السياسةُ بين قُدسيّة المفهومِ ومافيا الواقع

بقلم: علي سعدون الغزيّ رُبَّما نغفل عن أنَّ السياسة مفهومٌ مُقدَّسٌ، يكتسب قُدسيّته من كونها خدمةً للمجتمع والإنسان بما تقدّمه من نظمِ الأمور، وتوفيرِ ما يُيسر حياةَ الإنسان، والعمل على سعادته، وتمكينه من تحقيق أهدافه. ومن هنا نجدُ أنَّ وصف الساسة كان صفةً لأهل البيت (عليهم السَّلام)، فقد ورد في الزيارة الجامعة وصفهم بأنّهم: (ساسةُ العباد، وأركانُ البلاد). كما مارس السياسة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، ومن بعده أمير المؤمنين (عليه السَّلام)، ولو كانت السياسةُ مفهومًا سلبيًّا لَما حظيتْ بكُلِّ ذلك. لكن ما نجده في الواقع هو انحرافِ العمل السياسي وتحوّله إلى أداةٍ للفساد الإداري، والماليّ، والهيمنةِ على الآخرين بكُلِّ الوسائل المشروعة وغيرها، واستعمالِ الناس كدروعٍ بشريّةٍ في حروبهم السياسيّة، وجعلهم مختبرًا لقراراتهم، ووسيلةً للضغط على الحكومات من خلال تجويعهم واضطهادهم حتّى أصبح بالإمكان أنْ نصفَ السياسة العالميّة بأنّها سياسة: (العالم ضدّ العالم). وللأسف نجدُ الإعلام يمارسُ دورًا كبيرًا في ذلك، وأصبح أداةً بيدِ المافيا السياسيّة، فحينما تُشاهدُ أية قناةٍ تلفزيونية تجدُ الحديث عن القتلِ، والتفجيرِ، والاختطافِ، والفسادِ، والتهديد بالحروبِ، والخلافات السياسيّة الحادّةِ، والحديث عن المؤامراتِ. وكُلُّ ذلك ضغطٌ إضافيٌّ على كاهلِ الإنسان، وإرهاقٌ لوجوده النفسيّ، والجسديّ، والماديّ. وببساطةٍ، فإنَّ سياسة العالم اليوم أوصلتنا إلى أنَّ: (العالم لا يثق بالعالم). وانعدام الثقة المجتمعيّة، والعالميّة يعني انعدام الأمان. ومن المعلوم: أنَّ الأمان هو رأسُ مال الحياة، وأوّلُ حجرٍ في تصحيح المسار، والانطلاق نحو أُفُقٍ جيدٍ.

القضايا الاجتماعية
منذ يوم
61

لماذا العمل بروح الجماعة صعب المنال؟

بقلم: أنعام العبادي إذا ترسخت قيمة البر وقيمة التقوى سيندفع الإنسان نحو كل ما يدخل ضمن هذين الأمرين ونحو كل ما يُعززهما. والعمل الجماعي ليس مطلوبًا مطلقًا وإنما بما يندرج تحت هاتين الفضيلتين، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (١)، فالأصل هنا، إذا ترسّخ البر وما يدخل تحته، و التقوى وما يدخل تحتها، عندها لا نحتاج إلى الكثير من الإقناع بأهمية العمل بروح الجماعة، فبعد أن يدركها الفرد وينتمي لمجموعة تعمل بأحد مصاديق البر والتقوى؛ فالنتيجة قوة فعالة مُستمرة الإنجاز ولا تُهزم، يقول نابليون هيل: "إنّ المبدأ الذي يقوم عليه العقل الموجه هو أنّ اثنين أو أكثر من الناس ينهمكون في ملاحقة هدف محدد مع اتجاه ذهني إيجابي يشكلون قوة لا تهزم" (٢)، فمن أهم المفاتيح لتقدم الشعوب، والوصول إلى الصواب بشكل أسرع هو التعاون وأخذ عصارة الآراء والتجارب المُختلفة وصناعة أنموذج، فذلك يجنب الفرد فضلًا عن الجماعة جزءً كبيرًا من الضغط وإضاعة الوقت، فهو بمثابة طي الزمن للوصول إلى الهدف، ويُعطي للعمل المُنجز قوة أكبر، ومع كل ميزات العمل بروح الجماعة، و رغم الاهتمام الذي تَلَقاه في كتابِ الله تعالى وفي الروايات كما روي عن رسول الله (صلى آلله عليه واله): "يد الله مع الجماعة" (٣)، وكذلك من العلماء والمعلمين إلّا أنه صعب المنال، ويواجه نوع من الاختلال وعدم الإنتاجية المرجوة، وانسحاب الأفراد، وقد تصل إلى انهيار الجماعة بأكملها. وعند البحث عن الأسباب نجد أهمها الآتي: ١- عدم كفاءة القائد أو المسؤول، وأبرز علامات عدم الكفاءة: عدم الأهلية للتصدي، عدم وجود وازع أخلاقي، عدم القدرة على المتابعة لأفراد المجموعة وتقويمهم وتحفيز أفكارهم، عدم مكافأة المبدعين، عدم مشاورتهم للأفراد واستشارتهم. ٢- عدم إعطاء كل فرد من المجموعة حقه من الاهتمام سواء من قِبل المسؤول لأفراد المجموعة، أو بين فرد وآخر، فلا بد من الاهتمام بالجميع من قِبل الجميع، والاهتمام بكل إنجاز وكل رأي مهما كان بسيطًا وصغيرًا، ومعالجة حالة التحفظ والانعزال التي يعاني منها بعض الأفراد ومعرفة الأسباب من قبل المسؤول. ٣-من الأخطاء التي تقع بها المؤسسات التي تعمل بشكل جماعي هو البحث عن أشخاص يتوافقون مع توجهاتهم ووجهات نظرهم، وعدم الصبر والتأني، والتأمل في الآراء المختلفة، يوجد هناك بعض الثوابت والقيم التي ينبغي عدم الاختلاف بها وإحرازها من كل فرد لكن هناك أمور توجد مساحة كبيرة لإبداء رأي مخالف قد يساهم في رفع فعالية وإنتاجية المجموعة. ٤- الخوف من المبدعين والناجحين ومحاربتهم غالبًا، وهذا عائق للفرد الذي يعاني من هذا الخوف قبل أن يكون عائقًا للمجموعة، فإذا خاف الفرد من نجاح الآخرين الذين يعملون معه بنفس المطلب وقاطعهم وحاربهم كيف سيتطور ويستفيد من خبرتهم ويجالسهم؟ روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "جالس أهل الورع والحكمة وأكثر مناقشتهم، فإنك إن كنت جاهلًا علموك، وإن كنت عالما ازددت علما" (٤) ٥- ومن الأسباب و خصوصًا في المجاميع الثقافية الإسلامية، هو الاعتقاد بأنّ النجاح بقدر الأتباع، وتحول الفكر السليم والقيم والمبادئ الإسلامية إلى أرقام، مع هذا القياس لن يتقبل الفرد نجاح الآخر، فما على الفرد إلا القيام بعمله على أتم وجه؛ أما النتيجة والثمرة وعدد الاتباع فهو مرهون بأسباب عديدة، وليست هي غاية ما دام الهدف ساميًا يندرج ضمن البر والتقوى. هذه أهم الأسباب التي ينبغي الالتفات إليها والسعي للتغلب عليها، والتي تحتاج إلى إخلاص، وجهد، ودقة، وعلم، وتواضع، وإيمان بالتعاون، ووضع المصالح الشخصية في الخلف وهدف المجموعة في الأمام، فهم كمن شكّل بنيانًا مرصوصًا لا يُخترق وعندها سيُكتب النصر. وأكثر صفة ينبغي السعي للحصول عليها والاتصاف بها سواء من القائد أو المسؤول أو الفرد في المجموعة، هي تلك الصفة التي ذكرها ضرار بن ضمرة لمعاوية عندما قال له معاوية صف لي علياً (عليه السلام) فقال: " كان والله فينا كأحدنا" (٥)، هذه الصفة لعلّها خلاصة لعلاج كل الأسباب التي ذُكرت أعلاه، وعندها ستعمل المجموعة بعقل واحد وهي روحية العمل الجماعي بأيادٍ متعددة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) سورة المائدة، آية (٢). (٢) كتاب العمل الجماعي/ إبراهيم الفقهي. (٣) ميزان الحكمة/محمد الريشهري/ج١. (٤) العلم والحكمة في الكتاب والسنة/محمد الريشهري. (٥) بحار الأنوار/ العلامة المجلسي/ج٨٤

القضايا الاجتماعية
منذ أسبوع
88

رسالاتٌ في زمن الوباء (٥)

بقلم: علوية الحسيني عملٌ يطيل العمر, ويكثر الحسنات, ويزيد في الرزق, ويقوي أواصر العلاقات, ويرضي الله (سبحانه وتعالى), ألا وهو صلة الأرحام. فمن منّا لا يرجو تحقيق كل ذلك! إنّ حاجة الإنسان إلى ربّه لا زالت قائمة, فلا غنى عنه (سبحانه وتعالى), وإظهار الحاجة يكون في وقت الشدّة أكثر من وقت الرخاء, وهذه حقيقة أغلب الناس. ومن الشدائد التي يمر بها العالم اليوم هي شدّة الوباء العالمي (كوفيد19), فنجد أنّ أكثر الناس يرجون الله (سبحانه وتعالى) أن يسلّمهم من هذا الوباء, ويطيل عمرهم في عافية, ومن أحد الحلول هو توصيتهم بصلة أرحامهم ليطيل الله (سبحانه وتعالى) في عمرهم. روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: "يَكُونُ الرَّجُلُ يَصِلُ رَحِمَهُ فَيَكُونُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلاثُ سِنِينَ فَيُصَيِّرُهَا الله ثَلاثِينَ سَنَةً وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاء" (1). لكن نسبة كبيرة من الناس تقع في التناقض؛ حيث يطلبون زيادة العمر من خلال برّهم بأرحامهم بزيارتهم, وفي الوقت نفسه يعرّضون عمرهم وعمر أرحامهم للموت, رغم التحذير من عدم التجمعات والاختلاط. رسالتنا اليوم ليس هدفها قطع الأرحام؛ بل صلة الأرحام أثناء الحجر الصحي, من دون زيارتهم, وذلك من خلال عدّة أفكار, منها: 1/ الاتصال الهاتفي والسؤال عن الأرحام, فهذا الطريق الأسلم, بل هو الحد الشرعي لصلة الرحم؛ حتى روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: " قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلام) صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَـوْ بِالتَّسْلِيمِ يَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالأرْحامَ إِنَّ الله كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا" (2). فبكبسة زر ترى أرحامك ويرونك مع التطور التكنلوجي الذي نعيشه اليوم. 2/ عمل مجموعات إلكترونية في أحد مواقع التواصل الاجتماعي, تشمل كافة الأرحام -إن أمكن-, وتبادل الحديث والسؤال عنهم, هذا الطريق سيقوي الأواصر العائلية بين الأرحام كثيرًا, وسيجعلك في تواصل دائم مع أرحامك، مع حفظ الحدود الشرعية طبعاً، والحل: أن تكون مجموعة النساء مختلفة عن مجموعة الرجال. 3/ عمل جدول معيّن لتنظيم أوقات الاتصال, وأسماء الأشخاص الذين تتصل عليهم؛ كأن تخصص كل يوم للاتصال على الوالدين, والسبت على الإخوان, والأحد على الأعمام, والاثنين على الأخوال, وهكذا. فهذه الطريقة تضمن لك التفقد الدائم لأرحامك, دون أي تقصير أو نسيان. 4/ المبادرة بالاتصال على من قطعكَ من أرحامكَ, وتكرار الاتصال عليه, وهذا بحد ذاته خلق عظيم أرشدنا إليه نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله)؛ فروي عنه أنّه قال: "ولا تقطع رحمك وإن قطعك" (3). 5/ ممكن أن تصل أرحامك بالصدقة الواجبة والمستحبة دون اعلامهم أنّها صدقة؛ لئلا تسبب لهم حرجًا؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: "...فقيل لرسول الله: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ فقال: على ذي الرحم الكاشح" (4). 6/ تتحقق صلة الأرحام بالدعاء لهم واهدائهم ثواب الأعمال المستحبة, وهذا من مصاديق إكرام الأرحام والوصل بهم, خصوصًا إذا أخبرتهم بذكرك لهم بالدعاء الصالح, وكيف لا تدعو وهم أصلك! روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: "وأكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول" (5). *وهناك أربع نقاطٍ مهمة لا بد من الإشارة إليها: ■أوّلًا: ينبغي عند التواصل مع الأرحام ضرورة مراعاة (وقت الصلاة), فرغم أنّ صلة الأرحام واجبة كذلك الصلاة واجبة, إلّا أنّ هذا لا يعني تقديم الكلام مع الأرحام عـلى الكلام مع الله (سبحانه وتعالى), فلننتبه. ■ثانيًا: ينبغي على العاقل أن لا يبالغ كثيرًا في قضاء وقته مع أرحامه, فلا يهذر ويسرف في القول؛ كأن يكلمهم بما لا يعنيهم, حتى لا يكلموه بتفاهات الأمور أيضًا؛ لما للوقت من أهمية عظيمة, فذلك أسلم للطرفين؛ إذ قد تريد انجاز أمرٍ بعد الاتصال فيأخذ الأرحام وقت عملك, وقد يريدون أن يقوموا بعملٍ ما, لكن نتيجة استرسالك في الحديث تمنعهم من ذلك. فلنتأمل, ونتكلم بالحد المعقول معهم. ■ثالثًا: ضرورة تشخيص من هم الأرحام؛ حتى لا يقع الإنسان بمحذور التكلم مع غير الأرحام إن كانوا من جنسٍ آخر, "والعبرة في الرحم بالصدق العرفي" (6), ومن هنا لا يتبجح الرجل ويقول بأنّه يريد أن يصل رحمه من خلال تواصله واسترساله بالكلام مع بنات أعمامه أو عماته, أو بنات خاله أو خالاته, فهنّ أجنبيات عنه. وكذلك المرأة لا يصل بها المقام إلى حد تحقيق صلة أرحامها بالتواصل مع أبناء أعمامها أو عماتها, أو أبناء خالها أو خالاتها بما يخرج عن جدود الشرع, فهُم أجانب عنها. والتقوى فوق الفتوى. ■رابعًا: لا كبرياء بين الأرحام, ومن هنا تبرز حرمة قطع الأرحام, فكم منّا يتكبر على أرحامه, لا يصلك إلّا إذا أنت وصلته, وإن لم تصله قطعك, وهذا هجر بحد ذاته, ويحرم هجر المؤمن؛ روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "أيما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثا لا يصطلحان إلّا كانا خارجين من الإسلام ولم يكن بينهما ولاية، فأيهما سبق إلى كلام أخيه كان السابق إلى الجنة يوم الحساب" (7). هذا إن كان تهاونه في صلة أرحامه من باب الهجر لهم. أما إن كان من باب القطع بهم, فقاطع الرحم ملعون بصريح القرآن الكريم؛ قال الله (سبحانه وتعالى): {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (8), وهذا افسادٌ في الأرض, تلك الأرض التي ينادي الجميع اليوم بتخليصهم من الفساد فيها, فليس الفساد ماليًا أو إداريًا فقط, بل أخلاقيًا, فهلّا أصلحنا فساد أنفسنا بصلتنا لأرحامنا؟! فما أحوجنا اليوم لرفع اللعنة عنّا وترقب الرحمة الإلهية بنا لا سيما ونحن نعيش ما كسبته أيدينا من بلاءٍ ووباء, فلنتأمل قليلًا. *وخلاصة الرسالة: صِل رحمكَ بجميع الوسائل, ما عدا الزيارة في الوقت الراهن؛ حفاظًا على حياتك وحياتهم من نشر الوباء. ولا تنس أن تصل حتى من قطعك. ___________________ (1) الكافي للشيخ الكليني, ج2, باب صلة الرحم, ح3. (2) المصدر نفسه, ح22. (3) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج71, صلة الرحم، واعانتهم، والاحسان إليهم، والمنع من قطع صلة الأرحام، وما يناسبه, ح63. (4) المصدر نفسه, ح61. (5) نهج البلاغة, ج3, ص57. (6) موقع مكتب السيد السيستاني دام ظله, صلة الأرحام, س3. (7) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج12, باب تحريم هجر المؤمن بغير موجب، وكراهته بعد الثلاث معه، استحباب المسابقة إلى الصلة, ح5. (8) سورة محمد: 22-23. اللهم سددني لأن أجزي من هجرني بالبر, وأكافئ من قطعني بالصلة, ولا تجعلني من أهل عقوق الأرحام, بحق محمدٍ وآله خير الأنام.

القضايا الاجتماعية
منذ أسبوع
241

رسالاتٌ في زمن الوباء (٤)

بقلم: علوية الحسيني حدائقٌ وزهور إنّ النبات من نعم الله (سبحانه تعالى) العظيمة التي تدعونا للتفكر بدقة النظم الكوني الدقيق؛ من خلال الترابط بين مخلوقاته, هو النبات. فكما الإنسان يعتمد في عملية تنفسه بالشهيق على الغاز الذي يطرحه النبات, غاز الأوكسجين (O2), فإنّه في الوقت نفسه يغذّي النبات بغاز ثنائي أوكسيد الكاربون (CO2) بالزفير الذي يعتمده النبات في عملية بنائه الضوئي. إذًا تحتل النباتات مكانة كبرى في صحة الإنسان, ومن خلال تنقية الهواء الذي يستنشقه من بيئةٍ لا تكاد تخلو من تلوث, "سواء أكان تلوثًا طبيعيًا, كالغبار. أو صناعيًا كمخلفات المحطات وصناعة الاسمنت والاسفلت, وتوليد الطاقة الكهربائية, ناهيك عن المحطات النفطية. بريًا, كمخلفات السيارات التي تستخدم الذي يحتوي على نسبة عالية من الرصاص الذي يسبب استنشاقه أمراضًا عديدة كالسرطان والتشوهات الولادية, وهذا ما يسبب ضعف المناعة التي جميعنا بحاجة إلى تقويتها (اليوم خصوصًا)" (1). كما لا شك أنّ للنبات تأثيراً على مزاجيات الإنسان, سلبًا وإيجابًا, فكلما كانت البيئة التي تحيط به خلاّبة, نقيّة, كلّما كان أكثر استرخاءً, وأقل توترًا. ورسالتنا اليوم في زمن الوباء (كوفيد 19) هدفها التقليل من تلك التوترات التي يعيشها اغلب الناس نتيجة التفكير بالوباء؛ وعليه, سيكون الكلام حول البيئة النباتية (زرع النبات والاعتناء به) كأحد الوسائل التي من الممكن أن تقلل من التوتر, والتي تشغل الفرد فيما هو أصلح له. قال (تعالى): {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُون}(2), حرص الإسلام على الاعتناء بالبيئة؛ لعدّة أسباب, أهمها: التفكر في خلق الله (تعالى), والحفاظ على صحة جيدة من بيئة نقية, وللحفاظ على جمالية البيئة. إنّ الله (سبحانه وتعالى) هو الزارع الأول, لعظمة قدرته, ولطفه بتسخيره ما زرع لعباده؛ فعلّم الإنسان أسس عملية الزراعة, وتزيين الطبيعة بالمزروعات, فضلاً عن الحصول على ثمار. وكفى بذلك بيانًا واضحًا لأصل أهمية النبات للأرض عمومًا, وللإنسان خصوصًا, فيستطيع كلٌ منّا اليوم أن يزرع ويحصد ماديًا من صحةٍ جسدية, ومعنويًا من صحةٍ نفسية. ولم تخل حياة النبي محمد وأهل بيته (عليه وعليهم السلام) من زراعة النبات, والاعتناء به؛ لما لبعضها من ذكرٍ صريح في الآيات الواصفة للجنة, فضلاً عن اعطائها حقوقها باعتبارها خلقًا من مخلوقاته الله (سبحانه وتعالى), حتى روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): " إذا أتى أحدكم بريحان فليشمه وليضعه على عينيه، فإنه من الجنة، وإذا أتى أحدكم به فلا يرده" (3). أما الإمام الصادق (عليه السلام) فبدوره حثّ على زراعة النبات, ووصف ذلك العمل بأنّه عمل صالح, طيّب مبارك؛ روي عنه أنّه قال: "ازرعوا واغرسوا، فلا والله ما عمل الناس عملاً أحلَّ ولا أطيب منه" (4). كما وحثّ على عدم افساد جمالية البيئة النباتية بقطع الأشجار المثمرة؛ حيث روي عنه (عليه السلام): "لا تقطعوا الثمار (أي الأشجار المثمرة) فيصبّ الله عليكم العذاب صبّا" (5) لعله من باب الإشارة إلى أنّ قطع النبات فيه إفساد في الأرض؛ بالإضرار بالبيئة مجتمعًا وفردا, ولا يجوز الإضرار بالنفس والآخرين, لذا يصيب الفاعل عذابٌ. الورد أيضًا حظي بأهمية من أهل البيت (عليهم السلام)؛ حيث روي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنّه قال: "من تناول وردة أو ريحانة فقبلها ووضعها على عينيه، ثم صلى على محمد صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام كتب الله له من الحسنات مثل رمل عالج، ومحا عنه من السيئات مثل ذلك" (6). ثمار النبات أيضًا نال احترامًا من رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)؛ حيث روي أنّه كان يقبّل ثمار النباتات المأكولة, ويحمد الله (سبحانه وتعالى) ثم يأكلها, وفي ذلك إشارة واضحة إلى ضرورة زرعها, والاعتناء بها, بغض النظر عن تعليل فعله هذا بسببٍ دون آخر؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: "كان النبي صلى الله عليه وآله إذا رأى الفاكهة الجديدة قبلها ووضعها على عينيه وفمه، ثم قال: اللهم كما أريتنا أولها (له خ ل) في عافية، فأرنا آخرها (ه -خ ل-) في عافية" (7). وأيضًا فإن الفقه بدوره اعتنى بالبيئة النباتية بكافة أقسامها, من خلال بيانه لأهم أحكام الزراعة, بل وحتى المساقاة, والرسائل العملية لمراجعنا العظام تصدح بذلك, لمن شاء المراجعة. وعلى كل حال، فلو اعتنى كلّ فردٍ منّا بنظافة وتعقيم بيئته النباتية, كحدائق بيته, لعادَ بالفائدة على نفسه أوّلًا, وعلى مجتمعه ثانيًا. وبالتالي ممكن أن يخفف من حدة التوتر الذي يعيشه البعض من التفكير بالوباء العالمي, ولانشغل الأغلب بذلك كثقافة زراعية, وكقضاء وقتٍ في بيئة معقمة نقية أفضل من الخروج والاحتكاك بحاملي الوباء أو المشتبه بهم. ثم إنّ الحفاظ على بيئة نقية أمرٌ حسن, والحسن يدركه العقل, وعليه جاءت أحكام الدّين تحث على سلامة البيئة. فينبغي الانشغال بالاعتناء بالبيئة النباتية, بغرس ما يعود عليه بالنفع جسديًا –كالفواكه والخضر-, ومعنويًا -كالأزهار ونبات الزينة-, والعقل يـستحسن هذا العمل. وبالتالي قد تكفي نظرة واحدة لجميل ما زرعت في التخفيف من القلق أو التوتر, أو قد تجبرك على عدم الخروج من المنزل بمجالستها. ولا شك أنّ تلوث البيئة ضرر, لكنه محتمل أن يصيب مناعة الإنسان, فبالتالي ينبغي أن يدفع ذلك الضرر بالحفاظ على نقاء بيئته, ونقاء بيئته يتحقق بكثرة المغروسات التي تصفي الجو الملوث, فينبغي عقلاً الانشغال بزرع النبات, والاعتناء به؛ ليدفع عن نفسه وأهله ذلك الضرر المحتمل, حتى لو كان ضررًا نفسيًا كالقلق والتوتر نتيجة التفكير بالوباء العالمي" (8). القوانين الدولية والاعتناء بالنبات هناك قانون عام يسن القوانين الكفيلة بحماية بيئة كلّ دولة, أعلى من دور وزارة البيئة في كلّ بلد؛ "كالإعلان العالمي للبيئة في ستوكهولم" (9), الذي عُد اللبنة الأولى في صرح القانون الدولي للبيئة. وكبعض المبادئ, مثل "مبدأ الوقاية الذي أوجب على الدول اتخاذ التدابير اللازمة قبل وقوع اي ضرر في البيئة" (10). وأيضًا "مبدأ الحيطة والحذر" (11). وبموجب ذلك يتعيّن على كلّ دولة الاعتناء بالبيئة الخاصة بها, وبتعاون الفرد مع الدولة تكون البيئة أكثر صحةً وجماليةً ونقاءً. ولاشك أنّ الحديث يشمل البيئة النباتية, فهلاّ زرعت, ووقيت نفسك ودولتك! ومن هنا ينبغي على كلّ دولة إلفات نظر مواطنيها إلى الحفاظ على البيئة النباتية كتعاون معها -مع قيامها بواجبها-, وكإشغالهم لوقتهم أثناء الحجر المنزلي بغرس النبات كحلٍ بديل من خروجهم من المنزل, وبالتالي ستقل حدّة قلقهم بمجرد كل نظرة إلى خلق الله (سبحانه وتعالى) من نباتٍ أو زهرٍ زرعوه. العرف الاجتماعي والاعتناء بالنبات بعض البيوتات, -بل وحتى المناطق- لا تولي للنبات أهمية, فلابد من زيادة الوعي الثقافي البيئي, من خلال هذه النقاط التي قد تنفع في المقام: 1/ نشر حملة توعية في كلّ حي يتنافس فيها الجار مع جاره في غرس النباتات في حديقة المنزل أو داخله. 2/ النشر في مواقع التواصل الاجتماعي الإنجازات الزراعية؛ لتحفيز الآخرين على انجاز مثلها, استغلالًا للوقت, بالتأمل في صنع الله (سبحانه وتعالى), وبما يعود عليه بالنفع جسديًا ومعنويًا. وهنا لن يعترض عليك أحد ويتهمك بالرياء. 3/ نشر ثقافة زرع الزهور الملونة بجانب كلّ بيت -على أن لا يتجاوز عن مساحة منزله-, ولو تم تطبيق ذلك لأصبح كل فرعٍ من الأحياء جنة أرضية ممكن أن تتجول سريعًا فيها, تغنيك عن انتهاك قوانين الحظر -مع أخذ الإجراءات الوقائية من ارتداء الكمامة والكفوف-. 4/ شراء بذور بعض النباتات المتسلقة دائمة الخضرة, التي لا تحتاج إلى أشعة الشمس, وغرسها داخل أحواض في البيت قرب الجدران, وبنموها تعطي وتسحب كل قلق أو توتر, وسبحان من خلق. 5/ العمل الدائم على تقليب التربة, وصبغ أحواض الزراعة بألوان زاهية. ◇وخلاصة الرسالة: إنّ إعطاء بعض الوقت للنظر أو الاشغال مع النبات يوجب صفاء الذهن, والذكر الدائم لله (سبحانه وتعالى), فهو نزهة وعبادة, فهلّا اغتنمت! ____________________ (1) ط: التلوث البيئي معوقًا للتنمية ومهددًا للسكان: لحارث حازم و فراس البياتي, جامعة الموصل/ كلية الآداب/ قسم علم الإجتماع, المجلة العراقية لبحوث السوق وحماية المستهلك, ج2, العدد2, سنة 2010م, ص253-254. (2) سورة يس: 33. (3) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج1, باب استحباب شم الريحان ووضعه على العينين وكراهة رده, ح2. (4) الكافي: للشيخ الكليني, ج5, باب فضل الزراعة, ح3. (5) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج19, ص39. (6) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج1, باب استحباب تقبيل الورد والريحان والفاكهة الجديدة، ح1. (7) المصدر نفسه, ح2. (8) ظ: التلوث البيئي من منظور اسلامي (المواد الكيميائية) انموذجًا: م.د ناهدة جليل الغالبي و م.د ضرغام كريم كاظم, مجلة أهل البيت عليهم السلام, العدد19, ص141-146. (9) الإعلان العالمي للبيئة المنعقد في السويد عام 1972. (10) ظ: إعلان ريو, م15, سنة 1992. (11) ظ: اتفاقية الإتحاد الأوروبي, م130. والحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون, ولا يحصي نعماءه العادّون, على بديع صنعه المخلوق بالكاف والنون.

القضايا الاجتماعية
منذ أسبوعين
159

رسالاتٌ في زمن الوباء (٣) حِميةٌ غذائية

بقلم: علوية الحسيني لاشك أنّ الغذاء المنظم يشكّل هالة تحافظ على الجسم من الضعف وطرو الأمراض, والعدوى بالفيروسات. البعض من الناس لعلّه ملتفت إلى تطبيق هذه الحمية الغذائية, والبعض الآخر لا يهمه حتى معرفة فوائد أصناف الطعام, لذا يكون عرضًة للإصابة بالانتكاسة الصحية أسرع من غيره. في زمن الوباء العالمي (كوفيد 19) أكّدت منظمة الصحة العالمية على ضرورة اتخاذ حمية غذائية؛ لتكون مناعة الجسم مرتفعة النسبة, حتى لا يهيمن الفيروس على جسد المصاب, تاركةً أمر معرفة القواعد الصحية لتناول الغذاء إلى أهل الاختصاص، فينبغي عقلًا مراعاتها؛ دفعًا للضرر المتحقق من الإصابة بالفيروس, أو المحتمل تحققه, والاحتياط طريق عقلي سليم. ولا بد من الإشارة إلى أنّنا حينما نتكلم عن الحمية الغذائية فهذا لا يعني الدعوة إلى الإفراط في تناول الغذاء, بل التنظيم, وانتقاء الأطعمة المفيدة, وعلى قدر الحاجة لسد الرمق, وإلّا لكان الإفراط سببًا في العديد من الأمراض والبكتريا, "فازدراد كمية كبيرة من الطعام تعرض الإنسان للإصابة ببعض الجراثيم؛ كضمات الكوليرا، وعصيات الحمى التيفية، والأطوار الاغتذائية للأميبا وذلك لعدم تعرض كامل الطعام لحموضة المعدة وللهضم المبدئي في المعدة حيث إنّ حموضة المعدة هي المسؤولة عادة عن القضاء على مثل هذه الجراثيم" (1). حينما نتأمل في آيات القرآن الكريم نجد أنّ الله (سبحانه وتعالى) أشار إلى أنواعٍ من الأطعمة والأشربة؛ إشارةً منه إلى كثرة فائدتها, وحتمًا أنّ لها دوراً في تقوية المناعة مما تحصن الجسم من الأمراض عمومًا, ومن الفيروس العالمي خصوصًا (كوفيد 19) لأنّها تفيد عنوانًا عامًا, وهو المناعة الصحية. ■أولاً: قواعد قرآنية لغذاءٍ صحي: نحن نعتقد أنّ الله (سبحانه وتعالى) حكيم, لا يقول عبثًا, وبالتالي ما جاء في القرآن الكريم من دقةٍ في وصف الغذاء, وتفضيل بعضه على بعض بالأصناف, حتمًا له غاية تعود نفعًا على الإنسان نفسه, ومن تلك القواعد: 1- قاعدة تقديم أكل الفواكه قبل اللحوم: إنّ المتأمل في الآيات الكريمة التي أشارت إلى أكل الفواكه واللحم, يجد أنّها جعلت أكل الفواكه قبل اللحوم؛ بدليل قول الله (سبحانه وتعالى): {وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُون} (2). فأشار بعض علماء التفسير إلى "أنّ تقديم الفاكهة على اللحم نتيجة أفضليتها عليه"(3). كما ويقول (سبحانه وتعالى): {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُون} (4). خبراء علم التغذية, واستنادًا على اختصاصهم اكتشفوا الحكمة الطبية من هذه القاعدة القرآنية, فقالوا: "إنّ الفاكهة تعد المصدر الأساسي للجسم, وتحتوي على سكريات بسيطة ويسهل على الجسم امتصاصها, وهضمها، فلو تم أكلها قبل اللحوم لقضت على الجوع, بينما لو بدأ الإنسان بأكل اللحم أوّلًا فسوف يحتاج جسمه إلى ثلاث ساعات حتى تكتمل عملية الامتصاص, مما يسبب له الجوع مبكرًا, فيختل التوازن الغذائي" (5). وقال أطباء مختصون: بأنّهم طبقوا هذا النظام على مرضى, فوجدوا أنّ المرض ترك مكانه للشفاء, لأنّ مقياس درجة الحموضة والقلوية عندهم توازن (PH=7) أمّا إذا أكلوا اللحم قبل الفواكه لزاد عن (7), وهذا الذي يسبب أمراضًا تقلل من مناعة الجسم. وبالتالي، ينبغي على الإنسان أن يكون أكثر التزامًا بقواعد القرآن الكريم, باتباع حمية غذائية وفقه. 2- قاعدة الأكل قبل الشرب: قاعدة أخرى ممكن أن نتبعها كحمية غذائية لصحة الجسم, وهي قاعدة (الأكل قبل الشرب) التي أشار إليها الله (سبحانه وتعالى) في القرآن الكريم بقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَض} (6). وفي آية أخرى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّه} (7). وآية أخرى كذلك: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} (8). وبدوًا وإن كانت الحكمة في هذا التقديم خفية علينا، إلّا أنّه يكفي لصدورها عن حكيم كالله (سبحانه وتعالى), للالتزام بها. ■ثانيًا: قواعد روائية لغذاءٍ صحي: الحمية الغذائية المقوية للمناعة الصحية أشار إليها أهل البيت (عليهم السلام), فبيّنوا طرقًا صحيحة لتناول الطعام؛ حتى يكتسب الجسم مناعةً وقوّة, فمثلًا من تلك القواعد: 1- قاعدة تقديم الطعام على الشراب: روي عن الإمام الصادق (عليه ‌السلام) أنّه قال: "إذا دخل عليك أخوك فأعرض عليه الطعام، فإن لم يأكل فاعرض عليه الماء، فإن لم يشرب، فأعرض عليه الوضوء" (9). فلعل الحكمة من ذلك هي حتى لا يضعف البدن ويختل بامتلائه بالماء إذا سبق الطعام فلا يأخذ وقايته التامة من الغذاء. 2- قاعدة اتخاذ الطعام الأجود: روي عن الإمام الصادق (عليه ‌السلام): "اعمل طعامًا، وتنوّق فيه" (10) والتنوّق لغةً هو المبالغة في التجويد, وما إشارة الإمام إلى الحفاظ على جودة الطعام إلّا لأجل الحفاظ على صحة الجسم. والخلاصة: رغم قصور المعلومات المتقدمة, إلّا أنّ العاقل من اتبع حمية غذائية صحيحة, لتكون له وقاية من الأمراض والفيروسات كما أوصى الله (سبحانه وتعالى) وأولياؤه (عليهم السلام). ____________________ (1) مع الطب في القرآن الكريم: لعبد الحميد دياب وأحمد قرقوز, ص130. (2)الطور: 22. (3) ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزّل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج17, ص172. (4) سورة الواقعة: 20-21. (5) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم: للدكتور عبد الدائم الكحيل, موقع الكحيل. (6) سورة البقرة: 187. (7)سورة البقرة: 60. (8) سورة الأعراف: 31. (9) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ح24, باب استحباب عرض الطعام ، ثم الشراب ، ثم الوضوء على المؤمن إذا قدم, ح2. (10) المصدر نفسه, باب استحباب اتخاذ الطعام ، وإجادته, ح1. والحمد لله الذي هنأنا بطيبات رزقه, ونشّطنا فيها لابتغاء مرضاته وعافيته.

القضايا الاجتماعية
منذ شهر
273

رسالاتٌ في زمن الوباء (٢) النظافة

بقلم: علوية الحسيني إنّ النظافة أمرٌ حسن, وكلُّ حسنٍ يحكم بلزومه او انبغائه العقل, وبالتالي يرى ضرورة تحقيقه. وقد أولاها الدّين الإسلامي أهمية قصوى؛ فالله (سبحانه وتعالى) أشار إليها في القرآن الكريم, وكذا نبيّه الأكرم محمد وأهل بيته (عليه وعليهم السلام) في رواياتهم. فالمسلمون يتصفون بالنظافة في كلِّ حالٍ امتثالاً لما جاء في كتابهم وموروثهم الروائي. النَّظافةُ لغةً: هي "النَّقاوة. والنَّظَافَة: مَصْدَرُ التَّنْظِيف وَالْفِعْلُ اللَّازِمُ مِنْهُ نَظُفَ الشيءُ، بِالضَّمِّ، نَظَافَة، فَهُوَ نَظِيف: حَسُن وبَهُوَ. ونَظَّفَه يُنَظِّفُه تَنْظِيفاً أَي نَقَّاهُ"(1). ونظرًا لأهمية النظافة في الدّين الإسلامي على كلّ حالٍ عمومًا, وفي زمن الوباء هذا خصوصًا, ستكون رسالتنا اليوم ضمن ثلاثِ نقاط أساسية. ●النقطة الأولى: القرآن الكريم يحثُّ على النظافة لم ترد مفردةُ النظافة صريحةً في القرآن الكريم, بل جاءت بلفظ (طهارة), وهي تفي بمعنى النظافة وإن كانت أعم. القرآن الكريم أشار إلى نوعين من الطهارة: المادية, والمعنوية. أولًا: الطهارة المادية 1/ قال تعالى: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّر}(2). 2/ قال تعالى: { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِه}(3) إذا نظرنا لها من الناحية المادية, فالأمطار تطهر المتنجسات. ثانيًا: الطهارة المعنوية 1/ قال تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين}(4). 2/ قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِه}(5), إذا نظرنا لها من الناحية المعنوية, فالأمطار علامة للتفكر وتطهير الفكر من جميع أوساخ الغفلة. وليس القسم الثاني محل كلامنا, وإنّما ذُكِر استطرادًا؛ تبركًا بالآيات, وزيادةً للمنفعة. ●النقطة الثانية: روايات أهل البيت (عليهم السلام) تحثُّ على النظافة أما الروايات الشريفة فقد جاءت مُفصِلةً لأقسام النظافة, فمنها: ■أولاً: نظافة الجسد لقد أولت الروايات الشريفة اهتمامًا بالغًا في نظافة الجسد, وأكدّت في بعض الأحيان على وجوب النظافة. حتى روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): "بئسَ العبد القاذورة"(6) إشارةً منه إلى ضرورة النظافة, وبغض الله (سبحانه وتعالى) للعبد القذر. بل ونجد الروايات قد تطرقت إلى نظافة أعضاء الجسد, فمنها: 1/ نظافة الفم فمن الروايات ما أشارت حتى إلى تخليل الأسنان, أي تنظيف ما بينها, لإزالة بقايا الطعام عنها. روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "تخلّلوا، فإنّه من النظافة، والنظافة من الإيمان"(7). وقد جاء الطب الحديث مؤكدًا على ذلك ومبينًا الحكمة منه، فكثيرًا ما يؤكد الأطباء على ضرورة مراعاة نظافة الفم؛ لئلا تتولد بكتريا تتسبب بالعديد من الأمراض. وبما أنّ الأسنان أجسامٌ صلبة فمن الممكن أنْ تعلق عليها الفيروسات التي قد تنتقل إلى الآخرين عن طريق الهواء أو اللعاب. (وهذه القطيرات وزنها ثقيل نسبياً, فهي لا تنتقل إلى مكان بعيد وإنما تسقط سريعًا على الأرض. ويمكن أن يلقط الأشخاص مرض كوفيد-19 إذا تنفسوا هذه القُطيرات من شخص مصاب بعدوى الفيروس, ولهذا أكدوا على ضرورة ارتداء الكمامة كإجراءٍ وقائي للحدِّ من انتشار المرض"(8). 2/ نظافة اليدين روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "تقليمُ الأظفار يمنعُ الداء الأعظم ويدرُّ الرزق"(9), فالرواية صريحةٌ بالإشارة إلى إمكانية إصابة الإنسان بمرضٍ ما نتيجةَ عدمِ تقليم أظفاره؛ لما ينمو تحتها من أوساخٍ, يصعب إزالتها بالمنظفات. كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "غسلُ اليدين قبل الطعام، وبعده زيادة في العمر... ويجلو البصر"(10). وحتمًا هناك أمورٌ صحية أخرى مترتبةٌ على نظافة اليدين, وفي كلِّ الأحوال, لا قبل الطعام فقط, لكن قد يبدو أنّ الرواية أجابت عن سؤالٍ معيّن. هذا وتؤكد منظمة الصحة العالمية على "تنظيف اليدين جيدًا بفركهما بمطهرٍ كحولي لليدين أو بغسلهما بالماء والصابون؛ ليقتل الفيروسات التي قد تكون على اليدين, وفي حالِ عدم تنظيفهما قد تلامسان الفم أو الأنف أو العين, أو يصافح بإحداهما, مما يسبب انتقال الفيروس اللاصق على اليدين بمن لامسه"(11). ■ثانيًا: نظافة الثوب لاشك أنّ بعض البكتيريا كما تنمو على الجسد, كذا تنمو على الثوب, فمن الضروري الاعتناء بنظافة الثوب أيضًا, ومحاولة الوقاية التي يحكم بها كل عاقل. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من اتخذ ثوبًا فلينظفه"(12)؛ فذلك من كمالِ هيبةِ المؤمن ووقاره واحترامه لذاته, واحترام الناس له. وطرق تنظيف الثوب مطلقة, لم تقيّدها الرواية بطريقةٍ ما, ولم تُشِر إلى سبب التنظيف, لعلها تقصد التطهير فقهيا والتنظيف عرفياً. أما من الناحية الطبية, ولاسيما بخصوص الوباء المنتشر (كوفيد19) فقد بيّنت منظمة الصحة العالمية ضرورة "غسل الأغطية والملابس المتسخة وتعقيمها عن طريق غسلها في الغسالة بمسحوق الغسيل وماءٍ دافئ (تتراوح درجة حرارته تتراوح بين 60 و90 درجة مئوية). وإذا لم تتوفر الغسالة، فيُمكن نقع الملابس في الماءِ الحار والصابون في حوضٍ كبير واستخدام عصا لتحريكها بحذرٍ لتجنب رذاذ الماء. وإذا لم يتوفر الماء الحار، فيمكن نقع الملابس في سائل الكلور المركز بنسبة 0.05 في المائة لمدة 30 دقيقة تقريبًا. وأخيرًا، تُشطف الملابس بالماء النظيف وتُترك لتجف تمامًا تحت أشعة الشمس"(13). ■ثالثًا: نظافة البيوت روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله): "لا تبيّتوا القمامة في بيوتكم، وأخرجوها نهارًا، فإنّها مقعد الشيطان"(14). ولعل الشيطان المقصود في هذه الرواية هو مصدر السوء والشر, فلا يستبعد عندئذٍ أنْ تكون القمامة مصدرًا للأمراض والفيروسات. ولعل الشيطان المقصود هو إبليس أو أحد جنوده, باعتباره يسكن الأماكن القذرة. وعلى كلا الاحتمالين ينبغي أنْ يُنظف الإنسان بيته من القمامة. كما وروي عنه (صلى الله عليه وآله): "نظّفوا بيوتكم من حوك العنكبوت، فإنّ تركه في البيت يورث الفقر"(15). ولعل الرواية هنا ناظرةٌ إلى الفقر بمعنى سلبِ كلِّ ما يكون الإنسان غنيًا به كالصحة، ولا نعلم ما العلة في تسببِ بيت العنكبوت بالأمراض, كما لا نعلم كثيرًا من العلل. ولعلها ناظرةٌ إلى الفقر المتبادر إلى الذهن, وهو بالتالي مرضٌ معنوي يسبب العديد من الأمراض, كالكآبة وارتفاع الضغط من شدّة التفكير في الرزق المنحسر أو شبه المنحسر. وعلى الاحتمالين ينبغي الامتثال للرواية, وتنظيف البيت من حوك العنكبوت. هذا وتؤكد منظمة الصحة العالمية على ضرورة تنظيف البيت حتى من الهواء المشتبه به, من خلال التهوية الطبيعية. وكقاعدةٍ عامة، يمكن حساب معدل التهوية الطبيعية الناشئة عن دفع الرياح، داخل غرفةٍ مزودةٍ بنافذتين متقابلتين (مثلا: نافذة وباب)، "على النحو التالي: 65.0 × سرعة الريح (متر / ثانية) × مساحة أصغر فتحة (متر مربع) × 3600 السرعة / الساعة تغييرات الهواء في الساعة = مساحة الغرفة (بالمتر المكعب). أو حسابها كمعدل تهوية: معدل التهوية (لتر / ثانية) = 65.0 × سرعة الريح (متر / ثانية) × مساحة أصغر فتحة (متر مربع) × 1000 لتر / متر مكعب"(16). ■رابعًا: نظافة الشارع لاشكَّ أنّ الدين الإسلامي الذي يؤكّد على النظافة الشخصية, فإنّه يؤكد على الصالح العام أيضًا؛ فنجده قد أكّد على نظافة البيئة بدءً من أدنى درجات النظافة, وهي إماطة الحجر أو الشوك عن الطرقات, فكيف بالأمور الكبيرة التي يقتضي الالتفات إليها لمنع انتشار الوباء مثلا! حتمًا إنّ ذلك نابعٌ من الحفاظ على سلامة ونظافة الأفراد وبيئتهم؛ فهو ناظرٌ إلى جانبِ الإنسانية بالإضافةِ إلى كونهِ أدبًا شرعيًا, روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "من أماط عن طريق المسلمين ما يؤذيهم كتب الله له أجر قراءةِ أربعمائة آيةٍ، كلُّ حرفٍ منه بعشر حسنات"(17). ويؤكد الطب اليوم على أهمية النظافة, وضرورة الالتزام بها, واتخاذها كطريقٍ وقائيٍ ضد جميع الفايروسات عمومًا, وضد فيروس كورونا خصوصًا, لذا نجد تأكيدًا شديدًا من قبل منظمةِ الصحة العالمية على تعقيم الشوارع والممتلكات العامة, والطرقات. حيث بيّنت منظمة الصحة العالمية أنّ هناك منظفاتٍ من الممكن أنْ تحدَّ من انتشار الفيروس, "منها: 70% من الكحول الإيثيلي لتطهير المعدات المخصصة القابلة للاستعمال المتكرر (مثل مقاييس الحرارة) عقب كلِّ استخدام هيبوكلوريت الصوديوم بنسبة 0.5% (ما يعادل 5000 جزء في المليون) لتطهيرِ الأسطح التي تُلمس بشكلٍ متكرر في المنازل أو في مرافق الرعاية الصحية"(18). ________________ (1) لسان العرب: لابن منظور, ج9, ص336. (2) سورة المدثر: 4. (3) سورة الأنفال: 11. (4) سورة التوبة: 108. (5) سورة الأنفال: 11. (6) الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب التجمل واظهار النعمة, ص436, ح6. (7) مستدرك وسائل الشيعة: للميرزا النوري الطبرسي, ج16, ص319. (8) @موقع منظمة الصحة العالمية, كيف ينتشر مرض كوفيد-19 (9) الكافي, ج6, باب قص الأظافر, ص490, ح1 (10) وسائل الشيعة عن الكافي, ج6, ص290, ح3. (11) @موقع سابق, نصائح للجمهور بشأن مرض كوفيد10. (12) الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب اللباس, ص441, ح3. (13) @موقع سابق, كيف يمكن غسل الشراشف والفوط والملابس المتسخة للمرضى المصابين بعدوى كوفيد -19. (14) من لا يحضره الفقيه: للشيخ الصدوق ج4, ص5. (15) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج5, باب استحباب تنظيف البيوت من حوك العنكبوت وكراهة تركه, ص322, ح2. (16) مركز معالجة حالات العدوى التنفسية الحادة الوخيمة, منظمة الصحة العالمية, دليل عملي, مارس/ 2020. (17) الأمالي: للشيخ الطوسي, ج1, ص185. (18) @موقع سابق, ما هي المطهرات الموصى باستخدامها لتنظيف البيئة في مرافق الرعاية الصحية أو المنازل التي يوجد فيها المرضى الذين يُشتبه في إصابتهم بعدوى فيروس كورونا المستجد أو الذين تأكّدت إصابتهم بها. والحمد لله على ما لم أزل أتصرف فيه من سلامة بدني

القضايا الاجتماعية
منذ 3 أسابيع
232

بين فايروس كورونا والشبه العقائديّة

بقلم الشيخ عليّ الغزيّ مِمَّا يشهده عالمنا اليوم هو بروز فايروس كورونا وتصاعد حركته من كونه مرضاً في منطقة في دولة مُعيَّنة إلى كونه وباءً يصيبُ مجموعةً كبيرةً من البشر، ويُخلف أعداداً من الوفيات إلى كونه جائحةً اصابت كُلّ قارات الأرض، رافعة معها عدد الوفيات إلى أرقام قياسيّة فضلاً عن عدد الإصابات. وفِي حركة هذا الفايروس نجد عدّة أمور : ١/ ظهوره المُفاجئ والشكّ في كونه مُصنعاً مُختبريّاً، وليس إنتاجاً طبيعيّاً. ٢/ استهدافه لغير الأطفال والشباب، فهو يصيب بدرجة اكبر من تجاوز الأربعين، وأكثر من توفوا فيه هم كبار السن، والسبب في ذلك هو ضعف مناعتهم. ٣/ جهل كيفيّة عمله، وتخفيه تحت أعراض الانفلونزا الطبيعيّة. ٤/ بدأ فرز خصائص أعراضه عن أعراض الانفلونزا الطبيعيّة. ٥/ الرجوع للقواعد العامّة في مواجهة الفايروسات وذلك بتقوية مناعة الإنسان، والدور المهمّ لفيتامين C في ذلك، مع بعض الغذاء الطبيعيّ كالبصل والثوم، والحمضيات، مُضافاً إلى التعرض لأشعة الشمس. ٦/ تشريح بعض جثث ممن توفي بالفايروس من أجل التعرف اكثر على طريقة عمله، فوقف الصينيون على مادّة لزجة في الرئتين تجعل من يتوفى به يستشعر حالةً من الغرق، ووقف الإيطاليون على تجلط في أوعية الدمويّة للرئتين مِمَّا ساهم في ادخال علاج الجلطة في معالجته. ٧/ كانت مسؤوليّة مواجهة الفايروس مُتوزعةً على المجتمع والأخصائيّين، فمسؤوليّة المجتمع من خلال ترك الاجتماعات والخضوع إلى الحجر المنزليّ، مُضافاً إلى مسؤوليّة الدولة في تطبيق ذلك، وفرضه على أرض الواقع. ودور الكوادر الاختصاصيّة كان متوزعاً على اسعاف، وفحص الحالات المُشتبه بها، وتشخيص المصابين وحجرهم في أماكن مُخصَّصة مع تقدِّيم الرعاية الصحيّة لهم من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه منهم، وايضاً العمل على اكتشاف وتطوير علاج لذلك. ٨/ كشف الفايروس عن ضعف الدول العظمى فضلاً عن غيرها في استعدادها المُسبق في مواجهة مثل هذا المرض حتّى أنّها كان ينقصها بعض المعدات الضروريّة كأجهزة التنفس الصناعيّة التي كان لها الدور المهمّ في إنعاش المصاب وإسعافه. ٩/ أنَّ السعي في سبيل استحصال علاج نهائي يستغرق وقتاً رُبَّما يُقارب السنة على ما صرَّح به بعض مسؤوليّ منظمة الصحّة العالميّة. ١٠/ خسرنا كوادر طبيّة مهمّة من أطباء ومُمرضين اثناء مواجهة الفايروس. ١١/ أيقنا أكثر بأهمّية الكوادر الطبيّة ودورها الحاسم في مثل هذا المواجهة المصيريّة. وكُلُّ هذه النقاط التي شهدناها مع فايروس كورونا هي تمامّاً ما نشهدها مع أي شبهة عقائديّة نواجهها، فهي : ١/ تظهر بشكل مفاجئ، ويُشكُّ في افتعالها. ٢/ وتصيب من لا يمتلك مناعةً وحصانةً علميّة أو حتّى ثقافيّة جيدة، وأنَّها تقتل من كان ضعيفاً في ذلك. ٣/ كما تظهر متشابهةً ومتخفيةً تحت ستار الحقيقة، والنقد العلميّ، والانفتاح الفكريّ. ٤/ لا بُدَّ من الرجوع في مواجهتها - في موقفنا الأوّلي - إلى الخطوط العامّة في ذلك من التمسك بالثوابت وعدم الرضوخ وراء كُلّ المُدَّعيات. ٥/ بدأ فرز بعض خصائصها التي تمتاز بها من غيرها. ٦/ بدأ العمل العمليّ على تشريح الشبهة ومعرفة الأسس التي تعتمد عليها. ٧/ مسؤوليّة مواجهة الشبهة تتوزع بين المجتمع وأهل الاختصاص، فالمجتمع ينبغي أن يُدخل نفسه في حجر صحي وعدم الاختلاط بالمصابين والملامسين من أجل تقليل عدد الإصابات والخسائر الناتجة عن ذلك. ودور أهل الاختصاص قائم على تشخيص المصابين وإسعافهم بما هو مُتاح من العلاجات الأوّليّة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه. والعمل على إيجاد علاج شَامِل. ٨/ تكشف بعض الشبه العقائديّة عن ضعف الاستعداد المُسبق لها من توفّر الكُتّاب والمفكرين، ووسائل نشر نتاجاتهم العلميّة ودعمها. ٩/ إن السعي في سبيل استحصال علاج نهائي يستغرق وقتاً. ١٠/ رُبَّما نخسر بعض كوادرنا حيثُ تنجر تحت زيف وغطاء الشبه العقائديّة. ١١/ ندرك قيمة وأهمّية وجود ذوي الاختصاص في مواجهة ذلك.

القضايا الاجتماعية
منذ شهرين
143

رسالاتٌ في زمن الوباء (١)

بقلم: علوية الحسيني تنبيهاتٌ شرعية لاشك أنّ لكلّ واقعةٍ حكماً, فما من حركةٍ إلاّ ومعها معرفة, والله (سبحانه وتعالى) لم يترك عباده سدى, بل نظّم أمور حياتهم بقوانين إلهية, صرّح بها النبي محمد وآله (عليه وعليهم السلام). وبعض الأفعال قد يغفل الإنسان عن حكمها الشرعي, فيفعلها من دون التثبت من جوازها, وخصوصًا في زمن الوباء المنتشر، حيثُ نجد أنَّ البعض لم يكن معتادًا على بعض السلوكيات ولكنه نتيجةً للحجر المنزلي فقد مارسها, ومنها: ■أولاً: اليأس من الحياة والنجاة يأسٌ متجدد, وشؤمٌ متفاقم, حالتان نجدهما عند البعض من الناس نتيجةً لما يمر به العالم من بلاء الوباء المنتشر, فيعيش الناس الرعب النفسي التام, دون الالتفات إلى حقيقة دفعِ القضاءِ بالدعاء, أو أنّ من يلوذ بالله (سبحانه وتعالى) ينجو. واليأس من المحرّمات المنهي عنها, قال (تعالى): "وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون"(1). بل هو من الكبائر؛ لما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "الكبائر: القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله"(2). فليكنِ الأملُ بالله (سبحانه وتعالى) كبيرًا في دفع الوباء. ■ثانيًا: الغضب غير المُبرر حتمًا إنّ البعض نتيجةً للحجر الصحي يشعر بحالةِ اكتئابٍ وضيقٍ - مهما كانت دواعيها- فنجده يغضب على أمورٍ ساذجة, مما يوقعه الشيطان بالتعدّي على حقوقِ الآخرين - قولاً أو فعلاً-, بل وقد يصل بهم الأمر إلى حدِّ التلفظ بعباراتِ الكفر, والعياذُ بالله تعالى. قد نجد أنّ الأب يغضب على أبنائه بسبب صراخهم, أو الزوج على زوجته بسبب طبخةٍ غير جيّدة, أو أم الزوج على زوجة ابنها بسبب عدم التنظيف الجيّد, أو الأخ على أخيه لتشاجرِ أبنائهما, وما شابه ذلك من صور واقعِ حالنا المعاش. إلاّ أنّ المؤمن ينبغي أنْ يدرك خطورة غضبه وما يترتب عليه من مخالفاتٍ شرعية, فالغضبُ من موجبات سرور الشيطان الرجيم؛ لأنّه يجعل الإنسان يخالف كلام ربّه "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين"(3). كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إِنَّ هَذَا الْغَضَبَ جَمْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تُوقَدُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا غَضِبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ وَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِيه..."(4). ومن أبرز المخالفات الشرعية المترتبة على الغضب: ١/السب روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه): سبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوق"(5) . والفاسق لن يقبل الله (سبحانه وتعالى) له عملًا؛ قال (تعالى): "لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِين"(6). ٢/اللعن اللعنة هي الطرد من رحمة الله (سبحانه وتعالى)؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: " إِنَّ اللَّعْنَةَ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ فِي صَاحِبِهَا تَرَدَّدَتْ بَيْنَهُمَا فَإِنْ وَجَدَتْ مَسَاغًا وَإِلا رَجَعَتْ عَلَى صَاحِبِهَا"(7). ومن تُرَدُّ عليه اللعنة في الدنيا يكن في الآخرة من الملعونين؛ كما يقول الله (تعالى): "وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِين"(8). فالحكم الشرعي لهذا السلوك هو أنّه معصية, يجبُ التوبة منها: "ومن أعظم المعاصي الأُخرى: سبّ المؤمن ولعنه وإهانته وإذلاله وهجاؤه وإخافته وإذاعة سرّه وتتبّع عثراته والاستخفاف به ولا سيّما إذا كان فقيرا"(9). فهلاّ انزجرنا؟!. ■ثالثًا: ألعابٌ محرمة قد نجد البعض وخصوصًا أثناء فترة الحجر الصحي يتسلى ببعض الألعاب الرقمية أو الواقعية, دون أن ينتبه إلى موقف الشرع منها, وليس ذلك تعقيدًا للحياة كما يزعم البعض, بل هو راجعٌ إلى ترتب مصالح ومفاسد تعود للمكلف أو عليه, وإن كانت غير ظاهرة لنا, فعلى المكلف الطاعة. ومن جملة السلوكيات التي توجبُ التنبيه على حكمها الشرعي هي التسلّي ببعض الألعاب المحرّمة على نحو الفتوى, أو الاحتياط, ومنها: ١/ الشطرنج وهو من الألعاب التي روي أنّ "النبي (صلى الله عليه وآله) نـهى عن اللعب بها"(10)؛ لأنه من الميسر؛ حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الشطرنج والنرد هما الميسر"(11). وقد نهى الله (سبحانه وتعالى) عن الميسر بقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمــَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون"(12). وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه سُئل عن قول الله (سبحانه وتعالى) "فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور" قال: "الرجس من الأوثان هو الشطرنج وقول الزور الغناء"(13). بل وإنّ من يلعب الشطرنج لا ينزل الله (سبحانه وتعالى) عليه رحمته؛ كما روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) حينما سأله رجل "إني أقعد مع قوم يلعبون بالشطرنج ولست ألعب بها ولكن أنظر. فقال: ما لك ولمجلس لا ينظر الله [لا ينزل رحمته] إلى أهله"(14). فالحكمُ الشرعي لها هو الحرمة, والتسلّي بها معصية؛ "ومن أعظم المعاصي أيضًا: ...القمار سواء أكان بالآلات المعدّة له كالشطرنج"(15). بل وحرمة اللعب به على نحو الاحتياط وإنْ كان الطرف الآخر آلة إلكترونية"(16). ٢/ الدومينو وكذلك هي من المحرمات, واللعب بها من المعاصي (17)؛ للسبب نفسه. فهلاّ كففنا لعبًا ولهوًا بالباطل؟! ■ رابعًا: سماع الغناء قد نجد البعض يحاولُ التخفيف من إرهاق التفكير بالوباء العالمي, فيلجأ إلى الاستماع للغناء, ولاشك إنّ في ذلك إشكالاً شرعياً عظيماً, حيث إنّ الغناء من المحرمات, ولذا اقتضى التنبيه الشرعي على حكمه؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "لما مات آدم (عليه السلام) وشمت به إبليس وقابيل، فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس وقابيل المعازف والملاهي شماتةً بآدم (عليه السلام)، فكلّ ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنّما هو من ذاك"(18). وبيتٌ فيه غناء من المحتمل أن تصيبه الفجيعة؛ لأنّه هتك حدود الله (سبحانه وتعالى)؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "بيتُ الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تُجاب فيه الدعوة، ولا يدخله المَلَك" (19). وما أحوج بيوتنا اليوم إلى أنْ تُدفع الفجائع عنها, ومنها فجيعة الإصابة بالوباء! ■خامسًا: فوات وقت الصلاة ومن السلوكيات التي توجب مخالفة حكم شرعي في كلِّ الأزمان عمومًا, وفي زمن الوباء خصوصًا, تخلّفُ البعضِ عن أداءِ الصلاة حتى ينتهي وقت أدائها, وذلك من المحرّمات, الموجبة لإطاعة الشيطان. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: " قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يزال الشيطان ذعرًا من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيعهن تجرأ عليه فأدخله في العظائم"(20). والحالُ نحنُ بأمسِ الحاجة إلى الله (سبحانه وتعالى) دومًا, فكيف ونحنُ في زمن الوباء هذا؟!. __________________ (1) سورة يوسف: 87. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب اليأس, ح10. (3) سورة آل عمران: 134. (4) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب الغضب, ح12. (5) المصدر نفسه, باب السباب, ح2. (6) سورة التوبة: 53. (7) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب السباب, ح7. (8) سورة القصص: 42. (9) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني (دام ظله), ج1, م30. (10) ظ: الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب النرد والشطرنج, ح17. (11) المصدر نفسه, ح3. (12) سورة المائدة: 90. (13) الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب النرد والشطرنج, ح2. (14) المصدر نفسه, ح11. (15) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني (دام ظله), ج1, م30. (16) ظ: موقع مكتب سماحة السيد السيستاني, الاستفتاءات, س5. (17) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني (دام ظله), ج1, م30. (18) الكافي: للشيخ الكليني, ج6, باب الغناء, ح1. (19) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج17, باب تحريم الغناء, ح1. (20) الكافي: للشيخ الكليني, ج3, باب من حافظ على صلاته أو ضيعها, ح8. . اللّهم لا تجعلنا من الغافلين, بحق محمدٍ وآله الطاهرين.

القضايا الاجتماعية
منذ شهر
590

من اسئلتكم مجاملة أم نفاق؟!

بقلم: فاطمة حيدر يقول السائل: كيف يمكن التمييز بين المجاملة والنفاق؟ هل يجب علي أن أُنافق بعض الأشخاص لتجنب المشاكل، وهل فيها حرمه؟ وإذا أيقنت كره أحد لي فهل أجامله، أم أظهر له ذلك! الجواب: نوضح الفرق بمشهدين: امرأة عجوز، لنقُل إنها قريبتك، قمت بزيارتها، فبدأت تقص لك الحكايات عن ماضيها، وحكايات عن أولادها وربما كررت لك بعض المشاهد وأطالت في الحديث! أنت تحبها وتعطف عليها وتحترمها، ستقول لها: سلمتِ يا حاجة، أيامك كانت حافلة، وتبتسم في وجهها، رغم أنك قد تكون شعرت ببعض الملل أو ضيق الوقت! هذه هي المجاملة، فيها حب واحترام وتطييب للخاطر، قد لا تكون واقعية ١٠٠% ، لكنها مشاعر طيبة وصادقة بمحبتها بلا شك. المشهد الآخر: استمعت لحديثها، وابتسمت وضحكت معها، تريد رضاها! تريد رضاها كي تحصل على شيء من أملاكها! وعندما تغادرها، إذا بك تذمها وتغتابها مع نفسك أو أمام الآخرين: يا لها من عجوز مملة؟! لا تحترم وقتي، وما علاقتي بقصصها تلك؟! كُنتَ تُظهر لها الود فقط لمصلحة تريدها! بعد فترة، قامت هذه العجوز بهبتك جزءًا من أملاكها. هكذا أصبحت العجوز لا تهمك، حصلتَ على حاجتك منها. تحاول محادثتك فتخبرها: يا حاجة أنا مشغول، ولدي صداع! نَعرف النفاق هكذا، أن نيته ليست خيرًا! الغاية منه هي مصلحة شخصية بشكل أو بآخر، فهو يحدثها بخير وبغيابها يُخرج حقيقته... بمجرد انتهاء مصلحته، عاد لوجهه الحقيقي! وأحيانًا المبالغة تصاحب النفاق. ربما يمكننا القول: إنّ للنفاق وجهين مختلفين تمامًا، أما المجاملة فهي وجه واحد، لكنه يبتسم للناس رغم حالتهِ الأنية! -في الباطل لا نجامل، لكننا ننصح بالتي هي أحسن... يمكننا أن نستشكل على الآخرين في معاصيهم، بنفسٍ طيبةٍ وكلمة حسنة! والآن سؤال آخر، إذا أيقن الشخص بأن هناك شخصًا يكرهه كيف يتعامل معه؟ هل يجامله بالتعامل أو عليه إظهار الحقيقة بتصرفاته؟ إذا أيقن الشخص بأن هناك شخصًا يكرهه كيف يتعامل معه، هل يجامله بالتعامل أم عليه إظهار الحقيقة بتصرفاته؟ -اذا أيقنّا كره أحد لنا، هذا لن يغير فينا شيئاً من حيث تعاملنا! فتعاملنا وأخلاقنا هي أخلاق أهل البيت (عليهم السلام). إذا غيّرنا سلوكنا وفق محبة أو كره الآخرين لنا، إذن أصبحوا هم من يتحكم بسلوكياتنا! إن كان الشخص يكرهنا، تبقى ردود فعلنا مليئة بالإحسان... ربما لا نستطيع مجاملته لأن المجاملة تصدر عن شعور من المحبة.. إلّا أننا نستطيع البقاء كما نحن، وكما يريدنا الله. نجادل بالتي هي أحسن، نعاشر الناس بالمعروف ولو كرهناهم، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر... وحتى، نستطيع أن نحبه! وهذه دعوة لنحب خلق الله، نحبهم لأنهم صنع الله. ومن يُخطئ نحزن له وندعو له بالهداية والمغفرة. والحمد لله رب العالمين.

القضايا الاجتماعية
منذ 6 أشهر
767

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
45576

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
36986

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30368

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30186

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
20897

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
19411