم: رقية عاشور التقي حينما يُعسعِسُ الليلُ، ويَتنفّسُ النهارُ، تتجلّى الشمسُ في رائعةِ السماءِ تُظلِّلُها الطيورُ والسهامُ؛ علّ الدماء تحتَ الحَجَرِ والمَدَرِ تحكي الحكايةَ التي وقعتْ في ظُهرِ عاشوراء، والتي بكتْها السماءُ وتقرّحتْ من أجلِها العيونُ؛ لتفتحَ مسامعَ القلوبِ وتُعظِّمَ شعائرَ اللهِ (تعالى) فتتقوى القلوبُ مُحصنّةً بحصنِ العِصمةِ لترتقيَ نحوَ عالمِ الملكوت، ونتحسّسُ صبرًا عهِدناه في سفينةِ النجاةِ التي من ركِبَها نجا ومن تخلّفَ عنها غرِق؛ ليُصيبَ بصبرِهم حظًّا وافرًا كُلُّ من كانَ على متنِها من صغيرٍ وكبير، فتستوي نفوسُهم على الجودي وتنالُهم البُشرى من اللهِ (عزَّ وجلّ)، وينالُهم غُفرانَ الذنوب؛ لمُجرّدِ دمعةٍ تُذرَفُ حُزنًا على الإمامِ الحُسين (عليه السلام) ولو بمقدارِ جناحِ بعوضة، حتى غدا النُدبُ صباحًا ومساءً في قلبِ كُلِّ شيعيٍ مأتمًا يذكرُ فيه الإمامَ الحُسينَ (عليه السلام)، ويُسمَعُ منه الصرخاتُ الحُسينيةُ التي تُهذِّبُ النفوسَ وتُحيي القلوبَ فتُنبِتُ فيه أغصانُ الشجرةِ الطيّبةِ التي أصلُها ثابتٌ في كربلاء وفرعُها في السماء، تمدُّ بظلالِها الوارفة "لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ"(ق37)، وتؤتي أُكُلَها كُلَّ حينٍ وتُربّي العالمَ التربيةَ الإسلاميةَ الحقّة، فمتى ما رأتِ الأُسرةُ الحُسينيةُ الحلمَ والصبرَ الحُسينيَ السجّادي والعلوي تحلّتْ به، ورأتِ الوفاءَ العبّاسي والعفافَ الزينبي اقتدتْ به، ومتى ما رأتِ العنفوانَ قاسميًا أكبريًا كلثميًا امتثلتْه، ومتى ما رأتِ الشجاعةَ الهاشميةَ في سكينة تقوّتْ بها، ومتى ما رأتِ الانتظارَ حيًّا ماثلًا في السيّدةِ رقية للحُجّةِ الحُسين ورأتِ الدماءَ الصاعدةَ إلى السماءِ دون نزول؛ انتظرتِ السببَ المتصلَ بين الأرضِ والسماء انتظارًا لم نعتدْ فيه الغَيبةَ والظُلمةَ فتُنسينا موعدنا "أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ"(هود81). فلنتواعدْ مع كربلاء، ونترقّبْ فإنَّ أفضلَ العباداتِ انتظارُ الفرجِ الذي يصنعُ مِنّا أُناسًا فاعلين نُغيّرُ ما بأنفسِنا ونغيّرُ المُجتمع.

اخرى
منذ شهر
178