نريد وطنًا بعقيدة

بقلم: علوية الحسيني إنّ مجريات الوضع الراهن في العراق هي من موجبات إدخال الأسى على قلب حجّة الله على الأرض الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ لأسبابٍ عديدة منها كونهم شيعته، وكون الدولة دولة حكومته العادلة. وبالتالي فإنّ كلّ فعلٍ أو ردّة فعلٍ من شيعته عمومًا، ومن شيعة العراق خصوصًا يغضبان الله تعالى ويغضبانه. وما نعرفه أنّ هيكلية الدّين الإسلامي عبارة عن ثلاثية لا ينفك بعضها عن بعض: 1/ أصول الدّين، وهي رأس المثلث، وتسمى بالعقيدة، التي تعنى بالاعتقاد بتوحيد الله تعالى، وعدله، وبنبوّة الأنبياء وتنزيههم عن المعصية، وبإمامة الأئمة وتنزيههم كذلك، وبالمعاد الذي هو يوم الحساب. 2/ فروع الدّين، وهي ما يسمى بعلم الفقه، الذي يعنى ببيان الأحكام الشرعية (واجب، حرام، مستحب، مكروه، مباح) في عبادات الإنسان ومعاملاته. 3/ أدبيات الدّين، وهي ما يسمى بالأخلاق، الذي يعنى بالتخلق بأخلاق القدوة الحسنة، محمدٍ وآل محمد (عليهم السلام). وبالتالي لو تخلّق المؤمن الشيعي بأخلاق الصفوة (عليهم السلام)، وأدّى تكاليفه الشرعية، لكنه جهل بأصول دينه –بعقيدته- لم يكن إيمانه كاملاً؛ لأنّه أخلّ بهيكلية النظام الدّيني الإسلامي. وفي يومنا هذا رأينا الحرق، والخراب، والدمار، والرقص، والغناء، والبهتان –اتهام الشخص بما ليس فيه-، فضلاً عن الغيبة، وسوء الظن، والتطاول على المرجعية أو التدخل في شؤونها، إن لم يزد على ذلك اتهام الله تعالى بالظلم لعباده!. وهذا وإن كان ردّة فعلٍ، وليس فعلاً دائميًا، إلاّ أنّه لا مسوّغ له بتاتًا؛ إذ يكشف عن عقيدةٍ مطعونة برماح الجهل بها، أو التشكيك فيها، أو الغفلة عنها. فحينما نردد كلمة (نريد وطنًا) يجب أن تكون عقيدتنا شامخة، هي منبع أقوالنا وأفعالنا. *فاتهام الله تعالى بالظلم لعباده، هو طعنٌ بعقيدتنا بثاني أصول الدّين وهو العدل الإلهي، وهذا سلوك خطير للغاية، مؤداه إلى الكفر –والعياذ بالله-؛ لأنّ الله تعالى عادلٌ لا يحيف في حكمه، ولأنّ الظلم قبيح، فامتنع على الله تعالى فعل القبيح. إنّ فهم مجريات الأحداث على أنّها ظلمٌ من الله تعالى هو فهمٌ قاصر ساذج، لا يصدر من مؤمن اثني عشري، قد نهل عقيدته من العترة المحمدية. فالظلم متحققٌ من العباد لأنفسهم، لا من الله تعالى، يقول تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون}(1). ويقول تعالى منزّهًا نفسه عن الظلم لعباده، جاعلاً لهم البلاء جرس تنبيهٍ لهم لعلّهم يرجعون إلى طريق الله تعالى واستشعار معيّته، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون}(2). سكوتنا على الفساد الفكري والأخلاقي لا مبرر له شرعًا، ومن موجبات ظلم النفس وتعريضها للسطوة الإلهية؛ لأنّ الإنسان كخليفةٍ لله على الأرض يتعيّن أن يعمّ الصلاح والخير على نفسه ومجتمعه، ليليق بمنصب الخلافة، ومن يفعل غير ذلك فهو لضعفٍ أو جهلٍ في عقيدتنا في غرض الله تعالى في إيجادنا، ولهذا انتشر الفساد بكافة أقسامه –حتى المالي- في البر والبحر؛ نتيجة تهاون المجتمع بالتصدي للتعاون مع المختصين بالقضاء على الفساد الفكري ومحاربة البدع والشبهات. ونتيجة تهاون المجتمع أيضًا لردع الفساد الأخلاقي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة بالموعظة الحسنة. فما بال ثورتنا اليوم مقتصرة على الفساد المالي فقط؟!. ثم إنّ اقتصارها على هذا الفساد لا مدخلية له بظلم الله تعالى بتاتًا، فيبقى ظلم العباد لأنفسهم متحققًا على كلّ حال. *أمّا الرقص، والغناء، والبهتان، والغيبة، وسوء الظن، فهو طعنٌ بعقيدتنا في توحيد الله تعالى بالطاعة؛ إذ بهذه السلوكيات نطيع الشيطان، ونقرن طاعته بطاعة الرحمن، يقول الله الواحد الأحد في كتابه الكريم: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان}(3). فاتباع خطوات الشيطان يعني الطاعة والموالاة له، ومن والى الشيطان فقد أشرك بموالاة الله الواحد، يقول تعالى: { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينا}(4)، والخسران المبين هو خسران الدنيا والآخرة، فأمّا في الدنيا فإنّه يزيّن لأتباعه الفواحش ليرتكبوها، وما يترتب على الغناء والرقص والتسافل الروحي إلاّ ارتكاب الفاحشة، أو حتى التفكير فيها، يقول تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاء}(5). وعقيدتنا في الله تعالى أنّه صادق في قوله، فكلّ ما جاء في الآيات صدقٌ، إذًا تعيّن ضعف عقيدة كلّ من أقدم على ذلك. وأما في الآخرة فالمثوى جهنم وبئس المصير. وهكذا بالنسبة للغيبة والبهتان وسوء الظن فهو عدم طاعةٍ لأوامر الله تعالى الذي أمرنا بالاجتناب عنها؛ قائلاً: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضا}(6). وبالتالي لا يقدم على ذلك أحد إلا لضعفٍ في عقيدته في طاعة الله تعالى. *وأما التطاول على المرجعية أو التشكيك في كلامها والتدخل في شؤونها، فهو طعنٌ بعقيدتنا في الإمامة، وحصرًا في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، الذي أخبر آخر سفرائه بوجوب رجوع شيعته إلى رواة حديثهم، ومنهم نائب الإمام (عليه السلام) في حال غيبته، "وهو الحاكم والرئيس المطلق، وله ما للإمام في الفضل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الامام، والراد على الامام راد على الله تعالى، وهو على حدّ الشرك بالله، كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت عليهم السلام"(7). أمّا الحرق، والتخريب، والدمار، هو فطعنٌ بعقيدتنا في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بعدم الحفاظ على دولته. روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) موضحًا عاصمة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) برواية مطلقة مفادها: "كأني بالقائم عليه السلام على نجف الكوفة، وقد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، وجبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرّق الجنود في البلاد"(8). فالوطن الذي يقدسه وليّ الله المنقذ، والملائكة، لهوَ خير وطنٍ ويجب الحفاظ عليه بكل ممتلكاته ومبادئ دينه. كما وأنّ هناك نصوصًا روائية حددت محل عاصمة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بأنّها الكوفة، منها رواية المفضل بن عمر عن الإمام الصادق (عليه السلام): قال المفضل: قلت: يا سيدي فأين تكون دار المهدي أو مجتمع المؤمنين؟ قال عليه السلام: دار مُلكه الكوفة، ومجلس حُكمه جامعها، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة، وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين"(9). فالمجتمع الذي فسدت عقيدته، أو تعمّد الجهل فيها لا خير فيه حتى وإن حصل مواطنوه على متطلبات حقوقه، وليس الجهل العقائدي هو المعهود من شيعته ومنتظريه، فكل ما نريده وطنًا بعقيدة. نعم، حق التظاهر والمطالبة بمطاليب مشروعة مكفول دستوريًا؛ لما جاء في الدستور الوضعي العراقي سَنًّا لذلك الحق: "تكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام العام والآداب: ...حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون"(10) لكن بما لا يخل بالعقيدة، تعمدًا بالجهل، أو تماهلاً في التثقيف. فوطنٌ أبناؤه يجهلون ببعض عقائدهم لا نفع في خيراته المادية، ومن هنا يتضح أنّ هناك خيرات معنوية للوطن يجب أن نطلبها من الله تعالى للوصول إلى الكمال لحين زمن الظهور، واكتساء الوطن بالشرافة على جميع الأوطان، فلنردد (نريد وطنًا عقائديًا). فمن الثبات على العقيدة، والتثقف فيها تطبق فروع وأخلاقيات الدّين، وبالتالي لا غش، ولا فساد بكافة أقسامه، ولا اختلاس، ولا تزوير، وهلم جرًا من السلبيات المنتفَض ضدها. _______________ (1) النحل: 118. (2) الروم: 41. (3) البقرة: 168. (4) النساء: 119. (5) البقرة: 268. (6) الحجرات: 12. (7) عقائد الامامية: للشيخ المظفر، ص34. (8) البحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج52، ص337، عن إرشاد الشيخ المفيد. (9) المصدر نفسه، ج53، ص11. (10) الدستور العراقي، م38، ف3. اللّهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدُّنيا أكبر همّنا، واجعلنا من الممهدين المناصرين، بحق محمد وآله الطاهرين.

العقائد
منذ 3 أسابيع
480

شبهاتٌ حول مذهب التشيّع/ في النبوّة (6)

بقلم: علوية الحسيني قال منكرو بعثة الأنبياء: "من القبيح عقلاً اتِّباع رجل مثلنا يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق يعطى صفة النبي، وحيث لا مائز بينه وبيننا فلا يجب اتبّاعه". والجواب عن هذه الشبهة سيكون ضمن المطالب التالية: المطلب الأول: جذور هذه الشبهة. هذه الشبهة قد تناولها القرآن الكريم، حينما اتهموا النبي نوح (عليه السلام) بأنّه بشر مثلهم، بل ونعتوه بالجنون، وأنكروا رسالته السماوية، وادّعوا اختصاصها بالملائكة المتصلة بالغيب، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ* فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِين} (1). وفي نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) جرى هذا التهكم؛ حيث قال تعالى حاكيًا عن لسانهم: {وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرا} (2). فتهكمهم واضح بحق النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، "حتى استفهم الوثنيون فيما بينهم بأسلوب الاستفهام التعجبي، من كون الرسول يماثل المرسل إليهم ببشريته، فرهنوا الإيمان به لو كان مَلَكًا من الملائكة، وهذا زعمٌ منهم" (3). إذًا لهذه الشبهة تأصيل جذري كما لاحظنا في سياق الآيات القرآنية الكريمة، بل ولعلّها سؤالٌ مركوز في ذهن بعض المؤمنين، ولا ضير في طرحه ومعرفة جوابه؛ إذ لا تقليد في الجانب العقائدي، فلو سُئل أحدنا: لماذا النبي بشر؟ وما سبب تفضيله على العالمين إن كان بشرًا مثلهم؟ فيجب أن يكون جوابه موافقًا للكتاب الكريم والروايات الشريفة. وإذا كانت جذور الشبهة بهذا العمق فلابد من بيان جوابها بشكلٍ تدريجيٍّ منتظم. المطلب الثاني: ضرورة إنسانية النبي ومسانخته لمن أُرسل إليهم. إنّ المتأمل في الكتاب الهادي الرشيد، يجد أنّ الآيات الكريمة عديدة في بيان بشرية النبي (صلى الله عليه وآله)، منها: أولًا: آياتٌ صرّحت بكون النبي (صلى الله عليه وآله) بشرًا؛ فأمرَ الله تعالى نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يخبر الناس ببشريّته حصرًا؛ حيث جاء الأمر: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} (4). ثانيًا: آياتٌ جاءت موضحةً لصورة النبي (صلى الله عليه وآله) للمرسلين بأنّه بعضهم، كقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مــــِنْ أَنْفُسِكُم}(5)، فالمولى استعمل (مِن) التي تفيد التبعيض – كما يقال: الكرسيُّ مصنوعٌ من الخشب، أي إنّ الكرسي خشب-، فالنبي (صلى الله عليه وآله) من بني البشر، له نفس إنسانية مثيل أنفسكم. ثالثًا: آياتٌ تعدّ بشريّة النبي (صلى الله عليه وآله) من المنن العظيمة التي منّ الله تعالى على عباده بها؛ حيث قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين} (6)، حيث إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لو كان غير بشر (مَلَكًا) لما استطاع يعلّم الناس علوم الدّين الإسلامي القويم؛ لأنّ المَلَك غير مرئي -في عالم الدنيا-، فبعث الله تعالى نبيّه بشرًا لتسهيل عملية هداية الناس، وليكون هو (صلى الله عليه وآله) قدوة لهم، فيقتدوا بشخصٍ يرون أفعاله، ويسمعون كلامه، حتى جعل الله تعالى قول وفعل وسكوت النبي (صلى الله عليه وآله) حجّة. رابعًا: آياتٌ تبيّن صفات النبي (صلى الله عليه وآله) البشرية، ومنها: 1/ النبي يحتاج إلى الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه} (7). 2/ النبي يموت، قال تعالى: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون} (8). 3/ النبي ينام، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَه} (9). 4/ النبي يلبس الملابس، قال تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّر} (10). 5/ النبي يفقر ويغنى، قال تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} (11). 6/ النبي يتعلم من الله تعالى، قال تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك} (12). إذ "المراد بشرح صدره (صلى الله عليه وآله) في الآية جعله واسعًا لتلقي المعارف الإلهية الموحاة إليه" (13). 7/ النبي يأكل ويمشي، قال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاق} (14)، وهذه الآية وإن استشهدوا بها لتأييد شبهتهم إلّا أنها على كل حال تدل على صفات النبي (صلى الله عليه وآله) البشرية، من مشيه، وأكله. فعقيدتنا في النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه بشرٌ مثلنا، إلاّ أنّ الله تعالى اصطفاه واجتباه؛ لاتصافه بصفات لا يدانيه بشر فيها. وإلى هنا يزداد التمسك بالشبهة، وما سلف أعلاه كان أشبه بالمؤيّد لها، فيبقى السؤال قائمًا: إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) بشرًا مثلنا فلماذا هو نبي دوننا؟ الجواب سيتكفل ببيانه المطلب التالي. المطلب الثالث: أفضلية النبي (صلى الله عليه وآله) في العوالم نعتقد كشيعة امامية أنّ الله تعالى لا يجبرنا على الأعمال الحسنة والسيئة، ولا يفوّض مطلقًا إلينا اختيارها، وإنّما أمرٌ بين أمرين. فأفضلية النبي (صلى الله عليه وآله) كان للنبي دخالة في تكوينها، مع جريان المشيئة الإلهية، في جميع العوالم. والتفصيل: أولاً: أفضلية النبي في عالم الملكوت. ففي عالم الذر، المسمى بعالم الملكوت، خلق الله تعالى مخلوقاته على هيئة أرواح، نثرهم وسألهم: مَن ربّكم؟ فأخذت جميع الأرواح تتأمل، ونطق أولها قائلاً: الله ربّي، وكانت تلك الروح هي روح النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) فكانت أول المسلمين بالله تعالى، فكان هذا من أهم أسباب أفضلية النبي في ذلك العالَم -الذر-؛ قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين} (15)، وجاء في تفسير هذه الآية "أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أول المسلمين؛ لأنّه أول من أجاب في عالم الذر فكان إسلامه متقدمًا على إسلام الخلائق كلّهم" (16). كما أنّ الجانب الروائي جاء عاضدًا لذلك؛ حيث روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): "... فَلَمَّا أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلام) وَالائِمَّةُ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا..." (17). وبالتالي، يكون أول من أسلم بربوبية الله تعالى أفضل من غيره الأنبياء والأوصياء، فحمّله ربّه العلم جزاءً له. ثانيًا: أفضلية النبي في عالم المُلك. ففي عالم الملك -عالم الدنيا- لا غبار على أفضلية النبي (صلى الله عليه وآله)، حيث أعطاه الله تعالى منصب النبوة؛ لعلمه تعالى الأزلي بأنّ هذا الشخص يستحق كافة الكمالات، فأنزل عليه من الوحي لبيان أصول وفروع وأخلاق الدّين الإسلامي، فصار رسولًا ونبيًّا، رغم بشريّته إلاّ أنّه تميّز عن سائر البشر بما مرّ من مواقف، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا} (18). ونرى تأكيدًا من الله تعالى على بيان أنّ الوحي النازل على النبي الإنسان هو وحيٌ إلهي؛ لأنه تعالى بعلمه الأزلي كان يعلم أنّ هناك من سيحاول التشكيك في مصدر الوحي النازل على النبي (صلى الله عليه وآله). وفعلاً "زعم بعض الذين حاولوا الجمع بين تصديق الانبياء والأصول العلمية الحديثة المادية بأنّ الوحي نتيجة النبوغ، وزعم المستشرق مونتييه بأنّ الوحي هو تجلي الأحوال الروحية، وزعم بعض الغربيين بأنّ الوحي هو ظهور الشخصية الباطنة للنبي، وقد دحضت تلك النظريات"(19). وما ختْم الله تعالى النبوة والأديان بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) وبدينه إلاّ خير دليلٍ على الأفضلية؛ لعالمية دينه، وشموليته رسالته، ومحمودية مقامه عند خالقه، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون}(20). ثالثًا: أفضلية النبي في عالم المعاد. ففي يوم الحساب يتجلى لنا موقف آخر يبيّن لنا أفضلية النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، حيث يكون شاهدًا على أمته أثناء حسابهم، قال تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدا} (21)، فجعل الله تعالى له كشهيدٍ على أعمال أمته دليل على تمييزه وتفضيله منزلةً عند خالقه. المطلب الرابع: النهج النبوي في رد الشبهة. حتمًا أنّ النبي محمد (صلى الله عليه وآله) يأخذ نهجه من الله تعالى عن طريق الوحي، فهو لا يقول شططًا، ولا يفعل سفهًا؛ لعصمته. فجاءت الأوامر الإلهية له بأنّ يوضح لمنكري نبوّته، أو أفضليته، أو المستنكرين انسانيته، بأن يهجرهم؛ قال تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِين} (22). وما هجره لهم إلاّ بعد العمل على هدايتهم ورفضهم، فالنبي (صلى الله عليه وآله) بيّن معالم النبوّة ووجوب الإيمان بها، وخطورة الكفر بها، إلاّ أنّ القوم ران على قلوبهم فحجبوا عنها معرفة الحق، ولهذا رفع الله تعالى عن نبيّه (صلى الله عليه وآله) اللوم بتركه لهم؛ قال تعالى آمرًا نبيّه: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُوم}(23)، وعدّ ذلك تنزيهًا لنبيّه عن مجادلة الجاهلين لمقامه، قال تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} (24). وهذا النهج يكشف لنا عن ركاكة الشبهة، وإلاّ لما صدر الأمر الإلهي بتجاهل من ينكر أفضلية النبي (صلى الله عليه وآله) الواضحة وضوح الشمس، وثبت أنّهم معاندون ليس إلّا، ولا يقبح اتباع النبي (صلى الله عليه وآله) لأنّه أفضل، إنّما القبيح عقلاً هو اتباع المفضول، وحيث إنّه لا فاضل إلاّ النبي (صلى الله عليه وآله) إذًا وجب عقلاً اتباعه. _________________ (1) الأعراف: 59. (2) الفرقان: 7. (3) ظ: الميزان في تفسير القرآن: للسيّد محمد حسين الطباطبائي، تفسير سورة الفرقان، آية: 7. (4) فصلت: 6. (5) التوبة: 128. (6) آل عمران: 164. (7) الأعراف: 188. (8) الزمر: 30. (9) المزمل: 20. (10) المدثر: 4. (11) الضحى: 8. (12) الانشراح: 1. (13) ظ: المصدر السابق، تفسير سورة الانشراح، آية: 1. (14) الفرقان: 7. (15) الأنعام: 163. (16) ظ: تفسير الصافي: للشيخ محسن الفيض الكاشاني، تفسير سورة الأنعام، آية: 163. (17) الكافي: للشيخ الكليني، ج1، باب العرش والكرسي، ح7. (18) الكهف: 110. (19) راجع الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل: للشيخ حسن العاملي، ج3، ص131-146. (20) التوبة: 33. (21) النساء: 41. (22) الأعراف: 93. (23) الذاريات: 54. (24) الأعراف: 199. وصل اللّهم على سيدنا في الوجود، صاحب لواء الحمد والمقام المحمود، محمد وآله الطاهرين أولي الكرم والجود.

العقائد
منذ شهر
442

معرفة المرأة بالله سبحانه وأثرها في معرفة القضية الحسينية (٣)

بقلم: علوية الحسيني المطلب الثاني: المعرفة بالقضية الحسينية •الفرع الأول: حدود المعرفة بالقضية الحسينة إنّ القضية الحسينية بحد ذاتها ليست ملفًا حاويًا فقط للمآسي والفجائع كما يراه البعض، بـل فيها جوانب مشرقة، كانت شعاع انطلاق العديد من أبناء الشيعة الإمامية إلى السمو الروحي، والارتباط الحميم الوثيق بين العبد وربّه، لا بل وحتى المستبصرين. فالقضية الحسينية اجمالًا هي حلقةُ وصلٍ بين الإمامة والتوحيد، وعيشٌ يهدف للنصر والتجريد، ومحاربة جورٍ بقلبٍ كالحديد، والحفاظ على معالم الدّين من الانطماس أو التجديد. •الفرع الثاني: هل للمرأة دور في المعرفة بالقضية الحسينية؟ نعم، للمرأة دورٌ في القضية الحسينية بالجانب المأساوي والإشراقي، وخير انموذج السيّدة زينب التي واكبت أخاها الحسين (عليهما السلام). وكان دورها أساسيًا ومفصليًا في معركة الطف وما بعدها، فكانت المثل الأعلى للصمود، وهذا ما تجلّت به صفاتها (عليها السلام)، والتي أهمها: العلم والشجاعة، حيث "كانت ألمع خطيبة في الإسلام؛ فقد هزّت العواطف، وقلبت الرأي العام وجنّدته للثورة على الحكم الاُموي، وذلك في خطبها التاريخية الخالدة التي ألقتها في الكوفة ودمشق، وهي تدلّل على مدى ثرواتها الثقافية والأدبية. لقد نشأت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في بيت الوحي ومركز العلم والفضل، فنهلت من نمير علوم جدّها وأبيها وأخويها، فكانت من أجلّ العالمات، ومن أكثرهنَّ إحاطة بشؤون الشريعة وأحكام الدين [وهذا الدور يشير إلى أهمية التربية الصالحة وحصاد نتاجه]" (9). ومما امتازت به البلاغة، فما خطبتها إلاّ دليل بلاغتها، فقد استخدمت أساليب البلاغة، كالتلميح والتصريح، والبديع، والتشبيه، المعاني، والكناية، والمجاز، والاستعارة، وغيرها. كما جسدت الصبر، فقد مثلت صبر أبويها (عليهما السلام). ونلحظ تعاليها على الظالم، فما جلوسها في ناحية إلاّ دليل على تعاليــها على اللعين وشرذمته، إلاّ أنّ اللعين يبدو أنّه قد اكتسى بثوب الذلة حينما تتجاهل أصـل وجوده، بل وسؤاله امرأة سبية، "فنظر اللعين ابن زياد الى الحاضرين أمامه وتفحص كلا منهم بنظرة، ثم تساءل عن هذه المنحازة وحدها ومعها نساؤها وهي شامخة الرأس عالية، فلم تجبه العقيلة السيدة زينب، فأعاد تساؤله ثلاثا دون ان ترد عليه، فقال بعض امائها، هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبنت الإمام علي (عليه السلام)". لعمري ما أصعبه من موقفٍ على اللعين ابن زياد وقد مسحت كرامته أرضاً بسكوتٍ من أميرة الكلام (عليه السلام)، فكيف به لو تكلّمت ؟ ولهذا كان لتعاليها -سكوتها- (عليها السلام) ردّة فعلٍ من ذلك اللعين "فقال متشفيًا فيها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم". فمن خلال ذلك كلّه يكون بإمكان المرأة معرفة بالقضية الحسينيّة بالاقتداء بالنهج الزينبي. ___________________ (9) السيدة زينب (عليها السّلام) رائدة الجهاد في الإسلام: باقر شريف القرشي، 46.

العقائد
منذ شهر
701

معرفة المرأة بالله سبحانه وأثرها في معرفة القضية الحسينية (٢)

بقلم: علوية الحسيني المطلب الأول: معرفة المرأة بالله تعالى جاءت الآيات الكريمة والروايات الشريفة حاثة على معرفة الله تعالى، فالآيات رتبت على معرفة الله سبحانه الإيمان بصفاته، وعدله، ونبوته، وخلافته، ومعاده. في هذا المطلب سنعرف حدود تلك المعرفة، وهل بالإمكان أن يكون للمرأة دور في تلك المعرفة؟ أم أنّ المعرفة منحصرة بالرجال دون النساء؟. •الفرع الأول: حدود المعرفة بالله تعالى. إنّ كمال الدِّين هو معرفة الله سبحانه وتعالى، كما قال الإمام سيّد الموحدين علي (عليه السلام): "أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُه" ثم يبيّن الإمام كمال وكيفية معرفة الله تعالى فيقول: "وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَ كَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُه" (3). والتوحيد هو الاعتقاد بأنّ الله تعالى واحدٌ أحدٌ، ليس كمثله شيء، قديمٌ، سميعٌ، بصيرٌ، عليمٌ، حكيمٌ، حيٌّ، قيومٌ، عزيزٌ، قدوسٌ، قادرٌ، غنيٌّ. لا يوصف بجوهرٍ، ولا جسمٍ، ولا صورةٍ، ولا عرضٍ، ولا خطٍ، ولا سطحٍ، ولا ثقلٍ، ولا خفةٍ، ولا سكونٍ، ولا حركةٍ، ولا مكاٍن، ولا زمان. وأنّه تعالى منزّه عن جميع صفات خلقه، خارج من الحدَّين حدّ الإبطال وحدّ التشبيه. وهذا ما تعتقد به الشيعة الامامية. لكن تبقى مسألة مهمة لابد من الإشارة لها وهي: كيف نعرف ذات الله تعالى؟ الجواب: لا يمكن ادراك كنه ذات الله تعالى عقلاً ونقلاً. فأمّا عقلاً: فالعقل البشري يعجز عن إدراك ماهية الذات المقدّسة؛ لقصور ادراكه، ولابدّ للواصف –العقل البشري- أن يكون إمّا بمرتبة الموصوف -الله تعالى-، أو أعلى مرتبة منه، لكي يصفه، فإن كان الواصف بمرتبة الموصوف فهذا يلزم إحاطة المحاط بالمحيط، وهو باطل. وإن كان الواصف أعلى مرتبةً من الموصوف فهذا يلزم انقلاب الممكن إلى واجب والواجب إلى ممكن، وهو باطل أيضاً. إذاً عقلاً لا يمكن إدراك كنه ذات الله تعالى؛ فالنّاقص لا يوازي الكامل، والعاجز لا يساوي القادر. وأمّا نقلاً: ففي رواية "عن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): تكلموا في خلق الله ولا تكلموا في الله فإن الكلام في الله لا يزيد إلاّ تحيّرا" (4). ولكن هذا لا يعني أنّ الشيعة الامامية سدّت باب المعرفة بالله تعالى، وعطّلت العقول عن تلك المعرفة، وإنّما للمعرفة درجات، والائمة (عليهم السلام) لم يتركوا شيعتهم دون توضيح لأدنى المعرفة بالله تعالى، حيث روي "عَنْ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ عَن أَبِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلام) سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى الْمَعْرِفَةِ، فَقَالَ: الاقْرَارُ بِأَنَّهُ لا إِلَهَ غَيْرُهُ، ولا شِبْهَ لَهُ وَلا نَظِيرَ، وأَنَّهُ قَدِيمٌ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ فَقِيدٍ، وأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ" (5). وهذا ما أشارت إليه الآيات الكريمة كقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب} (6). •الفرع الثاني: هل للمرأة دور في المعرفة بالله تعالى؟ ظهور الآية الكريمة {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب}(7) يدل على أنّ اولى الألباب يتفكرون في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وبالتفكر يعرفون الله تعالى من خلال آياته، واولي الألباب يشمل الرجال والنساء، بدلالة السياق الخطابي للقرآن الكريم حينما يريد تكليف الجنسين يعبّر عن ذلك بصيغة الجمع كما هو واضح في آية {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} (8). إذاً التكليف بإقامة الصلاة لا ينحصر بجنس الرجال دون النساء، بل صيغة الجمع تدل على شمول كلا الجنسين بالتكليف، فكذلك أمر معرفة الله تعالى من خلال مخلوقاته –آيات-، والظهور حجّة، وفي ذلك قوّة للدليل على شمول النساء بإمكانية معرفة الله تعالى. ________________________ (3) نهج البلاغة : 39. (4) التوحيد: الشيخ الصدوق، ب67، ح1. (5) اصول الكافي: الشيخ الكليني، ج1، ب26، ح1. (6) آل عمران: 190. (7) آل عمران:190. (8) النور: 56.

العقائد
منذ شهر
942

معرفة المرأة بالله سبحانه وأثرها في معرفة القضية الحسينية (١)

بقلم: علوية الحسيني نحن نعلم أنّ لكل شيءٍ كمالًا، وكمال الدّين معرفة الله تعالى، والعاقل من بني البشر يرغب بنيل الكمال، فكما الرجل يرغب بنيل تلك المعرفة كذا المرأة؛ لصالحية العمل المستمدة من الآية الكريمة: { أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى}. تتجلى أهميّة هذا البحثِ في ربط العقيدة بالعمل الفقهي أو الأخلاقي، من خلال معرفة رأس هرم كل من الطرفين، فرأس هرم العقيدة هو توحيد الله تعالى ويكون بمعرفته سبحانه، ورأس هرم العمل -فقهيًا كان أم أخلاقيًا- هو الامتثال لأوامر الله تعالى والتخلّق بأخلاقه يكون بمطلق الإذعان والتسليم، والصبر على الضراء. ويؤيد ذلك ما روي عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) أنه قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي فَضْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَا مَدُّوا أَعْيُنَهُمْ إِلَى مَا مَتَّعَ اللَّهُ بِهِ الْأَعْدَاءَ مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ نَعِيمِهَا، وَ كَانَتْ دُنْيَاهُمْ أَقَلَّ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَطَئُونَهُ بِأَرْجُلِهِمْ، وَ لَنُعِّمُوا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ (جَلَّ وَ عَزَّ)، وَ تَلَذَّذُوا بِهَا تَلَذُّذَ مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي رَوْضَاتِ الْجِنَانِ مَعَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ. إِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) آنِسٌ مِنْ كُلِّ وَحْشَةٍ، وَ صَاحِبٌ مِنْ كُلِّ وَحْدَةٍ، وَ نُورٌ مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ، وَ قُوَّةٌ مِنْ كُلِّ ضَعْفٍ، وَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُقْمٍ". وله أهمية اخرى وهي: إماطة اللثام عن الدور المعرفي لرؤوس أهرام العقيدة والعمل الذي ممكن أن تصل إليه المرأة، وعدم حصر ذلك بالرجال، وهذا ما يدل على احترام وتوقير الدّين الإسلامي -من بين سائر الأديان- للمرأة. لقد حكى لنا التاريخ نماذج نسوية يقتدى بهنّ وصلنَ إلى درجة المعارف الإلهية، وانموذج بحثي اليوم من بعد السيدة الزهراء (عليها السلام) السيدة زينب (عليها السلام) أتاح للنساء فرصة إمكانية الولوج إلى عالم المعرفة الإلهية، حيث استمدت السيّدة علومها من أمها وأبيها (عليهما السلام) سادة التوحيد. فحكى لنا التاريخ نموذجًا صالحًا، بلغ مقام المعرفة بالله تعالى حتى انعكست الأشعة الذهبية من تلك المعرفة على عملها في السراء والضراء، لاسيما ما حصل من أحداث السبي وكربلاء. وعليه، تناولت في بحثي هذا معرفتين مهمتين هما: المعرفة بالله سبحانه وتعالى، والمعرفة بالقضية الحسينية، ودور المرأة في كلّ معرفة استقلالًا، ثـم بيّنت أثر المعرفة الاولى في الثانية ودور المرأة في توظيف ذلك الأثر. وكانت السيّدة زينب (عليها السلام) انموذج بحثي هذا، ومنه انطلقت لبيان نقاط اقتداء النساء في عصرنا هذا بالسيّدة (عليها السلام) في التبحر في المعرفتين أعلاه، ومعرفة دورها كجزء من المجتمع. هدفي من البحث هو النهوض بالعنصر النسوي، وتحفيز إبداعهن في شتى مجالات الحياة، لينشرنَ العلم والوعي، منطلقاتٍ من مبدأ رصين الأساس، ثمر النتاج، شديد الأهمية، ذلك المبدأ هو مبدأ السيّدة الحوراء (عليها السلام). البحث كان على ثلاثة مطالب: الأول منه انفرد بمعرفة الله سبحانه، وبيّنت فيه حدود تلك المعرفة وفضلها، ثم تطرقت إلى دور المرأة في تلك المعرفة وامكان وصولها للمعرفة الإلهية. والثاني منه انفرد بالمعرفة بالقضية الحسينية، وبيّنت فيه كذلك حدود تلك المعرفة وأهميتها، ثم تطرقت إلى دور المرأة في تلك المعرفة، وتمحور الكلام حول السيّدة زينب (عليها السلام). أمّا الثالث منه فلعدم انفكاك المعرفتين عن بعضهما بيّنت فيه الارتباط الوثيق بين المعرفة بالله تعالى وبين المعرفة بالقضية الحسينية، ثـم عرّجت على بيان كيفية توظيف معرفة السيّدة زينب (عليها السلام) في وقائع القضية الحسينية، وعلى أثر ذلك تطرقت إلى بيان مكانة المرأة اليوم إن أرادت الاقتداء بمولاتها الحوراء (عليها السلام) علمًا وعملاً، فأثبت مقامها الرسالي قرآنيًا، وضرورة مشاركتها للرجال في مهامٍ تنهض بالمجتمع نحو حياة أكثر وعيًا وعلمًا. وفي الخاتمة استصرخت بعض النساء اللواتي يتقاعسن عن القيام بدورهن الوظيفي، ولا يبدين اهتمامهن بمجريات أمور المجتمع، ويدّعين بأنّ الاسلام قد ظلم المرأة وجعل مكانة الرجل أعظم من مكانتها! فمن الطبيعي من تتكاسل عن النهوض بمجتمعها يحتاج لها معرفة بالله تعالى أولاً ثم بالقضية الحسينية وعلم وعمل السيّدة (عليها السلام) ثانيًا، حتى تعرف الدور المناط بها كامرأة. وأسأل الله الواحد الأحد حُسن القبول، وأن يجعله لي منارًا كي أسيرَ في دربِ الموحدين المُخلصين، وأن يضيء بهِ بصيرةَ كلٍّ مَن انغمرَ في عالم المُلكِ، هوَ نِعمَ المولى ونِعمَ المُجيب، وما توفيقي إلاّ باللهِ عليهِ توكلتُ وإليهِ اُنيب. المطلب الأول: معرفة المرأة بالله تعالى، يأتي تباعًا إن شاء الله تعالى في الحلقة ٢.

العقائد
منذ شهر
773

شبهاتٌ حول القضية الحسينية (4)

بقلم: علوية الحسيني ■الشبهة: إنّ يزيد لم يأمر بالإتيان بآل الإمام الحسين (رضي الله عنه) سبايا إلى الشام، بل ذهبوا إلى بيته ليقيموا النياحة، وقد أكرمهم، وخيّرهم بين المقام عنده والرجوع إلى المدينة (1)، وبالتالي فقصة السبي مبتدعة من الشيعة ليتهموا يزيد بها. ■الجواب: أرى المخالف من أصحاب القيل المبغضة الباطلة، نطق وكذب فأثِم؛ لأنّ الجواب على زعمه هذا من كتبه، لا أن يجعل الأخبار عضين، يؤمن ببعض ويكفر ببعض -كما هو حاله مع آيات القرآن الكريم-. فالجواب على هذا الزعم سيكون ضمن مطلبين، نثبت فيهما قيام الطاغوت يزيد (عليه لعنة الله) بتوهين مقام نساء الحسين وأطفاله (عليهم السلام). ■المطلب الأول: إنّ ما جاء به الناصبي ابن تيمية وأخذ يردده أتباعه لهو من الكذب الصريح؛ إذ لا يمكن تغطية الشمس بغربال، ومن يقول بذلك فهو من سفهاء العقول. وفي هذا المطلب فرعان: •الفرع الأول: 1- اختلف علماء ابناء العامة في كفر يزيد (عليه لعنه الله)، ولكنهم على كل حال نسبوا له الجرم الشنيع: قتل الإمام الحسين (عليه السلام) فلا يستبعد عقلاً من طاغية مثله أن يوهن مقام آل الحسين (عليهم السلام)؛ خصوصًا مع سيرته الإجرمية، فمن يتجاسر على بيت الله تعالى ويرميه بالمنجنيق، ويتعدَّ على حدود الله تعالى ويشرب الخمر ويفعل المنكرات ويستبيح الحرمات، ويأمر بقتل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لا يستبعد أن يسيء لآل الحسين (عليهم السلام)، أو يتشمت بما جرى عليهم من جيشه. 2- لو تساءلنا: لماذا أخذ جنود الطاغية آل الحسين (عليهم السلام) إلى الشام حيث قصر يزيد؟ أ ليس تكليفهم كان أمّا استحصال بيعة الإمام الحسين (عليه السلام) ليزيد (عليه لعنه الله) أو قتل الإمام؟ فها هم قد قتلوا الإمام، فلماذا أخذوا أهله سبايا؟ الجواب عقلًا لا يخلو من أحد هذه الاحتمالات: أ) إنّ الجنود تصرّفوا بدون علم يزيد. وهذا يدل على أنّ يزيد ليس له الهيمنة على جنوده، فكيف بشعبه؟! وعلى فرض صحة هذا الاحتمال كان على يزيد أن يعاقب من جاء بآل الحسين (عليهم السلام) إلى الشام وسبّب لهم عناء المسير، وتعدى على حقهم حيث أنّهم لم يريدوا السفر فأجبرهم الجنود، ولكن يزيد لم يفعل، إذًا هو راضٍ بفعلهم، والساكت عن الحق شيطانٌ أخرس –كما يقول علماؤكم-، والشيطان ملعون، وإنّي ارى استحقاقه ما يستحقه الشيطان، إذًا يزيد ملعون. ب) إنّ الجنود تصرّفوا بعلم يزيد، لكنه تندم على قراره بجلب آل الحسين (عليهم السلام) سبايا لقصره. وهذا يدلّ على أنّ يزيد سفيه؛ حيث إنّه لا يحسن اتخاذ القرارات فيتكلم عن عدم حكمة، وإنّي لأراه هكذا. ج) إنّ الجنود تصرفوا بعلم يزيد، لكنه لم يندم على قراره، وكان متعمدًا بأن يوهم الناس بأن هؤلاء السبايا خرجوا عليه كحاكم، (عليه من الله ما يستحق). وهذا يدل على ظلمه وجوره، وجاء ابن تيمية مكذبًا مدافعًا للظالم. فلعنه الله تعالى ولعن أباه الذي مهّد له الطريق. وإنّي لأرى هذا الفرض يوجب لعن الأب وابنه، إذ العقل يحكم بأنّ الظلم قبيح، وعلّمني القرآن الكريم أنّ كلّ جذرٍ قبيح إذا أنبت غصنًا قبيحًا صارت الشجرة قبيحة، والقبيح ملعون، فالجذر وفرعه ملعونان، قال تعالى: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَار} (2)، ومفسروكم فسروا تلك الشجرة بالكافر، وأنا أرى مصداقها جذركم وفرعه. •الفرع الثاني: الدليل النقلي روى الطبري في تاريخه: "لما قتل الحسين [عليه السلام] وجيء بالأثقال والأسارى حتى وردوا بهم إلى الكوفة إلى عبيد الله، فبينا[فبينما] القوم محتبسون إذ وقع حجر في السجن، معه كتاب مربوط، وفي الكتاب خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية، ... وجاء كتاب بأن سرّح الأسارى إليّ. قال فدعا عبيد الله ابن زياد محفز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن، فقال: انطلقوا بالثقل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية؛ قال: فخرجوا حتى قدموا على يزيد" (3). ■المطلب الثاني: نحن كشيعة امامية جعفرية كتبنا تصدح بظلامة الإمام الحسين (عليه السلام)، التي تناقلها الأئمة (عليهم السلام) عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) الذي نقلها عن جبرائيل الأمين (عليه السلام)، الثابتة في علم الله الأزلي، وبالتالي كلّ تشكيك بمصداقيتها هو تشكيك بعلم الله تعالى. وبالتالي تتعدد الأدلة ضمن الفروع التالية: •الفرع الأول: أدلة مصرّحة: جاء في كتبنا أنّه "بعد أن مكثت العائلة في الكوفة عدّة أيام جاء الأمر من يزيد إلى ابن زياد أن يسرّح عائلة الحسين عليه السّلام إلى الشام ، وفعلا فقد دخلت العائلة إلى الشام ، وإذا بأهل الشام يعبّد [يعيّد] بعضهم الآخر بالانتصار" (4). •الفرع الثاني: أدلة ضمنية: إن الموقف الذي قامت به زوجة يزيد (هند بنت عبد الله)، التي كانت خادمة في بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم انتقلت إلى الخدمة في بيت الإمام الحسن (عليه السلام) وخطبها معاوية هناك لابنه يزيد، فحينما أدخلوا السبايا خربة من خربات الشام جاءت لهن هند تستفهم عن حالهنّ، "فلبست عباءتها وتوجهت لهنّ، ويقول البعض أنّ يزيد صادفها فخشي كثيرًا من أن تعرفهنّ؛ إذ كانت خادمة في بيتهنّ، إلاّ أنّ تغطرسه جعله أن لا يبالي ما فعل! وما إن عرفت مقامهنّ أنّهنّ حرائر الرسالة ضربت رأسها بالحجر حتى سال على مقنعتها فغشي عليها، وعندما أفاقت خرجت إلى مجلس يزيد كان مجتمع فيه مع وجهاء دولته فاستنكرت عليه أمره بقتل الإمام الحسين (عليه السلام) والاتيان برأسه، وسبي آله، فافتضح أمره على يد زوجته، إذ كانت ضدّه" (5). نعم، كما نقل لنا التأريخ أنّها طلبت منه أن يسكن السبايا في داره الخاصة، ففعل مضطرًا، وأكرمهنّ بالمسكن والطعام والمعاملة الحسنة ليصلح فادح خطيئته، حتى جاءت إليهنّ نساء آل أبي سفيان يعزينهنَّ، بل وقبّلنَ أيدي وأرجل بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأقمنَ العزاء في بيت يزيد" (6). لكن كما يتشبث صاحب الكتاب -ابن تيمية- والناقل -صاحب الشبهة- لما فيه بما نقله التاريخ، فلينظر إلى التاريخ بعينين لا بعينٍ واحدة، وليعلم أنّ نفس التاريخ ذكر لنا أنّ يزيد كان متخوفًا من انقلاب دولته ضدّه، "بل وفعلاً حاول البعض أن يهجموا على داره ويقتلوه، فأشار عليه مروان أن يطلق سراح السبايا ويرجعهم إلى مدينة جدّهم" (7). فإكرام يزيد لهم إن دلّ على شيء فهو يدل على نفاقه وجرأته على أن يكرم آل الحسين بعد أن قتل آباءهم (عليهم السلام)، فهو كالقاتل الذي يمشي وراء جنازة المقتول. ________________ (1) منهاج السنة: لابن تيمية، ج4، ص559. (2) ابراهيم: 26. (3) تاريخ الطبري: لمحمد بن جرير الطبري، ج5، ص463. (4) اعلام النساء المؤمنات: لمحمد الحسون وأم علي مشكور، ص580. (5) زينب الكبرى من المهد إلى اللحد: للسيد مصطفى القزويني، ص496-501. (6) معالي السبطين في احوال الحسن والحسين عليهما السلام: لمحمد مهدي الحائري، ج2، ف14، م16، ص164. وتاريخ الطبري، ج5، ص465. وكتاب الإيقاد، ص 180، وبعض المصادر الأخرى. (7) ظ: كامل البهائي: عماد الدين الطبري. والسّلامُ عَلَى الحَرائرِ فِي الحَدِيْدِ مُصَفَداتْ، فَوقَ أقْتَابِ المطِيَّاتِ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ حَرُّ الهَاجِرَات، يُسَاقُونَ فِي البَرَارِي وَالفَلَوَاتِ، أيْدِيهُمُ مَغْلُولَةٌ إِلَى الأعْنَاقِ، يُطَافُ بِهِم فِي الأسْوَاقِ، فالوَيْلُ للعُصَاةِ الفُسَّاق.

العقائد
منذ شهرين
773

شبهاتٌ حـول القضيّة الحسينيّة (2)

بقلم: علوية الحسيني الشبهة: يدّعي الروافض أنّ قتل الإمام الحسين (رضي الله عنه) عزٌ للمسلمين، فإذا كان عزًا فلماذا يسوؤهم عزّ الإسلام؟! إذًا لا يبقى إلاّ أن يكون قتله ذلاًّ للإسلام والمسلمين، ونسميه مُذل الإسلام! ■الجواب: في شبهة المخالف أمران مهمان لا بد من تسليط الضوء عليهما، ويبدو أنّه أحد عبيد دعاة الفتن، الذين يرددون الشبهات دون وعيٍ وادارك. عزّ الإسلام والمسلمين، وذله، سؤالان ستأتي الإجابة عنهما ضمن المطالب التالية: ■المطلب الأول: هل قتل الإمام الحسين (عليه السلام) عزٌ للمسلمين أم ذلٌ؟ •الفرع الأول: الجواب النقضي إن كان خروج الشخصيات الإسلامية العظيمة للقتال واستشهادها هناك يعدّ ذلاًّ للإسلام والمسلمين، فهل يسمى حمزة (عليه السلام) أسد الله تعالى وأسد رسوله (صلى الله عليه وآله) مذلًا للمسلمين؛ حينما خرج إلى معركة أُحد واستشهد هناك؟ فإن قلتم: إنّ قتله كان عزًا، فنتساءل: لماذا إذًا بكاه رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)، والسيدتان صفيّة، وفاطمة الزهراء (عليهما السلام) هل يسوؤهم أن يروا الإسلام عزيزا؟! •الفرع الثاني: الجواب الحلّي لاريب إنّ يوم قتل الإمام الحسين (عليه السلام) يوم ذلٍ للإسلام والمسلمين على يد عدوّ الله يزيد بن معاوية و أتباعه وأشياعه (عليه وعلى أتباعه لعنة الله)؛ حيث هتكوا حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حريمه، و قتلوا أولاده حتى الرضيع، و سبوا نساءه، واقترفوا جرائم لا يسمعها إنسان ـ فضلاً عن مؤمن ـ إلاّ ويتأثر و يتوجّع قلبه و يحزن و يتأسّف، فهو يوم ذلّة للدين و أهله. حيث روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: "إِنَّ يَوْمَ الْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا ، وَ أَسْبَلَ دُمُوعَنَا، وَ أَذَلَّ عَزِيزَنَا بِأَرْضِ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ، أَوْرَثَتْنَا الْكَرْبَ وَ الْبَلَاءَ إِلَى يَوْمِ الِانْقِضَاءِ. فَعَلَى مِثْلِ الْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْبَاكُونَ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ "(1). ■المطلب الثاني: مذل الإسلام هو الطاغية يزيد وشرذمته لاشك أنّ مخلوقًا كيزيد الذي انتهك ما انتهك، وتخلى عن مبادئ الاسلام، لا يبعد أن يقترف جرمًا يذل به الاسلام وأهله. وهنا فرعان: •الفرع الأول: حول شرذمة يزيد –الشمر نموذجًا- الشمر احد الشخصيات الرذيلة التي أخذت تروّج للطاغية يزيد (عليه وعلى طاغيته لعنة الله)، مستغلاً قرابته نسبًا من أم البنين الكلابية (أم العباس عليه وعليها السلام)، حيث تذكر بعض المصادر أنّه ذهب إلى العباس (عليه السلام) يطلب منه مبايعة الطاغية، وترك مناصرة الإمام الحسين (عليه السلام)! فروي أنّه صاح بأعلى صوته: "أين بنو اُختنا؟ أين العبّاس وإخوته؟ فأعرضوا عنه[أي العباس واخوته]، فقال [الإمام] الحسين [عليه السلام]: ((أجيبوه ولَو كان فاسقاً))، قالوا: ما شأنك وما تريد؟ قال : يا بني اُختي أنتم آمنون، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد. فقال العبّاس: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له، وتأمرنا أنْ ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء" (2). إلاّ أنّه (عليه لعنة الله) أدرك في أواخر حياته البائسة أنّه وطاغيته كانا على باطل، حتى بات يدعو ربّه أن يغفر له، معللًا اتباعه للطاغية أنّه كان مجبرًا على الطاعة، وكأنّه دابة منقادة لا خيار له! حيث روى "الهيثم بن الخطاب النهدي، قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي، يقول: كان شمر بن ذي الجوشن الضبابي لا يكاد أو لا يحضر الصلاة معنا، فيجيء بعد الصلاة فيصلي، ثم يقول: اللهم اغفر لي فإني كريم لم تلدني اللئام، قال : فقلت له: إنك لسيء الرأي يوم تسارع إلى قتل ابن بنت رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله]) قال: دعنا منك يا أبا إسحاق، فلو كنا كما تقول وأصحابك كنا شرا من الحمير السقاءات" (3). فدعاؤه هذا دليلٌ آخر على شناعة فعله وموالاته لطاغيته، وتوهينه لرموز الإسلام وهتك حرمهم. وعليه، فيعد الشمر أحد العوامل التي أدّت إلى ذل الإسلام والمسلمين، بإقدامه على قتل سبط رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)، ارضاءً لطاغيةٍ كافرٍ جاحد، وعصيانًا لربٍ جبّارٍ واحد، فتأمل في كيفية إذلاله للإسلام بكفره بربّه وبالقرآن الكريم حينما قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيما} (4)، فالله تعالى يغضب ويلعن –يطرد من رحمته- من أساء إلى الإسلام والمسلمين. •الفرع الثاني: حول يزيد الطاغية لم تنكر كتب أبناء العامة غلظة وتهتك يزيد (عليه لعنة الله)، حتى صرّحت بعضها بأنّه "كان ناصبياً فظاً غليظ القلب يتناول المسـكرات ويفعل المحرمات، واول ما تصدى للحكم افتتح حكومته بـقتل سيد الشهداء (عليه السلام)" (5). إذًا إنّ المذلّ لهو مَن قتلَ الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو الطاغية العاتي يزيد (عليه لعنة الله)؛ إذ بيده ثلم الإسلام كما جاء في كتب أبناء العامة؛ حيث روي "عن النبي (صلى الله عليه [وآله]): لايزال هذا الدّين قائمًا بالقسط حتى يثلمه رجلٌ من بني امية يقال له يزيد"(6). وإنّ ثلم الإسلام لابد أن يكون على يد طغاة، كفرة، مارقين، ولم يخل يزيد من تلك الصفات، إذ إنّه من الفئة الباغية التي قتلت عمارًا (رضي الله عنه)، كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): "ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار"(7). وحيث إنّ الصحابي الجليل عمار بن ياسر (رضوان الله عليه) قد استشهد على يد جيش معاوية في حرب صفين التي خرج بها معاوية على أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فكان معاوية من الباغين، وكذا ابنه يزيد، والباغي هو الذي يثلم الإسلام، فالباغي هو الفاسق، الظالم، الجائر. ومثالب يزيد كثيرة لا تسعها هذه السطور، وجميعها تدل على أنّه أذلّ الإسلام ومبادئه ورموزه، كيف لا وتذكر بعض المصادر أنّه قد تربى على يد نصراني؛ "رجّح بعض المؤرّخين أنّ بعض نساطرة النصارى تولّى تربية يزيد وتعليمه، فنشأ نشأةً سيّئة ممزوجةً بخشونة البادية وجفاء الطبع، وقالوا: إنّه كان من آثار تربيته المسيحية أنّه كان يقرّب المسيحيين ويكثر منهم في بطانته الخاصة، وبلغ من اطمئنانه إليهم أن عهد بتربية ولده إلى مسيحي، كما اتّفق على ذلك المؤرّخون"(8). ■المطلب الثالث: معنى ذلّ الإسلام بمقتل الإمام الحسين (عليه السلام) نعتقد أنّ الإمام (عليه السلام) عزيز، سامي المقام، وبالتالي يكون ما أصابه من ظلم هو استضعاف له، كما صرّح بذلك احد الأعلام قائلاً: "المراد أن أعداء أهل البيت (ع[عليهم السلام]) قاموا بهتك واذلال وتعدي على حرمات اهل البيت (ع[عليهم السلام]) أي الأعداء قاموا بالاستخفاف وانتهاك حرمة الاسلام والنبي (ص[صلى الله عليه وآله وسلم]) لا أن الذل والهوان كان شأن اهل البيت (ع[عليهم السلام])، فأهل البيت (ع[عليهم السلام]) لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يستكينوا في انفسهم وذواتهم لكن الاعداء مارسوا آليات الاستضعاف والاستخفاف والإذلال، ولذلك قال أمير المؤمنين (ع[عليه السلام]) ما قاله هارون (ع[عليه السلام]) "إن القوم استضعفوني " لا أنه (ع[عليه السلام]) ضعف... والحاصل أنه فرق بين فعل الاعداء وبين شأن أهل البيت (ع[عليهم السلام]) في انفسهم"(9). وبهذا يتضح معنى أنّ الإسلام قد ذلّ بمقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، لا بقصد خدش العقيدة، ولا بقصد تنزيه الطاغية وجلاوزته (عليهم لعنة الله) من شنيع فعالهم. _______________ (1) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج44, ص283. (2) مقتل الإمام الحسين (عليه السلام): للسيد عبد الرزاق المقرَّم, ص209. (3) الطبقات الكبرى: لابن سعد, ج1, ص499. (4) النساء: 93. (5) سير أعلام النبلاء: للإمام الذهبي, ج4, ص37. (6) جامع الأحاديث: لجلال الدين السيوطي, ج9, ص24, ح26889. (7) صحيح البخاري: لمحمد بن اسماعيل البخاري, ج3, ص207, باب من أعبرت قدماه في سبيل الله. (8) سيرة الأئمّة الاثني عشر: لهاشم معروف الحسني,ج2, ص42, وراجع أيضًا: حياة الإمام الحسين عليه‌ السلام: للشيخ باقر شريف القرشي, ج2, ص180. عن المناقب: للقاضي نعمان المصري, ص71، وسمو المعنى في سموّ الذات: للعلائلي, ص59. (9) مكتب سماحة الشيخ محمد السند دام ظله. اَللّهُمَّ صَلِ عَلَى السَّيِّدِ الزَّاهِدِ، وَالْإِمامِ الْعابِدِ، اَلرَّاكِعِ السَّاجِدِ، قَتيلِ الْكافِرِ الْجاحِدِ، صاحِبِ الْمِحْنَةِ وَالْبَلآءِ، اَلْمَدْفُونِ بِأَرْضِ كَرْبَلاء، مَوْلَى الثَّقَلَيْنِ، أَبي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْن.

العقائد
منذ شهرين
701

يوم الحسين (عليه السلام) من أيام الله (تعالى)

بقلم: رضا الله غايتي مما لاشك فيه أن كل ما في الوجود إنما هو ملكٌ لله (تعالى) بما فيه الزمان، إذ إن كل الأيام والشهور والدهور إنما هي له (عز وجل)، إلا أننا نجده (سبحانه) ينسب بعض الأيام إلى ذاته المقدسة كما في قوله: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ"(إبراهيم 5). وعندئذٍ لا يمكن أن تفسر تلك النسبة إلا تشريفًا وتعظيمًا لها. وأيام الله تعالى: هي الأيام المصيرية والمهمّة في حياة الناس، سواء كانت أيّام نصرٍ عظيمٍ أو بلاءٍ جسيم؛ لأن كلتيهما تؤثّران في يقظة الشعوب ونهضتها؛ لذا جاء الأمر السّماوي بالتذكير بها وضرورة إحيائها. والقرآنَ الكريم –كما هو معلوم- إنما يبيّن الأصولَ العامة فقط، وأما بيان المصاديق فأمرهُ موكولٌ إلى السنةِ المطهّرةِ، وبالرجوع إلى الروايات نجد أنّ منها ما صرّح بذكر بعض مصاديق أيام الله تعالى، كما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «أيّام الله، يومٌ يقوم القائم (عليه السلام)، ويوم الكرّة (1)، ويوم القيامة» (2)، ومنها ما أشار إلى بعض الأيام ببيان عظمتها وأهميتها، ولعل من أجلاها وأوضحها تلك التي تناولت يوم الحسين (عليه السلام) منها ما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام): "يا ابن شبيب ان كنت باكياً لشيءٍ فابكِ للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإنه ذبح كما يذبح الكبش وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلًا ما لهم في الأرض شبيهون ولقد بكت السموات السبع والأرضون لقتله ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة اربعة آلاف لنصره فلم يؤذن لهم فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم (عليه السلام) فيكونون من أنصاره وشعارهم يا لثارات الحسين (عليه السلام)، يا بن شبيب لقد حدثني أبي عن أبيه عن جده (عليه السلام) أنه لما قتل جدى الحسين (صلوات الله عليه) أمطرت السماء دمًا وترابًا احمر" (3). ولم يقتصر ذكر عظمة هذا اليوم على كتبنا فقط، بل ورد في كتب السنة أيضًا منها ما روي عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله) فِي الْمَنَامِ بِنِصْفِ النَّهَارِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَعَهُ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ يَلْتَقِطُهُ أَوْ يَتَتَبَّعُ فِيهَا شَيْئاً، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا قَالَ دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ لَمْ أَزَلْ أَتَتَبَّعُهُ مُنْذُ الْيَوْمَ، قَالَ عَمَّارٌ فَحَفِظْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَوَجَدْنَاهُ قُتِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ" (4) ومن الجدير بالذكر أنه لم تُعبِّر الروايات عن يوم استشهاد أيٍّ من الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) بما فيهم حبيب الله (صلى الله عليه وآله) وأخوه علي وابنته الزهراء (عليها السلام) بأنه (يوم) سوى في قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، كما في الرواية عن الإمام الرضا (عليه السلام): "إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا، وأذل عزيزنا" (5) وأما علّة عظمة يوم الإمام الحسين (عليه السلام) على سائر الأيام فلعلها هي العلّة التي وضحّتها رواية الإمام الصادق (عليه السلام): "إن يوم الحسين (عليه السلام) أعظم مصيبة من سائر الأيام؛ وذلك أن اصحاب الكساء، الذي كانوا أكرم الخلق على الله، كانوا خمسة فلما مضى النبي، بقى أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليه السلام) فكان فيهم للناس عزاء وسلوة فلما مضت فاطمة (عليه السلام)، كان في أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليه السلام) للناس عزاء وسلوة فلما مضى منهم أمير المؤمنين (عليه السلام )، كان للناس في الحسن والحسين (عليه السلام) عزاء وسلوة فلما مضى الحسن (عليه السلام) كان للناس في الحسين (عليه السلام) عزاء وسلوة فلما قتل الحسين (عليه السلام)، لم يكن بقى من أصحاب الكساء أحد للناس فيه بعده عزاء وسلوة فكان ذهابه كذهاب جميعهم كما كان بقاؤه كبقاء جميعهم فلذلك صار يومه أعظم الأيام مصيبة"(6) وتترتب على كون يوم الإمام الحسين (عليه السلام) من أيام الله (تعالى) ثمرة مهمة جدًا مفادها: وجوب التذكير به بأمرٍ الله (عز وجل) وبالتالي فإن إصرار الشيعة على إحيائه إنما هو امتثالٌ لذلك الأمر وإتباعٌ لسنةِ نبيه وعترته (صلى الله عليه وآله). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)يوم الكرّة:أي يوم الرجعة. (2)نور الثقلين ج2 526 (3)عيون أخبار الرضا ص297 (4)مسند أحمد ج5 ص89 (5)مسند الإمام الرضا (ع) ج3 ص27 (6)الفصول المهمة ج4 ص433

العقائد
منذ 3 أشهر
1593

شاء الله أن يراني مقتولًا

بقلم: رضا الله غايتي "شاء الله (عز وجل) أن يراني مقتولًا مذبوحًا ظلمًا وعدوانًا، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشردين، وأطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً" (1) بهذه الكلمات وشبيهاتها ربط الإمام الحسين (عليه السلام) أمر قيامه بالمشيئة الإلهية ردًا على كل من نصحه بعدم القيام أو بعدم اصطحاب الأهل والعيال. وقد يتبادر إلى الأذهان أن الله تعالى وهو الحق المطلق والعدل اللامتناهي كيف يمكن أن يشاء حدوث ما حدث في كربلاء من أحداث مفزعة وجرائم مروعة؟! وللجواب عن ذلك نقول: المشيئة لغةً: الإرادة (2). وأما اصطلاحًا: فهي من صفاته سبحانه، وقد اختلف الإلهيون في حقيقتها، فمنهم من قال: إنها علمه بالنظام الأصلح، وبالتالي فهي من الصفات الذاتية، ومنهم من قال: إنها فعله وإيجاده على النحو الأحسن، وبالتالي فهي من صفاته الفعلية. والإرادة والمشيئة متحدتان في المعنى، روي عن الإمام الرضا (عليه السلام): "وأعلم: أن الإبداع والمشيئة والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة" (3). وتنقسم الإرادة إلى قسمين: الإرادة التشريعية: وهي إرادته سبحانه تشريعَ الاَحكام وتقنينها، كتشريع الصوم والصلاة وغيرهما. الإرادة التكوينية: وهي إرادته سبحانه إيجادَ شيء وتكوينه في صحيفة الوجود. وقد تتعلق بفعل نفس المريد كتعلّق إرادته سبحانه بخلق السماوات والاَرض، وقد تتعلق بإرادة غيره كأفعال البشر. وبناءً على ذلك، يمكن تقديم إجابتين عن هذا التساؤل: الأولى: المشيئة في قتل الإمام الحسين (عليه السلام) مشيئة تشريعية. وذلك لوجود تكليف خاص منه تعالى بأن يخرج الإمام الحسين (عليه السلام) ويقف بوجه الظالم؛ لأنه هو المحامي عن الدين والمصلح لما فسد منه. وقد روي عن السيدة زينب (عليه السلام) ما ربما يعضد هذا المعنى: "هؤلاءِ قومٌ كتب الله عليهم القتلَ فبرزوا إلى مضاجعهم" (4). الثانية: المشيئة في قتل الإمام الحسين (عليه السلام) مشيئة تكوينية. ويمكن توضيحها بوجهين: أولهما: مما لاريب فيه أنّ ما من حادثةٍ ترتدي رداء الوجود إلا بمشيئة وقوة الواحد المعبود؛ لأنها ما كانت لتحدث لولا إقداره تعالى وقوته، ولو شاء ألّا تقع لما وقعت أصلًا. ولا يعني ذلك أن العباد مجبورون على أفعالهم؛ لاَنّ إرادته سبحانه وإن تعلّقت بأفعالهم ولكن بتوسط إرادتهم الخاصة وبشرط مشيئتهم واختيارهم، وبذا صحَّ أن يُقال: لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين الاَمرين. كما روي عن الإمام عليّ (عليه السلام):"وأمّا المعاصي: فليست بأمر الله، ولكن بقضاء الله وبقدر الله وبمشيّته وبعلمه، ثمّ يعاقب عليها» (5). وهذا النصّ واضحٌ في أنّ ما يفعله الاِنسان من المعاصي والذنوب هي بقضاء الله وقدره وعلمه، ولكن ليست بأمره. وعليه فإن قتل الإمام الحسين (عليه السلام) إنما كان بمشيئته جل وعلا بهذا المعنى. وأما ثانيهما: فإن للثورة الحسينية أهدافًا مختلفة المدى، كان البعيد منها إرادته تعالى إقامة الدولة الإلهية العادلة بالأسباب الطبيعية. والتي شاء ألّا تقوم إلا بتحقق شرائط، هي: *القائد المحنك وهو الإمام المنتظر (عجل الله فرجه). *الشريعة الجامعة التي تتلاءم ومتغيرات الحياة وهي الشريعة الإسلامية. *القاعدة الجماهيرية المناصرة والمؤيدة لها. ولتحقق هذا الشرط الأخير لابد من توفر أمرين: الجانب العقلي، أي الاستدلالات العقلية التي تثبت أحقية الدين الاسلامي وأمر توفرها مفروغٌ منه. والجانب العاطفي، أي عامل جذب نفوس الناس إلى الدين وهو الذي وفّرته المظلومية الحسينية بشتى أبعادها. أي إن مظلومية الإمام (عليه السلام) لم تكن مرادة منه تعالى لذاتها بل بالعرض. ختاماً، أن الله تعالى لم يشأ قتل الإمام (عليه السلام) مظلومًا من دون هدف؛ لأنه سبحانه ليس بظالم ولا يرضى بالظلم، ولكنه شاء ذلك حفظًا للدين ولإظهاره على الدين كله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)كلمات الإمام الحسين ج1 ص289 (2) لسان العرب ج1ص103 (3)عيون أخبار الرضا ج2ص172 (4)اللهوف ج1ص60 (5)التوحيد للصدوق ج9ص369

العقائد
منذ 3 أشهر
696

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
22365

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
21814

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
21646

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
21605

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

اخرى
منذ سنة
10807

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

اخرى
منذ سنة
9936