Profile Image

تغريد الخفاجي

عاشوراءُ فُرصتُك الأُخرى

بقلم: تغريد الخفاجي كُثُرٌ هُم من كانوا ينتظرون ويعدّون عُدّتهم ليُحيوا مُحرّمًا من جديد؛ منهم من كانَ خادمًا ومضيافًا مُخلصًا لزوّارِ أبي عبدِ الله (عليه السلام)، ومنهم من كانَ زائرًا جُلُّ همِّه أنْ يكونَ اسمُه بينَ أسماءِ الزائرين، وكثيرٌ منهم كانوا مواظبين على حضورِ مجالسِ العزاءِ والبكاء مستشعرين لذّةَ هذه الأجواءِ الروحيةِ، لكن كانَ للقدرِ مجراه، فقد ألقى بحبالِه حولَ أعناقهم، وغيّبَهم بعيدًا عن هذا العالم بعد أنْ أرداهم تحتَ الثرى نيّامًا. أما أنتَ، فقد كتبَ اللهُ (تعالى) لك أنْ تحظى بعاشوراء مرّةً أُخرى، أنْ تكونَ بينَ جموعِ المُعزّين، أي إنّك في فُرصةٍ أخرى قد حظيتَ بها أنتَ الآن.. ولمرّةٍ أُخرى قد دُعيتَ إلى مائدةِ أبي عبدِ الله (صلوات الله عليه) فاستثمرْ فرصتَك خير استثمار، كُلّما كُنتَ مِعطاءً كريمًا كانَ هو أكرمَ، فلا تبخلْ عليه (عليه السلام) بالدمعةِ.. باللطمِ على الصدر.. بأيّ عملٍ يُظهِرُ حزنك لفقده وجزعك لمصابه.. ولا يهمُّ إنْ كانَ عملُك بسيطًا أم ضخمًا، بقدرِ ما يهمُّ الباعثُ وهي النيّةُ؛ فإنْ أخلصتَ في نيتِك لا يهمُّ إنْ كنتَ قدّمتَ كوبًا من الشاي أم ذبحتَ عجلًا.. عاشوراءُ محطّةٌ من محطّاتِ الرحمةِ الإلهيةِ التي جعلَها اللهُ (تعالى) لنا لمُراجعةِ أنفسِنا والوقوفِ عندَ أعمالِها.. عاشوراءُ محطّةٌ للعودةِ إلى الذات، وترويضِ النفسِ وتهذيبِ الأخلاق؛ فمن المُمكنِ أنْ نُصلِحَ الكثيرَ من الخرابِ الذي صنعناه بأنفسِنا، فقط وفقط علينا أنْ نتأسّى بمولانا الحُسين (عليه السلام)، وأنْ نجعلَ من عاشوراءَ مدرسةً نتلقّى العِبَرَ والدروسَ منها، وأنْ نتخذَ من شخوصِ الطفِّ قدوةً في ثباتِهم وعزمِهم وكيفَ أنّهم انتصروا على شيطانِ أنفسِهم قبلَ شياطينِ البشرِ.. وكيفَ أنهم استطاعوا الغَلَبَةَ والنصرَ على ذواتِهم وذلك غايةُ النصرِ الذي أخذَ بيدِهم إلى دربِ الهدايةِ، وقد أبصروا الأمورَ على حقيقتِها فأبصروا طريقَهم جيّدًا ووعوا حقائقَ الأمورِ، فرأوا أنّ النجاةَ في أنْ يكونوا مُجزّرين كالأضاحي دفاعًا عن الحقيقةِ، رأوا في الموتِ السعادةَ الأبدية.. فإنْ كُنتَ قد غرقتَ في بحرِ ظُلُماتِك وذنوبِك التي حجبتْ عنك إبصارَ الطريقِ وتقاذفتك الأمواجُ فلا تيأسْ فإنّ في هذا الشهرِ قد تجدُ ضالتَك، بل تجدُ نفسَك، رويَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): "الحُسينُ مِصباحُ الهُدى وسفينةُ النجاة". نعم، الحُسينُ (عليه السلام) سفينةُ النجاةِ، وسيأخذُ بيدِ الغرقى حتمًا، فقط مُدَّ يدَك واسْعَ نحوَه سيأتيكَ حتمًا ولنْ يتوانى، فقط اعزمْ واعقدْ نيتَك بإخلاصٍ بأنْ تكونَ حُسينيًا وتتوبَ وتعزمَ على عدمِ عودتِك للذنوبِ مُجدّدًا وسترى عطفَه.. سيأخذُ بيدِك لكن إيّاكَ أنْ تخسرَ فُرصتَك.. فلا تُفلت يدك عنه.. تمسّكْ به جيّدًا؛ فما إنْ يراك مُتمسِّكًا به جيّدًا، فإنه سيُمسِكُ بيدكَ وأنقذك. وأخيرًا كُنْ حُسينيًا بسلوكِك وتصرُفاتِك وأخلاقِك، استشعرِ الحُسينَ (عليه السلام) بداخلِكَ بكُلِّ سكناتِك وحركاتِك؛ ليرى الآخرون فيك الحُسيني الصادق فتكونَ مصداقًا لقولِ إمامِنا الصادق: "كونوا دُعاةً صامتين" دَعْ أخلاقَك وسلوكَك يتحدّثان عنك، فما زلتَ في بدايةِ الشهر وأمامك مُتسَعٌ من الوقتِ لتبدأَ من جديدٍ وتصنعَ من نفسِك إنسانًا جيّدًا، فقط عليكَ أنْ تخطوَ خطوتكَ الأولى نحوَه وسترى كيفَ أنّ المسافاتِ الطوال ستُطوى لك.

اخرى
منذ 3 أشهر
421