حـــجُّ الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه الشريف)

بقلم: علوية الحسيني إنّ الاعتقاد بأنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) حيٌّ أمرٌ مفروغ منه في عقيدتنا والدليل عليه جزمي! وبالتالي يثبت له جميع ما يثبت للأحياء -وإن كان غائبًا عن ان نعرفه، لحكمةٍ إلهية- فله ما لنا من حقوق, وعليه ما علينا من التزامات, مع فارقٍ جوهري في الأفضلية له, كونه أتقى وأنقى وأشرف وأكمل من سائر العباد اليوم؛ فعقيدتا في الأئمة "أنَّهم بشر مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وإنما هم عباد مكرمون، اختصّهم الله تعالى بكرامته، وحباهم بولايته"(1). وعليه ينعقد الكلام حول هذا الموضوع ضمن النقاط التالية: ■النقطة الأولى: الحجُ مفروضٌ على جميع العباد ومنهم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف): من الالتزامات المفروضة على العباد هو الحج, ذلك الفرض الثابت في الكتاب والسنة القطعية, ولا يخفى أنّه أحد فروع الدّين, فأوجبه الله تعالى على عباده جميعًا حال توفر شرائطه؛ قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ}(2). فظهور الآية الكريمة واضح في وجوب الحج على المستطيع, ولا قرينة صارفة من الوجوب إلى الاستحباب, بل نجد أنّه تعالى ذيّل الآية نفسها بأن التدارك للحج كافر. وبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) نفرٌ من الناس – وهذه عقيدتنا به كما أسلفنا، واختلفنا عن الغلاة- فيجب عليه الحج مع توفر الشرائط. كما وأنّ الإمام الصادق (عليه السلام) روي عنه تأكيده على هذه الفريضة المقدسة, ناعتًا تاركها باليهودي أو النصراني؛ روي "عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من مات ولم يحجّ حجّة الاسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحجّ، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانيا" (3). إذًا فلا يمكننا القول بأنّه (عجّل الله فرجه الشريف) يكفر بالحج, ولم يذهب إليه -مع فرض تحقق الاستطاعة-, أو أنّه طيلة حياته لم يحج بيت الله الحرام, بزعم كونه غائبًا؛ إذ هذا مدفوع بأمور عديدة, منها: تفضيل الله تعالى له "كإمام منصًّب إلهيًا, مفترض الطاعة"(4)، ومنها: إنّ عقيدتنا بالأئمة (عليهم السلام) عمومًا أنّهم "في أعلى درجات الكمال اللائقة في البشر من العلم، والتقوى، والشجاعة، والكرم، والعفّة، وجميع الاَخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، لا يدانيهم أحد من البشر فيما اختصوا به"(5), فإذا كانوا لا يدانيهم بشر في طاعة الله تعالى ومكارم الأخلاق, فكيف يمكن فرض احتمال كفر أحدهم بفرعٍ من فروع الدّين؟! ■النقطة الثانية: كيفية الجمع بين حجّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) وغًيبته: إنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مفروضٌ عليه الحج -مع توفر شروط الحج- كسائر التكاليف الشرعية, فيجب عليه تأديته, وهذا كافٍ للرد على من آمن بالغَيبة على أنّها انزواء الإمام في بقعة من بقاع الأرض. بل، ولو سلّمنا جدلاً بأنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) منزوٍ في أرض مكة المكرمة, فمجرّد أدائه لمناسك الحج ينافي المعنى اللغوي للانزواء, سواء أكان الانزواء بمعنى الاعتزال عن الناس, أو كان بمعنى اللبث في زاوية مكانٍ معيّن. *فأمّا الأول فمدفوع بما رواه الشيخ الصدوق, والشيخ الطوسي, عن محمد بن عثمان العمري، أنّه قال: "واللهِ إنّ صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كلّ سنة، فيرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه"(6), ففي الحديث دلالة على اختلاط الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) بالناس, ودحض شبهة اعتزاله. *وأما الثاني فمدفوع بما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "في القائم سُنّة من موسى، وسنّة من يوسف، وسنّة من عيسى، وسنّة من محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فأمّا سنّة موسى فخائف يترقّب، وأمّا سنّة يوسف فإن اخوته كانوا يُبايعونه ويُخاطبونه ولا يعرفونه..."(7), ففي الحديث دلالة عرفية تفيد أنّ الخائف المترقب متنقل بين مكانٍ وآخر؛ خوفًا من عثور أعدائه عليه, والتنقل غير اللبث في مكانٍ معيّن, فدحضت شبهة الانزواء. ومن هذا نستنتج وجوب تنقله (عجّل الله فرجه الشريف) في بقاع الأرض, وعلى فرض تنقله فإنّه يؤدي ما عليه من واجبات إلهية, ومنها فريضة الحج. يذكر إنّ حضور الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) في موسم الحج في زمن غيبته هو أحد انجازاته قبل ظهوره المعلن, وحضوره ذلك يكون طبيعيًّا, لا يحتاج إلى اعجازٍ, نعم لا يضر اثبات حضوره الحج عدم معرفته, بعد أن أثبتنا وجوب تنقله في بقاع الأرض "روى الصدوق, عن عبيد بن زرارة, قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: يفقد الناس إمامهم، فيشهد الموسم فيراهم ولا يرونه"(8). ■النقطة الثالثة: شخص الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) تحت ضوء شرائط الحج: للحج شرائط لابد من توفرها(9) حتى يكون منجّزًا في ذمة المكلّف, فعلى فرض توفرها في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ووجوب الحج عليه نسردها مع بعض التفاصيل: 1- البلوغ إنّ الكلام في بلوغ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مفروغٌ منه, إذ يذكر لنا التاريخ أنّه عجل الله تعالى فرجه ولد سنة 255 للهجرة. 2/ العقل كما إنّ الكلام في سلامة عقل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) من الجنون بكافة أقسامه نافلة من القول؛ فعقيدتنا في الأئمة أن يكونوا متصفين بأكمل الصفات الخلقية والعقلية؛ حتى توجب التفاف الناس حولهم, ومن ثم التمكن من هدايتهم. 3- الحرية وأيضًا الكلام في حرية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مفروغ منه؛ إذ ليس من صفات الأئمة (عليهم السلام) أن يكونوا عبيدًا لغيرهم, ثم يعتقون حتى يصبحوا أحرارا, بل هم أحرار أسياد. 4- الاستطاعة ويعتبر في هذا الشرط أمور، منها: الأول: السعة في الوقت أي أن يسع الوقت للذهاب إلى بيت الله الحرام من مسكن الحاج فيستطيع أن يصل في الوقت المناسب, وهذا شرط من السهل توافره في حجّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ كيف لا, والأرض تطوى له فيصل إلى أي بقعة من بقاع الأرض متى ما شاء, بإذن الله القادر المختار؛ روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "القائم منصور بالرعب مؤيد بالنصر، تطوى له الأرض وتظهر له الكنوز ، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ، ويظهر الله عزوجل به دينه ولو كره المشركون..."(10), فالرواية وإن كان ظاهرها يتكلم عن زمن الظهور, إلاّ أنّه لا يستبعد ثبوت طي الأرض للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في زمن غيبته, وذلك يرجع إلى قدرة الله تعالى الواسعة. إذًا بمجرد طي الأرض له (عجّل الله فرجه الشريف) يصل إلى مكة المكرمة, ويؤدي حجّه, هذا على فرض وجود الإمام في أرضٍ غير أرض مكة, وقد يؤيد هذا الفرض ما جاء في دعاء الندبة: "لَيْتَ شِعْري اَيْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوى، بَلْ اَيُّ اَرْض تُقِلُّكَ اَوْ ثَرى؟". وأما على فرض وجوده في أرض مكة فمن بابٍ أولى أنّه سيكون له سعة من الوقت للوصول إلى الحرم المكي وأداء مناسك حجّه. وقد يؤيد هذا الفرض ما جاء في دعاء الندبة: "اَ بِرَضْوى اَوْ غَيْرِها اَمْ ذي طُوى؟" رضوى: "هو جبل على مسيرة يوم من ينبع وعلى سبع مراحل من المدينة" (11). "ميامنه طريق مكة ومياسره طريق البريراء لمن كان مصعدا الى مكة"(12). أمّا ذو طوى: "فهو موضع بمكة المكرمة داخل الحرم هو من مكة على نحو من فرسخ ترى بيوت مكة منه، قال في (المصباح) ويعرف بالزاهر في طريق التنعيم، وفي (القاموس) ذي طوى، موضع قرب مكة"(13). الثاني: صحّة البدن وقوّته أي أنّ الحاج يجب أن لا يكون سقيمًا, هزيلاً, فيمتنع عليه أداء مناسك الحج, وهذا شرط من المفروغ ثبوته في جسد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) " قال أبو عبد الله عليه السلام: القوة القائم عليه السلام والركن الشديد ثلاثمائة وثلاثة عشر"(14). الثالث: تخلية السرب ويقصد بها أن يكون الطريق مفتوحاً ومأموناً، فلا يكون فيه مانع لا يمكن معه من الوصول إلى الميقات أو إلى الأراضي المقدّسة، وكذا لا يكون خطراً على النفس أو المال أو العرض، وإلاّ لم يجب الحجّ . والإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لا موانع تقف بينه وبين حضوره لأي مكان؛ وفقًا للمشيئة والقدرة الإلهية. الرابع: النفقة، ويعبّر عنها بالزاد والراحلة ويقصد بالزاد: كلّ ما يحتاج إليه في سفره من المأكول والمشروب وغيرهما من ضروريات ذلك السفر، ويراد بالراحلة: الوسيلة النقليّة التي يستعان بها في قطع المسافة، ويعتبر فيهما أن يكونا ممّا يليق بحال المكلّف. فأما زاد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) فلم تنص عليه الروايات, إلاّ أننا ممكن أن نثبته من خلال القول بأنّه راجع إلى اعتقادنا في الأئمة (عليهم السلام) بأنّهم بشرٌ مثلنا يجوعون ويعطشون, فيكون من البديهي توفره. وأمّا راحلته فغيب, كلّ ما علينا هو الإيمان بتوفرها مهما كان نوعها. الخامس: الرجوع إلى الكفاية، وهو التمكن بالفعل أو بالقوّة من إعاشة نفسه وعائلته بعد الرجوع إذا خرج إلى الحجّ وصرف ما عنده في نفقته، بحيث لا يحتاج إلى التكفّف ولا يقع في الشدّة والحرج. وهذا الشرط منوط بالعلم الغيبي؛ وإذا تكفّل الله تعالى وليّه (عجّل الله فرجه الشريف) فليس لدينا سوى الإيمان بمجمل الأمر, دون الخوض في تفاصيله, مع الانتباه إلى أنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) لا دليل جزميا على انه متزوج حتى يشمله الشرط بحذافيره –من المأمن على مصرف عيال الحاج-. ومع احتمال عمل الإمام وتكسبه للمعيشة يتحقق هذا الشرط؛ استنادًا إلى سيرة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) بتكسبهم للمعيشة, وليس عملهم انتقاصًا من مكانتهم؛ إذ فيهم الراعي للأغنام, والحداد, والنجار, وما شابه ذلك من المهن. ■النقطة الرابعة: سؤالٌ وجواب: قد يطرح البعض سؤالاً مفاده: إذا كان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) قد حجّ الحج الواجب عند توفر الشرائط, فلماذا يشهد موسم الحج كلّ عام؟ وجوابه: هنالك روايتان تنصان على تواجد الامام سابقا في الكعبة دون التصريح بأنّ وجوده هناك كان للحج الواجب, كما "روى الشيخ الصدوق, عن الحميري, أنّه قال: سألت محمد بن عثمان العمري، فقلت له: أرأيتَ صاحب هذا الأمر؟ فقال: نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول: اللهم أنجِزْ لي ما وعدتَني"(15)، فدعاء الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) عند بيت الله الحرام لا يخلو من احتمال وجوده لأداء الحج الواجب. ورواية اخرى بنفس المفاد إلاّ أنّ المسموع من دعائه (عجّل الله فرجه الشريف) هو دعاء آخر, وعند ركنٍ محدد, "روى الشيخ الصدوق, عن الحميري, أنّه قال: سمعتُ محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه يقول: رأيتُه صلوات الله عليه متعلّقاً بأستار الكعبة في المستجار، وهو يقول: اللهم انتقِم لي من أعدائي".(16)، وعلى فرض تعدد مرات رؤيته عند بيت الله الحرام تنبثق احتمالية أدائه (عجّل الله فرجه الشريف) لفريضة الحج الواجب في أحدها. وفي مقام الجواب عن سبب شهوده موسم الحج كلّ عام مع فرض أدئه للحج الواجب في سنة من سنوات غيبته (عجّل الله فرجه الشريف) نحتمل عدّة أقوال: 1- إنّ الحج يجب على المكلف مرّة واحدة, وإذا تكرر أداء المناسك من الحاج في مواسم اخرى فهذا أمرٌ مستحب, فيسمى حجّه مستحبًا, وبما أنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) أكمل العباد مطلقًا, وأداء المستحب من الكمال, فينبغي للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الرشيف) أن يفعل المستحب, فيحجّ الحج المستحب, ويشهد الموسم كلّ عام. 2- لا ينكر عاقل أنّ الإنسان إذا عاش بين الناس ومنهم ظالمي حقه, ويتمكن من أخذ حقه منهم, إلاّ أنّه يقف مكتوف الأيدي؛ إيمانًا بالمشيئة الإلهية التي لم تشأ بعد بإعلان ظهوره هو أمرٌ صعبٌ للغاية, يحتاج إلى صبرٍ خاص, فوجد الله تعالى وليّه (عجّل الله فرجه الشريف) صابرًا على الغيبة, فمنحه كرامة الحضور في كلّ موسمٍ من مواسم الحج, التي تخفف على العبد البلايا والرزايا, وتجعل العبد يعيش حالة التسليم المطلق لما جرى عليه وما يجري وما سيجري. 3. على أن من الثابت استحباب تكرار الحج ما استطاع اليه المكلف سبيلا ___________________ (1) عقائد الامامية: للشيخ محمد رضا المظفر, ص85. (2) آل عمران: 97. (3) من لا يحضره الفقيه: للشيخ الصدوق, ج2, باب تسويف الحج, ح 2935. (4) ظ: حديث السلسلة الذهبية. (5) مصدر سابق, ص85. (6) كمال الدين: للشيخ الصدوق, ج2, ص440, ح8. الغيبة: للشيخ للطوسي, ص221. (7) المصدر السابق, ج1, ص28. (8) المصدر السابق, ج2, ص440, ح7. (9) مناسك الحج وملحقاتها: للسيد السيستاني, ف1, شرائط وجوب حجة الإسلام. (10) إثبات الهداة: للحر العاملي, ج3, ص570, ب32, ف44, ح686. (11) معجم البلدان: لياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي,ج3, ص51. (12) مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام. (13) مجمع البحرين: للشيخ فخرالدين الطريحي, ج3, ص97. (14) تفسير القمّي: لعلي بن إبراهيم القمي, ج 1, ص 336. (15) كمال الدين: للشيخ الصدوق, ص440, ح9. (16) المصدر نفسه, ح10. اللّهمَّ إني أسألك أن تُريني وليَّ أمرك ظاهراً نافذاً لأمرك مع علمي بأنَّ لك السلطان والقدرة والبرهان والحجَّة والمشيئة والارادة والحول والقوة.

دراسات في الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)
منذ 4 أشهر
936

سَألَتنِي المُعَلِمَةُ

بقلم: العلوية سهام جواد محمد دَخَلَتْ عَلينَا مُعَلِّمَةُ الأخلاقِ وَهيَ تَحمِلُ بَينَ يَدِيهَا كِتابًا لَمْ أُميزُ ما اسمهُ. فَسَلَمَتْ وَجَلَسَتْ، وأبتَدَأ الدَرسُ فَبادَرَتْ وَقالت: أُرِيدُ أنْ اطرَح عَلَيكُنّ سُؤالًا وَأُرِيدُ الإِجابَةَ. فَقالَتْ: ما هَو السُّؤالُ الذي تَخَافِينَ أنْ يَسألَهُ إياكِ مُولاكِ وإمامُ زَمانكِ وَصاحِب أمركِ (عجل الله فرجهُ) إذا أذِنَ اللهَ لهُ بالظُّهُورِ؟ لم أتوقع أنْ يأتيَ يَومٌ وأُسألَ مِثلَ هذا السُّؤالَ، فَقَدْ كانتْ كَلِماتها تِلكَ كَالصَّاعِقَة بِالنِّسبَةِ إليَّ واختَلجَتْ في ذِهنِي أفكَارٌ وأفكَارٌ، وَنَظَرتُ إلى زَمِيلاتِي وقَدْ بَدَا على وجُوههنِّ الاستغرابَ! وَأخَذن بِالإِجِابَةِ وَأنا استَمِعُ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ، وَوَصَلَ الدَّورُ إليَّ فَنَظَرَتُ إلى المُعَلِمَةِ وأنَّا مَذهُولةٌ، لَيتَهَا تَغُضُ بَصَرهَا عَنِّي، وَبَدَتْ أفكَارِي مُشَرَدةً، وَلم يَكَدْ لِسَانِي يَنطِقُ بِكَلِمِةٍ واحِدَةٍ، ولم أدرِ ما أقُولُ حَياءً مِن مُعلِمَتِي وُمِن زَمِيلاتِي لِما يَدُورُ في ذِهنِي مِن الاسئلةِ التي أخشَى أنْ يَطرَحَها عَليَّ الإمامُ (عجل الله فرجهُ)! وَلكنِي أجبتُ بِإجابةٍ وَأنتَهَى الدَّرسُ... ومَرَّ ذَلكَ اليَومَ ولمَّا عُدتُ إلى مَنزِلي أخَذَتْ نَفسِي بالمُحاوَرَةِ فَقالتْ: مَا بَالكِ؟ وَمَا الذي دَهاكِ؟ ومَا هو السؤالُ الذِي أخافَكِ وخَجِلتِ أنْ يَسألَهُ إياكِ مَولاكِ وإمامُ زَمانكِ (عجل الله فرجهُ) وأنْ تَعرِفَهُ مُعَلِمَتكِ وَزَمِيلاتُكِ؟ سُؤالهُ عن تَقصِيرَكِ في الواجِباتِ الشَّرعيةِ التي أمرَكِ اللهُ بها؟ صَلاتِي هَل كانَتْ تَنهانِي عن الفَّحشاءِ وَالمُنكرِ؟ صِيَامِي هل كانَ صِيَامَ جوارحٍ أم إِمسَاكًا عَنْ الطَّعَامِ؟ التَّزامِي بالحِجَابِ الذِي أُمرتُ بهِ أمْ الحِجَاب الذي فَرَضَتهُ عليَّ المُوضَات الخَداعة؟ والى آخِرهِ مِن الوَاجِبَاتِ... أمْ عن عَدمِ ابتِعَادِي عن نَواهِيهِ؟ مِنْ غِيبَةٍ وَنمِيمَة وَكَذِبٍ وبُهتَانٍ... وَغَيرَهَا مَمَّا نَهانِي الله عنهُ أمْ عَنْ سُؤاله عَنْ وَسَائلِ التَّواصُلِ التي قدْ أمتَلأ جَوالِي المَحَمُول بِها حَتى تَكاد تأخُذُ كُلَّ وَقتِي... وَقتِي يا وَيلِي أينَ هَدَرتهُ؟ أينَ أضَعتَهُ؟ أذ لم استَثمِرهُ بِما يَنفَعُنِي وَيَنفَعُ الآخرين مَن حَولِي. أولادِي زَوجِي صِلَةُ رَحِمِي، تفقد أحوالهم، زيارة مرِيضهُم شُؤونِ فُقَرائهُم. والدِي والدَتِي هل هُم راضِيانِ عني أم إنِّي قد قَطَعتُ قَلبِيهِمَا شوقًا إليَّ وحزنًا على تَصَرُفاتِي وابتِعادِي عَنهُمُّا بحُجَّةِ عدمِ وجودِ الوقتِ للتواصلِ، بينما أجدُ وقتًا وليسَ بالقَصِيرِ الذي يُستهانُ بهِ للأمورِ التَّافِهَةِ (جوال، علاقات زائدة وإنْ كانت معَ النِّسَاءِ، لعب ولَهو يِمينًا وَشِمَالًا) أضَعتُ صَلاتِي، قُرآنِي، مُنَاجاتِي مَع الله، مُناجاتِي مَع سَيدِي بَقِيةَ اللهِ (عجل الله فرجهُ) لَم أشعُر بوجُوده معَ أنَّهُ مَوجُودٌ مِعِيَ، وَيَرانِّي... يا اللهُ ما تلك الذنوبُ التي حَجبتهُ عن أنظاري، فأذن أنَّا لَم أكُن منتظرة .... ولم يَكُن اسمي في سِجل المُنتظِرِينَ كما كنتُ أعتقدُ، لأنَّ الذي يَنتظِرُ محبوباً يهيئُ للقائِهِ. وَتَوَقَفَت عن التَّساؤلِ لَحظةً! فَصَدَمتها بسُؤالي وقُلتُ لَهَا: أنتِ تَقُولِينَ إنِّي خائفٌ وهذا صحيحٌ! ولكِنْ أجيبي بصدقٍ: نَحنُ نَعلمُ بأنَّ مَن يُريدُ مُخاطَبَةَ شَخص ما ويوجه لهُ سُؤالًا فاللازم أنْ ينظرَ إليهِ حَتى يَعرِف المُقَابِل أنَّ الكَلامَ موجهٌ إليهِ، فَهَل سينظُرُ سَيدي بقِيةَ اللهِ (عجل الله فرجه) في وَجهِي؟ هل يطرحُ سُؤاله وهو مُلتفتٌ إليَّ أم قَدْ أعطانِي ظهرهُ وأدارَ مُحَيَاهُ المُبَارَكَ عَني. فَهُزِمَتْ نفسي وانهَارَتْ... وبعدَ صَمت عميق بَينِي وَبَينهَا قَالت مُتَفَاخِرةً: لستُ مَن أُجيبكِ، بَلْ أنتِ التي تُجِيبينَ عن سُؤالكِ، لأنَّ الإجابةَ بَدَتْ في ملامحِ وَجهَكِ عندما سَألتك المُعَلِمَة وخَجِلتِي مِن أنْ تُجيبِي أمامَها وأمَامَ زَمِيلاتكِ، فَكَيفَ إذا سَأَلَكِ مَن كُنتِ تَظُنينَ وتعتقدينَ أنَّكِ تَنتَظِرِينَهُ وتتشوَقِينَ للِقائِهِ! فَأفحَمَتنِي وصَمتُّ صمتًا عميقًا وصمَتّ! وفي قَلبِي لوعَةٌ، وكَم تَمنيتُ لو أنِّي أبوحُ لِسَيدي (عجل الله فرجهُ) جميعَ ما يَختلجُ بِداخِلي، وكم تَمَنيتُ لو أنِّي أنتظرهُ باستعدادٍ تام، عارفة بحقهِ مُستعدة للانحناءِ أمامهُ منْ دونِ أنْ أشعرَ بالخَجَلِ، وكَمْ تَمنَيتُ لو أنِّي أقولُ لهُ: سيدي دَعني أُقبّلُ ترابَ أقدامك الطاهرة، سيدي خذ بيدي إلى ما يُرضي الله تعالى ويُرضيكَ، وادع لي بالتوفِيقِ فإنَّ دُعاءكَ مُستجابٌ (اللهم عَجل لوليكَ الفرج)

دراسات في الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)
منذ 4 أشهر
3520

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
22365

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
21814

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
21646

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
21605

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

اخرى
منذ سنة
10807

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

اخرى
منذ سنة
9936