Profile Image

رضا الله غايتي

زيارةُ القبورِ طاعةٌ لله لا شركٌ به(8)

بقلم: رضا الله غايتي المطلب الرابع: أدلةُ النهي عن التكفير نبّه دينُنا الاسلامي الحنيفُ على خطورةِ تكفير المسلمين أو اتهامهم بالشرك، وحذّرَ منه أيّما تحذير، وشدّدَ في النهي عنه، ولم يقتصرْ على المسلمين في كل ذلك، بل شملَ كُلَّ من قالَ (لا إله إلا الله)، بل وإنْ تُصوِّر أنّه ما قالها إلا اضطرارًا أو توسُّلًا بها لصونِ دمه؛ وذلك لأن الإيمانَ مسألةٌ قلبيةٌ لا يحقُّ لأيِّ أحدٍ الخوضُ فيه أو الحكمُ على وجودِه من عدمه. وقد تناولَ هذا النهيَّ مُختلفُ الأدلةِ الشرعيةِ من الكتابِ الكريم والسُنّةِ النبويّةِ الشريفة. أولًا: النهي عن التكفير في القرآن الكريم إنّ اللهَ (سبحانه) ينهى عن تكفيرِ أيّ إنسانٍ أعلنَ إسلامَه بقطعِ النظرِ عمّا يحملُه في باطنِه من مُعتقد، قالَ (تعالى): "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا"(1) وقد (اتفقَ المُفسِّرون والمُحدِّثون على أنّ السببَ الموجِبَ لنزولِ هذه الآيةِ أنّ النبيَّ (صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله) أرسلَ سريةً من أصحابه، فالتقتْ برجلٍ معه مال، كغنمٍ وما إليه، فحسبوهُ كافرًا، فتلفّظَ بما يدلُّ على إسلامِه من تحيةِ الإسلام، أو كلمةِ الشهادةِ ونحوها، فاعتبرَها بعضُهم أنّها كلمةٌ يقولُها لينجوَ بها من القتل، فقتله. ولمّا علمَ النبيُّ (صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله) شقَّ ذلك عليه، وأنّبَ القاتل. فقال: إنّما تعوّذَ بها من القتل. فقال له -كما في بعض الروايات-: هلّا شققتَ عن قلبِه. وألفاظُ الآيةِ لا تأبى هذا المعنى، بل هي صريحةٌ فيه، فإنّ قولَه (تعالى): {إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا} معناهُ إذا ذهبتُم إلى الجهادِ فتأنّوا، ولا تقدموا على قتلِ من تشتبهون في دينِه وعداوتِه {ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا}؛ لأنّ كُلَّ من أظهرَ الإسلامَ كانَ له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، بخاصةٍ فيما يعودُ إلى حقنِ الدماء، وحفظِ الأموال، أما باطنه فموكولٌ إلى اللهِ وحده)(2) فإذا كانَ قد أمرَ اللهُ (جلَّ شأنه) المسلمين بأنْ لا يحكموا بالتكفيرِ على من أظهرَ إسلامَه بُمجرّدِ الظنِّ والهوى ومن دونِ بيّنةٍ وإنْ كانَ (في ميدان الحرب والقتالِ، [فـ]إذا أجرى المقاتل كلمةَ السلامِ على لسانه، وجبَ الكفُّ عن قتاله)(3) رغمَ أنّه يغلبُ الظنُّ عليه أنه إنّما لجأ إلى ذلك حقنًا لدمهِ وحفظًا لمالهِ وصونًا لعرضه، فكيفَ بتكفيرِ المُسلمين الذين لطالما ردّدتْ قلوبُهم قبلَ ألسنتِهم الشهادتين، وكشفتْ أفعالُهم وسلوكياتُهم عن مُعتقدهم قبلَ أقوالهم؛ فهم يُصلّون ويصومون ويحجّون ويُزكّون وما إلى ذلك من الأفعالِ العباديةِ التي اختصّ بها المُسلمون عمّن سواهم، ولم يقتصروا في فعل كُلِّ ذلك على كونِهم في خطرٍ عظيم، ولم يُلجئهم إلى ذلك خوفٌ جسيم. وتكفيرٌ كهذا لم يستند إلا إلى الظنّ والهوى لهو من أعظمِ القولِ على اللهِ (تعالى) بلا علم، وقد قال (تعالى): "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا باللهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ"(4) ثانيًا: النهي عن التكفير في السنة النبوية الشريفة نهى الرسولُ الأكرمُ (صلى الله عليه وآله) عن تكفيرِ المُسلمين في العديدِ من كلماتِه (صلوات الله وسلامه عليه)، ومنها: *"لا تُكفِّروا أهلَ ملّتِكم وإنْ عملوا الكبائر"(5) *"كفّوا عن أهلِ لا إله إلا الله، لا تُكفِّروهم بذنب، فمنْ كفّرَ أهلَ لا إله إلا الله فهو إلى الكُفرِ أقرب"(6) *"...ومن دعا رجلًا بالكُفرِ أو قال: (عدوّ الله) وليس كذلك إلا حارَ عليه، ولا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسقِ ولا يرميه بالكُفرِ إلا ارتدّتْ عليه، إنْ لم يكنْ صاحبُه كذلك"(7) *"إذا قالَ الرجلُ لأخيه: (يا كافر) فقد باءَ بها أحدُهما"(8) *"ومن قذفَ مؤمنًا بكُفرٍ فهو كقتله"(9) *"أيّما رجلٍ مُسلمٍ أكفرَ رجلًا مسلمًا، فإنْ كانَ كافرًا، وإلا كانَ هو الكافر"(10) *"ما أكفرَ رجلٌ رجلًا قطّ إلا باءَ بها أحدهما"(11) وقد أوضحتْ روايةُ أسامةَ بن زيدٍ نهيَ الرسولِ الأعظم (صلى الله عليه وآله) عن التكفيرِ بصورةٍ جليّةٍ؛ روى مسلم في صحيحه عن أسامةَ بن زيدٍ قالَ: "بعثَنا رسولُ اللهِ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) إلى الحرقةِ من جهينةٍ فصبحنا القومَ فهزمناهم، ولحقتُ أنا ورجلٌ من الأنصارِ رجلًا منهم، فلمّا غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكفَّ عنه الأنصاري وطعنتُه برُمحي حتى قتلتُه، قال: فلمّا قدما بلغَ ذلك النبيَّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، فقال لي: يا أسامة أقتلتَه بعدَ ما قال: لا إلهَ إلا الله؟ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنّما كانَ مُتعوِّذًا، قال: فقال: أقتلتَه بعدَ ما قالَ: لا إلهَ إلا الله؟ قال: فما زالَ يُكرِّرُها عليَّ حتى تمنيتُ أنّي لم أكنْ أسلمتُ قبلَ ذلك اليوم"(12) ، وفي خبرٍ آخر قال أسامة: "قلتُ: يا رسولَ الله، إنّما قالَها خوفًا من السلاح، قالَ: أفلا شققْتَ عن قلبِه حتى تعلمَ أقالَها أم لا"(13) بل ولا يحقُّ للمُسلمِ قتلَ الكافرِ وإنْ قطعَ يدَه في حالِ تداركَ نفسَه بقولِ كلمةِ التوحيد، وهذا ما جاء في روايةِ المقداد بن الأسود: "يا رسولَ الله أرأيتَ إنْ لقيتُ رجلًا من الكُفّار فقاتلني فضربَ إحدى يديَّ بالسيفِ فقطعَها ثم لاذَ مِنّي بشجرةٍ، فقال: أسلمتُ لله، أفأقتلُهُ يا رسولَ اللهِ بعدَ أنْ قالها؟ قالَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه [وآله] وسلم): لا تقتلْه، قال: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ إنّه قد قطعَ يدي ثم قالَ ذلك بعدَ أنْ قطعها، أفأقتلُه؟ قالَ رسولُ الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم): لا تقتله، فإنْ قتلتَه فإنّه بمنزلتِكَ قبلَ أنْ تقتلَه، وإنّكَ بمنزلتِه قبلَ أنْ يقولَ كلمتَه التي قالَ"(14) فإذا كانَ دمُ الكافرِ الذي شهرَ سيفَه بوجهِ المسلمِ وقطعَ يدَه خطًا أحمرَ لا يجوزُ تجاوزُه فقط لأنّه تفوّهَ بـ(لا إله إلا الله) لا يُعلمُ أكانتْ إيمانًا حقًّا أم مُجرّدَ دفعًا للخطر، فكم يا تُرى ينبغي أنْ يكونَ دمُ المُسلمِ مُصانًا الذي طالما تشهّدَ بشهادةِ الإسلام، وصلَّى وحجَّ بيتَ اللهِ الحرام، وزكّى مالَه وأدّى فريضةَ الصيام؟ حقًّا إنّه لبونٌ شاسعٌ بينَ ما جاءَ به الرسولُ الأكرم (عليه وآله أفضلُ السلام) وبين ما جاءَ به ابنُ تيمية وأتباعه.. ومن يقرأُ هذه الرواياتِ في كُتُبِ الصِحاحِ يشتدُّ عجبُه حقًّا ممّا يدورُ في ساحةِ المسلمين، إذ كيفَ لمنْ يعتقدُ بصحتها أنْ يجرؤَ على سفكِ دماءِ المسلمين، بل وسبي نسائهم واستباحةِ أموالِهم ومُعاملتِهم معاملةَ الكافرين الحربيين، وكم من الدِماءِ المُوحِّدةِ التي سالتْ وتسيلُ إلى الآن وفي وَضَحِ النهار لا ذنبَ لها سوى الجهلِ الذي عشعشَ في عقولِ النواصب. وكثيرةٌ هي الذرائع التي تذرّعَ بها النواصب لتكفيرِ المسلمين أو اتهامِهم بالشركِ، إلا أنّنا سنتعرّضُ إلى الشُبُهاتِ التي طرحوها في حدودِ موضوع ِ البحثِ (زيارة القبور) ونناقشَها في الفصل الثاني بإذن الله (تعالى). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)النساء 94 (2)التّفسير الكاشف، ج2، ص410 (3)فقه السنة - الشيخ سيد سابق - ج ٢ - الصفحة ٥٩٦ (4)الأعراف33. (5)كنز العمال: 1077 (6)الجامع الصغير، السيوطي، ج2، ص275 (7)المصدر السابق، ج2، ص464 (8)المصدر السابق، ج1، ص119 (9)المصدر السابق، ج2، ص458 (10)سنن أبي داود ٤ : ٢٢٠ (11)الجامع الصغير، السيوطي، ج2، ص485 (12)صحيح مسلم، ج1، ص 97 (13)المصدر السابق، ج ،1 ص 96 (14)المصدر السابق ج1 ص95 باب ( تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ).

اخرى
منذ سنة
1140

زيارة القبور طاعة لله لا شرك به (9)

زيارة القبور طاعة لله لا شرك به (9) بقلم: رضا الله غايتي المطلب الثاني شبهة تحريم التوسل بالأنبياء والأولياء التوسل : هو إتخاذ الوسيلة للوصول الى المبتغى ، والتوسل الى الله هو التقرب اليه بواسطة وسيلة ما . و(الوسيلة في الأصل بمعنى نشدان التقرب أو طلب الشيء الذي يؤدي إِلى التقرب للغير عن ميل ورغبة)(1). وقد ذكرت كلمة الوسيلة مرتين في القرآن الكريم ورد الحث عليها في إحداهما في قوله (تعالى) : " يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)"(2) ، ومدحَ الله (تعالى) من يبتغيها اليه في الأخرى كما في قوله : " أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) "(3) والوسيلة التي تقرب الى الله (تعالى) قد تكون الإيمان أو العمل الصالح أو ما الى ذلك من طاعات وقد تكون شفاعة الأنبياء والأئمّة والأولياء الصالحين وكذلك إتّباعهم والسير على نهجهم، والقسم على الله بمقامهم الشريف ومنزلتهم الرفيعة . وقد عدَ ابن تيمية التوسل بالأنبياء والأئمة من البدع حيث قال : " أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذي تقدم عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أنه منهي عنه ، وتقدم أيضا أنه هذا ليس بمشهور عن الصحابة ... "(4) وأما العثيميين فقد قال بأنها نوع من الشرك أيضاً كما جاء في كتابه قسم العقيدة (وأما القسم الثاني فهو التوسل بذواتهم: فهذا ليس بشرعي ؛ بل هو من البدع من وجه ، ونوع من الشرك من وجه آخر . فهو من البدع؛ لأنه لم يكن معروفاً في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه. وهو من الشرك لأن كل في أمر من الأمور أنه سبب ولم يكن سبباً شرعياً فإنه قد أتى نوعاً من أنواع الشرك )(5) وللرد عليه نقول : أولاً : فأما كون التوسل بدعة لأنه لم يكن معروفا في عهد النبي فهذا إفتراء جلي فقد ورد في مسند أحمد ، روي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله]وَسَلَّمَ) فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ فَهُوَ خَيْرٌ فَقَالَ ادْعُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِيَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي لِي اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ"(1) كما أورده الترمذي في سننه و(قال هذا حديث حسن صحيح ،وقال الشيخ الألباني : صحيح)(2). وأسلوب التوسل غاية في الوضوح في الدعاء المذكور ، وهل توجد أوضح من العبارات (أتوجه اليك بنبيك ، يا محمد إني توجهت بك ) للدلالة على التوسل ؟! وقد رد إبن تيمية الاحتجاج بهذا الحديث الشريف في قوله : " السؤال به (أي بالمخلوق) فهذا يجوزه طائفة من الناس ، لكن ما روى عن النبي صلى الله عليه سلم في ذلك كله ضعيف بل موضوع ، وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة ، إلا حديث الاعمى لا حجة لهم فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته ، وهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء ، وقد أمره النبي أن يقول : (اللهم شفعه في) ، ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله) (3) وللرد عليه نقول : أولاً : قوله : " كله ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا . . ." عارٍ عن الصحة وقد رد عليه صاحب كتاب محق التقول في مسألة التوسل بقوله : " سيأتي إن شاء الله تعالى الرد على هذا الكلام في تخريج الاحاديث ، ففيها الصحيح والحسن والضعيف عند أئمة هذا الشأن ووفق قواعد الفن "(4) وقد نأينا عن ذكر التفصيل روماً للإختصار(5) كما إن صاحب كتاب «التوصل إِلى حقيقة التوسل» الذي يعد من أشد المعارضين لموضوع التوسل كان قد أورد ستة وعشرين حديثاً من كتب ومصادر مختلفة تتحدث عن جواز التوسل، وعلى الرغم من إنه طعن بإسنادها جميعاً إلاّ إن الروايات متى ما كانت كثيرة في موضوع معين لدرجة التواتر فإنها تقطع الطريق أمام كل طاعن ، ولا تُبقي عندئذٍ مجالاً للتجريح في سندها كما هو معلوم)(1) رضا الله غايتي, [٢٩.٠٤.٢١ ١٣:٣٤] ثانياً : أما قوله : (إلا حديث الاعمى لا حجة لهم فيه فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته وهو طلب عن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء ، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول : (اللهم شفعه في) ، ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ) فقد بذل فيه جهداً كبيراً لتفريغه من دلالته على التوسل بالنبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) إلا إنه لم يفلح البتة ؛ وذلك لأن الحديث ظاهر الدلالة على التوسل به (صلى الله عليه وآله) ،والقول بأنه توسل بدعاء النبي إنما هو مصادرة للنص وإستغفال فهم القاريء. وعلى الرغم من إن الحديث الشريف يدور حول الدعاء إلا إنه ما من منصف يمكنه القول أن الدعاء الوارد فيه يخلو من التوسل إطلاقاً . وعليه فإن تعليمه (صلى الله عليه وآله) للضرير دعاءً فيه توسل بالذوات أدل دليل على مشروعية التوسل بالذوات، بل وإستحبابه لأن الدعاء الذي يؤمل قبوله وإستجابته هو الدعاء المتضمن التوسل به (صلى الله عليه وآله ) كما هو واضح. ثالثاً : صرح العديد من العلماء التابعين لمدرسة الصحابة بجواز التوسل بالأنبياء والصالحين أحياءً وأمواتاً كما جاء ذلك في كتاب محق التقوّل في مسألة التوسل (وأما من جهة المعقول فإن أمثال الإمام فخر الدين الرازي والعلامة سعد الدين التفتازاني والعلامة السيد الشريف الجرجاني وغيرهم من كبار أئمة أصول الدين الذين يفزع اليهم في حل المشكلات في أصول الديانة : قد صرحوا بجواز التوسل بالأنبياء والصالحين أحياءً وأمواتاً ، وأي ضعيف يستطيع أن يرميهم بعبادة القبور ، والدعوة إلى الإشراك بالله ، وإليهم تفزع الأمة في معرفة الإيمان والكفر ، والتوحيد والإشراك ، والدين الخالص)(2) وقد تقدم الحديث عن التوسل بذاته المقدسة (صلى الله عليه وآله) في حياته وأما بعد مماته فقد نقل «السمهودي» حديثاً في جواز التوسل به (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته، حيث يذكر أن صاحب حاجة جاء في زمن عثمان إِلى قبر النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجلس بجوار القبر ودعا الله بهذا الدعاء: «اللّهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الرحمة، يا محمّد إِنّي أتوجه بك إلى ربّك أن تقضي حاجتي». ثمّ يضيف «السمهودي» إِنّه لم تمض فترة حتى فضيت حاجة الرجل(1). ولم يقتصر بعض العلماء على القول بجواز التوسل به (صلى الله عليه وآله) في حياته أو بعد مماته بل وقالوا بجواز التوسل به قبل ولادته أيضاً ، وقد أورد ذلك العالم السنّي المشهور «السمهودي» في كتابه (وفاء الوفا) مستشهداً بتوسل النبي آدم (عليه السلام) به (صلى الله عليه وآله) حيث يقول : ( وذلك لعلم آدم بأنّ هذا النّبي سيأتي إِلى الوجود في المستقبل، ولعلمه بالمنزلة العظيمة التي يحظى بها عند الله، فيقول آدم: «ربّ إِنّي أسألك بحق محمّد لما غفرت لي»(2). ومن العلماء الذين أشتُهِرَ عنهم أنهم كانوا يتوسلون بأهل البيت (عليهم السلام) الإِمام «الشافعي»، وهو أحد أئمّة السنّة الأربعة المشهورين وقد نقل عنه ذلك «القندوزي» صاحب كتاب «ينابيع المودة » مستشهداً بقوله : آل النّبي ذريعتي وهم إِليه وسيلتي أرجو بهم أعطى غداً بيد اليمين صحيفتي(3) رابعاً : وأما إستدلاله بعدم كون حال العميان كحال ذلك الأعمى فيما لو توسلوا به (صلى الله عليه وآله) على أن الله (تعالى) قد ردّ على الأعمى بصره بدعاء النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) لا بتوسل الأعمى به (صلى الله عليه وآله) بقوله : " ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله " ، فهو إستدلال باطل ؛ وذلك لأن التوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله) إنما هو دعاء بجاهه وبشأنه وبمقامه عند الله (تعالى) وليس كل دعاء مستجاب كما هو معلوم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) التفسير الأمثل ج3 ص686 (2) المائدة 35 (3) الاسراء 57 (4) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص 164- 168 . (5) مجموع رسائل وفتاوى إبن عثيمين ج2 ص273 (1) مسند أحمد ج35 ص109 (2) سنن الترمذي ج5 ص56 (3) التوسل والوسيلة ص65 (4) محق التقول في مسألة التوسل للإمام العلامة الفقيه محمد زاهد الكوثري ص5 (5) ومن أراد التفصيل فليراجع الكتاب المذكورص11 وما بعدها (1) التوصل الى حقيقة التوسل ج1 ص193 وما بعدها .. محق التقوّل في مسألة التوسل للإمام العلامة الفقيه محمد زاهد الكوثري ج1 ص4 (1) وفاء الوفاء، ص 1373. (2) المصدر السابق، ج 3، ص 1371 (3) ينابيع المودة ج2 ص446

اخرى
منذ سنة
392

زيارةُ القبورِ طاعةٌ لله لا شركٌ به(10)

زيارةُ القبورِ طاعةٌ لله لا شركٌ به(10) بقلم: رضا الله غايتي الفصل الثاني ثالثًا: الحديثُ الشريفُ –بدلالته على عدم جواز شدِّ الرحال إلى ما سوى المساجد الثلاثة- يُعارضُ السُّنةَ القوليةَ والفعليةَ وفعلَ الصحابةِ: أولًا: معارضته السُنّةَ القولية: روي عنه (صلى الله عليه و[آله] وسلم) أنّه قال: "من زارَ قبري وجبتْ له شفاعتي"(1) على الرغم ممّا أورده الوهابية من إشكالاتٍ على هذه الرواية تصبُّ في دائرة سندها غير أنّ الكثير من العلماء حسنّوه وصحّحوه؛ إذ (قال ابن الملقّن حوله: وَهَذَا إِسْنَاد جيد، وحسّنه السیوطي قائلًا: وله طرق وشواهد حسّنه الذهبي لأجلها، وحسّنه الصالحي الشامي وصحّحه أیضًا؛ لکثرةِ الطرقِ والشواهد. ویعتقدُ الزرقاني المالکي أنّ هذه الروایة حسنة أو صحیحة؛ لأنّ فیها کثرة الطرق والشواهد، وصحّحها عبدالحقّ والسبکي وابن السکن، ویعتقد الملا علي القاري أنّ هذه الروایة حسنة أو صحیحة: (فيما رواه ابن خزيمة والبزار والطبراني وله طرقٌ وشواهدُ حسّنه الذهبي لأجلها (قال النبي (صلى الله (تعالى) عليه وآله وسلم): "من زار قبري وجبت له شفاعتي" أيّ حقّتْ وثبتتْ، وفي روايةٍ حلّت رواه الدارقطني وغيره وصححه جماعة من أئمة الحديث (وعن أنس بن مالك قال: قال رسولُ الله (صلى الله (تعالى) عليه وآله وسلم): "من زارني في المدينة محتسبًا") وحسّن العلامة اللکنوي هذه الروایة للشواهدِ والطرقِ المتعددة وقال: إنّ ابن تیمیة أخطأ في قوله هذه الروایات ضعیفة أو موضوعة، وقال في الرفع والتکمیل: من قال إنّ هذا الحدیث ضعیفٌ فهو ضالٌّ)(2) ورويَ عنه (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أنّه قال: "من جاءني زائرًا لا تحملُه حاجةٌ إلا زيارتي كانَ حقًّا عليّ أنْ أكونَ له شفيعًا يومَ القيامة"(3) ، وفي لفظٍ آخر: "لا تعمله إلا زيارتي"، وفي آخر: "لم تنزعه حاجة إلاّ زيارتي"، وفي رابع: "لا ينزعه إلا زيارتي" هذه الرواية هي الأخرى لم تسلمْ من سهامِ حقدِ النواصبِ الوهابيين الذين آلوا على أنفسهم إلّا يتركوا سندًا شرعيًا لزيارة قبرِ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) فضلًا عن زيارةِ سائرِ القبور إلا ووصموها بالضعفِ أو الوضع، بلغَ ما بلغَ رواتُها من الكثرةِ العددية ومن الثقل العلمي. وقد روى هذه الروايةَ وصحّحَ سندَها الكثيرُ من عُلماءِ العامة منهم: (الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان السكن البغدادي في كتابه «السن الصحاح»، والحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير، والحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم المقري الإصبهاني في معجمه، والحافظ أبو الحسن الدارقطني في أماليه، القاضي أبو الحسن علي بن الحسن الخلعي الشافعي صاحب «الفوائد»، وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي الشافعي، في «إحياء العلوم»، والحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي، والحافظ يحيي بن علي القرشي الأموي المالكي، والحافظ أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد في كتابه، وتقي الدين السبكي الشافعي حيث فصل القول في طرق هذا الحديث، وأخرجه من طرق شتي وصححه في «شفاء السقام»، والسيد نور الدين علي بن عبداللّه الشافعي القاهري السمهودي، في «وفاء الوفاء» ذكره من طرق شتي، وأبو العباس شهاب الدين القسطلاني، في «المواهب اللدنية»، والشيخ محمد الخطيب الشربيني المتوفي في «مغني المحتاج»، والشيخ عبدالرحمن شيخ زاده المتوفي سنة (1078 ه)، في «مجمع الأنهر»)(4) ولا يُعقلُ أنْ يزورَ الزائرُ النبيَّ الأعظمَ (صلى الله عليه وآله) بقصدِ زيارتِه، بل ولا همَّ له في سفرِه إلا زيارته (صلى الله عليه وآله) ما لم يشدّ إلى قبرِه الشريفِ (صلوات الله عليه وآله) الرحال، ممّا يدلُّ على جوازِ شدِّ الرحالِ إلى ما سوى المساجدِ الثلاثة، بل واستحبابِه والحثِّ عليه. وبذا تكونُ هاتان الروايتان مُعارضتين لدلالةِ الحديثِ على عدمِ جوازِ شدِّ الرحالِ إلى ما سوى المساجد الثلاثة. ثانيًا: مُعارضته السُنّةَ الفعلية: روى أصحابُ الصحاح والسُنن: «كانَ رسولُ الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يأتي مسجد قباء راكبًا وماشيًا فيُصلّي فيه ركعتين"(5) وروى البخاري في صحيحه(6) : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يأتي مسجد قبا كلّ سبتٍ ماشياً وراكباً ، وأنّ ابن عمر كان يفعل كذلك. ورويَ عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «من خرجَ حتّى يأتي هذا المسجدَ ـ مسجد قبا ـ فصلّى فيه كانَ له عدلُ عُمرة»(7) ثالثًا: مُعارضته فعلَ الصحابة: بالإضافةِ إلى معارضة هذا الحديث السنة النبويّة المطهّرة بشقيها القولي والفعلي، فإنّه معارضٌ لفعلِ صحابةِ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد روى ابنُ عساكر: "لمّا رحلَ عمر من فتحِ بيتِ المقدس، فصارَ إلى جابيةٍ سأله بلالٌ أنْ يُقرَّه بالشام ففعل. قال: ثم أنّ بلالًا رأى في منامه النبيَّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وهو يقولُ له: ما هذه الجفوةُ يا بلال، أما آنَ لك أنْ تزورني يا بلال. فانتبهَ حزينًا وجلًا خائفًا، فركبَ راحلتَه وقصدَ المدينةَ فأتى قبرَ النبيَّ (صلى الله عليه [وآله]) فجعلَ يبكي عندَه ويُمرِّغَ وجهَه عليه،...."(8) وفي فتوح الشام: أنّ عمرَ لمّا صالحَ أهلَ بيتِ المقدس وقدمَ عليه كعبُ الأحبار وأسلمَ وفرحَ بإسلامه قال له: هل لك أنْ تسيرَ معي إلى المدينةِ وتزورَ قبرَ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وتتمتّعَ بزيارته؟ فقال: نعم أنا أفعلُ ذلك، ولمّا قدِمَ عمرُ المدينةَ كانَ أولُ ما بدأَ بالمسجدِ وسلَّمَ على رسولِ اللهِ (صلى الله عليه [وآله] وسلم)(9) المطلب الثاني مُناقشةُ دليلِ ابن تيمية: استند ابن تيمية إلى الحديثِ المُتقدِّمِ في إفتائه بحُرمةِ شدِّ الرحالِ إلى المشاهدِ قائلًا: (وهذا النهيُّ يعمُّ السفرَ إلى المساجدِ والمشاهد، وكُلَّ مكانٍ يُقصَدُ السفرُ إلى عينِه للتقرُّبِ؛ بدليل أنّ بصرةَ بن أبي بصرة الغفاري لما رأى أبا هريرة راجعًا من الطورِ الذي كلَّمَ اللهُ عليه موسى قال: لو رأيتُك قبلَ أنْ تأتيَه لم تأتِه؛ لأنّ النبيَّ (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا تشدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجد) ، فقد فهِمَ الصحابي الذي روى الحديثَ أنَّ الطورَ وأمثالَه من مقاماتِ الأنبياءِ مُندرجةٌ في العموم، وأنّه لا يجوزُ السفرُ إليها كما لا يجوزُ السفرُ إلى مسجدٍ غيرِ المساجدِ الثلاثة، وأيضًا فإذا كانَ السفرُ إلى بيتٍ من بيوتِ الله غير الثلاثة لا يجوزُ مع أنَّ مقصدَه لأهلِ مصر يجبُ تارةً ويُستحبُّ تارةً أخرى، وقد جاءَ في قصدِ المساجدِ من الفضلِ ما لا يُحصى فالسفرُ إلى بيوتِ عبادِه أولى ألّا يجوز)(10) ويؤاخَذُ على حديثِه المُتقدِّم أمورٌ: أولًا: قطعُه بالنهي عن شدِّ الرحالِ إلى سوى المساجدِ الثلاثةِ، على حين أنَّ النهيَ الواردَ في الحديثِ نهيٌّ إرشاديٌ؛ بسبب انعدامِ الجدوى، وليس نهيًا تحريميًا كما تقدّم. وعليه فمتى ما توفرتِ الجدوى جازَ شدُّ الرحالِ كما في شدِّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الرحالَ إلى مسجدِ قباء مرارًا، وأيُّ جدوى هي أعظمُ من شفاعةِ الرسولِ الأكرم (صلى الله عليه وآله) حينما قالَ: "من زارني وجبتْ له شفاعتي"؟! ثانيًا: قياسُه شدَّ الرحالِ إلى قبورِ الأنبياء والأولياء على شدِّ الرحالِ إلى عامّةِ المساجدِ قياسٌ باطلٌ، لا سيما لخصوصيةِ عدم جدوى شدِّ الرحالِ إلى الأخيرةِ؛ لانعدامِ الفائدةِ المُترتبةِ على ذلك، بل وقد يترتب عليه العناءُ أيضًا، وأما شدُّ الرحالِ إلى قبورِ الأنبياءِ والأولياءِ لا سيما قبر الرسولِ الاكرم (صلى الله عليه وآله) فعلى العكسِ تمامًا؛ لما يترتبُ عليها من الثوابِ العظيمِ والأجر الكريم. ثالثًا: قوله: "وهذا النهيُّ يعمُّ السفرَ إلى المساجدِ والمشاهد، وكُلَّ مكانٍ يُقصَدُ السفرُ إلى عينِه للتقرُّب..." لا ينطبقُ على زيارةِ قبورِ الأنبياء والأولياء؛ وذلك لأنّ شدَّ الرحالِ والسفرِ إلى أماكنِ قبورهم (عليهم السلام) ليسَ لعِلّةِ موقعِ القبرِ نفسِه ولا يُقصَدُ به تعظيمًا للمكانِ المقصودِ بذاته، وإنّما هو تعظيمٌ للمزورِ نفسِه، وما تعظيمُ المكانِ إلا تبعًا لتعظيمِ المكين. المطلب الثالث الأدلةُ الواردةُ على جوازِ شدِّ الرحالِ واستحبابه أولًا: لقد ثبتَ في الرواياتِ الصحيحةِ السند استحبابُ زيارةِ قبرِ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبورِ الأئمةِ الطاهرين وبعضِ الصالحين كالقاسم بن الإمام الرضا (عليهم السلام). وبما أنّ بينَ أداءِ الزيارةِ ومُقدِّمتِها (شدُّ الرحال إليها) مُلازمةٌ عقلية؛ إذ لا يُمكِنُ عقلًا أنْ تتحقّقَ الزيارةُ ما لم يتمُّ السفرُ إلى قبرِ المزور، وبما أنّ أكثرَ الفقهاءِ يرون أنّ المُقدّمةَ التي يتوقّفُ عليها فعلُ الواجبِ واجبةٌ أيضًا إمّا للمُلازمةِ العقليةِ المحضةِ بينهما، أو للقاعدةِ الفقهيةِ المشهورة: «ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ». وعند تطبيق هذا الكلام على المُلازمةِ العقليةِ الثابتةِ بينَ المُستحبِ ومُقدّمتِه التي يتوقّفُ عليها، نجدُ أنّ أكثرَ الفقهاءِ قالوا: إنّ المقدمةَ التي يتوقّفُ عليها الحكمُ المُستحبُّ هي مُستحبّةٌ أيضًا؛ تبعًا للقولِ بأنّ المُتلازمين تلازُمَ العلّةِ والمعلول يجبُ أنْ يأخذا حكمًا متماثلًا.. وبما أنّ شدَّ الرحالِ مُقدِّمةٌ يتوقّفُ عليها الفعلُ المُستحبُّ وهي الزيارةُ، إذن هي مُستحبةٌ أيضًا، ومن ثم فإنّ شدَّ الرحالِ ليس بالأمرِ المُباحِ وحسب، بل هو مُستحبٌ أيضًا.. ثانيًا: إنَّ نفسَ شدِّ الرحالِ بقصدِ زيارةِ قبرِ النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمةِ (عليهم السلام) والصالحين يُعدُّ من القُرُباتِ؛ وذلك للأسبابِ الآتية: 1 ـ للنصِّ على استحبابِ زيارةِ قبر النبي (صلى الله عليه وآله) –كما تقدّم-وبما أنَّ الزيارةَ لا بُدّ وأنْ تتضمّنَ شدَّ الرحال؛ لاستدعائها الانتقال إلى مكانِ المزورِ، وعليه يُستحبُّ السفرُ وشدُّ الرحال. 2 ـ لأنّ بعضَ النصوصِ حثّتْ على السفرِ بقصدِ الزيارة، كما في قولِه (تعالى): "وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)"(11) فالمجيءُ إلى الرسولِ (صلى الله عليه وآله) هو ما حثّتْ عليه الآيةُ المباركةُ، وهو ما تعلّقتْ به التوبة؛ وذلك لأنَّ اللهَ (تعالى) لم يطلبْ منهم الاستغفارَ وحدَه أو التوبةَ بمُفردِها، بل طلب منهم أولًا المجيءَ إلى الرسولِ (صلى الله عليه وآله) ثمَّ الاستغفارِ بحضرتِه ليستغفرَ لهم هو (صلى الله عليه وآله). ولا يُتصوّرُ أنَّ الحثَّ على المجيء إلى الرسولِ (صلى الله عليه وآله) مُقتصرٌ على حياتِه كما ادّعى البعض، بل هو شاملٌ لما بعدَها كما في روايةِ أميرِ المؤمنين علي (عليه السلام): "إنّ رسولَ الله (صلى الله عليه واله) قال: من زارَ قبري بعد موتي كانَ كمن هاجرَ إليّ في حياتي، فمن لم يستطعْ زيارةَ قبري فليبعثْ إليّ بالسلامِ فإنّه يبلغُني"(12) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)الجامع الصغير، السيوطي، ج2، ص605 (2)الوهابية(الموقع التخصصي لدراسات الفكر الوهابي والتيارات السلفية)، الأسئلة، تحقیق سند الروایة «من زار قبري وجبت له شفاعتي»، تاريخ التسجيل 1/11/2020 (3) المعجم الكبير، الطبراني، ج 12 ص 225 ح 13149، (4)بحوث في الملل والنحل، الشيخ جعفر السبحاني، ج٤، ص159 ومابعدها. (5)مسند أحمد ج10 ص488 ، السنن الكبرى ج5 ص248 (6) صحيح البخاري، ج ٢، الصفحة ٥٧ (7) المصدر السابق، ج1، ص206 (8) أسد الغابة : ج1 ص208 ، تهذيب المطالب ج2 ص408 ، شفاء السقام ص85 نقلا عن روافد الايمان الى عقائد الاسلام الشيخ نجم الدين الطبسي ص104 (9)وفاء الوفاء ج4 ص1357 نقلا عن روافد الايمان الى عقائد الاسلام الشيخ نجم الدين الطبسي ص105 (10) اقتضاء الصراط ج2، ص64 (11) النساء 64 (12) بحار الانوار ج96 ص379

اخرى
منذ سنة
638

زيارةُ القبورِ طاعةٌ للهِ لا شركٌ به(11)

زيارةُ القبورِ طاعةٌ للهِ لا شركٌ به(11) بقلم: رضا الله غايتي الفصل الثاني المبحث الثاني: شُبهةُ تحريمِ الاستشفاعِ والتوسُلِ والاستغاثةِ بالأنبياءِ والأئمةِ (عليهم السلام) من المسائلِ الاعتقاديةِ -التي حصدَ أتباعُ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) نتيجةَ اعتقادِهم بها التكفيرَ والاتهامَ بالشركِ- هي مسألةُ الاستشفاعِ والتوسُلِ والاستغاثةِ بالأنبياءِ والأئمةِ (عليهم السلام). وعلى الرغمِ من أنَّ هذه المفاهيمَ الثلاثةَ مُتقاربةٌ في المعنى إلا أنّ الوهابيين قد استندوا إلى مُستنداتٍ مُختلفةٍ في حُكمِهم بالتكفيرِ على القائمِ بأيٍّ منها؛ ولذا كانَ من الأجدى أنْ نُفرِدَ لكُلٍّ منها مطلبًا خاصًا به يُناقشُ ذلك المُستند. المطلب الأول شُبهةُ تحريمِ الاستشفاعِ بالأنبياءِ والأئمةِ (عليهم السلام) الشفاعة: هي توسيطُ بعضِ الأسبابِ لبلوغِ الغايةِ المرجوّة، وتنقسمُ إلى قسمين: شفاعةٍ تكوينيةٍ، ولم يُختلَفْ فيها بينَ العُلماءِ، مثل توسيطِ سببِ شربِ الماءِ لبلوغِ غايةِ رفعِ العطش. وشفاعةٍ تشريعيةٍ، وهي الشفاعةُ التي اختُلِفَ فيها، ومفادُها توسيطُ المؤمنِ مَنْ منحَهم اللهُ (تعالى) منزلةَ الشفاعةِ لتحقيقِ غايتِه التي تتمثَّلُ في دفعِ ضررٍ أو جلبِ نفع. ويرى ابنُ تيمية أنَّ الاستشفاعَ بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) لا يعدو أن يكونَ خصوصَ استجلابِ دُعائه، وقالَ بجوازِه خلالَ حياتِه (صلى الله عليه وآله) المُباركةِ فقط، وأما بعدها فعدَّه من الأدعيةِ البِدعيةِ؛ وذلك عندَ حديثِه عن أنواعِ الأدعيةِ غيرِ الشرعيةِ في كتابه (قاعدة جليلة في التوسُلِ والوسيلة) حيثُ قال: "الثانية: أنْ يُقالَ للميّتِ أو الغائبِ من الأنبياءِ والصالحين: ادعُ اللهَ لي، أو ادعُ لنا ربَّك، أو اسألِ اللهَ لنا ...، فهذا أيضًا لا يستريبُ عالمٌ أنّه غيرُ جائزٍ، وأنّه من البِدَعِ التي لم يفعلْها أحدٌ من سلفِ الأُمّة" وعلى الرغمِ من أنّ ابنَ تيمية وصفَ الاستشفاعَ بالأمواتِ من الأنبياءِ والصالحين بالابتداعِ مثلما تقدّم ومثلما سيأتي في الحُجّةِ الأولى، بيدَ أنّه -كما نُقِلَ عنه- وعن بعضِ الوهابيين قد شدّدوا من حُكمِهم على المُستشفِعِ ورفعوه إلى مستوى الشركِ باللهِ (تعالى) كما سيأتي في الحُجّةِ الثانية. وللردِّ على هذه الشُبهةِ لا بُدّ من عرضِ أبرزِ حُجَجِهم التي استندوا عليها ومُناقشتها، وهي: الحُجّة الأولى: تحرمُ شفاعةُ الأنبياءِ والأولياءِ؛ لأنّهم أموات. قالَ ابنُ تيمية: "أما الميّتُ من الأنبياءِ والصالحين وغيرِهم، فلم يُشرَعْ لنا أنْ نقولَ: اِدعُ لنا، ولا اسألْ لنا ربَّك، ولم ينقُلْ هذا أحدٌ من الصحابةِ والتابعين ولا أمرَ به أحدٌ من الأئمةِ ولا وردَ في حديث"(1) وللردِّ عليها نقولُ: أولًا: إنْ كانَ المقصود هو المنعَ لكونِهم (عليهم السلام) ميتين، والميّتُ بمنزلةِ المعدوم فلا يصحُّ خطابُه أو السلامُ عليه أو سؤالُه أو طلبُ الشفاعةِ منه. فجوابه: أنه قد أثبتتْ رواياتٌ عديدةٌ حياةَ الرسولِ الأكرمِ (صلى الله عليه وآله) بعدَ مماتِه، بل وحياتَهم جميعًا، منها ما رويَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه [وآله] وسلم): "أَكْثِرُوا الصَّلاَةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ الْمَلاَئِكَةُ، وَإِنَّ أَحَدًا لَنْ يُصَلِّيَ عَلَيَّ إِلاَّ عُرِضَتْ عَلَيَّ صَلاَتُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا" قَالَ: قُلْتُ: وَبَعْدَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: وَبَعْدَ الْمَوْتِ، إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ، فَنَبِيُّ اللهِ حَيٌّ يُرْزَقُ"(2) قال القسطلاني: "ولا شكَّ أنَّ حياةَ الأنبياءِ (عليهم الصلاة والسلام) ثابتةٌ معلومةٌ مستمرةٌ، ونبيُّنا أفضلُهم، وإذا كانَ كذلك فينبغي أنْ تكونَ حياتُه أكملَ وأتمَّ من سائرِهم"(3) ثانيًا: ادّعى ابن تيمية أنه لم يطلبْ أحدٌ من الصحابةِ والتابعين الدُعاءَ من النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولم يسأله أحدٌ، ولم يأمرْ بذلك أحدٌ من الأئمة، ولم يردْ في حديث. وهذا كذبٌ واضحٌ؛ إذ وردَ عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار قال: "وكان خازنُ عمر على الطعامِ قال: أصابَ الناسَ قحطٌ في زمنِ عمر فجاءَ رجلٌ إلى قبرِ النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فقال: يا رسولَ اللهِ استسقِ لأُمّتِك؛ فإنّهم قد هلكوا، فأُتيَ الرجلُ في المنام فقيلَ له: ائتِ عمرَ فأقرأه السلامَ، وأخبره أنّكم مسقيّون، وقُلْ له: عليكَ الكيس عليكَ الكيس، فأتى عمرَ فأخبرَه فبكى عمرُ ثم قال: يا ربِّ لا آلو إلا ما عجزتُ عنه(4). وقال الحافظُ في (الفتح): "وقد روى سيفٌ في الفتوح أنّ الذي رأى المنامَ المذكورَ هو بلالٌ بن الحارث المزني أحدُ الصحابة(5) وقال عنه: إسنادُه صحيحٌ، وقد صحّحه الحافظان ابن كثير في "البداية(7 / 101)"، وابن حجر في "الفتح(2 / 495)"، وقال ابنُ كثير في جامعِ المسانيد -مسند عمر (1 / 223): إسنادُه جيّدٌ قوي، كما أقرَّ ابنُ تيمية بثبوته في اقتضاء الصراط المستقيم (ص 373)). (6) إذن فالرسولُ الأكرمُ (صلى الله عليه وآله) بعدَ مماتِه وهو في حياةِ البرزخ يسمعُ الخطابَ الموجّهَ إليه، ويردُّ الجوابَ، بل ويدعو اللهَ (تعالى) لأُمّته بالخير، وعليه فلا مانعَ من طلبِ الشفاعةِ أو الدُعاء منه. الحُجّةُ الثانية: التشابُهُ بين القائلين بالشفاعةِ وبين الكفار. صرّحَ بذلك الشيخُ «سليمان بن لحمان» في كتابه «الهدية السنية» حيثُ قال: "إنَّ الكتابَ والسُنّةَ دلّا على أنّ من جعلَ الملائكةَ والأنبياءَ أو ابنَ عباس أو أبا طالب أو ... وسائطَ بينهم وبينَ اللهِ ليشفعوا لهم عندَ اللهِ؛ لأجلِ قُربِهم إلى الله -كما يُفعَلُ عندَ الملوك- أنّه كافرٌ مُشركٌ حلالُ الدمِ والمال! وإنْ قالَ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، مُحمّدٌ رسولُ الله، وصلّى وصام"(7). كما جاءَ في كتابِ التوضيح والتتمات على كشفِ الشُبهات ما نصُّه: (الإجماعُ الأول: نقله ابنُ تيمية وهو من جعلَ بينَه وبينَ اللهِ وسائطَ يتوكّلُ عليهم ويدعوهم ويسألُهم الشفاعةَ كفرَ إجماعًا؛ لأنَّ ذلك كفعلِ عابدي الأصنام القائلين: {ما نعبدهم إلاّ ليُقرِّبونا إلى اللهِ زُلفى}، واسم (وسائط) عام يشملُ هذه الصورةَ؛ لأنّه جعل الرسول أو الولي المقبور واسطةً يدعو له)(8) وللردِّ عليه نقول: إنه لا تشابُهَ البتّة بينَ المشركين وبين المؤمنين بالشفاعةِ للأسبابِ التالية: أوّلًا: ذكرَ اللهُ (تعالى) الشفاعةَ في القرآنِ الكريم صراحةً، ومنحَ منزلتَها لجمعٍ من الأنبياء (عليهم السلام) والصالحين والملائكة، ووضعَ لها قيودًا أهمّها: أنْ تكونَ بإذنِه (عزّ وجل)، أي أنْ تكونَ لمن ارتضى، وليسَ من المعقولِ إطلاقًا أنْ يكونَ اللهُ (تعالى) بعدَ كُلِّ هذا التصريحِ بها وذكرِ قيودِها وبيانِ شروطِها أنْ يكونَ قد نهى عنها أو نسخَها دونما ناسخٍ واضحٍ من آيةٍ مباركةٍ أو روايةٍ شريفة. ثانيًا: ذكرَ القرآنُ الكريمُ بعضَ مصاديق طلبِ الشفاعةِ ولم يستنكرْها أو يستقبحْها كما في طلبِ إخوةِ النبيّ يوسف (عليه السلام) من أبيهم يعقوب (عليه السلام) أنْ يستغفرَ لهم، فلم يرفضِ النبيُّ يعقوبُ (عليه السلام) ذلك أو ينهاهم عنه بل "قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)" (9). وهذا دليلٌ واضحٌ على مشروعيةِ الاستشفاع، وأنّه ليس بكُفرٍ ولا شرك، وإلا فما الفرقُ بين الاستشفاعِ برسولِ الله (صلى الله عليه وآله) بعبارة: "اِشفعْ لنا عندَ الله" وبين عبارة إخوةِ يوسف (عليه السلام) إذ قالوا لأبيهم: "قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ(97)"(10). بل إنَّ القرآنَ يُصرِّحُ: "وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)"(11) ثالثًا: لا يوجدُ أدنى تشابُهٍ بين المشركين من عَبَدَةِ الأصنام وبينَ الموحّدين المؤمنين بالشفاعةِ بإذنِ الله (تعالى)، فالمشركون كانوا يعبدون الأصنامَ بكُلِّ معنى كلمةِ العبادة، ويجعلونها بمنزلةِ اللهِ (تعالى)، قال (سبحانه) على لسانِهم: "تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98)"(12)، بل ويعجبون من عبادةِ اللهِ (جلّ جلاله) وحدَه: "أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ(5)"(13) على حين أنَّ المسلمين المؤمنين بالشفاعةِ لا يعبدون شُفعاءهم إطلاقًا، بل ولا يخطرُ ذلك في ذهنِهم أبدًا، وهم موحِّدون يطلبونَ الشفاعةَ امتثالًا لشرعِه (تعالى) واعتقادًا منهم بأنّه (تعالى) هو الذي منحَهم منزلةَ الشفاعةِ ولا يشفعونَ لأحدٍ إلا بإذنِه (جلّ وعلا). رابعًا: (إنّ الإنكارَ [إنكارَ اللهِ شفاعةَ الأصنام] ليس إنكارًا للوسيلةِ بما هي وسيلة، بل بما هي مُقتَرحةٌ ومُخترَعةٌ من قِبَلِ العبيد، وأمّا إذا كانتِ الواسطةُ بجعلٍ من اللهِ (تعالى ) وإرادتِه وتحكيمًا لسلطانه، فلا محالةَ يكونُ التوسّلُ والخضوعُ لتلك الوسيلةِ طاعةً للباري (تعالى)؛ لأنّه يكونُ انقيادًا له (تعالى) على وجهِ الرغبةِ والخضوعِ، وأنّه مصدرُ الخيراتِ مبدأً وأصالةً، فأيُّ فعلٍ يكونُ مُنطلقُه من أمرِ اللهِ (عزّ وجلّ) لا يكونُ شركًا، وإنْ كانَ ذلك الفعلُ بالتوجُّهِ والتوسُّلِ بالوسائط)(14). وعليه فإنّ الاستشفاعَ بالأنبياءِ والأوصياء (عليهم السلام) والصالحين ليس شركًا، بل هو طاعةٌ للهِ (عزّ وجلّ) وانقيادٌ لشرعِه المقدّس. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات ص74 (2) المسند الجامع ج14 ص194 (3) المواهب اللدنية ج3 ص314 (4) مصنف ابن أبي شيبة ج6 ص356، كما (أخرجه من هذا الوجه ابن أبى خيثمة كما في "الإصابة" (3 / 484)، والبيهقي في "الدلائل" (7 / 47)، والخليلي في "الإرشاد"(1 / 313 - 314)، وابن عبد البر في "الاستيعاب"(2/ 464) (5) الفتح ج2 ص495 (6) رفع المنارة ج1 ص203 (7) الهدية السنية ص66 (8) كتاب التوضيح والتتمات على كشف الشبهات ج1 ص113 (9) يوسف 98 (10) يوسف 97 (11) النساء 64 (12) الشعراء 97 ـ 98 (13) ص 5 (14) الإمامة الإلهية ج2 ص86

اخرى
منذ سنة
1044

زيارة القبور طاعة لله لا شرك به (12)

زيارةُ القبورِ طاعةٌ للهِ لا شركٌ به(12) بقلم: رضا الله غايتي الفصل الثاني المبحث الثاني: شُبهةُ تحريمِ الاستشفاعِ والتوسُلِ والاستغاثةِ بالأنبياءِ والأئمةِ (عليهم السلام) المطلب الثاني: شُبهةُ تحريمِ التوسُّلِ بالأنبياءِ والأولياء التوسُّل: هو اتخاذُ الوسيلةِ للوصولِ إلى المُبتغى، والتوسُّلُ إلى اللهِ (تعالى) هو التقرُّبُ إليه بواسطةِ وسيلةٍ ما. و(الوسيلةُ في الأصلِ بمعنى نشدانِ التقرُّبِ أو طلبِ الشيء الذي يؤدّي إِلى التقرُّبِ للغير عن ميلٍ ورغبة)(1). وقد ذُكِرتْ كلمةُ الوسيلة مرّتين في القرآنِ الكريم؛ وردَ الحثُّ عليها في إحداهما في قوله (تعالى): "يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)"(2)، ومدحَ اللهُ (تعالى) من يبتغيها إليه في الأخرى كما في قوله: "أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)"(3) والوسيلةُ التي تُقرِّبُ إلى اللهِ (تعالى) قد تكونُ الإيمانَ أو العملَ الصالحَ أو ما إلى ذلك من طاعاتٍ، وقد تكونُ شفاعةَ الأنبياءِ والأئمّةِ والأولياءِ الصالحين، وكذلك اتّباعَهم والسيرَ على نهجهم، والقسمَ على اللهِ بمقامهم الشريف ومنزلتهم الرفيعة. وقد عدَّ ابنُ تيمية التوسُّلَ بالأنبياءِ والأئمة (عليهم السلام) من البِدَعِ حيثُ قال: "أسألك بفُلانٍ أو بجاهِ فُلانٍ عندَك ونحو ذلك الذي تقدّمَ عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أنّه منهيٌ عنه، وتقدَّمَ أيضًا أنّه هذا ليس بمشهورٍ عن الصحابة ... "(4) وأما العُثيمين فقد قالَ: إنّها نوعٌ من الشركِ؛ إذ قال: (وأما القسمُ الثاني فهو التوسُّلُ بذواتِهم: فهذا ليس بشرعي، بل هو من البِدَعِ من وجه، ونوعٌ من الشركِ من وجهٍ آخر. فهو من البدع؛ لأنّه لم يكنْ معروفًا في عهدِ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وأصحابه، وهو من الشرك؛ لأنّ كُلّ في أمرٍ من الأمور أنّه سببٌ ولم يكنْ سببًا شرعيًا فإنّه قد أتى نوعًا من أنواعِ الشرك)(5) وللردِّ عليه نقول: أولًا: أمّا كونُ التوسُّلِ بدعةً؛ لأنّه لم يكنْ معروفًا في عهدِ النبي فهذا افتراءٌ جلي؛ إذ ورد في مسند أحمد: روي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله]وَسَلَّمَ) فَقَالَ ادْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَنِي. قَالَ: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ فَهُوَ خَيْرٌ. فَقَالَ: ادْعُهُ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي لِي اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ"(6) كما أورده الترمذي في سننه و(قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقال الشيخُ الألباني: صحيح)(7). وأسلوبُ التوسُّلِ غايةٌ في الوضوحِ في الدُعاءِ المذكور، وهل توجدُ أوضحُ من العبارات: (أتوجّهُ إليك بنبيّك، يا مُحمّد إنّي توجّهتُ بك) للدلالةِ على التوسُّل؟! وقد ردَّ ابنُ تيمية الاحتجاجَ بهذا الحديث الشريف في قوله: "السؤالُ به (أيّ بالمخلوق) فهذا يُجوِّزُه طائفةٌ من الناس، لكن ما رويَ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذلك كُلُّهُ ضعيفٌ بل موضوع، وليس عنه حديثٌ ثابتٌ قد يظنُّ أنّ لهم فيه حجة، إلا حديث الأعمى لا حُجّةَ لهم فإنّه صريحٌ في أنّه إنّما توسّلَ بدُعاءِ النبي (صلى الله عليه وسلم) وشفاعته، وهو طلبٌ من النبي (صلى الله عليه وسلم) الدعاء، وقد أمره النبيُّ أنْ يقول: (اللهم شفِّعه فيّ)، ولهذا ردَّ اللهُ عليه بصرَه لما دعا له النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكانَ ذلك مما يُعدُّ من آياتِ النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولو توسّلَ غيرُه من العميان الذين لم يدعُ لهم النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) بالسؤالِ به لم تكنْ حالُهم كحاله)(8) وللردِّ عليه نقول: أولًا: قولُه: " ُكلُّه ضعيفٌ، بل موضوعٌ وليس عنه حديثٌ ثابتٌ قد يظنُّ أنّ لهم فيه حُجّة إلا ..." عارٍ عن الصحةِ، وقد ردَّ عليه صاحبُ كتابِ محق التقوّلِ في مسألة التوسُّلِ بقوله: "سيأتي إنْ شاءَ اللهُ (تعالى) الردُّ على هذا الكلامِ في تخريجِ الأحاديث، ففيها الصحيحُ والحسنُ والضعيفُ عندَ أئمةِ هذا الشأنِ ووفقَ قواعدِ الفن"(9) وقد نأينا عن ذكر التفصيل رومًا للاختصار(10) كما إنَّ صاحبَ كتابَ «التوصُّلُ إِلى حقيقةِ التوسل» الذي يُعدُّ من أشدِّ المُعارضين لموضوعِ التوسُّلِ كانَ قد أوردَ ستةً وعشرين حديثًا من كتبٍ ومصادرَ مُختلفةٍ تتحدّثُ عن جوازِ التوسُّل(11)، وعلى الرغمِ من أنّه طعنَ بإسنادِها جميعًا إلا أنّ الرواياتِ متى ما كانتْ كثيرةً في موضوعٍ مُعينٍ لدرجةِ التواتُرِ فإنّها تقطعُ الطريقَ أمامَ كُلِّ طاعن، ولا تُبقي عندئذٍ مجالًا للتجريحِ في سندِها كما هو معلوم. ثانيًا: أمّا قوله: (إلا حديث الأعمى لا حُجّةَ لهم فيه فإنّه صريحٌ في أنّه إنّما توسّلَ بدعاءِ النبي (صلى الله عليه وسلم) وشفاعته وهو طلبٌ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) الدعاء، وقد أمره النبي (صلى الله عليه وسلم) أنْ يقول: (اللهم شفِّعه فيّ)، ولهذا ردَّ اللهُ عليه بصرَه لما دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) وكانَ ذلك ممّا يُعدُّ من آياتِ النبي (صلى الله عليه وسلم) فقد بذلَ فيه جُهدًا كبيرًا لتفريغِه من دلالتِه على التوسُّلِ بالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلا أنّه لم يُفلِحِ البتة؛ وذلك لأنَّ الحديثَ ظاهرُ الدلالةِ على التوسُّلِ به (صلى الله عليه وآله)، والقولُ بأنه توسُّلٌ بدعاءِ النبي إنّما هو مُصادرةٌ للنصّ واستغفالُ فهم القارئ. وعلى الرغمِ من أنّ الحديثَ الشريفَ يدورُ حولَ الدُعاءِ إلا أنّه ما من مُنصفٍ يُمكِنُه القولُ: إنّ الدعاءَ الواردَ فيه يخلو من التوسُّلِ إطلاقًا. وعليه فإنّ تعليمَه (صلى الله عليه وآله) الضريرَ دُعاءً فيه توسُّلٌ بالذواتِ أدلُّ دليلٍ على مشروعيةِ التوسُّلِ بالذوات، بل واستحبابه؛ لأنّ الدُعاءَ الذي يؤمَّلُ قبولُه واستجابتُه هو الدُعاءُ المُتضمِنُ التوسُّل به (صلى الله عليه وآله ) كما هو واضح. ثالثًا: صرّحَ العديدُ من العُلماءِ التابعين لمدرسةِ الصحابةِ بجوازِ التوسُّلِ بالأنبياءِ والصالحين أحياءً وأمواتًا كما جاءَ ذلك في كتابِ (محق التقوّل في مسألة التوسل): (وأمّا من جهةِ المعقول فإنّ أمثالَ الإمامِ فخر الدين الرازي والعلامة سعد الدين التفتازاني والعلامة السيد الشريف الجرجاني وغيرهم من كبارِ أئمةِ أصولِ الدين الذين يفزعُ إليهم في حلِّ المشكلات في أصولِ الديانة قد صرّحوا بجوازِ التوسُّلِ بالأنبياء والصالحين أحياءً وأمواتًا، وأيُّ ضعيفٍ يستطيعُ أنْ يرميَهم بعبادةِ القبور، والدعوةِ إلى الإشراكِ بالله وإليهم تفزعُ الأُمّةُ في معرفةِ الإيمانِ والكفر، والتوحيدِ والإشراك، والدينِ الخالص)(12) وقد تقدّمَ الحديثُ عن التوسُّلِ بذاتِه المُقدّسةِ (صلى الله عليه وآله) في حياتِه، وأمّا بعد مماتِه فقد نقلَ «السمهودي» حديثًا في جوازِ التوسُّلِ به (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته، حيثُ يُذكرُ أنّ صاحبَ حاجةٍ جاءَ في زمنِ عثمان إِلى قبرِ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجلسَ بجوارِ القبرِ ودعا اللهَ بهذا الدعاء: «اللّهم إنّي أسألك وأتوجّهُ إليك بنبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّ الرحمة، يا محمّد إِنّي أتوجّهُ بك إلى ربّك أنْ تقضيَ حاجتي». ثمّ يُضيفُ «السمهودي» إِنّه لم تمضِ فترةٌ حتى قُضيتْ حاجةُ الرجل(13). ولم يقتصرْ بعضُ العُلماءِ على القولِ بجوازِ التوسُّلِ به (صلى الله عليه وآله) في حياتِه أو بعدَ مماتِه، بل وقالوا بجوازِ التوسُّلِ به قبلَ ولادتهِ أيضًا، وقد أوردَ ذلك العالمُ السُنّي المشهور «السمهودي» في كتابِه (وفاء الوفا) مُستشهدًا بتوسُّلِ النبيّ آدم (عليه السلام) به (صلى الله عليه وآله) حيث يقول: (وذلك لعلمِ آدمَ بأنّ هذا النّبيّ سيأتي إِلى الوجودِ في المستقبل، ولعلمِه بالمنزلةِ العظيمةِ التي يحظى بها عندَ الله، فيقولُ آدمُ: «ربِّ إِنّي أسألك بحقِّ محمّدٍ لما غفرتَ لي»(14). ومن العلماءِ الذين اُشتُهِرَ عنهم أنّهم كانوا يتوسّلون بأهلِ البيت (عليهم السلام) الإِمامُ «الشافعي»، وهو أحدُ أئمّةِ السنّةِ الأربعةِ المشهورين وقد نقلَ عنه ذلك «القندوزي» صاحبُ كتاب «ينابيع المودة» مُستشهدًا بقوله: آلُ النّبي ذريعتي وهم إِليه وسيلتي أرجو بهم أُعطى غدًا بيدِ اليمينِ صحيفتي(15) رابعًا: وأما استدلاله بعدمِ كونِ حالِ العميانِ كحالِ ذلك الأعمى فيما لو توسّلوا به (صلى الله عليه وآله) على أنَّ اللهَ (تعالى) قد ردّ على الأعمى بصرَه بدُعاءِ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لا بتوسُّلِ الأعمى به (صلى الله عليه وآله) بقوله: "ولو توسَّل غيرُه من العميان الذين لم يدعُ لهم النبيُ (صلى الله عليه وسلم) بالسؤالِ به لم تكنْ حالُهم كحاله"، فهو استدلالٌ باطلٌ؛ وذلك لأنَّ التوسُّلَ بالنبي (صلى الله عليه وآله) إنّما هو دُعاءٌ بجاهِه وبشأنِه وبمقامِه عندَ اللهِ (تعالى)، وليس كُلُّ دُعاءٍ مُستجاباً كما هو معلوم، ثم إنَّ حديثَ الأعمى قد أثبتَ مشروعيةَ التوسُّلِ به (صلى الله عليه وآله)، فإنْ ثبتَ ذلك فلا ضيرَ ساعتئذٍ فيما يترتبُ على ذلك التوسُّل من قضاء الحاجة المتوسَّل به (صلى الله عليه وآله) لأجلها أو عدم قضائها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) التفسير الأمثل ج3 ص686 (2) المائدة 35 (3) الاسراء 57 (4) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص 164- 168 . (5) مجموع رسائل وفتاوى إبن عثيمين ج2 ص273 (6) مسند أحمد ج35 ص109 (7) سنن الترمذي ج5 ص56 (8) التوسل والوسيلة ص65 (9) محق التقول في مسألة التوسل للإمام العلامة الفقيه محمد زاهد الكوثري ص5 (10) ومن أراد التفصيل فليراجع الكتاب المذكور ص11 وما بعدها (11) التوصل الى حقيقة التوسل ج1 ص193 وما بعدها.. (12) محق التقوّل في مسألة التوسل للإمام العلامة الفقيه محمد زاهد الكوثري ج1 ص4 (13) وفاء الوفاء، ص 1373. (14) المصدر السابق، ج 3، ص 1371 (15) ينابيع المودة ج2 ص446

اخرى
منذ سنة
573

زيارة القبور طاعة لله لا شرك به (13)

زيارةُ القبورِ طاعةٌ للهِ لا شركٌ به(13) بقلم: رضا الله غايتي الفصل الثاني المبحث الثاني: شُبهةُ تحريمِ الاستشفاعِ والتوسُلِ والاستغاثةِ بالأنبياءِ والأئمةِ (عليهم السلام) المطلب الثالث: شُبهةُ تحريمِ الاستغاثةِ بالأنبياء والأئمة (عليهم السلام) تقدّمَ أنَّ الوهابيةَ يرون أنّ المُشركين وعَبَدةَ الأصنامِ في زمنِ الرسولِ الأكرمِ (صلى الله عليه وآله) موحِّدون في الربوبية؛ لأنّهم لا يعتقدون أنّ للأصنامِ تأثيرًا كونيًا مُستقلًا عن اللهِ (تعالى)، ولذا فهم لم يطلبوا منها سوى الشفاعةِ عندَ الله (سبحانه)، إلا أنّهم في الوقتِ نفسِه يستنكرون الاستغاثةَ بالأنبياءِ والأولياء بدعوى أنّها شركٌ في الربوبيةِ، ويُدخلون من يعتقدُ بها في دائرةِ أولئك المُشركين وعَبَدَةِ الأصنام! وهذا تناقضٌ واضحٌ، فحسب رؤيتهم إمّا أنْ يكونَ المشركون وعَبَدةُ الأصنامِ غيرَ موحِّدين في الربوبية؛ ومن يطلبُ النُصرةَ من الأنبياءِ والأولياءِ اليومَ يدخلُ فيهم، ومن ثم فهم غيرُ موحِّدين على غرار المشركين، أو أنْ يكونَ المُستغيثون بالأنبياءِ اليومَ موحِّدين في الربوبيةِ كما كانَ المُشركون كذلك. وأما حُجَجهم في تحريمِ الاستغاثةِ بالأنبياءِ والأئمةِ (عليهم السلام) فهي: أولًا: كلماتُ الاستغاثةِ (انصُرني أو اِغنِني أو اِشفني) كلماتُ شرك. قال ابن تيمية: "إنَّ قولَ أدركني أو أغثني أو اشفعْ لي أو انصرني على عدويّ ونحو ذلك ممّا لا يقدرُ عليه إلا اللهُ إذا طُلِبَ في أيامِ البرزخ كانَ من أقسامِ الشرك"(1). يَعُدُّ الوهابيون قولَ (انصرني أو اغنني أو اشفني) شركًا باللهِ (تعالى) وأنَّ قائلَها حلالُ الدمِ إلا أنْ يتوب؛ لأنّه إشراكٌ للأنبياءِ مع الله (تعالى) في النُصرةِ والإغناءِ والإشفاءِ على الرغم من أنّه (جلّ وعلا) بجلالتِه قد استخدمَ ألفاظًا نسب فيها الإغناءَ والرزقَ والفضل إلى رسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله)، إذ قال: "وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ"(2)، وقال (جلّ وعلا): "وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ "(3). بل ونسب (جلّ شأنه) الرزقَ إلى عمومِ الناسِ أيضًا كما في قوله (سبحانه): "وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ"(4) فإنْ كانتْ هذه الكلماتُ كلماتِ شركٍ، أ فهل يُعقَلُ أنْ يذكرَها اللهُ (تعالى) في كتابِه الكريم الذي طفحَ بالكثيرِ من الآياتِ الداعيةِ إلى التوحيدِ ونبذِ الشركِ وعبادةِ سواه؟ ثانيًا: الاستغاثةُ بغيرِ اللهِ (تعالى) موجبةٌ للارتدادِ عن الدينِ والدخول في عِدادِ المشركين. قال محمد بن عبد الوهاب: "إنّ دعاءَ غيرِ اللهِ والاستغاثةَ بغيرِ اللهِ موجبٌ للارتدادِ عن الدينِ والدخولِ في عِدادِ المُشركين وعَبَدَةِ الأصنامِ واستحلالِ المالِ والدمِ إلا مع التوبة"(5) وللردِّ عليه لا بُدّ من بيانِ التوحيدِ في الربوبية أولًا.. التوحيدُ في الربوبية: هو الاعتقادُ أنْ لا خالقَ للكونِ ولا مُدبِّرَ له سوى اللهِ (جلّ شأنه)، قالَ (تعالى): "اللهُ الّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغيرِ عَمَدٍ تَرَونَها ثمّ اسْتَوى على العَرْشِ وسَخّرَ الشَّمسَ والقَمَرَ كلٌّ يَجْرِي لاَجَلٍ مُسمًّى يُدَبِّرُ الاَمرَ..."(6) وقد استدلَّ القرآن الكريم على التوحيدِ الربوبي بالتناسُقِ الكوني والتناغُمِ بين مكوِّناتِ الكونِ في الخلقِ والتدبير كما في قوله تعالى: "لَوْ كانَ فيهما آلِهةٌ إلاّ اللهُ لَفَسَدَتا"(7)؛ وذلك ردًا على المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنامَ والأوثانَ والكواكبَ والنجومَ؛ لاعتقادِهم بأنّها تضرُّ وتنفعُ وتؤثِّرُ في الكونِ على نحوِ الاستقلالِ والانفرادِ دونه (عزَّ وجلّ)، بل وكانوا يعدّونها نُظراءَ وأندادًا له (سبحانه) قالَ (عزّ من قائل): "وَمن الناسِ مَنْ يتّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أنْداداً يُحبُّونَهُمَ كحبِّ اللهِ"(8) ومن الجديرِ بالذكرِ أنّ نفيَه (تعالى) الأندادَ المُدبِّرةَ للكونِ لا يعني اقتصارَ التدبيرِ الكوني عليه (سبحانه)، فقد ذكرَ أنَّ هناك مُدبِّراتٍ للكونِ سواه (جلَّ في علاه) كما في قوله (جلّ وعلا): "فالمُدبّراتِ أمْراً "(9) إشارةً إلى الملائكةِ التي تتولّى تدبيرَ الكونِ بأمرِه (سبحانه)، وكما في قوله (تعالى): "قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)"(10) إذن فالتدبيرُ الكوني لا يقتصرُ عليه (سبحانه) من جهة، ولكن من جهةٍ أُخرى فهو (تعالى) الذي يُحدِّدُ من له تلك السلطة ومقدارها، كما أنّ من يمنحُه السُلطةَ يستحيلُ عليه التصرُّفُ بها قيدَ أنمُلةٍ أو دونها إلا بأمرِ اللهِ (تعالى) وإذنه. وعليه، فلو استغاثَ بالأنبياءِ مُعتقدًا بأنّهم عبادٌ أقدرَهم اللهُ (تعالى) على الإجابةِ أحياءً وأمواتًا بإذنه لا على نحوِ الاستقلال، تكونُ الاستغاثةُ بهم حينئذٍ من قبيلِ التوسُّلِ بالأسباب، وأما إن استغاثَ بهم بما أنّهم آلهةٌ أو أربابٌ ينصرونه أصالةً واستقلالًا فهو شركٌ باللهِ (تعالى) لا محالة. وبالعودةِ إلى اعتقادِ أتباعِ المدرسةِ الإماميةِ لا نجدُ أحدًا منهم يستغيثُ بالأنبياء أو الأولياء (عليهم السلام) بدعوى ألوهيتهم، أو ينتصر بهم على نحوِ الاستقلال عن اللهِ (تعالى) إطلاقًا، بل يستغيثُ بهم لما لهم من قُدرةٍ منحَها لهم اللهُ (تعالى) ليس إلا، وهو على يقينٍ بعدمِ انتصارِهم له ما لمْ يأذنِ اللهُ (تعالى) بذلك وإنْ كانوا قادرين. ثالثًا: تحرمُ الاستغاثةُ بالأولياءِ بعدَ مماتِهم أو في غيبتِهم في الأشياءِ التي لا يقدرُ عليها إلا الله (تعالى) قال محمد بن عبد الوهاب: "فإنَّ الاستغاثةَ بالمخلوقِ فيما يقدرُ عليه لا نُنكرُها، كما قالَ اللهُ (تعالى) في قصة موسى: "فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ"(11)، وكما يستغيثُ الإنسانُ بأصحابِه في الحربِ أو غيره في أشياءٍ يقدرُ عليها المخلوق، ونحنُ أنكرنا استغاثةَ العبادةِ التي يفعلونها عندَ قبورِ الأولياء، أو في غيبتِهم في الأشياءِ التي لا يقدرُ عليها إلا الله"(12) من الواضحِ جدًا أنّ محمدًا بن عبد الوهاب لا ينفي مشروعيةَ مطلقِ الاستغاثةِ بالأنبياء، وإنّما ينفيها في حالِ مماتِهم فقط، وهذا شركٌ حسب منظورِ الوهابية؛ لأنّهم يرون تحقُّقَ الشركِ عندَ ضمِّ غيرِ اللهِ (تعالى) إليه، وهذا كما يتحقَّقُ في حالِ ضمِّ الميتِ إليه (سبحانه) فهو يتحقَّقُ حالَ ضمِّ الحي إليه بصورةٍ أجلى. وأما تقييدُه بقيدِ كونِ المُستغاثِ به قادرًا في قوله: "فإنّ الاستغاثةَ بالمخلوقِ فيما يقدرُ عليه لا نُنكرها"، فيردُ عليه: إنْ كانَ يعتقدُ بأنَّ تلك القُدرةَ نابعةٌ من ذاتِه على نحوِ الاستقلالِ لا من إقدارِ اللهِ (عزّ وجلّ) وتمكينِه فهو الشركُ الأكبرُ، وإنْ كانتْ في نظره يسيرة، وأما إنْ كانَ يعتقدُ أنّ هذه القدرةَ من اللهِ (تعالى) وهو الذي أضافَها للمخلوقِ فلا فرقَ بين الحيّ والميتِ حينئذٍ، فكما يُقدِرُ اللهُ (تعالى) الحيَّ في الحياةِ الدُنيا فإنّه يُقدِرُ روحَ الميتِ في حياتِه البرزخية. وطالما كانتِ القُدرةُ في كُلِّ الأحوالِ نابعةً من اللهِ (تعالى) من جهةٍ، وقُدرتُه (تعالى) غيرُ مُتناهيةٍ من جهةٍ أخرى، وما المخلوقُ سوى سببٍ يُضيفُ اللهُ (تعالى) تلك القُدرةَ إليه حسب مقامه وشأنه، فلا معنى حينئذٍ لتفريقِ محمدٍ بن عبد الوهاب بين (الأشياء التي لا يقدرُ عليها إلا الله) وبين سواها من الأشياء. أولم يكنِ النبيُّ عيسى (عليه السلام) يُحيي الموتى؟! كما أنّ التفريقَ بينَ الأمورِ الاعتياديةِ وسواها يقتضي القولَ بالثنوية، أيّ لا بُدّ من التوحيدِ في الأمورِ غيرِ الاعتياديةِ (الأمور الخارقة) وأما في الأمورِ الاعتياديةِ فلا يُشترَطُ فيه. وهذا قولٌ باطلٌ وشركٌ صريحٌ، إذ لا بُدّ من التوحيدِ في جميعِ الأفعالِ الإلهية، والقولِ باستنادِ المخلوقاتِ في جميعِ أفعالِها إلى القُدرةِ التي أقدرَها اللهُ (تعالى) عليها بصرفِ النظرِ عن كونِها أفعالًا اعتيادية أو لا. رابعًا: الاستغاثةُ بالأنبياءِ والأئمة عبادةٌ لهم قال محمدٌ بن عبد الوهاب: "من الشركِ أنْ يستغيثَ بغيرِ اللهِ أو يدعوَ غيرَه، وقولُ اللهِ (تعالى): "وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ" ... فيه مسائل ... الثالثة: أنْ هذا هو الشركُ الأكبر ... الثالثة عشر: تسميةُ تلك الدعوةِ عبادةٌ للمدعو"(13). وللردِّ على هذه الشُبهةِ لا بُدَّ من بيانِ معنى التوحيد في العبادة.. التوحيدُ في العبادة: هو أنّ حقّ العبادةِ حقٌّ محضٌ للّه (تعالى)، ولا يجوزُ عبادةُ غيرِه، فلا معبودَ سواه(14)، ولكي يتجلّى معنى التوحيدُ في العبادةِ ويتضحَ حدُّه لا بُدّ من التعرُّضِ إلى معنى العبادةِ ذاتِها ومعرفةِ حدودِها. *مفهــومُ العبــادة: لُغـــةً: قالَ الراغبُ في المُفرداتِ: "العبوديةُ إظهارُ التذلُّلِ، والعبادةُ أبلغُ منها؛ لأنّها غايةُ التذلُّل"(15). وأما ابن منظور فقال في لسان العرب: "أصلُ العبودية: الخضوعُ والتذلُّل"(16). وكما هو واضحٌ لا يُمكِنُ التعويلُ على المعنى اللغوي للعبادةِ في فهمِ المعنى الشرعي لها؛ لأنّه لا يُمثِّلُ حدًّا منطقيًا، أي ليسَ بجامعٍ للأفرادِ ولا مانعًا من دخولِ الأغيار وإن بلغَ الخضوعُ مُنتهاه والتذلُّلُ أقصاه، وإلا لكانَ اللهُ (سبحانه) أولَ مَنْ أمرَ بأنْ يُشرَكَ به حينَ أمرَ الملائكةَ بالسجودِ لآدم (عليه السلام) إذ قال (عزّ من قائل): "وإذْ قُلنا لِلمَلائِكةِ اسْجُدوا لآدَمَ"(17)! وكيف يأمرُهم بعبادةِ غيرِه وهو (سبحانه) القائلُ: "وقَضى ربُّكَ ألاَّ تَعبُدوا إلاّ إيّاهُ"(18)، فهل يُعقَلُ أنْ ينهاهم عن شيءٍ ويأمرَهم به؟! ثم إنّ أمرَه (تعالى) إيّاهم بعبادةِ ما سواه هو من الفحشاءِ وهو (جلّ في علاه) لا يأمرُ بالفحشاء، قال (تعالى): "إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحشاءِ أتَقُولونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ"(19) وقد حاولَ بعضُ من فسَّرَ العبادةَ بالخضوعِ التخلُّصَ من هذا المأزقِ بدعوى أنّ سجودَ الملائكةِ لآدمَ (عليه السلام) لم يكنْ عبادةً له؛ لأنّه كانَ بأمرِ اللهِ (سبحانه)، ولولا أمره لانقلبَ عملهم عبادةً له. وهي دعوى تفتقرُ إلى الدِقّةِ (لأنّ معنى ذلك أنّ أمرَ اللهِ يُغيّرُ الموضوعَ، ويُبدِّلُ واقعَه إلى غيرِ ما كانَ عليه، مع أنّ الحُكمَ لا يُغيِّرُ الموضوع، فلو نفترضُ أنّه (سبحانه) أمرَ بسبِّ المُشركِ والمُنافقِ فأمرُه (سبحانه) لا يُخرِجُ السبَّ عن كونِه سبًّا)(20) إذن للعبادةِ مُقوّمٌ مهمٌّ لم يكنْ موجودًا في سجودِ الملائكةِ لآدم (عليه السلام) ولم تذكرْه معاجمُ اللغة، وعليه فلا بُدّ من الانتقالِ إلى المعنى الاصطلاحي لكلمةِ العبادة. مفهومُ العبادةِ اصطلاحًا حدَّدَ مفهومَ العبادةِ الكثيرُ من العُلماءِ بناءً على ما وردَ في الآياتِ الكريمةِ والرواياتِ الشريفة، منهم العلّامةُ الشيخُ جعفر السبحاني الذي قال إنّها: (عبارةٌ عن الخضوعِ الصادرِ عمّن يتّخذُه الخاضعُ إلهًا)(21) . إذن -حسبما جاء في تعريف العلامة- العبادةُ تتألّفُ من رُكنين هما: الأول: الخضوعُ والتذلُّل. الثاني: اعتقادُ الخاضعِ التامِ والجازمِ أنّ من يخضعُ له هو إلهه وربّه وخالقه. وبهذا التعريفِ لمفهومِ العبادةِ يتضِحُ أنّ اللهَ (تعالى) عندَما أمرَ الملائكةَ بالسجودِ لآدمَ (عليه السلام) لم يكنْ يأمرُهم بعبادتِه؛ لتجرُّدِ خضوعِهم له من الاعتقادِ بألوهيته أو ربوبيته أو خالقيته، ومن ثم يكونُ قد أمرَهم بتعظيمِه فحسب. وعليه يُمكِنُنا الردُّ على هذه الشُبهةِ بأنّ المُستغيثَ بالأنبياءِ والأئمةِ (عليهم السلام) وإنْ خضعَ لهم وتذلّلَ وتضرّعَ إلا أنّ كُلَّ ذلك لا يُمكِنُ أنْ يُعدَّ عبادةً لهم؛ لانعدامِ الركنِ الثاني، أي لتجرُّدِه من الاعتقادِ بألوهيتهم وربوبيتهم وخالقيتهم. وعلاوةً على ما تقدّمتْ من ردودٍ على حُجَجِهم الواهيةِ في تحريمِ الاستغاثةِ فإنّ هناك العديدَ من الأدلةِ التي تؤيدُ الاستغاثةَ بالأنبياءِ والأئمةِ، وتؤكِّدُ مشروعيتها، ومنها: أولاً : الاستغاثةُ بقبرِ النبي (صلى الله عليه وآله) من الأمورِ المعروفةِ بينَ المسلمين، وكانَ الصحابةُ هم من يُرشدون إليها كما في روايةِ الصحابي الجليل: عثمان بن حنيف: روى الحافظُ الطبراني عن الصحابي الجليلِ عثمان بن حنيف: أنّ رجلًا كانَ يختلفُ إلى عثمان بن عفان في حاجةٍ له، وكانَ لا يلتفتُ إليه ولا ينظرُ في حاجته، فلقى ابنَ حنيف فشكى إليه ذلك، فقال له ابنُ حنيف: ائتِ الميضأة، فتوضّأ ثم اِئتِ المسجدَ فصلِّ ركعتين، ثم قُلْ: اللّهُمَّ إنّي أسألُكَ وأتوجّه إليك بنبيّنا محمد نبيّ الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بكَ إلى ربِّك أنْ تقضيَ حاجتي، وتذكرُ حاجتك. فانطلقَ الرجلُ فصنعَ ما قالَ، ثم أتى بابَ عثمان فجاءَه البوّابُ حتى أخذَ بيدِه، فأُدخِلَ على عثمان فأجلسَه معه على الطنفسة فقال: حاجتك؟ فذكرَ حاجتَه وقضى له، ثم قالَ له: ما ذكرتُ حاجتَك حتى كانتِ الساعة، وقال: ما كانتْ لك من حاجةٍ فاذكرها، ثم إنّ الرجلَ خرجَ من عنده فلقى ابنَ حنيف فقال له: جزاكَ اللهُ خيرًا، ما كانَ ينظرُ في حاجتي ولا يلتفتُ إليّ حتى كلّمتَه فيّ. فقال ابن حنيف: والله ما كلّمتُه، ولكنْ شهدتُ رسولَ الله، وأتاه ضريرٌ فشكى إليه ذهابَ بصره، فقالَ له النبي (صلى الله عليه وآله): إنْ شئتَ دعوتُ أو تصبر، فقال: يا رسولَ الله إنّه ليس لي قائدٌ وقد شقَّ عليّ، فقال له النبي: اِئتِ الميضأةَ، فتوضّأ ثم صَلِّ ركعتين ثم اِدعُ بهذه الدَعَوات. قالَ ابنُ حنيف: فو اللهِ ما تفرَّقْنا وطالَ بنا الحديثُ حتى دَخَلَ علينا الرجلُ كأنّه لم يكنْ به ضر(22). قالَ الترمذي: هذا حديثٌ حقٌّ حسنٌ صحيحٌ. وقال ابنُ ماجة: هذا حديثٌ صحيحٌ. وقال الرفاعي: لا شكّ أنّ هذا الحديثَ صحيحٌ ومشهورٌ(23). ثانيًا: ابنُ حبان* يستغيثُ بقبرِ الإمامِ الرضا (عليه السلام). في حديثِه عن قبرِ الإمامِ الرضا (عليه السلام) يقولُ ابنُ حبان: "قد زُرتُه مرارًا كثيرةً، وما حلّتْ بي شِدّةٌ في وقتِ مقامي بطوس، فزُرتُ قبرَ علي بن موسى الرضا (صلوات الله على جدِّه وعليه)، ودعوتُ اللهَ إزالتَها عنّي، إلا استُجيبَ لي، وزالتْ عني تلك الشدة. وهذا شيءٌ جرّبتُه مرارًا، فوجدتُه كذلك. أماتَنا اللهُ على محبةِ المُصطفى وأهلِ بيته (صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين)"(24) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الهدية السنية ص40 (2) التوبة 74 (3) التوبة 59 (4) النساء 5 (5) أنظر كشف الارتياب ص214

اخرى
منذ 11 شهر
594

زيارة القبور طاعة لله لا شرك به(14)

زيارةُ القبورِ طاعةٌ للهِ لا شركٌ به(14) بقلم: رضا الله غايتي المبحث الثالث شُبهةُ تحريمِ تعظيمِ القبور والتبرُّكِ بها يرى الوهابيون أنَّ تعظيمَ القبورِ وتكريمَها وتقبيلَها عبادةٌ لها وشركٌ باللهِ (تعالى)، وقد أوردوا -لإسنادِ هذه الشُبهةِ- عِدّةَ حُجَجٍ أهمُّها: الحُجةُ الأولى: تعظيمُ القبورِ وتكريمُها عبادةٌ وشركٌ بالله (تعالى) فقد وردَ عن الشيخِ صالح بن فوزان الفوزان في كتابِه (إعانةُ المُستفيد بشرحِ كتابِ التوحيد) قوله: "إن الغلو في قبورِ الأنبياءِ يُصيّرها أوثانًا تُعبَد من دونِ اللهِ بدليل قوله (صلى الله عليه [وآله] وسلم): "اللهم لا تجعلْ قبري وثنًا يُعبَد، اشتدَّ غضبُ اللهِ على قومٍ اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد"، فدلّ على أنَّ تعظيمَ القبورِ والتبرُّكَ بها يجعلُها أوثانًا تُعبَد من دونِ الله"(1) ولردِّ قوله نقول: إنَّ العبادةَ -وكما تقدّم- تتقوّمُ بمُقوّمين هما: الخضوعُ والتذلُّلِ، واعتقادُ الخاضعِ التام والجازم أنَّ من يخضعُ له هو إلهُه وربُّه وخالقُه. فالخضوع أو التذلُّل وحده لا يُمكِنُ أنْ يُفَسّر بأنّه عبادةٌ، وإنْ بلغ أقصاه، ما لم يقترنا باعتقادِ الخاضعِ بأنّ المخضوعَ له هو إلهُه ومعبودُه. وعليه، فإنَّ من يزورُ القبورَ ويتبرّكُ بها ويتذلَّلُ لمن يرقدُ فيها من الأنبياءِ والأوصياءِ والأولياء (سلام الله عليهم) لا يخلو من أحدِ أمرين لا ثالثَ لهما: *إمّا أنْ يعتقدَ بأنّ من يزوره ويخضعُ ويتذلّلُ له من الأنبياءِ والأوصياء والأولياء (عليهم السلام) هم آلهةٌ له ومعبودون، ففي هذه الحالةِ يكونُ فعلُه شركًا باللهِ (تعالى) بلا شك. *أو أنْ يتجرّدَ خضوعُه لهم عن ذلك الاعتقاد، فلم يعتقدْ بأنّهم آلهةٌ ومعبودون، حينئذٍ لا يكونُ فعلُه شركًا باللهِ (تعالى) إطلاقًا. وعندَ الرجوعِ إلى من يُعظِّمُ القبورَ ويُكرِّمُها من المسلمين لا نجدُ خضوعه وتذلله لها إلا إكرامًا لأصحابها من الصالحين، لا عبادةً لها أو اعتقادًا بأنّها آلهةٌ أو أربابٌ، وبما أنّ أحدَ الركنين الذين تقومُ عليهما العبادةُ قد انتفى، فقد انتفى تبعًا لذلك فعله عن كونِه عبادة. وبالإضافةِ إلى ما تقدّم، فإنّ بعضَ العلماءِ السُنّةِ كانوا وما زالوا يُعظِّمون قبورَ الصالحين ويُكرِّمونها بمرأى ومسمعٍ من الحاضرين، ومن البديهي أنّهم لو كانوا يعتقدون بكونِه بدعةً أو شركًا لما فعلوه، قالَ أبو بكر محمد بن المؤمل: "خرجنا مع إمامِ أهلِ الحديثِ أبي بكر ابن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي مع جماعةٍ من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى علي بن موسى الرضا بطوس قال: فرأيتُ من تعظيمِه -يعني ابن خزيمة- لتلك البقعةِ وتواضُعِه لها وتضرُّعِه عندَها ما تحيرنا"(2) الحُجّة الثانية: التبرُّكُ بقبورِ الصالحين ليس سببًا مأذونًا به شرعًا؛ ولذا فهو من الشركِ الأصغر. قال محمد بن عبد الوهاب: "ويكونُ التبرُّكُ شركًا أصغر إذا كانَ يتخذُ هذا التبرُّكُ بنثرِ الترابِ عليه، أو إلصاقِ الجسمِ به، أو التبرُّكِ بعينٍ ونحوها، أسبابًا لحصولِ البركةِ بدون اعتقادٍ أنّها توصِلُ وتُقرِّبُ إلى الله، يعني أنّه جعلها أسبابًا فقط، كما يفعل لابس التميمة أو الحلقة أو الخيط فكذلك هذا المتبرك يجعل تلك الأشياء أسبابًا، فإذا أخذَ مَنْ هذه حالُه ترابَ القبر، ونثرَه عليه لاعتقادِه أنّ هذا التراب مُباركٌ، وإذا لامسَ جسمَه فإنّ جسمَه يتباركُ به، أي من جِهةِ السببية، فهذا شركٌ أصغرُ؛ لأنّه لا يكونُ عبادةً لغيرِ اللهِ (جلّ وعلا)، وإنّما اعتقدَ ما ليسَ سببًا مأذونًا به شرعًا سببًا"(3) كما يذكرُ الحُجّةَ ذاتها فيما يخصُّ التبرُّكَ بأستارِ الكعبةِ إذ يقول: "أمّا التعلُّقُ بأستارِ الكعبةِ رجاءَ البركة فهذا من وسائلِ الشرك، ويكونُ من الشركِ الأصغر إذا اعتقدَ أنّ ذلك التبرُّكَ سببٌ لتحقيقِ مطلوبه"(4) ويُمكِنُ ردُّ هذه الشُبهةِ بما نُقِلَ عن كبارِ الصحابيين والصحابيات، فقد روى ابن قدامة عن علي: أنّ فاطمةَ أخذتْ قبضةً من ترابِ قبرِ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فوضعتْها على عينِها ثم قالت: ماذا على من شمَّ تُربةَ أحمدَ أن لا يشمَّ مدى الزمان غواليًا صُبَّتْ عليَّ مصائبُ لو أنّها صُبَّتْ على الأيامِ صِرْنَ لياليًا(5) كما رويَ عن داود بن أبي صالح، قال: "أقبلَ مروانُ يومًا فوجدَ رجلًا واضعًا وجهه على القبر، فأخذَ برقبتِه وقال: أتدري ما تصنعُ؟ قال: نعم، فأقبلَ عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري (رضي الله عنه)، فقال: جئتُ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) ولم آتِ الحجرَ سمعتُ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليَه أهلُه، ولكن ابكوا عليه إذا وليَه غيرُ أهلِه»، «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه »(6) أفهل كانت سيدة النساء (عليها السلام) تجهل بمشروعيةِ التبرُّكِ من عدمه؟، أم كان أبو أيوب الأنصاري يُشرِكُ بالله (تعالى) جهارًا ولم ينهه أحدٌ من الصحابة العدول؟! ثالثًا: اتخاذُ التبرُّكِ بقبورِ الصالحين وسيلةً للتقرُّبِ إلى الله (تعالى) شركٌ أكبرُ . وردَ ذلك عن محمد بن عبد الوهاب: "وأما إذا تمسّحَ بها كما هي الحالُ الأولى وتمرّغَ والتصقَ بها، لتوصلَه إلى الله (جلَّ وعلا)، فهذا شركٌ أكبرُ مُخرِجٌ من الملة "(7) كما ورد عنه أيضًا فيما يخصُّ التبرُّك بأستارِ الكعبة: " أمّا إذا اعتقدَ أنَّ الكعبةَ ترفعُ أمرَه إلى الله، أو أنّه إذا فعلَ ذلك عَظُمَ قدرُه عندَ الله، وأنَّ الكعبةَ يكونُ لها شفاعةٌ عندَ الله، أو نحو تلك الاعتقادات التي فيها اتخاذُ الوسائلِ إلى اللهِ (جلّ وعلا) فإنّ هذا التبرُّكَ -على هذا النحو- يكونُ شركًا أكبر"(8). وأما المستندُ في كونِها شركًا أكبر فهو قوله (تعالى): "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى"(9) خلطتِ العقيدةُ الوهابيةُ كثيرًا بين الوسائطِ التي ابتدعَها المشركون، والوسائطِ والوسائلِ المشروعةِ للتقرُّبِ إلى اللهِ (تعالى)، فحمّلوا الثانيةَ حكمَ الأولى رغمَ البونِ الشاسعِ بينهما؛ فالأصنامُ والأوثانُ وسائطُ مُبتدعةٌ أولًا، وقد اعتقدَ المشركون بتأثيرِها المُستقل عنِ الله (تعالى) في الكونِ ثانيًا؛ ولذا نجدُ في الأساطير إلهَ الحربِ وإلهَ المطرِ وإلهَ الرياحِ وإلهَ الحُبّ...، بل وسّعَ بعضُهم من دائرةِ تأثيرِها في الكونِ إلى درجةٍ جعلَ منها أندادًا للهِ (جلّ جلاله) قال (تعالى): "وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)"(10) على حين أنَّ الوسائطَ التي يتوسّلُ بها المؤمنون قد شرّعَها اللهُ (تعالى) وجعلَها السبيلَ إليه ومنحَها من القُدرةِ للتأثيرِ في الكونِ، ولكن بإذنِه وأمرِه وبصورةٍ تابعةٍ له، وحثَّ على اتخاذِها وسيلةً للتقرُّبِ إليه، قال (تعالى): "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)"(11). كما حثَّ على حُبِّها، وجعلَ ذلك أجرَ رسالةَ خاتمِ الأنبياءِ والرُسُل (صلى الله عليه وآله) إذ قال: "قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى"(12) وعليه، فينبغي التفريقُ بين الوسائطِ المُبتدَعةِ والوسائلِ المشروعة، فاتخاذُ الأولى للتقرُّبِ إلى اللهِ (تعالى) شركٌ باللهِ وكفرٌ وتعرُّضٌ لسخطِه وغضبه، وأما الثانيةُ فطاعةٌ لله (تعالى) وامتثالٌ لأوامره. وقد صرَّحَ بعضُ العلماءِ بأنَّ الرسولَ الأكرم (صلى الله عليه وآله) هو الوسيلةُ المُقرِّبةُ إلى اللهِ (تعالى) حتى بعدَ مماته، كما جاءَ ذلك في جوابِ مالك عندما سأله المنصور: أستقبلُ القبلةَ وأدعو، أم أستقبلُ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه [وآله] وسلم)؟ فقال: ولِمَ تُصرفُ وجهَك عنه وهو وسيلتُك ووسيلةُ أبيك آدم إلى اللهِ (تعالى) يومَ القيامة، بل استقبله واستشفعْ به فيُشفِّعك اللهُ (تعالى) ..."(13) بل إنّ بعضَ العلماء لم يقتصرْ على رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) في جعله وسيلتَه وواسطتَه إلى اللهِ (تعالى)، بل وجعلَ من قبورِ سائرِ الصالحين وسائطَ أيضًا، فقد أخرجَ الخطيبُ البغدادي وغيره، عن علي بن ميمون صاحب الشافعي، قال: سمعتُ الشافعي يقول: إنّي لأتبرك بأبي حنيفة، وأجيء إلى قبره في كُلِّ يوم، فإذا عرضتْ لي حاجةٌ صلّيتُ ركعتين وجئتُ إلى قبرِه وسألتُ اللهَ (تعالى) الحاجةَ عندَه، فما تبعدُ حتى تُقضى(14) أفهل كانَ إمامُ المذهبِ الشافعي مُشركًا بفعلهِ هذا؟ رابعًا: لم يكنِ الصحابةُ يتبرّكون بآثارِ النبي (صلى الله عليه وآله). أقرَّ الشيخُ صالح بن فوزان بن عبد الله آل فوزان بتبرُّكِ الصحابةِ بشعرِ النبي (صلى الله عليه وآله) وبما ينفصلُ عنه، إلا أنّه نفى تبرُّكهَم بآثارِه المباركةِ بقوله: "وأما ما كانَ الصحابةُ يفعلونه من التبرُّكِ بشعرِ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وريقه وما انفصلَ من جسمه (صلى الله عليه [وآله] وسلم) خاصةً كما تقدَّم؛ فذلك خاصٌ به (صلى الله عليه [وآله] وسلم) ولم يكنِ الصحابةُ يتبرّكون بحُجرتِه وقبرِه بعدَ موته، ولا كانوا يقصدونَ الأماكنَ التي صلَّى فيها وجلس فيها؛ ليتبرّكوا بها، وكذلك مقامات الأولياءِ من باب أولى"(15) ويُمكِنُ الردُّ عليه من خِلال: أولًا: الرواياتُ التي وردتْ من طُرُقِهم التي تُثبِتُ خطأَ ما ذهبَ إليه وكذبَ ما ادّعاه؛ فقد قال السمهودي في كتابه وفاء الوفا: " كانوا (يعني الصحابة وغيرهم) يأخذون من تُرابِ القبر -يعني قبر النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم)- فأمرتْ عائشةُ فضربَ عليهم، وكانتْ في الجدارِ كوة، فكانوا يأخذون منها، فأمرتْ بالكوة فسدّت". ومعلومٌ أنّ منعَها لهم لم يكنْ إلا لأنّ أخذَ الترابِ دائمًا يوجبُ خرابَ البقعةِ المباركة، لا لأنّه شركٌ؛ لأنّه لو كان لذلك لصرّحتْ به ولأنكرَه الصحابة، كيفَ والآخذُ هم فيهم الصحابي وغيره، وطبعًا بمرأى منهم وبمسمع"(16) كما وردَ عن العاقولي بعدَ ذكرِ منبرِ رسولِ الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم): "إنَّ هذا المنبرَ تهافتَ على طولِ الزمانِ فجدَّدَه بعضُ خلفاء بني العباس، واتخذَ من بقايا أعوادِ منبرِ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أمشاطًا للتبرُّكِ بها، كما أنّهم -أي الصحابة- كانوا يهتمون بمسه"(17). كما ذكر السمهودي في كتابه وفاء الوفا: "إنَّ منبرَ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) جُعِلَ عليه منبرٌ كالغلافِ وجُعِلَ في المنبرِ الأعلى طاق مما يلي الروضةَ، فيُدخِلُ الناسُ منها أيديهم فيمسحون منبرَ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) ويتبرّكون بذلك"(18) كما روى مالك والبيهقي: أنَّ الناسَ كانوا يدخلون حُجَرَ أزواجِ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فيُصلّون فيها الجمعة، وكانَ المسجدُ يضيقُ على أهلِه فيتوسّعون بها"(19) ثانيًا: ليس الصحابةُ فقط من وردَ عنهم أنّهم تبرّكوا بالآثار، بل ورسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) نفسُه قد فعلَ ذلك أيضًا بأمرٍ من جبرئيل (عليه السلام)، فقد ذكر السيوطي في قصة المعراج: رويَ عن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم): ركبتُ ومعي جبرئيل فسرتُ فقال: انزلْ فصلِّ، ففعلتُ، فقال: أتدري أينَ صلّيت؟ صلّيتَ بطيبة وإليها المهاجرة، ثم قال: انزلْ فصلِّ ففعلتُ فقال: أتدري أينَ صلّيت؟ صلّيتَ بطورِ سيناء حيثُ كلَّمَ اللهُ موسى. ثم قال: انزلْ فصلِّ ففعلتُ، فقال: أتدري أينَ صلّيت؟ صلّيتَ ببيتِ لحمٍ حيث ولِدَ عيسى(20) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)إعانةُ المستفيد بشرح كتاب التوحيد، ج1، الباب الحادي والعشرون: الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله، ص307 (2) تهذيب التهذيب ج7 ص339 (3) التمهيد لشرح كتاب التوحيد، ص129 (4) التمهيد لشرح كتاب التوحيد، ص610 (5) المغني لإبن قدامة ج2 ص411 (6) المستدرك على الصحيحين ج19 ص475 (7) التمهيد لشرح كتاب التوحيد، ص129 (8) التمهيد لشرح كتاب التوحيد، ص610 (9) الزمر 3 (10) ابراهيم 30 (11) المائدة 35 (12) الشورى 23 (13) وفاء الوفاء ج4 ص1376 ، المواهب اللدنية ج3 ص409 (14) تاريخ بغداد 1 : 123، مناقب أبي حنيفة الخوارزمي 2 : 199.نقلا عن الزيارة والتوسل ص69 (15) عقيدة التوحيد ج1 ص133 (16) وفاء الوفاء ج2 ص544 (17) كتاب التبرك للعلامة الاحمدي ص139 (18) وفاء الوفاء ج2 ص39 (19) انظر المدونة الكبرى للامام مالك ج1 ص152والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص111 (20) كشف الارتياب ص27

اخرى
منذ 11 شهر
583

زيارةُ القبورِ طاعةٌ للهِ لا شركٌ بالله(15)

زيارةُ القبورِ طاعةٌ للهِ لا شركٌ بالله(15) بقلم: رضا الله غايتي المبحث الرابع شُبهةُ تحريمِ الصلاةِ بقُربِ القبور قالتِ الوهابيةُ بتحريمِ الصلاةِ عندَ القبور؛ فقد نُقِلَ عن ابنِ تيمية: "إنّ الصحابةَ كانوا إذا جاؤوا عندَ قبرِ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يُسلِّمون عليه، فإذا أرادوا الدُعاءَ لم يدعوا اللهَ مُستقبلي القبرِ الشريف، بل ينحرفون ويستقبلون القبلةَ ويدعون اللهَ كما في سائرِ البقاع ... ولهذا لم يذكرْ أحدٌ من أئمةِ السلفِ أنَّ الصلاةَ عندَ القبورِ وفي مشاهدِها مُستحبةٌ، ولا أنّ الصلاةَ والدُعاءَ هناك أفضلُ منهما في غيرهما، بل اتفقوا كُلُّهم على أنّ الصلاةَ في المساجدِ والبيوتِ أفضلُ منها عندَ قبورِ الأنبياءِ والصالحين، سُمّيَتْ مشاهدُ أم لم تُسمَّ"(1) وللردِّ على قول ابنِ تيمية هذا، لا بُدَّ من إثباتِ جوازِ الصلاةِ والدعاءِ عندَ القبور، بل واستحبابهما أولًا، ومن ثم مُناقشة ما ادّعاه من اتفاقِ أئمةِ السلفِ على أنّ الصلاةَ في المساجدِ والبيوتِ أفضلُ منها عندَ قبورِ الأنبياء والصالحين ثانيًا، وأخيرًا نُثبِتُ أنّ الصحابةَ لم يكونوا لينحرفوا عن القبرِ الشريفِ ولا أنهم يستقبلون القبلة عندَ دعائهم.. الأول: جوازُ الصلاةِ والدعاءِ عندَ القبور، بل واستحبابهما. يُمكِنُنا إثباتُ ذلك من خلال: أولًا: العمومُ في الرواياتِ دلالةٌ على الجواز. رويَ عنِ الرسولِ الأكرم (صلى الله عليه [وآله] وسلم): "جُعِلَتْ لي ولأُمّتي الأرض مسجدًا وطهورًا"(2)، والعمومُ الواردُ في هذا الحديثِ الشريفِ دليلٌ واضحٌ على جوازِ السجودِ على أيّ مكانٍ من الأرض، ولا يصحُّ إخراجُ أيّ بقعةٍ من بقاعِ الأرضِ من تحت مظلّةِ هذا العموم إلا بدليل، ولمّا لم يردْ أيُّ دليلٍ شرعيٍ يُحرِّمُ الصلاةَ عندَ القبور إذن فهي جائزة. ثانيًا: أدلةٌ تؤكِّدُ هذا الجواز، قال (تعالى): "قالَ الذين غُلِبوا على أمرهم لنتخذنَّ عليهم مسجدًا"(3)، فقد أقرَّ اللهُ (تعالى) اتخاذَ المؤمنين قبورَ أهلِ الكهفِ مساجدَ لأداءِ الصلاةِ فيها. ثالثًا: إقرارُ الرسولِ (صلى الله عليه وآله) والإمامِ علي (عليه السلام) والصحابةِ على صلاةِ السيّدةِ الزهراء (عليها السلام) ودُعائها عندَ القبور، فقد كانتْ (سلام الله عليها) تزورُ قبرَ عمِّها حمزةَ في كُلِّ يومِ جمعةٍ، فتُصلي وتبكي عندَه"(4). وعدمُ صدورِ أيّ نهيٍ لها عن ذلك رغمَ المدةِ الطويلةِ التي واظبتْ فيها على زيارةِ قبرِ عمِّها والصلاةِ عندَه والتي تُقدَّرُ بسبع سنوات -إذ إنّ عمَّها قد استُشهِدَ في الثالثة للهجرة وأباها استُشهِدَ في العاشرة- دليلٌ واضحٌ على جوازِ ذلك. كما كانتِ السيّدةُ الزهراءُ (عليها السلام) تزورُ قبورَ الشهداءِ بأُحُدٍ بينَ اليومين والثلاثة، فتُصلّي هناك وتدعو وتبكي(5) بمرأى ومسمع من الصحابةِ وعلى رأسِهم الإمام علي (عليه السلام)، ولم ينهَها أحدٌ منهم عن ذلك، فذلك دليلٌ على جوازِ الصلاةِ عندَ القبور. فضلًا عن أنّ سيرتَها بحدِّ ذاتِها حُجّةٌ على جوازِ الصلاةِ والدُعاءِ عندَ القبور، فهل يُعقَلُ أنْ تخفى السُنّةُ عن سيّدةِ نساءِ العالمين (عليها السلام)؟! وهل يُعقَلُ أنّها (سلامُ الله عليها) تُخالِفُها طوالَ هذه المدّةِ المديدة؟! ليأتي ابنُ تيمية فيدّعي أنّها بدعةٌ، فضلًا عن ادّعائه بعدمِ قولِ أحدِ أئمةِ السلفِ باستحبابها؟! رابعًا: جرتْ سيرةُ المسلمين على الصلاةِ والدُعاءِ عندَ القبور مُنذُ زمنِ الرسولِ الأكرم (صلى الله عليه وآله) وإلى يومِنا هذا، فقد قالَ الطبري: لمّا خرجَ عمرُ حاجًّا في نفرٍ من أصحابه فاستغاثَ به شيخٌ، فلمّا انصرفَ عمرُ ونزلَ ذلك المنزل –بالأبواء- واستخبرَ عن الشيخِ وعرفَ موتَه قال: كأنّي أنظرُ إلى عمرَ وقد وثبَ مُباعدًا ما بينَ خُطاه حتى وقفَ على القبر -قبر الشيخ- فصلّى عليه ثم اعتنقه وبكى"(6). خامسًا: الصلاةُ والدُعاءُ عندَ بعضِ الأمكنةِ راجحةٌ لشرفيتِها كما في مقامِ النبي إبراهيم (عليه السلام) الذي هو عبارٌة عن مُجرّدِ حجرٍ ولكنّه تشرّفَ بمُلامسةِ رجلِ النبي إبراهيم (عليه السلام) فشرّفه اللهُ (تعالى) لذلك وأمرَ المسلمين بالصلاةِ عندَه إذ قال: "واتخذوا من مقامِ إبراهيم مُصلّى"(7). وتشريفُ المكانِ كما قد يكونُ لكونِه أثرًا من الآثارِ المُباركةِ للأنبياءِ (عليهم السلام) فإنّه يكونُ كذلك عندَ حلولِ أجسادِهم الطاهرةِ فيه؛ لأنَّ شرفَ المكانِ بالمكين، ومن ثم فإنّ الصلاةَ عندَها راجحةٌ شرعًا. الثاني: وأمّا قوله: "ولهذا لم يذكرْ أحدٌ من أئمةِ السلف أنَّ الصلاةَ عندَ القبورِ وفي مشاهدِها مُستحبةٌ، ولا أنّ الصلاةَ والدعاءَ هناك أفضلُ منهما في غيرِهما، بل اتفقوا كُلُّهم على أنَّ الصلاةَ في المساجدِ والبيوتِ أفضلُ منها عندَ قبورِ الأنبياءِ والصالحين، سُمّيتْ مشاهدُ أم لم تُسمَّ" فيكفي في الردِّ عليه قولُ ابنِ القيّمِ الجوزية وهو تلميذُ ابنِ تيمية: "إنَّ عاقبةَ صبرِ هاجر وابنها على البُعدِ والوحدةِ والغربةِ والتسليمِ إلى ذبحِ الولد آلتْ إلى ما آلتْ إليه من جعلِ آثارِهما وموطئ أقدامِهما مناسكَ لعبادةِ المؤمنين ومُتعبّداتٍ لهم إلى يومِ القيامة"(8) فابنُ القيّمِ يرى أنَّ موطئَ أقدامِ هاجر وابنها شرّفَه اللهُ (تعالى) ليكونَ محلًّا للعبادةِ، أفلا تستحقُّ الأماكنُ التي حلّتْ فيها أجسادُ الأنبياء والأولياء الطاهرة أنْ تكونَ كذلك؟! كما رويَ عن الإمامِ الشافعي: "إنّي لأتبرّكُ بأبي حنيفة وأجيئُ إلى قبرِه في كُلِّ يومٍ فإذا عرضتْ لي حاجةٌ صلّيتُ ركعتين وجئتُ إلى قبرِه وسألتُ اللهَ (تعالى) الحاجةَ عندَه فما تبعدُ حتى تُقضى"(9) الثالث: لم ينحرفِ الصحابةُ عن القبرِ الشريفِ عندَ الدُعاء. ادّعى ابنُ تيمية "إنَّ الصحابةَ كانوا إذا جاؤوا عندَ قبرِ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يُسلِّمون عليه، فإذا أرادوا الدُعاءَ لم يدعوا اللهَ مُستقبلي القبر الشريف بل ينحرفون ويستقبلون القبلة ويدعون اللهَ كما في سائرِ البقاع" ويُمكِنُ الردُّ عليه بما يأتي: أولًا: نسبةُ الانحرافِ عن القبرِ عندَ الدُعاءِ إلى الصحابةِ مع عدمِ ذكرِ اسمِ صحابيٍ واحدٍ منهم فعلَ ذلك ولو لمرّةٍ واحدةٍ كلامٌ يفتقرُ إلى الدِقّةِ العلمية. فمن أينَ علِمَ ابنُ تيمية بهذه الجُزئيةِ الدقيقةِ ولم يذكرْها ذاكرٌ أو يُشِر إليها مُشير؟! بل وردَ عنهم ما يُخالفُ ادّعاءه تمامًا، فقد وردَ عن ابنِ عمر أنَّ من السُنّةِ أنْ يستقبلَ القبرَ المُكرّمَ ويجعلَ ظهرَه للقبلة(10) ثانيًا: لم يردْ دليلٌ على وجوبِ التوجُّهِ إلى القبلةِ عندَ الدعاء، بل وردَ قولُه (تعالى): "أينما تولوا فثم وجه الله"(11) ممّا يدلُّ على جوازِ التوجُّهِ إلى أيّ جهةٍ عندَ الدُعاء، ومن ثم يدلُّ على جوازِ استقبال القبر. ثالثًا: أفتى الفُقهاء بجوازِ استقبالِ القبرِ عندَ الدعاء. فقد أجابَ مالكُ عندما سأله المنصور: أستقبلُ القبلةَ وأدعو، أم أستقبلُ رسولَ الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم)؟ فقال: ولِمَ تُصرِفُ وجهَك عنه وهو وسيلتُك ووسيلةُ أبيك آدم الى الله (تعالى) يومَ القيامةِ، بل استقبلْه واستشفعْ به فيشفعك اللهُ (تعالى) ..."(12) ومن المُلاحَظِ في سؤالِ المنصور أنَّ الدُعاءَ عندَ القبرِ الشريف كانَ مشهورًا بينَ المسلمين ومفروغًا عن مشروعيتِه، وإنّما سؤالُه في جوازِ التوجُّهِ إليه وجوابُ مالكِ صريحٌ في جوازِ ذلك، بل وقد حثَّ عليه أيضًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رسالة زيارة القبور ص159 (2) صحيح البخاري ج1 ص86وص113ـ (3) الكهف 21 (4) أنظر السنن الكبرى للبيهقي ج4 ص131 (5) شرح إبن أبي الحديد ج15 ص40 (6) وفاء الوفاء ج3 ص923 (7) البقرة 125 (8) كشف الارتياب ص428 (9) تاريخ بغداد ج1 ص123 (10) كشف الارتياب ص247و340 (11) البقرة 115 (12) وفاء الوفاء ج4 ص1376 ، المواهب اللدنية ج3 ص409

اخرى
منذ 11 شهر
652

كوبُ الكابتشينو

بقلم: رضا الله غايتي قلبٌ يتأمّلُ سمفونيتَه الإلهيةَ المُفضّلةَ التي تأسرُه إلى عالمِ الهدوءِ والطُمأنينةِ والتمتُّعِ بعظيمِ خلقِ اللهِ (تعالى) والتفكُّرِ بجليلِ قُدرتِه اللامتناهية.. عينانِ قد تمتعتا بأبهى صورِ الجمالِ من شلّالاتٍ هادرةٍ وجبالٍ شاهقةٍ رغمَ غلقهما بكُلِّ هدوء.. ظهرٌ أسندَه الشعورُ بالإنجازِ إلى مِسندِ الكرسي لا الشعورُ بالعناءِ _كما اعتادت_.. كفّانِ تحتضنانِ كوبَ الكابتشينو بكُلِّ دفءٍ ودلال، روحٌ تُحلِّقُ في عالمِ المعنى وتعيشُ التأمُّلَ في أعلىِ درجاتِه، لم يُعِدْها إلى عالمِها الواقعي صوتُ غلقِ البابِ الذي أحدثتْه تلك الصغيرة، ولا صوتُ سقوطِ الكتابِ المفضل الذي كانت قد أتمت قراءته قبل دقائق، بل أعادها صوت صغيرتها التي قالت بتعجبٍ: - أمّاه، عجبًا، هل تحتسين كوبًا كاملًا من الكابتشينو؟! هل ما عدتِ تهتمين بأمرِ صِحّتِكِ ورشاقتكِ؟! لم تنزعجْ كثيرًا لمُقاطعةِ صغيرتِها ما كانتْ تُحِبُّه كما كانتْ في السابق، ولم يكنْ ردُّها سريعًا بأن تخرُجَ لتُتِمَّ ما كانتْ تستمتعُ به، بل سرحتْ بُرهةً من الزمن، قلَّبتْ خلالَها صورًا ومشاهدَ من فصلِ حياتِها الماضي وبصورةٍ سريعة، فمشهدٌ يبدأُ باستيقاظِها مُبكِّرًا مُثقلةً بهمِّ إرضاءِ كُلِّ من حولها، فتُسابِقُ الزمنَ عندَ قيامِها بواجباتِها اليوميةِ هروبًا من لسعِ كلماتِهم المسمومة، ليُختمَ بعدَ عناءٍ طويلٍ بسياطِ الشعورِ بالتقصيرِ وجلدِ الذاتِ عبرَ الإفراطِ بتأنيبِ الضميرِ عندَ أدنى نقدٍ وإن كانَ بغيرِ حق! ومشهدٌ تُفرِّغُ فيه ما تلقتْه من سِهامِ النقدِ اللاذعِ في نفوسِ أطفالِها البريئة، فتخدش مشاعرَهم بذاتِ أداةِ الجريمةِ التي أردتْها ضحيةً! وبذا تعيشُ في دائرةٍ مُفرغة، لا عملَ لها سوى نقلِ السلبيةِ والتأثُّرِ والتأثير بها. ومشهدٌ.. ومشهدٌ.. ومشهدٌ.. لم تحصدْ منها سوى العناءِ وجلدِ الذات لإخفاقِها في إرضاءِ من حولها.. لم تكنْ مُجرَّدَ مشاهدَ مرّتْ أمامَ ناظريها، بل كانتْ أشبهَ بكوابيسَ جثَمَتْ على صدرِها، فلاحَ ذلك لابنتِها على صفحاتِ وجهِها، فسارعتْ سائلةً وقد آلمها ذلك: - أُمّاه، هل سبّبتُ لكِ بسؤالي إزعاجًا وألمًا؟ أعتذرُ لذلك. رفعتْها بكُلِّ رفقٍ وحنانٍ لتضمَّها إلى صدرِها وقالتْ مُتأسِّفةً: - لا يا حبيبتي، بل أنا من عليه أنْ يعتذرَ لكِ، إذ غرستُ في تُربتكِ الخصبةِ عُقدةَ الشعورِ بالذنب، وقد آنَ الأوانُ لأحلَّ تلك العُقدةَ بعدَ أنْ حللتُ عُقدةَ الاستماتةِ في سبيلِ إرضاءِ الآخرين ولو على حسابِ صِحّتي فضلًا عن سعادتي، واستبدالِها باستهدافِ رضا اللهِ (تعالى) وحدَه وأولًا وآخرًا.. تنفّستْ بعُمقٍ وهي تستشعرُ عظمةَ إنجازهاِ الذي شكّلَ مُنعَطفًا كبيرًا في حياتِها، فأخذتْ تُلاعِبُ شعرَ ابنتِها واسترسلتْ قائلةً: - فلم أعُد -يا حبيبتي- أتألّمُ لاتهامِ بعضهم المُتكرِّرِ إيّاي بالتقصير رغمَ عظيمِ ما أقدِّمُه، أو لعدمِ مُكافأتِه إحساني بإحسان، بل وإنْ كافأني بجحودٍ ونكران! إذ يُغنيني رضا خالقي، ومُكافأته إيّاي عن كُلِّ عملٍ مهما صغُر؛ لإضماري نيّةَ التقرُّبِ إليه (سبحانه)، حتى غدتْ ساعاتُ حياتي سعيًا للتقرُّبِ إليه، تغمرُني فيها لذّةُ الشعورِ بمحضرِه الأعزِّ على قلبي، مُستمِدّةً العون في لحظاتِ ضعفي بعينِه التي تشهدُ مُكابدتي الآلامَ في سبيلِ الوصولِ إليه، فهو حبيبي إلهي وخالقي والمُنعمُ عليَّ في حدوثي وبقائي، أستشعرُ نعمَه في كُلِّ نَفَسٍ فأزدادُ شوقًا لمُلاقاته.. حوّلتْ بناظريها نحوَ ابنتِها فإذا بها نائمة، تبّسمتْ وهي تتأمّلُ وجهَها الملائكي، لكنَّ ذلك لم يقطعْ سلسلةَ أفكارِها ولم يُسكِتْ هديرَ حروفِها التي تروي قصةَ انتصارِها بفَخرٍ واعتزاز فأكملت: - وها أنا اليوم يا حبيبتي أكافأُ نفسي لانتصاراتِها بهذه الجلسةِ المُفضّلةِ عندي؛ لأختمَ نهاري الحافلِ بالإنجازاتِ بكلمةِ شكرٍ أنا من يُسمِعُها لنفسي طالما تمنّيت سماعها من الآخرين، ولأستشعرَ بقيمةِ ذاتي التي طالما أحرقتُها حزنًا وألمًا على سوءِ تقديرهم إيّاي ومُعاملتي وكأنّي شخصٌ بلا قيمةٍ مُطلقًا.. وأما عن كوب الكابتشينو فاطمئني فهو لن يؤثِّرَ على صحّتي ورشاقتي كثيرًا بالقياسِ إلى قِطِع الشوكولاتة التي كُنتُ التهمُها بعدَ كُلِّ شعورٍ بالإحباطِ، لتصنعَ في داخلي وهمَ المُتعةِ والسعادةِ المؤقتةِ تعقبُها سياط تؤنِّبُ ضميري وتُعيدُني إلى نقطةِ البداية!

اخرى
منذ سنة
851

شاهدا زور

شاهدا زور بقلم: رضا الله غايتي طالَ الحنينُ لسنين وسنين؛ واشتدَّ هجيرُ البُعد، فتجمّعتْ غيومُ الفراق، وما إنْ هبَّ نسيمُ اللقاءِ مُجدّدًا حتى أمطرتْ عيونُ القلبِ فرحًا وسرورًا.. تُهتُ بينَ عِطرِ الصداقةِ الصادقةِ وبينَ عِطرِ تلك الزهورِ العابقةِ التي طرّزتْ أرجاءَ الحديقة، فأحكمتُ قبضتي على كفِّها لأثبِتَ لفؤادي أنّني لستُ في عالمِ الأحلام -رغمَ أنَّ الشمسَ في كبدِ السّماء!- بل في عالمِ الحقيقة.. فرحةٌ عارمةٌ أغرقتني، سُرعانَ ما استلّتني منها دونَ سابقِ إنذارٍ أماراتُ ألمٍ عميقٍ رُسِمتْ على ملامحِها، وسُحناتُ حُزنٍ دفينٍ بُعِثتْ لتشيَ عمّا يعتلجُ في صدرِها.. ما إنْ سألتُها عن أخبارِها، حتى تنافسَتِ الدّموعُ في الهطولِ من عينيها مُعلنةً الجوابَ نيابةً عمّا في فيها، فانعكس حُزنُها على صفحاتِ وجهي دونَ أنْ أعرفَ الأسباب! ولِمَ لا؟! أولستُ أنا مَنْ كُنتُ وما زلتُ رغمَ سنواتِ الفِراقِ توأمَ روحها؟! جذبتُها نحوي برفقٍ واحتضنتُها بشِدّة، كانَ ظاهرًا كذلك الاحتضانِ الذي مضى مُنذُ سنواتٍ بعيدة، لكنّ بونًا شاسعًا بينَ باطنِ هذا وذاك؛ فذاكَ لم يكنْ إلا بدافعِ الاشتياق، أو فرحًا بفوزِنا في سباق، أو حُزنًا لتلكّؤنا بامتحانٍ سُرعانَ ما يُبدِّدُه العناق، أما هذا فلألمٍ عميقٍ تضربُ جذورُه في الأعماق، ألمٍ حقيقيٍ شاقّ، ليس كذاك المجازي أيامَ الصبا والفتوّة، ألمٍ نُدرِكُه بعُمقِ إدراكِنا وبغورِ وعينا، ألمٍ عالٍ راقٍ.. كُنتُ أتوقّعُ أنّ خَطبًا ما ألمّ بأسرتِها.. بأُمِّها.. بأبيها، ولكنَّ المُفاجأةَ التي لمْ أكُ أتوقعُها لحظةً، أنّها قد طُعِنتْ بذاتِ الأُمنيةِ التي ماتتْ شوقًا لتحقيقِها، ونسجتْ أحلامَها الواعيةَ وطموحاتِها الكبيرةَ على منوالِها، فأجبتها قائلةً: - يا مرآةَ حياتي.. ولِمَ؟! فأنتِ لم تنشُدي يومًا ثراءً ولا جاهًا ولا منصبًا ولا جمالًا، بل لطالما كُنتِ ترومينَ الاقترانَ بمَنْ يشبُهكِ تمامًا في الدّينِ والعقيدةِ وإنْ باعدَتْ بينَ سنِّكِ وسنِّه السنوات، وبمَنْ يمُاثلُكِ في الأفكارِ والقيَمِ والطموحاتِ وإنْ باعدتْ عن بيئتيكما المسافات، ولقد تناهى إلى سمعي أنّه لكذلك يشهدُ عليه مُستواهُ العِلمي وتخصّصُه العملي! - مع بالغِ الأسفِ يا توأمَ روحي، لقد كانا شاهدي زورٍ يا حبيبتي، بل نحنُ من ألبسناهما رداءَ الشهادةِ وهما منها براء! فهمتُ جوابَها المُقتضَب، فعلِمتُ سِرَّ وجعِها العميقِ وزالَ منّي العجب، عِلمًا أحرقَ شِغافَ قلبي فتصاعدتْ أبخرتُه ألمًا شديدًا تكاثفَ قطراتٍ خطّتْ على خدّي حُرقةَ الأسف.. دقيقاً كانَ جوابُها؛ بل وعميقاً أيضًا؛ فعلمُ المرءِ أنَّ السُكّرَ حلوُ المذاقِ وحدَه لا يمنحُه الاستمتاعَ بذلك الطعمِ؛ إذ لا بُدّ أنْ تسبقَه خطوةً يتيقّنُ فيها تمامَ اليقينِ أنَّ تلك الحُبيباتِ الناعمةَ الناصعةَ البياضِ أمامَه هي سُكّرٌ حقًّا، وإلا فإنّ عليه أنْ يتجرّعَ ملوحتَها طوالَ عُمُرِه إنْ هو اعتمدَ في الحُكمِ عليها عبرَ مظهرِها الخارجي فقط.. فأجبتُها بحسرةٍ وأسفٍ بالغين: - نعم، يا عزيزتي فاطمة.. قبلَ اتخاذِنا الشهودَ لا بُدّ من التحرّي من صِدقهم أولًا، وقبلَ ذاك لا بُدّ أنْ يكونوا شهودًا حقًّا لا أنْ نجتهدَ في إسباغِ هذه الصفةِ عليهما فنُخطِئَ في الوصف، خطأً يجرُّنا إلى الخطأ في الحُكم، الذي لا يُفرِزُ إلا الألمَ والندمَ، ولاتَ حينَ مندم..

اخرى
منذ 10 أشهر
933

وانتُهِكتْ بقتلِكَ حُرمةُ الإسلام

بقلم: رضا الله غايتي ما إنْ تكتحلُ نواظرُنا بتلك القُبّةِ المنيفة، حتى تقتحمَ هيبةُ المزورِ قلوبَنا اقتحامًا، فتتسارعُ نبضاتُها حُبًّا وإجلالًا تارةً، وأَلَمًا وجَزعًا أُخرى؛ لما أصابَه من عينٍ قد نبتْ فيها السهم، ورأسٍ قد أثّرَ فيه العمود، وكفّينِ قد قُطِعتا لا لذنبٍ اقترفتاه سوى الذبِّ عن دينِ الله (تعالى)، وإمامِ الزمان (عليه السلام)، وحُرَمِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)! نُبادِرُ إلى قراءةِ الزيارةِ مُبادرةَ الظمآنِ إلى الماء، فنرتوي بمضامينِها العاليةِ التي تُشيرُ إلى مقاماتٍ أثيلةٍ قد أثبتَها عِدلُ القرآنِ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) بسندٍ صحيحٍ.. العقلُ يحارُ وتزدحمُ فيه الأفكار؛ فأيُّ مقامٍ للكفيلِ (عليه السلام) أُنيرُ القلوبَ به، والمقامُ لا يتسعُ لشرحِ كلمةِ (السلام) من زيارته؟! ولكن لمّا كانَ (ما لا يُدرَكُ كُلّه لا يُترك جُلّه)، آثرتُ أنْ أقفَ عندَ عبارة: "وانتُهِكتْ بقتلِكَ حُرمةُ الإسلام"(1) الإسلامُ: هو الدينُ الذي جاءَ به جميعُ الأنبياء (عليهم السلام)، وإنِ اختلفتْ شرائعُهم، قالَ (تعالى): ﴿قُلْ آمَنَّا باللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾(آل عمران84). بل إنَّ دينَ الإسلامِ هو دينُ جميعِ مَنْ في السماواتِ والأرض، قالَ (تعالى): ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾(آل عمران83) بل هو وحدَه الدينُ المرضيّ عندَه (تعالى)؛ إذ قال: "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ "(آل عمران 19) وأمّا حُرمةُ الإسلامِ فيُمكِنُ تقريبُ معناها بالمعنى العرفي؛ فمن المعلومِ مثلًا أنَّ هناك مساحةً مُعتدًّا بها تُحيطُ بقصرِ الملكِ عادةً، يُعبَّرُ عنها بـ(الحرم)، استمدّتْ حُرمتَها من مُلاصقتها المُباشرةِ للقصرِ الملكي، يلتزمُ الجميعُ فيها بما تُمليه عليهم الأنظمةُ الملكية، وتُعدُّ مُخالفةُ تلك الأنظمةِ –وإنْ كانَ جهلًا- انتهاكًا للحرم الملكي، يُعرِّضُ فاعلَه إلى عقوبةٍ شديدة. فإذا تصوّرْنا ما تقدّمَ من معنى لفهمِ حُرمةِ الإسلام، فبلا ريبٍ تكونُ حُرمتُه أقدسَ وأعلى بمراتبَ ومراتب -لقُدسيّةِ الإسلامِ نفسِه-، ويكونُ انتهاكُها جُرمًا عظيمًا، ومن ثم لا يُمكِنُ أنْ تُنتهَكَ بقتل أيّ مسلمٍ، وإنما هي تنتهك بقتل من له في الإسلام منزلة رفيعة، بحيث يُعد التعدي عليه تعدياً على الإسلام نفسه، كالعالم، وكالمعصوم، وتالي تلو المعصوم. وأبو الفضل العباس (عليه السلام) يُعد تالي تلو المعصوم، فهو –كما يعبر العلماء- معصومٌ بالعِصمةِ المُكتسبةِ؛ للكثيرِ من الأدلةِ والبراهينِ التي لا يسعُ المقامُ لذكرِها فضلًا عن التفصيلِ فيها؛ ولذا انتُهِكَتْ بقتلِه حُرمةُ الإسلام. وقد مثّلَ دينَ الإسلامِ نفسَه يومَ الطفِّ الإمامُ الحسين (عليه السلام)؛ لأنّه حقيقتُه وجوهرُه وأصلُه، ولذا نقرأُ في زيارةِ الناحية: (لقد قتلوا بقتلك الإسلام)(2). ومن هُنا يُمكِنُنا أنْ نفهمَ لِمَ كانَ قتلُ أبي الفضل (عليه السلام) دون غيره هو الذي مهَّدَ لوصولِ الأعداءِ إلى الإمامِ الحسين (عليه السلام) ثم قتله، ولِمَ كانَ صاحبَ لوائه، ولِمَ قرنَ بمُضيّه تفرُّقَ عسكرِه(3)؛ إذ إنّه حَرمَه، ولا يُمكِنُ للأعداءِ الوصولُ إليه إلا بعدَ انتهاكِ حرمه! كثيرةٌ هي مقاماتُك الجليلةُ ومراتبُك العظيمةُ سيّدي ومولاي أبا الفضل، ولو لم يكنْ إلا هذا المقام لكفى، فسلامٌ عليكَ سيّدي ومولاي يومَ ولِدتَ ويومَ استُشهِدتَ فانتُهِكَتْ بقتلِكَ حُرمةُ الإسلام ويومَ تُبعَثُ حيًا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)البحار،ج ٩٨،ص٣٦٤ (2)المصدر السابق،ج ٩٨،ص٢٤١ (3)المصدر نفسه، ج45، ص4١

اخرى
منذ سنة
1188

أوّلُ المسلمين

بقلم: رضا الله غايتي قال(تعالى): "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ "(آل عمران19) تصرح هذه الآية بأن الدين عند الله تعالى هو الإسلام لا غير. فليس ثمة دينٌ سواه، ومن ثم فلا وجود لأديان سماوية متعددة، إن هو إلا دينٌ واحدٌ فقط وهو الإسلام. أما ما يُتعارفُ عليه اليومَ أنّها أديانٌ سماوية فما هي في الحقيقةِ إلا شرائع تضمُّ أحكامًا تختلف فيما بينها قال (تعالى): " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"(المائدة48) تنضوي جميعُها تحت دينٍ واحدٍ وهو دين الإسلام. المرادُ بالإسلام –بهذا الإطلاق-: التسليم والعبودية لله (تعالى) التي تتضمّن التوحيد والإيمان بصفاته (عز وجل) وبالنبوة والمعاد. وإنما أطلِقَ اسم "الإسلام" على الشريعةِ التي جاء به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أيضًا؛ لأنها أرفع الشرائع. ولذا فلا غرو أن يكون الأنبياء جميعهم مسلمين، وقد أكدت ذلك آيات القرآن الكريم منها قوله (تعالى) على لسان النبي نوح (عليه السلام): "وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ"(يونس72)، وعلى لسان النبيين إبراهيم وإسماعيل (عليه السلام): "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ"(البقرة128)، وعلى لسان النبي سليمان (عليه السلام): "وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ"(النمل42). إن مما يدعو إلى التساؤل هو أن يكون النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وهو خاتم الأنبياء (عليهم السلام) أولَ المسلمين، قال (تعالى): "وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"(الأنعام 163)، فكيف يكون أول المسلمين وقد سبقه جميع الأنبياء؟ في مقام الجواب نقول: إنَّ الله (تعالى) أخذ الميثاق من جميع خلقه في عالم الذر -هو عالمٌ غيبي من العوالم التي تسبق عالمنا هذا-، روي أنَّ ابن الكواء سأل أمير المؤمنين (عليه السلام): أخبرني عن الله (تبارك وتعالى) هل كلّم أحدًا من ولد آدم قبل موسى؟ فقال علي (عليه السلام): قد كلّمَ الله جميع خلقه برِّهم وفاجرهم، وردّوا عليه الجواب. فثقُلَ ذلك على ابن الكواء ولم يعرفه، فقال له: كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال له: أو ما تقرأ كتاب الله إذ يقول لنبيه: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى»؟ فقد أسمعكم كلامه، وردوا عليه الجواب كما تسمع في قول الله ـ يابن الكواء ـ «قالوا بلى» فقال لهم: إني أنا الله لا إله إلا أنا، وأنا الرحمن، فاقروا له بالطاعة والربوبية.."(1) وقد كان رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وآله) أول من أقرَّ لله (تعالى) بالطاعة والربوبية، روي أنّه (صلى الله عليه وآله) سُئل: "بأيّ شيءٍ سبقت الأنبياء وأنت بُعِثتَ آخرهم وخاتمهم؟ فقال: إنّي كنتُ أولَ من آمن بربي وأول من أجاب حيث أخذ الله ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ فكنت أول من قال: بلى، فسبقتهم بالإقرار بالله (عز وجل)(2) فهو (صلى الله عليه وآله) وإنْ كان آخر الأنبياءِ زمناً وبعثًا في عالم الدنيا مما يستدعي تأخره عنهم، إلا أنّه أول من أقرَّ لله (تعالى) بالطاعة والربوبية في عالم الذرّ وبذا يكون أول من أسلم من الناس أجمعين، قال (تعالى): "وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا"(الأحزاب7) فقد قدّم الله (تعالى) ذكر نبينا (صلى الله عليه وآله) في أخذ الميثاق على سائر أنبياءِ أولي العزم رغم تأخره عنهم في عالم الدنيا، وما ذلك إلا لأسبقيته عليهم في عالم الذر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)البحار، ج67،ص101 (2)شرح أصول الكافي، ج4،ص114

اخرى
منذ سنة
968