بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

منذ شهر

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها.
وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل.
ومحور كلامنا عن الطيبة
فما هي؟
الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل).
الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب.
الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم.

هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟
الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية...
فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان،
فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل.
لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً.


هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟
إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير.
أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة.
إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل...
صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق.
هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟
الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه.
والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل.
فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق...

حنان الزيرجاوي

اخترنا لكم

مفهوم الجمال عند السيدة زينب (عليها السلام)

تميزت الصديقة الصغرى (سلام الله عليها) بأن لها قلباً جميلاً يرى كل شيء في الحياة جميلاً، وإن كان لا يتناغم مع رغبات النفس البشرية، بل وإن سبَّب لها الألم وجر إليها الحزن والهم طالما كان في سبيل مرضاة الله (تعالى)؛ ولذا فإنها لم ترَ ما حصل في واقعة الطف إلا جميلاً، حيث قالت : " ما رأيت إلا جميلاً "(1) على الرغم من بشاعة تلك الجريمة الكبرى، حيث الرؤوس مشالات على الرماح، والأجساد الطاهرة مطروحة على الارض تذروها الرياح، والأفئدة حرّى والأكباد مفتتة من الظمأ، والماء عليها محرم رغم أن كل ما يملكه الطاهرون قد أمسى للظالمين مباحا! عجباً لقلبك الملكوتي يا سيدتي، كيف رأيتِ كل ما رأيتِ في الطف جميلاً؟ ولأنها هي العالمة غير المعلمة، فلا بد لتفسير كلماتها وفك ألغاز خطاباتها من علماء يفقهون حديثها ويترجمون مغزاها، وهذه بعض كلماتهم: أولاً : قد أوضح السيد الطباطبائي (طيب الله ثراه) ذلك في قوله: "فمن الأفعال ما حسنه دائمي ثابت إذا كان ملاءمته لغاية الاجتماع و غرضه كذلك كالعدل، ومنها ما قبحه كذلك كالظلم" الى أن قال: "و من الأفعال ما يختلف حاله بحسب الأحوال و الأوقات و الأمكنة أو المجتمعات ... و ضرب أمثلة على ذلك إلى أن قال: "وأكل الطعام حسن مباح إذا كان من مال آكله مثلا، و هو بعينه سيئة محرمة إذا كان من مال الغير من غير رضا منه لفقدانه امتثال النهي الوارد عن أكل مال الغير بغير رضاه، أو امتثال الأمر الوارد بالاقتصار على ما أحل الله"(2)، و مما لا شك فيه أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج بأهل بيته و أصحابه إلا امتثالاً لأمره (عز وجل) و بالتالي فإن كل ما تعرضوا له على قساوة منظر صورته الملكية ، فإنه الغاية في الحسن و الجمال في صورته الملكوتية . ثانياً: ما جرى في واقعة الطف قبيح، وترك الدين بيد الطغاة يحرفونه كيفما يشاؤون قبيح أيضاً، إلا أن ترك الدين يُحرف والشريعة تزيف أقبح مما جرى في الطف، وما جرى في الطف أحسن من تحريف الدين وتزييف الشريعة، فيحكم العقل بالتعرض لواقعة الطف قضاءً لتقديم الأرجح على الراجح، فإن تقديم الراجح على الأرجح قبيح عند العقل(3) ثالثاً: ذكر السيد الطباطبائي (قده) أيضاً: "فإن الحسن موافقة الشيء و ملاءمته للغرض المطلوب و الغاية المقصودة منه "(4) وعندما ننظر الى واقعة كربلاء بهذا المنظار نجد أنها غاية في الحسن والجمال؛ وذلك لأنها وإن أثقِلت بكل ما تحمله من صورٍ تَكْلِم الفؤاد كَلْماً، ويعتصر لها القلب حزناً وألما ، فهي أيضاً أشرقت بقرابين عظيمة لله (تعالى) العظيم، ولشرعه القويم، كان هدفها إعادة الأمة المحمدية الى الصراط المستقيم، الذي شرعت بالانحراف عنه، منذ أن نُحّيَ عن منصبه من كان للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بمنزلة هارون من الكليم، بيدَ أن مصلحة خاتم الأديان ورعايته من التحريف اقتضت من الله الحكيم أن لا يقوم بالإصلاح في الأمة إلا الذِبح العظيم، الحسين الشهيد الذي وصفه بذلك القرآن الكريم. وعليه فقد وصفت العقيلة زينب (عليها السلام) ما رأته بالجمال وذلك لــ (أن دين الاسلام الخاتم للأديان قد تعرض بسبب انحراف السلطة لخطر التحريف و التشويه، بحيث تضيع معالمه، ولا يتيسر الوصول و التعرف عليه لمن يريد ذلك، كما حصل في الأديان السابقة، وأن الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) قد واجه ذلك الخطر، ودفعه بنهضته المقدسة، وما استتبعها من تضحيات جسام)(5). وقد تأكد هذا المعنى أيضاً في زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) حيث نقرأ فيها: " فأعذرَ في الدُّعاءِ ومنحَ النُّصحَ وبذلَ مُهجتهُ فيك ليستنقذَ عبادكَ من الجهالةِ وحيرةِ الضَّلالةِ "(6) . كما أن قولها (صلوات ربي عليها ): "ما رأيت إلا جميلاً " شهادةٌ لها بأنها قد حازت على أرفع درجات اليقين ؛ لأنه يمثل عين الرضا بقضاء الله (تعالى) و قدره، و قد روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنه قال: "أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا "(7) وعن الإمام الصادق (عليه السلام):"الرضا بمكروه القضاء من أعلى درجات اليقين "(8). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إبن طاووس ، اللهوف في قتلى الطفوف ص67 (2) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ج5 ص10 (3) أنظر : محاضرات في الالهيات للشيخ السبحاني ص170 (4) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ج5 ص10 (5) السيد محمد سعيد الطباطبائي : فاجعة الطف 143 و144 (6) الطوسي : مصباح المتهجد 788 (7) الري شهري : ميزان الحكمة ج4 ص144 رضا الله غايتي

منذ 3 أشهر
347

شبهاتٌ عقائـديّة حولَ التشيّع في التوحيد (4) الروافضُ المُشركون يعبدون اثني عشرَ معبوداً!

وهذهِ إحدى الشبهات المُثارة في الوسط المخالِف؛ نتيجةً لـلجهل المرّكب –وربما البسيط-، وقد أوضحنا في الحلقةِ السابقةِ مِن هذهِ السلسلةِ حلّ هذهِ الشبهةِ مِن ناحيةِ التوحيدِ في الربوبيّة، والآن نُعالج الشُّبهة مِن ناحية التوحيدِ في العبوديّة. وسيكون الكلام ضمن نقاطٍ عديدة. النـقطةُ الأُولى: تعريفُ العبادةِ لغةً واصطلاحاً. النقطةُ الثانية: مظاهرُ العبودية. النقطةُ الثالثة: علاجُ الشّبهة. النـقطةُ الأُولى: تعريفُ العبادةِ لغةً واصطلاحاً. لــــغةً: قال الراغب في المفردات: "العبودية: إظهار التذلّل، والعبادة أبلغ منها، لأنّها غاية التذلّل، ولا يستحقّ إلاّ من له غاية الإفضال وهو الله تعالى ولهذا قال: {وقَضى ربُّكَ ألاَّ تَعبُدوا إلاّ إيّاهُ...} ". وقال ابن منظور في لسان العرب: "أصل العبودية: الخضوع والتذلل". وقال الفيروز آبادي في القاموس المحيط: "العبادة: الطاعة". لـكن التعريف اللغويّ هذا لا يمكن الأخذَ بهِ؛ لأنّهُ ليسَ كلُّ خـضوعٍ أو تذللٍ هي عبادة، ولهذا يعوّل على التعريف الاصطلاحي. فـالعبادةُ اصــطلاحاً: "هي الخضوع والتذلل لفظاً أو عملاً مـع الاعتقاد بأُلوهيّة المخضوع له"(1). فـالمعبودُ –على هذا- هو المستقلُّ بالذاتِ والصفاتِ والأفعال، وحيثُ لا ينطبقُ وصفُ الاُلوهيّةِ إلاّ على الله تعالى، فانحصرت العبوديّة الحقّة به. في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}(2) نجدُ أنّ القرآن الكريم قدّمَ الضمير المُنفصِل (إيّاكَ) على الفعل (نعبُد) وهذا أسلوبٌ بلاغيٌّ يُفيدُ الـحصر، فانحصـرت العبوديّة الحقّة بالله جلّ جلاله. ولـو تأملنا في آيةٍ اُخرى لـوجدنا أنّ الرّبَ والإله هـو المـعبود، يقولُ تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}(3). من الناحية الروائيّة فقد روي: أنّ حبراً مِن الأحبار قال لعليّ (عليه السلام): أ فــنبيٌ أنت؟! فقال (عليه السلام) : "إنّما أنا عبدٌ مِن عبيدِ مُحمّد"(4)، وهنا يقصد (عليه السلام) بالعبوديّة المجازية. النـقطةُ الثانية: مظاهرُ العبودية لو لاحظنا العديد مظاهر العبوديّة لـوجدنا انّها تتناسق مع المعنى اللغوي للعبادة، ولـهذا يُشكل عليها بكونها شركاً، والمظاهر هي: -الـسجود -الانحناء -الحلف بغير الله -التبرّك -النذر لأهل القبور -التعظيم والإجلال -تقبيل اليد أو المتعلّقات -الاستعانة بغير الله -طلب الشفاعة مِن أولياء الله -زيارة القبور. إلا أن المُخالفين عدّوا تلكَ المظاهر مظاهرَ شــركٍ، ووقعوا في شُبهةٍ مــصداقيّة [أي إنّ معنى العبادةِ واضح عندهم إلاّ أنّهم لا يستطيعون تشخيص مفرداتها ومصاديقها]. في حين أنّ ممارسةَ هذه المظاهر إذا لــم تكن باعتقاد ألوهيّة المخضوع له، بل كانت باعتقاد التعظيم والتشريف والتكريم فــهو ليس شركاً، لأنها ليست عبادة بالمعنى المصطلح. النـقطةُ الثالثة: مُعالجةُ الشُّبهة لـو تمعّنَ الباحث عن الحق -دونَ انحيازٍ- في تلكَ المظاهر ووجدَ لها مصاديق قرآنيّة لأذعنَ أنّ المِلاك في اطلاق لفظة الشرك على تلك الأفعال هو الخضوع المصحوب بالاعتــقاد بأن المخضوع له رب مستقل. وإلا، فهـل يُعقل أن يأمرَ الله تعالى ملائكته بالـشرك؟! قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}(5). فـهل الملائكةُ مـشركون وإبليس هو الموحِّد؟! والخلاصة: أن العبودية الحقة لا تصدق إلا في الخضوع إلى الله تعالى، لأنه هو المعبود المستقل ليس غير، وإطلاق العبودية على غيره تعالى يكون ضرباً من المجاز. ___________ (1). ظ: محاضرات في الإلهيّات, للشيخ جعفر السبحاني. (2) الفاتحة: 5 (3) مريم: 36. (4) العلم والحكمة في الكتاب والسنة للريشهري, ص421, عن آداب المتعلمين ,ص74. (5) البقرة: 34. والحمدُ لله ربِّ العالمِين وصلّى الله على سيّدنا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين. علويـة الـحسيني

منذ 7 أشهر
269

*إقتحام العقبة سبيل الجنة

من الواضح إن السبيل الى الجنة محفوف بالمكاره والمصاعب على خلاف السبيل الى النار فإنه محفوف بالشهوات والملذات، وقد روي ذلك عن الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله): " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، واعلموا أنه مامن طاعة الله شئ إلا يأتي في كره ومامعصية الله شيء الا يأتي في شهوة فرحم الله رجلا نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه " (1). و لعل أهم ما يعترض سبيل الجنة هو العقبة كما ورد في قوله (عز من قائل) : " أَ لَمْ نجْعَل لّهُ عَيْنَينِ (8) وَ لِساناً وَ شفَتَينِ (9) وَ هَدَيْنَهُ النّجْدَيْنِ (10) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) " (2) ، و على الإنسان أن يتجاوز هذه العقبة. وقد فسر بعض علماء الأخلاق العقبة بأنها تمثّل صفة مترسّخة في نفس الإنسان، ألا وهي (الشحّ) و (البخل). و بما إننا في شهر تهطل علينا فيه البركات الإلهية، وتسوده الأجواء الروحانية، وتغل فيه الشياطين، وتُحسَر فيه الغرائز و الملذات، فنحن في فرصة ثمينة لا بد من إستثمارها في التخلص من الرذائل ولعل من أهمها الشح والبخل، أي علينا أن نتجاوز حصر همومنا بذواتنا، والإنطلاق في البعد الاجتماعيّ في أوسع آفاقه حيث التفكير بهموم الآخرين والجد في قضاء حوائجهم، والسعي في تحسين أحوالهم، لنكون مصداقاً لمن يقتحم العقبة و بذلك نسلك سبيل الجنة. كما إن من المعلوم أنّ الاقتحام بحاجة الى الشجاعة والبطولة وتركيز الإرادة وشحذ العزيمة، لأنّ الإنسان بإقتحام العقبة يريد أن يتحدّى شهواته، ويزكّي نفسه، ويطوّع شيطانه، ويروّض نفسه الأمّارة بالسوء، ولا نجد فرصة تتوفر لدى الانسان كل هذه الأجواء فيها كشهر الصوم فلا بد من إستثمارها خير إستثمار. *مصاديق اقتحام العقبة بعد إن ذكر الله (تعالى) إقتحام العقبة كسبيل للوصول الى الجنة بيَّنَ (عز وجل) لنا هذه العقبة في قوله: " وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ "(3) . و عليه فالعقبة هي: أولا : عملية إنقاذ الإنسان ، ولا يشترط فيه أن يكون من العبيد أو الأسرى، بل نجد اليوم إنّ أغلب البلدان المستضعفة كلّها مستعبدة، وعليه فإن هذا المفهوم (فك الرقبة) يتجسّد وبصورة جلية في الواقع العمليّ فيمكن أن تكون عبارة عن مساهمة في إنقاذ إنسان من أوضاع مأساوية، أو كفالة مدين حُبِس لعدم إمكانيته سداد دينه، وما شاكل ذلك. ثانيا: إعطاء مقدار من الطعام الى الفقير إن كان فائضاً عن حاجته، ولكنّ ما يريده الله (تعالى) من إقتحام العقبة لامجرد الإطعام وإنما أن يكون ذلك في أيام القحط والجوع، وبما إن القحط أمر عام فإن الله (تعالى) يبين الأولى بالإطعام إذ يقول (جل جلاله): " يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ " (4) فالأرحام أولا؛ لأن الأقربون أولى بالمعروف، "وأولو الأرحام بعضهم أولى من بعض" فاليتيم القريب الذي يحتاج الى مساعدة ورعاية، يجب تقديم له العون أوّلاً ثم التوجه الى الأضعف فالأضعف. وأما (المسكين ذي المتربة) فهو الشخص الذي أسكنه الفقر في داره، وقد وصل الى درجة من الفقر بحيث أنه لا يجد فراشاً يجلس عليه، بل يضطر الى الجلوس على التراب. و القادرون على اجتياز هذه العقبة هم المتحلون بالإيمان والمتواصون بالصبر والإستقامة على الطريق، ومتواصون بالرحمة والعطف لقوله (تعالى): " ثمّ كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة "(5). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الانوار ج67 ص78 (2) البلد 8 ـ 11 (3) البلد 12-14 (4) البلد/15-16 (5) البلد 17

منذ 10 أشهر
212

التعليقات

يتصدر الان

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

منذ 6 أشهر
4058

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

منذ 6 أشهر
2632

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

منذ 10 أشهر
2316

الطفل في المهد هو مشروع رجل المستقبل

إذا كان فلاسفة التربية الحديثة يجعلون الطفل ورقة بيضاء فإن الامام علي (عليه السلام) يجعله كالأرض ولاريب أن الامام كان أكثر عمقاً. ذلك لأن الورقة البيضاء تفتقر إلى عناصر البناء في حين أن الأرض تختزن عناصر الحياة فالطفل عندما يولد تكون فيه مثل هذه العناصر الحياتية ويكون لديه استعداد طيب للتفاعل مع محيطه، وبما أن محيطه الأول هو الأسرة لذلك يبدأ الإسلام على مستوى هذه الأسرة التي يتسلم زمامها بالدرجة الأولى الرجل على أساس أن القيمومة بيده شرط أن لا تكون صلاحيته مطلقة بل تكون مقيدة بما يفرضه عليه الشرع من حسن المعاشرة والعدالة والإحسان والرأفة والرحمة في عالم الاسرة، ومنه نعلم أن القيمومة للرجل ليس فيها انتقاص من دور المرأة. ولعل دور المرأة في الأسرة أخطر وأهم من دور الرجل؛ نظراً لضخامة المسؤوليات التي ينبغي لها أن تنهض بها، لا سيما أنها في بيتها ملكة غير متوجة لهذه الخلية. إن أول موضوع تربوي يهتم به الإسلام في باب تكوين الأسرة، بل ويعطيه الأولوية من حيث الأهمية هو اختيار الزوجة الصالحة التي سوف تصبح أماً وحاضنة لأولاد المستقبل. فيشير عليك ب(إذا أردت أن تخطب لنفسك فانظر أين تضع نفسك) حتى تكون الذرية صالحة، لأن المرأة التي تهز المهد بيمينها هي تهز العالم بشمالها… إن هذا الموجود الذي تراه طفلاً هو في حقيقته مرآة المستقبل. قد يتبوأ مناصب عالية يقود مجتمع واجيال، فإذا كان طيباً شمل خيره كل الناس. وإذا كان خبيثاً نشر الدمار والخراب في مجتمعه. لذلك يجب أن نعطي مسألة التربية كل اهتمامنا وأولوياتنا؛ باعتبار أن الطفل ليس مجرد ولد صغير أنت تقوم على تربيته كيفما دارت الأحوال. وإنما هو جرم صغير انطوى فيه عالم كبير من النظريات التي ستكون يوماً ما واقعاً ملموساً. وعلى هذا الأساس تكون مسؤوليتنا جسيمة أمام الله وأمام المجتمع. فانظر أين تضع نفسك. الإسلام والتربية: كل من طالع تاريخ الإسلام يجد أنه وخلال قرون قليلة استطاع أن يقدم إنجازاً حضارياً من الطراز الأول في بناء الإنسان… وبالتالي في بناء المجتمع وإقامة الحضارة الإنسانية الإسلامية… التي أنارت للبشرية دروبها ومسالكها ومعالم حياتها في شتى مجالات الحياة ولقرون متمادية، قبل أن يصاب بالانتكاسة السياسية والاخلاقية لأسباب ليس هذا محل ذكرها… وبتأمل قليل نجد أن الفضل في تقدمه وتطوره ذلك يعود إلى أسباب عديدة من أهمها مناهجه التربوية الصحيحة والخلاقة… إن الإسلام يرى أن المجتمع يتكون من أفراد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) سورة الحجرات. ويتم التكاثر تحت ظل قانون سماوي هو الزواج الشرعي. ويرى أن السلوكيات الخارجية تمثل أرضية للمستقبل… فإذا زرعت فيها ورداً فسوف تجني منها الورد… وإذا غرست شوكاً فلن تحصل منها على الليمون… والطفل يمثل الحلقة الأولى في تلك السلوكيات… لذلك لابد من النظر إليه على هذا الاساس، وعلى المجتمع أن يعي هذه الحقيقة…. فالدين الإسلامي يعطي للتربية أولوية قصوى... وله في ذلك منهج اعتمده الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام) . ولخّص ذلك الموقف بقوله: صلى الله عليه واله :(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) إن جوهر الرسالة المحمدية هي التربية والأخلاق بما يتضمن ذلك من بناء الإنسان نفسياً وروحياً واجتماعياً. ومن الواضح أنه يترتب على هذا المنهج إمكانية الأمر والنهي والأحكام والفصل في أمور الحياة... مما فرضه الإسلام على اتباعه. ومن خلال البحث نجد أن أولوية التربية مرتبطة بموقف فلسفي يتلخص بأن للرسالات والتشريعات والعلوم محوراً اساسياً هو الإنسان. فالإسلام يتوجه للإنسان من دون المخلوقات الأخرى لأن له دوراً في الحياة والعلوم والتشريعات والقوانين، فكل هذه المفاهيم مرتبطة دائماً بالإنسان ولا شيء غيره. فلا تنحصر مسؤولية الآباء في توفير المعيشة المادية للأطفال، بل إن مسؤوليتهم تبدأ بتربيتهم تربية إيمانية صالحة؛ فأن تاديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الاهتمام باحتياجاتهم الجسدية رغم أهميتها. يقول الإمام عليه السلام (ما نحل والد ولداً نحلاً أفضل من أدب حسن) (1) وعنه (عليه السلام): (لاميراث كالأدب) (2) إن فطرة الإنسان من منظار قرآني وروائي تتقبل الإسلام وكل مايتعلق به من تشريعات. ومعنى ذلك أن الإسلام وتفصيلاته وقوانينه هي اشياء مقبولة في أصل وفطرة وأعماق الإنسان. وهذا يعني أن انحراف الإنسان عن تلك الفطرة لا بد أن يكون له أسبابه الواقعية الخارجة عن ذات الإنسان. ومن تلك الأسباب تقصير أبويه في الطفولة وسوء تعامل أساتذته في الصبا ورداءة المحيط الاجتماعي الذي يعيشه. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) )سورة الروم وهو ما يشير إليه الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطره حتى يكون ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه) إن كل طفل يولد على أساس الفطرة الاسلامية، أي أنه يولد طيب النفس طاهر الروح نقي القلب محباً لعبادة الله تعالى، فإذا انحرف فيما بعد عرفنا أن ثمة أسباباً كانت وراء انحرافه، كأن يكون أبواه قصّرا في طهارة نطفته التي تكوّن منها بتناول الزاد الحرام، أو ممارسة الفعل الحرام وبما غذّياه الحرام أو سقياه الحرام بعد الولادة او رآهمها يفعلان ما لا يحسن أن يراه منهما عند بداية إدراكه فتأثر بهما واقتفى ما ليس له به علم من فعلهما، وكأن يكون قد رافق رفقاء سوء فأوحوا إليه من الأفعال ما جعل منه بعيداً عن تلك الفطرة. من هنا، تتبين أهمية ما نبهنا (عليه الإسلام) في تربوياته من أهمية دور الأبوين والمحيط الأسري والاجتماعي في تربية الطفل ورسم سلوكه المستقبلي. وأن كل من يُقَصِّر في دوره الملقى عليه في التربية، فإنه سيلاقي نتيجة تقصيره في عاجل الدنيا أو آجلها. لقد ذكر العلامة المجلسي في كتاب(حلية المتقين) بعضاً من الروايات التي تتطرق إلى هذه المواضيع ومنها، قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)(الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه) إن الإسلام وضع نُظُماً وحدوداً وقوانين تقف حائلاً دون ظهور نسل فاسد وناقص جسمياً ونفسياً. وإذا طبقت هذه القوانين قَلّتْ هذه الانحرافات والخلافات الشرعية والأخطاء. فإذا أحسن الأبوان التربية قلّ ظهور الأولاد المنحرفين... وكذا لو توفّرت الظروف الاجتماعية والثقافية التي تتناسب مع الفطرة الإنسانية. عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) (3) فليست تربية الأطفال واجباً وطنياً وإنسانياً فحسب، بل إنها فريضة روحية مقدسة وواجب شرعي لايمكن الافلات منه. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسوؤلية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشأة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) (ويجب للولد على والده ثلاث خصال : اختياره لوالدته وتحسين اسمه والمبالغة في تاديبه) (4) ويمكن أن نفهم من هذا الحديث أن تأديب الولد حق وواجب في عاتق أبيه. ولذلك تجد أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يُعلِّمنا أن ندعو الله عز وجل ليعيننا على أداء هذه المهمة. لكن ومع الأسف أن الواقع في كثير من الأحيان يختلف عن هذه التعاليم، ما أكثر الأمهات اللاتي يُعلّمنَ أطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الأهوج منذ الصغر. فيظل الأطفال مأسورين لتلك الأخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم . وما أكثر الآباء المجرمين اللذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية ويصطحبون أطفالهم إلى مجالس اللهو والعبث، ويرتكبون الأفعال القبيحة أمام عيونهم. وعلى أية حال فشقاوة وسعادة الأبناء ترتبط ارتباطا كبيراً بالأب والأم… التربية بعد الولادة: تؤثر على السعادة البشرية عدة عوامل يسميها بعض العلماء بمثلث مؤثرات الشخصية، وهي الوراثة والتربية والمجتمع. ولكن الملاحظة المهمة هنا هي أن أهمية التربية قد تتجاوز أهمية الوراثة والمجتمع إلى درجة أن بإمكانها أن توقف قانون الوراثة وتأثير المجتمع إلى حد ما فتتغلب عليهما إلّا في الموارد التي تكون الصفات الوراثية ذات طابع حتمي (أي لايمكن أن تتغير في الطفل مهما كانت العوامل الأخرى قوية أو كان ضغط المجتمع يتجاوز الحدود الطبيعية) وفي الحقيقة فإن معاملة الأبناء فن يستعصي على كثير من الآباء والأمهات في فترة من فترات الحياة، وكثيراً ما يتسائل الآباء عن السبل الناجعة للتعامل مع أبنائهم. إن أطفالنا جواهر، ويمكننا تربيتهم والحفاظ عليهم حسب ما رفدنا به الإسلام من نظم وقوانين، ولكن المفارقة هنا هي أن الكثير من الآباء هم الذين يحتاجون إلى توجيه قبل الأبناء. ولذلك يمكن أن نتجرأ ونقول بأن هناك الكثير من الأولاد إنما جاء فسادهم من خطأ الأباء في تربيتهم وإهمالهم وترك تعليمهم الطريق الصحيح. لقد أثبت الباحثون بشكل قاطع تأثير السنين الأولى من العمر على حياة الإنسان المستقبلية، فإحساس الولد بنفسه يأتي من خلال معاملتك له. فإن أنت أشعرته أنه ولد طيب وأحسسته بمحبتك فإنه سيكون عن نفسه فكرة أنه إنسان طيب مكرم، أما إذا كنت قليل الصبر معه وتنهال عليه باللوم والتوبيخ ليل نهار فإنك ستشعره بأنه (ولد غير طيب ) وربما ينتهي الأمر به إلى أمراض نفسية كالكآبة والإحباط أو التمرد والعصيان. لا بد أن نعرف أن هناك فرقاً بين ذات الإنسان وسلوكه، فذاته مكرّمة وعظية، أما السلوك فقد ينحرف عما رسمه الشرع والعقل له، وعلينا أن نوصل هذه الفكرة للطفل، ونوحي له بأن حسابنا معه حساب سلوك لا ذات. روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): قال داود (عليه السلام): إلهي، كن لابني كما كنت لي. فأوحى الله اليه: ياداود قل لابنك: يكن لي كما كنت لي، أكن له كما كنتُ لك. وصايا ملكوتية: عليك أيها الأب أن تأخذ بيد أبنائك لطريق الله عز وجل، وأن تعلمهم أن يبتعدوا عن غيره من الطرق الملتوية. اغرس في قلوبهم تقوى الله وساعدهم على أن يبرّوك عندما تكبر وتشيخ. تذكر دوماً أن أولادك أمانة عندك وأنهم سيغادرون منزلك بعد وقت قصير فاحرص على تربيتهم وتوجيهم، أعطهم وقتك وانتباهك، ادرس نفسياتهم وشخصياتهم، فأن ذلك يساعدك في تربيتهم، وإذا مررت بظرف عسير فأعلم أن ذلك عابر. من المهم أن يعرف الأبوان كيف يتجاوبان برفق في وقت الرفق وبحزم في وقت الحزم، كما ينبغي أن تكون معاملة الوالدين وفق مبادى ثابتة. وأن يحرصوا على حب أطفالهم ولكن بحكمة. ينبغي على الأم أن لاتعتمد على سلطة الأب وهيمنته في تهديد أولادها وعقابهم، فيصبح الأب كما قال بعض أخصائيي التربية (في نظر ابنه كالشرطي للمجرم لا صلة بينهما إلا عند الاختلاف في الرغبات) ينبغي أن لا يظهر الزوجان خلافاتهم أمام أبنائهم، فأن ذلك قد يضعف نفوذهما أمام أولادهما وقد يستثمره الولد لمصلحته فيتمادى في أخطائه. يجب أن تترسخ لدى الطفل فكرة أن سلطة أبويه هي سلطة واحدة تتبادل الأدوار حسب الظرف الموضوعي. إن من أهم القضايا التي تثير اهتمام العاملين بالمنهج الإسلامي هي قضية الطفل المسلم في منهجك التربوي، يجب أن تضع نصب عينيك أحدث الطرق التربوية التي تنسجم مع النظرة الإسلامية للإنسان في بناء شخصيته الفكرية والروحية والعملية، وفي الأجواء التي يجب أن تثيرها من حوله من أجل أن يتغذّى سلوكه بجو علمي تربوي خاص. كما يتغذى بالكلمة وبالصورة. فكل هذا الوسائل لها تأثيرها في خلق أجواء مناسبة تساعد في تربية الطفل وتسهل الأمر على الوالدين، وعلى الشخص الذي يمارس عملية التربية أن يتحرك في موقع مناسب لصنع الجو المناسب للطفل. ونحتاج في سبيل الوصول إلى تربية نموذجية إسلامية إلى دراسة ودراية واطلاع واستفادة مما ينصح به أصحاب الخبرة في هذا المجال، كل ذلك من أجل صنع جيل إسلامي يعيش في خدمة الحياة والإنسان على أساس كلمة الله والسير على تأدية ما أراد الله منه. إن الدين الإسلامي يعلمنا كيف نربي أبناءنا ليكونوا مواطنين سعداء في دنياهم، ليس هذا فحسب، بل لكي نكسب ويكسبوا بنا الآخرة أيضاً. لأن الولد الذي يكون سبباً في إيذا الناس وإيذاء نفسه فهذا يتحمل بعض ذنبه الآباء إذا لم يكونوا قد قاموا بتربيته التربية الصالحة، كما حدث في إحدى المدن العربية أن لصاً محترفاً بعد أن سرق العديد من المنازل وأحدث الرعب في قلوب الناس، لأنه لم يكن يسرق فقط بل كان يهددهم بالقتل لو شعر بالخطر، وبعد أن وقع في يدي رجال الشرطة وحكم عليه القضاء بإصدار حكم الموت شنقاً طلب السارق من رجال الشرطة قلماً وورقة فأحضروا له ذلك وعكف على كتابة بعض السطور وقد جاء فيها: (هذا ما دفعني إليه والدي.. الذي تركني منذ طفولتي ولم يحسن أدبي وتربيتي) إن الأب هو المسوؤل الأول عما يفعله الابن، ولايعني ذلك بالطبع تبرأة الابن، إنما الذي نريد قوله أن الآباء يتحملون قسماً كبيراً من المسؤولية لمكان ولايتهم على أبنائهم قال الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق عن حق الولد على الوالد: (فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ) والوجدان شاهد على انه إن عمل ابنك عملاً حسناً قال له الناس: رحم الله والديك. وإن عمل سوءاً ألقى الناس اللوم على أبيه. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه. قال أحد الخبراء في علم التربية: إن الخطورة تكمن ليس في أن الآباء يجهلون مسؤوليتهم تجاه الأبناء فقط وإنما في غفلتهم. ولربما يحدث ذلك لانشغالهم في أمور المعيشة، وبالتالي فإنهم لايقومون بتأدية واجبهم على أحسن ما يرام. وخاصة إذا كان الأبوان كلاهما يعمل ويرجع في آخر النهار متعباً مرهقاً… فهذا يؤدي بالتأكيد إلى التقصير في حق الأبناء في التربية… ويغدو الابن ضحية… وسيتعلم أخلاق وسلوكيات الشخص الذي يعتني به سواء بالحضانة أو الروضة أو المدرسة، طبعاً لانقصد من هذا أنه يجب على الأم والأب الجلوس وعدم العمل… ولكن يجب عليهم الموازنة بين حق العمل وحق الولد… هناك أمور عديدة يجهلها الآباء في التربية منها: - تشوّش الرؤية وغياب الهدف الواضح للتربية. -عدم الإلمام الكامل بمعرفة الأسس الفنية في معاملة الأبناء والتأثير فيهم. -غياب المقياس والمثل العليا للتربية المطلوبة أو الشعور بإيفاء حق التربية والواقع يكون عكس ذلك. -إهمال دور الأم وعدم إعدادها. -ضحالة ثقافة الوالدين وقصور وعيهما وتحاربهما. ومنه، نعلم أنه يلزم على ألآباء اعطاء فرصة للأولاد لتكوين شخصيتهم ومساعدتهم في ذلك. وخير مثال على ذلك عند امير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث كان يسأل أولاده بحضور الناس بعض المسائل العلمية، وربما كان يحيل الجواب عن أسئلة الناس إليهم. وهذا الشي يعطي نتائج مهمة في التربية أهمها احترام الأولاد وإحياء شخصيتهم وتكوين ذاتهم. فمثلما يجب احترام حق الكبار، يجب احترام حق الصغار. بينما الواقع الذي نعيشه في معاملة الأبناء عكس ذلك تماما عند البعض..... إن بعض الآباء يعيشون خارج دائرة التربية، ففي سبيل راحتهم أو رغباتهم أو في سبيل عملهم قد يهملون تربية أولادهم ولايفكرون بأنهم بهذا الأسلوب سوف يسيرون بأولادهم نحو الشقاء وتدمير مستقبلهم وأخلاقهم وخاصة في مجتمعاتنا التي تكون أكثر العوائل في بدايتها يعيشون مع أهاليهم، فضيق المكان يجعلهم يقسون على أطفالهم من أجل راحتهم أو أن يتحكم اكثر من فرد داخل الأسرة في تربية الطفل واستعمال الأسلوب الخاطئ أو الضرب أو العقوبة بدون سبب فكل هذا يتسبب بتكوين شخصية مهزوزة وضعيفة لدى الأطفال. إن التربية الواعية هي التربية المبنية على الأسس الأخلاقية التي ترشد الإنسان أن لوجوده قيمة جوهرية لا يمكنه أن يتغافل عنها في حياته وهي الطريق لتخريج أفراد لا يضيّعون حياتهم في التوافه، وإنما يتعاملون مع وجودهم بالطريقة التي تتحقق فيها أهداف حياتهم البنّاءة وبالتالي يمكننا أن نتحدث عن المجتمع الذي يصبح قابلاً للحياة لإدراكه ويعرف لماذا يعيش وكيف يعيش. وتربية الفرد تبدأ منذ نعومة أظفاره بالتدريج السليم المطابق للأصول التربوية والعقائدية والأخلاقية، ومن هنا علينا أن نهتم بتربية أطفالنا على هذا النحو والأسلوب الذي يحقق الآمال المعلقة على الأجيال القادمة في الوصول إلى إرساء قواعد جديدة للتعامل على مستوى الفرد أو الأمة، فلا يعود الفرد ولا تعود الأمة فريسة بيد العابثين المستهترين بمصائر الناس من أجل تحقيق المصالح الشخصية أو الفئوية على حساب جهل الناس لقيمة الحياة. هناك آثار سلبية كثيرة تترتب على عدم احترام شخصية الولد، ومن أهمها تلك التي تتعلق في نفوس الأطفال، مثل عقدة الحقارة واهتزاز الشخصية وما شابه ذلك من صفات نفسية خطيرة تهدد كيان الطفل وتلاحقه حتى خريف عمره. بينما تستطيع أنت أيها الاب وأنتِ أيتها الام أن تكونا بمعزل عن كل تلك الآثار السيئة والنتائج السلبية بفعل شيء واحد وهو: الاحترام ولايعتقد أحد بأن احترامه لولده يلحق به ضرراً أو يسئ إلى سمعته. ترى ماذا سيحدث لو اصطحب الأب ولده إلى المجالس التي يحضرها الكبار؟ وماذا يحدث لو تعامل الوالد مع ولده على أساس من الاحترام والتقدير؟ وماذا يحدث لو احترم الكبار الصغار؟ هل يحدث غير النتائج الحميدة والطيبة التي تترك أثراً سحرياً في نفوس الأبناء وتسير بهم إلى مدارج العظمة والكمال؟ يجدر بنا أن نسجل هذه الفكرة التي تقول: إن قيمة الاحترام تظهر ويبرز أثرها النفسي حينما يتمثل الكبار باحترام الصغار. وإلّا فإن احترام الصغار للكبار أمر طبيعي مفروغ منه. فإن عظمة التواضع تبرز حينما يتواضع العظيم للداني والكبير للصغير، فلو احترم الصغير الكبير وزهد الفقير وتواضع الحقير حينئذ لا يكون قد صدر منهم أي فعل ذي بال يشار إليه بالتقدير والتعظيم، ولا أقل عند سواد الناس. ولكن العظمة حينما يحترم الإنسان من هو أصغر منه، ويتواضع لمن هو أدنى منه منزلة، وقد ورد في سيرة أعظم رجل عرفته الإنسانية وهو النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) أنه كان يصافح الغني والفقير والصغير والكبير، ويسلم مبتدءاً على كل من لقيه من صغير أو كبير أسود أو أحمر، حراً أو عبداً، وكان يقول في ذلك: ليكون سنة من بعدي. إن لاحترام الأبناء نتائج ايجابية كثيرة، وباستطاعة أي أب أن يجرب ذلك، فلو كنت تريد من ابنك خدمة ما، فاطلب ذلك منه باحترام...وأومئ إليه بالثقة ثم اطلب منه ما تريد وانظر كيف ستكون النتيجة. هذا بالإضافة إلى أن الأبناء سيبادلون الآباء ذلك الإحساس، وسيعاملون آبائهم كما تعلموا وتعودوا عليه. لذلك فالأب حر في اختيار الطريقة التي يرغب أن يعامله بها ابناؤه في صغرهم وعند الكبر، تماماً كما أنك لاتستطيع أن تسحب مقداراً معيناً من المال من البنك إلا إذا كان لديك رصيد سابق قد أودعته فلا تستطيع أن تطالب أبناءك أو أي إنسان آخر بالاحترام وأنت لم تودع الاحترام في بنوكهم ولم تمنحهم الاهتمام. وهو مفاد ما ورد من الأمر بمعونة الأبناء على تعليمهم بر الآباء فاهتم بهم يهتموا بك، واحترمهم يحترموك، يقول الامام علي (عليه السلام ): (إجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب) إن هذه حقيقة حتمية وسنة كونية لايمكن تبديلها. (فمن جد وجد ومن زرع حصد) الأطفال هم فلذات الأكباد وريحانة الحياة وزهور الربيع وبلسم الجروح، وهم ذخر الإنسانية لغدها المشرق، وهم الذين سيحملون مسؤوليات العالم بعد أن ينتهي دور الجيل الذي سبقهم، لأن الإنسانية تسير بطريق تكاملي وبالتالي لابد أن تستمر. وهم ضمان استمراريتها وبقائها. وبما أنهم كنز الإنسانية ومستقبلها فعلينا أن نعمل على إعدادهم إعداداً مناسباً يتناسب مع حجم المسؤوليات المستقبلية التي ستلقى على عاتقهم، وذلك يكون عن طريق تربيتهم التربية الصالحة المبنية على الفهم المتكامل والصحيح للحياة، وعلى المربي عموماً أن يدرك أهمية هولاء الأطفال وأنهم سيكونون أهلاً للحياة ولمواجهة مسوولياتها. إن فهم هذه الخصوصية وترتيب الأثر المناسب عليها يساعدنا على إيجاد المجتمع الإنساني الفاضل الذي يتحلى بالأخلاق الكريمة، ذلك المجتمع الذي يقدس المثل العليا للإنسانية باعتبارها صمام أمان للحياة نظراً لما تحويه من مباديء سامية وخصال حميدة توصل أفراد المجتمع الإنساني إلى أهدافه النبيلة باعتناقها والتمسك بأهدافها… الطفولة عالم البراءة: عالم الصفاء والنقاء والتخيلات والأحلام الرائعة الجميلة هو عالم الطفولة، فهو العالم الملكوتي الذي ينطلق منه الإنسان في بداية سيرته الحياتية. فالطفل في سِنيّ حياته الأولى ينظر إلى الحياة بمنظار عالمه الطفولي البريء البعيد عن كل مايعكر صفوها فيتخيلها بمنظاره هذا عالماً تسوده المشاعر المرهفة الحساسة، وبعيداً عن كل الاشياء التي تجعل من الحياة حياة شر وخداع ونفاق. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل للحياة قبل أن يبدأ صراعه معها، وما أروعه من تصور وما أجمله من حلم، وكم يتمنى كل فرد إنساني أن يعود لطفولته البريئة ليسرح في أرجاء عالمها الذي كان يصور له الحياة كأنها ربيع مليء بالرياحين التي تشد الإنسان إليها بعطرها الساحر وشذاها الفواح، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلاينفذ إلى سره ولا يدري كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. فهو عالم بعيد كل البعد عن الشرور والآثام والحقد والكراهية، هو عالم غني بالمشاعر الجياشة التي تصور الحياة بستاناً عامراً بالاطاليب، حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. تعتبر مرحلة الطفولة من أهم المراحل في حياة الفرد: فالاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. فالطفل هو الثروة الحقيقية وأمل الغد، وليكن معلوماً أن ما نراه من حولنا المشاكل التي يتعرض لها الطفل في العالم من نبذ وقهر واضطهاد واستغلال وما يترتب على هذه المشاكل من اضطرابات نفسية وانحراف وجريمة وادمان. وما نرى من حالات العنف والعدوان في المدارس وحالات اختطاف وانحرافات سلوكية وخاصة في العالم الغربي، ومانشاهده من تعرض الطفل العربي إلى القهر والعدوان وخاصة في دول الحرب وبعض الظواهر الأخرى مثل ظاهرة أطفال الشوارع، والمتسولين والأحداث، كل ذلك له أسبابه الخاصة والتي تكون التربية واحدة من أهمها، وفي مقدمتها. يؤكد علماء النفس دائماً على أن أسباب الاضطرابات النفسية لدى الاطفال هو غالباً تنشأ من خلل في المعاملة من قبل الأهل. وأن الأطفال الذين تساء معاملتهم هم دائماً ضحايا للاضطرابات النفسية والانحرافات. وهذه الاضطرابات لاينتهي أثرها عند الطفولة فقط، وإنما قد تبقى آثارها لمرحلة الشباب والكهولة، ذلك لأنها تنطبع في شخصية الطفل وتوثر على حياته المستقبلية. فيصبح بالتالي شخصاً يعاني من عقد بداخله ولربما يصبح شخصاً ظالماً لمن حوله أو مجرماً حتى مع أقرب الناس إليه كإخوته وأطفاله وزوجته وأصدقائه. فلينتبه الأبوان لهذه المسوولية الملقاة على عاتقهما لأنهم لا يظلمون طفلهم فقط، إنما يظلمون مجتمعاً كاملاً. ومن هنا تعتبر الأسرة النواة الأولى لتنمية الطفل، والقالب الاجتماعي الأول الذي يصوغ شخصية الطفل في المجتمع، وهي المؤسسة التربوية الأم التي تساعده على تشكيل شخصيته بصفة عامة، وهذا ينعكس سلباً على شخصية الطفل، فيما لو اضطربت الأسرة وتفككت. لقد ثبت لدى الباحثين تأثير السنوات الثمان الأولى من العمر في باقي حياة الإنسان، وقد وجد انه إذا ما لبيت حاجات ورغبات الطفل في الأشهر الأولى من الطعام والراحة والمحبة وغير ذلك، فإن الطفل سيكون حظه في الحياة أوفر وأعظم… إن الأنماط السلوكية الأسرية تحدد ماسوف يفعله الطفل في مقتبل حياته أو مايستطيع أن يفعله. ولكي يحصل على الإشباع والرضا فعلى الأسرة أن تعمل على تنمية شخصيته. إن أهم عوامل نجاح وتكوين شخصية الطفل إنما هي مستمدة من العلاقة الحارة الوثيقة الدائمة التي تربط الطفل بأمه أو من يقوم مقامها بصفة دائمة وإن أي حرمان من حنان الإم تظهر آثاره في تعطيل النمو الجسمي والذهني والاجتماعي وفي اضطراب النمو النفسي للطفل. _______________________________ (1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2ص625 (2) غرر الحكم ودرر الكلم للامدي ص831 (3) مكارم الاخلاق للطبرسي ص 232 (4) بحار الانوار ج 75 ص 236

منذ 10 أشهر
2257

تطوير الذات

كيف تستطيع ان تطور ذاتك؟ إذا بقيت متقوقعاً على نفسك فإن ذلك سيحرمك الكثير من الفرص. لن تصنع الهمسات منك شخصًا يُؤخذ برأيه، عليك أن تتعلم التحدث حتى يسمعك الآخرون، وقبل ذلك عليك أن تؤمن بنفسك قبل الآخرين، تطوير الذات يقصد به استخدام الشخص لقدراته ومهاراته لتحقيق أهدافه والحصول على ما يريد من نجاح وتفوق بالحياة، وهذا التطوير للمهارات لابد له أن يبدأ بشكل صحيح وفق نقاط محدده من قبل الشخص، منها: طريقة التفكير في تحديد الأهداف التي يريد الوصول إليها، ووضع طرق صحيحة للوصول للهدف المحدد... وهذا يحتاج إلى تفكير ومهارة وقدرة ذهنية للشخص وثقة بالنفس وقوة إرادة تعطي للشخص طاقة إيجابيه، وتمنحه القوة لتحقيق هدفه. كيف تطور نفسك وتسعى للنجاح الذي ترغب فيه؟ هناك الكثير من المقومات التي يجب على الإنسان أن يعرفها، والمهارات التي يجب أن يتعلمها لتطوير ذاته، فمنذ خلق الانسان وهو يسعى للتطوير، وهناك من ينجح بتطوير نفسه، والوصول لأعلى مراتب في الحياة، وهناك من يخفق عدة مرات وهو مستمر، وهناك من يئس من اول محاولة، وهناك من لم يتعب نفسه في محاولة إيجاد طريقه أو لم يفكر أصلاً في أي هدف أو تطور، فاكتفى أنه فقط يعيش. وهذا خلاف العقل وخلاف ما خلق الإنسان من أجله. إن تطوير الذات يساعد في حصولك على أكثر فرص نجاح في الحياة وتكون شخصاً ناجحاً في أغلب المجالات، وكذلك يساعدك في مواجهة المشاكل التي تتعرض لها في حياتك اليومية، فالإنسان يجب أن يحدد هدفه في الحياة من خلال معرفة مهاراته التي يستطيع أن يتفوق بها، فالهدف يجب أن يكون مناسباً لقدراته ومهاراته وإمكانياته، حتى يكون واقعاً، بما معناه أنه لا يفكر بأهداف وأحلام خيالية جداً فالنجاح بالتدريج، فليس من السهل الصعود من قاع الوادي مباشرةً إلى قمة الجبل، فيجب السير والصعود شيئاً فشيئاً، يجب على الشخص تحديد نقاط الضعف والقوة لديه لتقوية الضعف أو الخوف بالتدريج والإرادة والإصرار له تأثير قوي على ذلك، فكلما كانت الإرادة قوية والإصرار شديداً كلما كانت نسبة النجاح عالية. أبسط مثال لذلك: لو نلاحظ أضعف المخلوقات التي خلقها الله، جعل فيها أموراً تجعل الإنسان يفكر ويقول: هل هذا المخلوق الضعيف أفضل مني؟!لو نشاهد النملة الصغيرة ونرى إصرارها عندما تحمل الغذاء الذي تحصل عليه، رغم حجمها الصغير ولكنها تحاول وتحاول لنقله حتى أنها بعض الأحيان تتسلق الجدران وتسقط كم مرة، ولكنها لا تيأس ترجع وتكرر المحاولة عدة مرات إلى أن تنجح، هل أحد منا جرّب ذلك؟ إنه لو تكرر فشله في تحقيق هدف ما وأخفق بالوصول للنجاح ويكرر المحاولات لعدة مرات إلى أن يصل إلى النجاح بإصرار وثقة. كل إنسان يريد أن ينجح ويحقق أهدافه في الحياة يجب عليه أن يهيأ قاعدة أساس لذلك. فلكل شي بداية وبداية النجاح هي تقوية الثقة بالنفس، يجب أن تحاول تقوية ثقتك بنفسك في داخلك وأمام الناس. أنا قوي، أنا قادر على النجاح، قادر على تحقيق هدفي. هذا التعزيز بالثقة للنفس يمنحك طاقة إيجابية تحاكي عقلك الباطن لتكوين شخصية قوية ناجحة، وبالتفكير العقلي الصحيح لتحديد هدفك ودراسته دراسة موضوعية صحيحة تستطيع تحديد الطرق الصحيحة التي تسير بك نحو النجاح والتفوق، تحتاج بعد تعزيز ثقتك بنفسك أن تتخلص من الخوف الذي يراودك بالفشل فهذا الاحساس بالفشل يجعلك تفشل، والتفكير بالنجاح دوماً يجعلك تصل لقمة هرم النجاح. فكل شيء بدايته تحتاج صبراً وتانياً وبذل جهد وتفكيراً صحيحاً ومثابرة حتى الأهداف السهلة لا تأتي بسهولة إنما يجب السعي إليها بشكل صحيح وفق متطلبات صحيحة ومدروسة... وقبل كل هذا يجب عليك أن تحدد هدفك المناسب لقدراتك ومهاراتك، ففي كل إنسان مهارات وقدرات يستطيع أن يقويها أو يضعفها فحاول تحديد المهارات القوية والقدرات لتنميها وتتفوق بها... وتحديد المهارات الضعيفة لتقويتها. فالثقة بالنفس عامل مهم جداً في تحقيق طموحاتك واهدافك. إن كثيراً من الناس لا يعرف حقيقة قدراته التي وهبها الله عز وجل له فيضيع حياته وهو غارق في متاهات الغفلة ولا يعرف أين هو؟ وماذا هو؟ وماذا حقَّق من نجاح؟ فيضيع نفسه وحياته وأحياناً حياة مَن هم حوله وتحت مسؤوليته دون معرفة ماذا يريد... إن الله سبحانه وتعالى وضع بداخل كل إنسان قدراتاً وكنوزاً يستطيع الإنسان أن يظهرها ويستغلها في تحقيق نجاحات عن طريق الاستخدام الصحيح لها. لذلك لا تغفل عن القدرات التي رزقك الله بها لأن الغفلة تفقدك الكثير وهي مذمومة في كتاب الله وبصريح العبارة وقال الله في محكم كتابه (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (205) ) سورة الأعراف. انتبه واستيقظ من غفلتك! فكر من انت وماذا حقّقت؟ تقدّم نحو تحقيق النجاح بكل مكان انت فيه. ازرع بداخلك بذور القوة التي أرادها الله لك... لتصل لهدفك وغايتك فكل نجاح يبدأ بإرادة ورغبة بالنجاح في داخلك صوت يزرع فيك القوة للنجاح. إذا كنت واثق بنفسك وعندك ثقة بأنك شخص ناجح وقادر على تحقيق هدفك فستنجح. وكل فشل يبدأ بفقدان تلك الإرادة والرغبة، فالتفكير السلبي وإحساسك بأنك ضعيف أو غير قادر على تحقيق هدفك يجعل في داخلك ضعفاً أكثر وفشلاً... فالطاقات التي في داخلك والإمكانيات التي في الكون كلها رهن إشارتك فإن أردت منها أن تحملك للنجاح فسوف تفعل ذلك وإن لم ترد النجاح فسوف تحملك إلى الفشل. ما هي الإرادة الإرادة هي القدرة والفعل فمن أراد فعل بالإرادة، هي الحياة، وحياة للقلب فمن دون إرادة ورغبة يصبح الشخص عديم الإحساس بطعم الحياة. وإذا وجدت الإرادة وجد الطريق لتنفيذها، فمع الإرادة والرغبة تحقق ماتريد. لدى كل غنسان مخزون هائل من المواهب والطاقات ولكنها مقيدة ومكبوتة ومحبوسة تحت ركام من الخوف والتردد وانعدام الثقة بالنفس، فإذا تحرّرت فسوف تنهمر مثل الأعاصير والطوفانات بقوة لتدفعك لتحقيق أهدافك في الطريق الصحيح إذا كانت أهدافك صحيحة وموجهة بشكل صحيح واستخدمت الطرق الصحيحة للوصول لها. أنت بحاجة لتحرير عقلك من الخوف الذي يفرض سلطانه وقوته على طاقاتك، ليصل بك للفشل والإحباط، تحتاج إلى شحنات إيجابية للشعور بالثقة بالنفس والشجاعة تحتاج لحسن الظن بالله تعالى الذي منحك مواهب وطاقات وجعل أمرها بيدك، وهناك عوامل أخرى لها تأثير مباشر في تطوير الذات، وهي البيئة التي يعيش فيها الشخص من أهل وأقارب وأصدقاء ومدارس، فهولاء لهم تأثير مؤثر من خلال الدعم والتشجيع والوقوف بجانب الشخص أو العكس، فتكرار سماع كلمات الفشل والإحباط تجعل لدى الشخص عاملاً سلبياً للفشل وتولد لديه كثيراً من المشاكل التي تجعله إنساناً محبطاً وفاشلاً في تحقيق هدفه. وهذا من الأخطاء الشائعة لدى بعض العوائل في تربية أطفالهم وزرع روح الفشل في داخلهم من حيث لا يشعرون فأنتم من تصنعون وتساعدون في تكوين فشل أو نجاح أولادكم فانتبهوا لذلك. انتبه، عندما تخطو خطوة في مسيرك نحو تطوير ذاتك فمن البديهي أن تواجهك بعض العثرات والمعوقات، وربما تفشل مرة أو مرتين، هذا لا يعني أنك تتوقف، بالعكس الإنسان الناجح الذي يريد أن يطوّر نفسه يجعل من الشيء الصعب سهلاً فقد تصل بك الأمور إلى مرحلة تجد أمامك جميع الطرق مسدودة حينها لا تقف مكبّك اليدين، بل أعد النظر بالخطوات التي قمت بها، لعلك تكتشف الأخطاء التي أدت بك إلى الفشل وتعمل على تصحيحها بشكل ملائم لتحقق اهدافك. لا تجعل اليأس يسيطر عليك ويشلّ حركتك نحو النجاح... مرحله تطوير الذات مستمره ولاترتبط بعمر محدد. كن واثقاً أنك تستطيع تجاوز كل الصعوبات التي تواجهها بطريقك نحو النجاح وفي حياتك بشكل عام، فلا تجعل الفشل نهاية الطريق، بل اجعله الحافز الذي يحركك ويظهر مواهبك وابداعاتك ومهاراتك وقدراتك التي عملت على تطويرها منذ طفولتك، واستمرت بالتدريج بالنمو والتطور، فهذه الأزمات والعثرات مراحل تدريبية لكي تجعلك شخصاً قوياً وناجحاً تحقق أهدافك التي تجعلك تشعر بسعادة واطمئنان. هناك عدة طرق لتطوير الذات يجب على الشخص الذي يريد تحقيق النجاح في تطوير ذاته أن يتبعها، ومنها: ١-البحث عن المعرفة من مختلف المصادر المتنوعة واكتساب الخبرات والاستفادة من تجارب الناجحين في هذه المجالات، ٢-إدراك البيئة التي يتعلم فيها، والظروف المحيطة ومتطلبات تلك الظروف، لأن كل إنسان يعيش ظروف معينة. ٣-تجربة أنماط فكرية جديدة ومحاولة تغيير السلوك في عملية التعلم أو التطور لكسب نجاحات اكثر . ٤-تنمية روح المبادرة لدى الشخص الذي يريد تطوير ذاته، وعدم التردد والخوف في استقبال أو إرسال كل جديد من نقد أو تعلم. ٥-تبادل المعلومات وتطوير المهارات بكل الطرق المتوفرة لدى الشخص. ٦-تحديد الأمور المراد تطويرها في الذات حتى نتمكن من وضع خطط وأساليب مدروسة لكل جانب حسب مايحتاجه. ٧-تحديد فترة زمنية لتحقيق الأهداف، فذلك يعمل على تعزيز روح المبادرة وعدم التأجيل والتسويف الذي يعمل في أغلب الأحيان على فشل الخطة الموضوعة. ٨-مكافحة مشاعر القلق والخوف والتوتر من النتيجة وتهدئة الأعصاب والتحلي بالصبر خاصة أن النجاح يحتاج إلى هدوء واطمئنان وصبر، لكي ننال نتيجة افضل. ٩-تحفيز الذات بالطرق المختلفة وتنمية الرغبة الداخلية في النجاح فإن من الاساليب المهمة نحو التقدم هو التفكير بإيجابية: أنا ناجح، أنا أستطيع التقدّم، أنا لا أفشل فهذه القوة الإيجابية تدفعك نحو النجاح. ١٠-الاعتماد على النفس وعدم الأتكال على الآخرين وتعزيز الثقة بالنفس وتقويتها وترويض النفس على تقبّل النقد واحترام الرأي الآخر. ١١-استمثار كافة المواقف الإيجابية والسلبية وتحويلها إلى أسباب مهمة لنتعلم منها ونستنتج منها طرق جديدة تدفعنا للنجاح وتطبيق ما يتعلمه في حياته. ١٢-الانفتاح والتعبير عن الأفكار، سلوك يساعد في التعامل مع الآخرين بسهولة، وعدم الإفراط في تحليل ردود الأفعال والسلوكيات من الطرف الآخر يساعدك في تطوير ذاتك، وجعلك إنساناً ناجحاً ومميزاً. لتطوير الذات أنواع وأقسام مختلفة وهي: ١-التطوير النفسي: وذلك من خلال فهم كيفية التعامل مع الناس وكيفية غرس الثقة بالنفس وتكوين شخصية قوية قادرة على مواجهة الصعوبات والمشاكل وضبط المشاعر والعواطف والسيطرة على الغضب وغيرها من العوامل التي تساعد في تكوين شخص قوي ومتماسك وناجح. ٢-التطوير العقلي: وذلك من خلال تطوير القدرة العقلية عن طريق اكتساب مهارات وعلوم وأفكار، وتنوع مصادر التعلم لتصبح إنساناً قادراً في الدخول في حوارات ونقاشات علمية أو غيرها، لتستطيع أن ترد على من يناقشك في هدفك الذي تريد الوصول له والنجاح فيه. ٣-التطور الاخلاقي: اكتساب سلوكيات وأخلاق جيدة وتطبيقها وممارستها لتصبح إنساناً مميزاً بإخلاقك النبيلة التي أرادها الله منك. ٤-التطور الاجتماعي: وذلك من خلال الاهتمام بالروابط والعلاقات الاجتماعية والاختلاط مع الناس ومشاركتهم في مناسباتهم. ٥-التطور المادي: وذلك عن طريق السعي في اكتساب المعيشة والعمل في الطرق المشروعة للحصول على أموال وتحديد طرق صرفها وتدبير الأمور الاقتصادية بشكل صحيح.

منذ 10 أشهر
2250

صوت العقل وصدى الإرادة

برغم مانشهده من بريق التقدم التكنلوجي الذي يأخذ بالألباب ويخطف الأبصار إلا أننا نلاحظ اليوم وجود أزمة اخلاقية رهيبة، خصوصاً فيما يتعلق بانتشار المحرمات وتفكّك المجتمعات وتمزقها، وذلك لأن هذا التقدم يتحرك بشكل قد لايوافق فطرة الإنسان. إن الله سبحانه قد زوّد الإنسان بالعقل والغريزة والإرادة، على أن الروح والنفس من المتفرعات، فالروح مثلاً تعود في النهاية إلى قوة العقل التي وقف العلم أمامها حائراً عن معرفة كنهها. إن في الإنسان عقلاً وغريزة وإرادة، وهي في صراع دائم، والغالب منها يحدّد سلوك الإنسان. فإذا غلبت الغريزة على العقل والإرادة انحدر الإنسان إلى مرتبة الحيوان وإذا كانت الغلبة للعقل ترقى الإنسان إلى مراتب الإنسانية السامية. وهنا قد يطرح سائل سؤال: لماذا خلق الله سبحانه الغرائز في الإنسان وماهي الغاية من ذلك؟ الجواب: إن الغرائز التي غرسها الله سبحانه في أعماقنا وإن كانت متضادة ومتجاذبة إلا أنها هادفة لأن الله سبحانه حكيم في تدبيره لايخلق الأشياء عبثاً، فكل شئ في هذا الكون خاضع لحكمته وتدبيره وهذا الصراع الذي يحدث هو من أجل التكامل، إذ لاتقدم إلا من خلال هذا الصراع، إن الله قد حشّد هذه الغرائز في داخل الإنسان من أجل التكامل والكمال فقد شاء سبحانه أن يخلق هذا الكائن ليكون مميزاً عن الحيوان وعن الملائكة فلو كان عقلاً فقط لأصبح ملاكاً ولو كان غريزة فقط لكان حيواناً، وبذلك ينتفي وجود كائن حي اسمه الإنسان . إن العقل يُصدر الأحكام ولكن لاتتنفذ تلك الأحكام إذا كانت الإرادة ضعيفة، فلاقيمة لتلك الأحكام بدون إرادة قوية تنفّذها فيخلو الميدان للغرائز التي تُسيِّر الإنسان وترسم له خط سلوكه، لأن العقل عُرضة لهجوم دائم تشنّه الغرائز عليه وهو يحاول أن يدافع عن نفسه وينفّذ أحكامه. فإذا كانت الإرادة قوية فإنها تحمي العقل وتدافع عنه ليصبح قابلاً للتنفيذ . إذن ما هي الإرادة؟ وكيف نقوّي الإرادة؟ الإرادة: هي القدرة والسيطرة على الذات، فهناك قدرات جسمانية وهناك قدرات ذاتية، فتحقّق المراد يكون على قدر على ما أراد تحقيقه وخطّط له بشكل صحيح. إن مايحدث في داخل النفس هو شبه مجلس تخطيط، فالعقل يخطّط ويصدر الأحكام أما التنفيذ متوقف على قوة إرادة الإنسان. إن الهدف من وجود الإنسان لن يتم بدون مزج العقل مع الغرائز. ولكي يكون سيره في محيط الإنسانية عليه أن يتحكم بهذه الغرائر بالاتجاه الإيجابي وهو ماحدّده له الله عز وجل فقط، فلو شذ عنها انحدر من مستواه الإنساني إلى المستوى البهيمي. ولهذا كان لقوة الإرادة والتوجُّه الصائب للعقل الحكم الفصل في تنفيذ ذلك... إن الإرادة تلعب دوراً مهماً في عملية تنفيذ الأحكام التي يصدرها العقل أو في إلغائها. فكيف يمكن أن نقوّي هذه الإرادة من أجل انتصار العقل على طغيان الغرائز وجبروتها؟ نجد الجواب المناسب لهذا السؤال عند سيد البلغاء أمير المؤمنين علي بن ابي طالب( عليه السلام) عندما يقول :(وأيم الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً وتقبل بالملح مأدوماً ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها ،مستفرغة دموعها ،أتمتلئ السائمة من عشبها فتبرك وتشبع الربيضة من رعينها فتهدأ ويأكل علي من زاده فيهجع. ......) نهج البلاغه ج٣ص٧٥ من هذه الكلمة يتبين العلاج لتقوية الإرادة حسب ماذكر سيدنا ومولانا الامام امير المؤمنين( عليه السلام ) وهو :- الترويض للنفس لتقوية الإرادة. لو سألنا الإمام (عليه السلام) وكيف تروضها يا امير المؤمنين؟ فالإجابة عنده موجودة (إنما نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الاكبر). إذن الوسيلة هي التقوى التي تسيطر على الغرائز وتهذّبها والغاية هي الاطمئنان والأمان يوم الفزع الاكبر. إن الغرائز تلح على الإنسان بدليل ماجاء في القرآن الكريم (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)) سورة يوسف. يقع الذنب عندما يقوم الإنسان بفعلٍ بسبب شهواته وميوله خلافاً لما يحكم به عقله وإيمانه وتقابلها نفس لوامة تلح على صاحبها بالدافع الإخلاقي لكي تصبح مطمئنة وهنا يحدث النزاع بين العقل والغرائز. والإرادة القوية النابعة من تقوى الله تستطيع الانتصار، فكل إرادة لاتتغلب على العاطفة والشهوات تنهار وتفشل بسبب ضعفها وقلة إيمانها لأن حالة الذنب هي حالة عدم تملك النفس لذا قال (عليه السلام) في خطبته (ألا وان للتقوى مطايا ذلل )نهج البلاغه الخطبه ١٦ أي أنه يأمر والمطايا تطيع تسير إينما يوجهها دون أن تركل أو تعترض، وعلى هذه القاعدة نستطيع أن نقول إنّ لكل غريزة وظيفتها وهدفها، لاسيما إذا ربط الإنسان نفسه بالتعاليم الآلهيه التي وصلتنا إذ أن هذه التعاليم توجّه الغرائز بطريقها الصحيح الذي رسمه الله لها .

منذ 8 أشهر
2228