نورا كاصد العبودي

جرح أركان الصلاة

بقلم: نورا كاصد العبودي يومٌ تجمع فيه السحب بكثافة لم ير لها مثيل من قبل! ليختفي خلفها نور الشمس مجبرًا.. سكون مطبق يحتل أرجاء الأرض... صمت يخفي بداخله جروح الرياح... ضباب تشكل على سفوح الجبال لا يمنع الرؤيا، لكنه يؤدي دوره في تكتيم خبر ما، شار وقت الضحى على الانتهاء، وها هو وقت الصلاة حلَّ، لكن شيئاً ما قد تغير، حيث إن أركان الصلاة في حيرة، فالنية تبدو خجلة ولا تود الحضور، التكبير يذرف دموع الأسى ويبث حزنه العميق، الركوع، والسجود وقفا بصمت رهيب يقولان: كيف تتم الصلاة والفقد عظيم؟! تساءل كل ما في الكون عن سبب عزوف أركان الصلاة أن تقوم بعملهن، تقدمت النية وبكت مصابها بألم والحسرات تقتلها، قالت: أنحبس الغيث في غيمة، والبحار تشتت ماؤها، وأغبر الكون وأظلم، فقدنا سيدة إن حضرت تجلى عن عفتها كرم الأخلاق، وتسامى باسمها الشرف وصنعت بحكمتها الكرامة لبنات حواء... فقدنا أميرة كانت تلبي نداءنا وتفي بوعدها لنا، فهي أول من تنطق بنا وتعطي لكل ركن منا حقه، بنا تبدأ نهارها وبنا تختتم... والآن نحن من بعدها يتامى! اليوم سيوارى التراب أشرف وأطهر جسد، وسيدفن الكوثر... عم الحزن والخراب هذا الكون فهو يعلم أي جليلة غادرته، إنّ القلوب يعتصرها الألم، تذرف العيون الدموع دمًا بفقد البتول الطاهرة سيدة نساء العالمين.

اخرى
منذ 7 أشهر
274

كيف تتعامل مع الشخصية السلبية؟

بقلم: نورا كاصد العبودي للإنسان مجموعة مشاعر تتولد لديه عندما يمر بمواقف في حياته قد تكون سعيدة أو حزينة مما له الأثر الكبير في حياته، فقد تولد عنده مشاعر الحب والعطف والتسامح وصفات كالوفاء والصدق والإخلاص في العمل والمثابرة إلخ... أو قد تسبب عنده الكره والبغض والحقد وتكسبه صفات كالكذب والخيانة واللامبالاة والإهمال، وعندها سيكون الشخص سلبيًا؛ هي نتاج طبيعي لما قد تعرض له الشخص من أحداث أو مواقف أثرت به، حيث يتغلغل إلى حياته انعدام الثقة والكآبة والعزلة والشعور بالعذاب والقلق والشك، ويتوقع حصول الأشياء السيئة دائمًا، وبذلك تتحقق فعلًا، فالسلبية هي مزيج من المشاعر السامة التي تؤثر بشكل كبير على صحته، وعلى محيطه حيث أن هؤلاء الأشخاص قد يمكن مواجهتهم والتعامل معهم في كثير من الأحيان، ويصعب كثيرًا تجنبهم، وهذا لا يعني أنه إن تم التعامل مع هؤلاء الأشخاص سوف تضطر إلى الشعور بالإحباط واليأس والقلق، ولكن إذا كان الشخص من الإيجابيين لن يسمح لهم بالتأثير على حياته الشخصية، لأن الإنسان الناجح والقوي هو الذي يمتلك القدرة على تجاوز المواقف والأحداث السيئة أو الشعور بالحزن أو الألم فكل تلك العادات والمظاهر السلبية إن لم يقم الإنسان بتجاوزها بالتأكيد فإنها ستؤثر عليه وتنعكس على حياته وصفاته بالسلب. للسلبيين أوجه كثيرة ولكل منهم طريقته في إحباطك وحرفك عن مسارك الصحيح في تحقيق أهدافك، وبناء مستقبلك وتوثيق أحلامك... بل حتى في تعاملك مع الأشخاص من جهة والقضايا التي تخصك من جهة أخرى. إن مرافقة الشخص السلبي يؤثر في تحقيق ما تصبو إليه، لذلك علينا أخذ الحذر وعدم التأثر فيه؛ لأن للسلبية قيودًا وأفكارًا مدمرة، بمجرد الخضوع لقيودها يقع الشخص ضحية للعزلة والانهيار في براثين السلبية، إذ يقف الشخص بمكانه دون تحقيق أي نجاح أو يحدث الأسوأ، قد يتراجع إلى الخلف ومكسبه الوحيد الفشل الذريع لأن هذا ما يتوقعه وبالتالي يحصل عليه. للتعامل مع الشخصية السلبية نتبع الآتي: -الإنسان السوي يستطيع أن يتعامل مع المشاكل التي تواجهه بالرضا والتسليم لقضاء الله (عز وجل)، وبذلك يكون محصنًا لمواجهات أصعب الأفكار والأشخاص ومن الصعب أن يتأثر بالشخص السلبي. -الاطلاع الكثير والتعرف على معظم الثقافات وقراءة الكتب في مختلف المجالات تكسبه الثقافة العالية التي من خلالها يستطيع مجاراة الشخص السلبي وعدم التأثر بكلامه ومن الممكن أن تؤثر إيجابيته بالشخص السلبي. -بث روح التفاؤل والبهجة وتوقع كل ما هو خير خاصة إن كان بجانبك شخص سلبي فهذا الأسلوب من شأنه قتل روح السلبية داخل المقابل. على الجميع أن يبدأ التأمل والتركيز على الأهداف التي يرغب بالعمل عليها، وهذا يقع ضمن مجال الإرادة الشخصية وقوتها لدينا، وما نملكه من قوة في التفكير الإيجابي والتصور العقلي والذهني، حيث يجب أن نتصور بأننا حصلنا في السابق على ما نرغب به أو رغبنا فيه، أو حتى أنه فرض علينا لظرف ما، ومن المهم أن نكون منفتحين على رغباتنا، ولندع شموع حياتنا تتقد بكل بهجة حتى النهاية... واستخراج الطاقة الكامنة لتحقيق أهدافنا فإن ذلك يعني أن كل العوائق التي تقف أمام تحقق رغباتنا ستتلاشى وتنتهي بنا فيها السلبية والأشخاص السلبيين.

اخرى
منذ 7 أشهر
571

الميزان بين يديّ عابدة آل علي (عليه السلام)

بقلم: نورا كاصد العبودي عندما أرخى الليل سدوله، تكالبت عليَّ الهموم والرزايا، حتى القمر كان من الآفلين، وإذا بالدهر يخلعُ لثام البراءة ويُظهِرُ وجهه البائس، المظلم، والحقود... أوصالٌ مقطعةٌ على طول نهر العلقمي، أطفالٌ مُروَّعةٌ، نساءٌ ثكلى ... دماءٌ وصلت أبواب السماء طرقتْها والتصقتْ بجُدرانِها تشكو ما فعله أهلُ الأرض.... شموعٌ أطفئت... أحلامٌ سُلِبت، أمانٍ تناثرت... ورود مذبوحةً على سفوح الطف، لم تغفُ كربلاء منذ تلك الليلة ... ليلة الحادي عشر... عندما سافرت الشمس في قطار الغروب حلَّ الظلام ضيفًا ثقيل الظل، حيثُ رجالنا قضوا وشبابنا عُلِّقت رؤوسهم على الأسنة والرماح، والنساء خرجن يبحثن عن أطفالهن الذين هجّوا على وجوههم في البَرايا من لهيب النيران، حرق الخيام والسلب والنهب كانت هي غنائمُ حرب آل أمية.... كانت قلوبُنا تتلهَّبُ من العطش، والحزن تغلغل في أرواحنا، وسكنها الشجن، ومأساة الطف حاضرة في أذهان كلِّ فردٍ منا... مذهولةٌ أرواحنا، شاخصةٌ أبصارنا من هولِ ما حدث وما هو آت، رائحةُ دماء رجالنا الزكية ملأت أرجاء نينوى، حيثُ حطَّ الموتُ رحالَه على وجوههم الدُريّة، كانت أطهرَ دماءٍ سالت عليها، وأشرفَ أنفسٍ أُزهِقَتْ، وأزكى أرواحٍ ستوارى فيها... ذلك اليوم الذي لا شيء يسودُه سوى كومةُ الرمادِ التي خلَّفها الحرق، والسكونُ بينما القلوب تصرخُ بوجعٍ وأنين لا مُنتهى له. حسراتٌ ممزقةً تُطلقها اليتامى، جوعُ الأمانِ لم يكن هينًا على أولئك الأطفال الذين اعتادوا من أهلهم الحب والحنان، كيف لي أنْ أجمعهم، وهم كالحروف قد ملأوا الأرض عباراتٍ مُدويةً بوجه الباطل صارخةً بالحق... رحيلهم الواحد تلوَ الآخر كان يُبعثِرُ أرواحنا ويبثُّ الحزن بداخلنا، حتى الأطفال قد تعلّقوا بثيابِ قائدهم يريدون نُصرته! أ لهذا الحدّ كنتَ وحيدًا؟! وأنا مثلك الآن وحيدة تمامًا في ليلةٍ يسودُ قلوبَ أطفالك القلقُ والتوتر، انقباضُ الأنفاسِ بات سيّد الموقف، وقلبي يطلبُ منك الحماية فيما أسعى جاهدةً لأنفذ وصاياك. أعددتُ عُدتي واستعنتُ بالله بعدما فوَّضتُه أمري وصرتُ أجمعُ النساء والأطفال كما أوصاني أخي ... وقفتُ بشموخِ أبي أحرسُ عيال أخي وأحامي عن أطفاله الذين ذبلوا كالورود التي تُغرس في غير أراضيها... مرة أندبُ الحسين (عليه السلام)، ومرة أنادي أخي العباس (عليه السلام) أسمع بكاء أطفالهم وعويل نسائهم، ألطمُ الوجه شاكية فقدهم، وأطلب العون من والدي علي (عليه السلام ) ويشتدُّ بكائي والعزاء ...... رأيت ضوءًا يقتربُ مِنّا خفتُ أنْ يكون أحدَ أعدائنا وأقسمتُ عليه بالله إنْ كان يريد الضرر بنا أنْ يكفَّ شره عنا، لكني رأيتُ نجمةً!! نجمُ الميزان كان ناصعَ البياض، ذا هيبةٍ سابقة له، بدا عليه وقارُ النجوم بل كأنَّه القمرُ وسط السماء الحالكة الظلام، فارسٌ مغوار، ألقى التحية على استحياء...... نجمُ عدلٍ فارقَ السماء وهبطَ للأرضِ يبحثُ عن ذرةِ عدلٍ تسودها بعد أن رأى أنَّ الظلمَ غزاها وثبّتَ وتده فيها، يريدُ أن يُسري حكمه ويُذيع أمره، وتغلبُ كلمة الحق على الباطل، وينثرُ آلُ الرسول دُررهم ويبسطوا ذكر الله (جلّ علاه)... ــ قال النجم: لا تخافي أنا هنا لحراستكم هذه الليلة.... ــ من أنت؟! وهل تعلم ما جرى علينا؟! أو إنَّك أحدُ الشامتين بنا؟ ... بينما هي كذلك حتى نادت بصوتٍ يعلوه الحزن وتتفجر منه الآهات والحسرات يا أبا الغوث أغثنا يا علي أدركنا ... وإذا بالصوت من ذلك الشيء المُبهم، النجمُ المُضيء يقول: أنا أبوك علي يا ابنتي ... تعالى صوتها بالنحيب وهي تشتكي قومًا ما رأفوا بحالِ الأطفال ... أيتموهم وهم يعلمون بقربهم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حيثُ قال (جلّ علاه) بسم الله الرحمن الرحيم "قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى" نحن القربى يا أبي، نحن من قُتلنا وحُملت رؤوسُ رجالِنا على الأسنةِ والرماح، نحنُ من رُوِّعنا، وسُبينا، نحنُ بلا ناصر ولا معين. من صبر السيدة زينب (عليها السلام) إعجازٌ، فالإنسانُ يستلهمُ منها (عليها السلام) دروسًا وعِبرًا، والصبرُ يحتاج إلى إعدادٍ روحي، فلِذا وَعَتْ أنَّ الصبرَ يرتقي بها إلى مراتبِ الكمال، وهي العالمة غير المُعَلمة، وهي مِن الذين لاقوا المصائب الجسام وصمدت، وهذا مما يُقوِّي الإيمانَ في قلب الإنسان، والصبرُ مطلوبٌ تربيةً للروح، ولا تستغربْ من الذين يقولون: إن مُصاب السيدة زينب (عليها السلام) أعظم مصاب في الطف؛ لما حصل لها من عِظَمِ المصاب، إذ حملت مصائب الفراق ومصائب جمع العيال، ومواصلة مسيرة الإمام (عليه السلام) بكلِّ صبرٍ وعزيمة، وقيادةٍ ليس لها مثيل.

اخرى
منذ 5 أشهر
216

النفاق

بقلم: نورا كاصد العبودي هو ذلك المرض الذي يتغلغل في قلبِ الإنسان الحاقد، الجاحد لنعمة ربه، يسلك كل الطرق كي يؤذي الناس، حقًا نشفق عليه أحيانًا حيث ستؤول به الأمور يومًا حيث الهاوية بل الخسران في الدنيا والجحيم في الآخرة.... يحسب نفسه أنّه يُحسنُ صنعًا، وهو يزرع التفرقة بين الأحباب والأصحاب، ويشتت شمل الأزواج والأولاد، ويبثُّ سمومه بين الأشقاء والرفقاء، فهو يتشبثُ بعقل أحدهم وينحتُ فيه كما ينحتُ على الحجر من فنونٍ وأشكالٍ مهندسةٍ ومنظمة، كلُّ شائبةٍ يذكرها عبر رسمها بالخيال وربطها بأشياء تدمر علاقته بالشخص الآخر، وكأنّه يرسم لوحةً ستعرضُ بمعرضٍ مهم، يكون التميّز فيه حليف اللوحة الأكثر عدائية، ويلون لوحته ويضع له عنوانًا..... يروي القصص التي تُميت جزءًا من الدماغ وتعمي البصيرة، وتعمل على توغل أعشاش الكره والبغض في الباطن؛ كي يبغض أخاه! ويذهب لقلبِ الآخر يستدرجُ عواطفه ويهيئ له أمورًا تنتقص من شخصيته وتغتال شعوره وتُميت أحاسيسه، يجعل قلبه يئنُّ من تقلصات الحقد. وبذلك يُنغص عليهما حياتهما ويقف على بعد أمتارٍ لينظر إلى الخراب الذي أحدثه، حيث جعلهما يتحولان إلى أعداء، همهم الوحيد التفرد والوصول إلى القمة بشتى الوسائل وإن كان وصولهم موسومًا بسقوط بعضهم البعض! يصفع أحدهما الآخر بالكلمات الجارحة والعبارات المقيتة! يتأذى كلُّ من حولهما بل يعيشوا حربًا باردة! حتى تبدأ الأقنعة بالتساقط بعد مرور شطرٍ من النزاع حيث يُعلن الحق عن حضوره... والهزيمة حينئذٍ لا محال ستكون من نصيب ذلك المنافق.

اخرى
منذ 4 أشهر
116

دموع الأمل

بقلم: نورا كاصد العبودي بعد أن تملّكه اليأس وعاث في حياته الخراب! جاء يطلب العون! بعد ما هجرني بل حاربني ولم يترك لي فرصة، ها هو يعود يقف على بابي من جديد! تأخر كثيرًا لأني لا أقوى الآن حتى على فتح الباب بوجهه! شكلي تغير، قلبي كاد يتحجر! لم أعد أنوي مسامحته! تركته يقف حتى تجمدت ساقاه من برودة الطقس، قلبي أصبح ينبض بسرعة كبيرة لكني ما زلت أشعر أنه يستحق ذلك، هجرني، ورافق اليأس! كيف تذكّرني اليوم وجاء يسأل عني؟ وأنا الذي لم أتركه طوال حياته كنت أسهر معه لياليه الصعاب... يؤسفني حقًا أنّه عاد اليوم! يعلو كلامه الندم! لم أكن أرجو له كل هذا الخضوع والخنوع، دموعي التي تنساب على خدي هذا لأني وقفت بجانبه كثيرًا، لكنه لم يقدر لي كل ذلك الشيء. قد صدقت الحب فيه ومعه، سمعته يردد بعض الكلمات غير المفهومة، اقتربت من الباب ووقفت خلفه لأسمع جيدًا، كان يقول: أرجوك أيّها الأمل أنا صديقك الإنسان طالما كنت لي عونًا يرسلك الله (عز وجل) بعد أن أفقد كل شيء، كنت الجدار الذي اتكئ عليه... جئتك بعدما فتّت اليأس عظامي، أكل سنين شبابي الجميلة أستنفذ قواي، وتملكني الضعف، غزتني العزلة وأخذت التجاعيد تنظم أماكنها في وجهي، وتحفر فيه الندوب، حتى قلبي أصبح مقبرة للأصدقاء والأعداء فهو يقوم بمهمة دفنهم بنفسه بعد كل نوبة خذلان، تعتقت رئتاي برائحة الكذب والنفاق، مجتمع يأكل بعضه بعضًا... كنت أبحث عنك في كل مكان، لقد اختفيت فجأة ومن دون سابق إنذار، لماذا رحلت؟ نعم قد رحلت عندما رأيت اليأس دخل نفسك وبدأ يتغلغل ويحتل كل أركانك وأنت مذعن له ومنصت انسحبت فورًا، أصبح المكان ليس مكاني، والذي آلمني أنك أدخلته مكاني ورحبت فيه ولم تنتبه حتى لرحيلي، كان ذلك الموقف أشبه بالموت البطيء لي.. طردتني دون أن تشعر، أصبحت تؤمن به وتُصدقه فيما يقول... كرهتني وأحببته، تجاهلتني وتعرفت إليه... قتلتني وأنا حي فيك... ذبلت داخلك كورقة ريحان هبت عليها رياح شتاء قاسٍ استندت إلى جوف ضميرك واختبأت فيه... أضعفتني وأنا قوي، قوي جدًا... لا أحب الهزيمة كما تحبها أنت، أصنع نفسي بنفسي وأقاوم كل شيء، كنت أبث فيك الحب وأرسم التضحية وأنتهج طريق الصدق، والوفاء صديقي... لكنك اليوم مجرد يأس لا تملك أي مقاومة كي تحيا... لمَ جئتني؟ وما الذي أستطيع أن أقدمه لك؟ جئت كي أودعك... أين ستذهب؟ وهل أمري يهمك؟ كلا لكني أسأل فقط.... بعد أن أغلقت جميع الأبواب بوجهي كنت أعلم أنك لم تسامحني، سأذهب لأنتحر... صرخت بوجهه بعدما شرعت له أبوابي التي أملأها بكلي... حتى وإن أُغلقت جميع الأبواب بوجهك هناك باب لا يُغلق بوجه أحد أبدًا. أمسكت بيده و وضعت فيها الشيء الذي يزيح همه ويداوي جراحه ويعيده إلى جادة الطريق وقلت له: هذا القرآن اقرأ سوف يصهر جميع مشاكلك فلا شيء يستحق حزنك.

اخرى
منذ 4 أشهر
153

طامورة الظلام

بقلم: نورا كاصد العبودي أنّى للحروف أنْ تصفك أو أنْ تتكلمَ عن عظيم خلقك! جمعتُ حروفي وأوصيتُها أنْ تترجم الألم الذي تكبدتَه في السجون! تساقطتْ أمامي متناثرةً أرضًا، أخذتُ أجمعُها وهي تردد: أضيعُ وأتلاشى لمصيبته! أرغمتُها أنْ تنصاع لأمري وتنفذ ما أمليه عليها، فجالت بما فاض به الخاطر... حدث في قفصِ الانتظار حيث أخذتُ أرنو إلى جدرانِه كيف صُفّت صفًا، لا يدخلُ منها أيُّ شعاعٍ للشمس... ظلامٌ دامس، كنتُ أواصلُ الليل بالنهار بين سجودٍ وركوع ... طلبتُ من السجانِ أنْ يُخبرني بأوقاتِ الصلاة فقط ويحمل لي معه ماءً للوضوء ... وافق وأصبح يحضر لي الماء، وينقل لي خبر شروق الشمس أو غروبها عندما اسأله عنها، لكن قلبي عالقٌ هناك حيث صلاة الليل... يأخذني ظلام الليل إلى الحادي عشر من المحرم كيف جمعت عمتي زينب (عليها السلام) الأيتام؟! كان ظلامه ليس مجرد سواد إنما مليءٌ بالدموع والأوجاع والآلام... أنا تأويني حجرةٌ وسقفٌ وعمتي أحرقوا خيامها، أنا مكبلٌ وعمتي ستُقيَّدُ غدًا وستُساقُ أسيرة! في هذا الظلام كانت تبحثُ عن يتامى الآل كانت تتعثرُ بالجثث، وتجوبُ صحراء الطفِّ تجمعُ العيال... كان الظلامُ يُثيرُ مواجعي... لكن ثمةَ حواراً بينه وبين الجدران لم أستطعْ تمييزه، أواصلُ الصلاة حتى أصلَ صلاة الليل... فأتذكر كيف صلّت عمتي صلاة الليل؟ صلّت بنتُ عليٍ (عليه السلام) صلاة الليل من جلوسٍ، فما عادتْ تقوى على الوقوف، والجيوش تُحيطُ بها من كلِّ جانبٍ، وعقلها تدور فيه الأحداث القادمة، وقلبها يتمزق مما رآه من أهوال وأحداث... لي موعدٌ غدًا مع الجسر كما كان لها موعد مع التل! متشابهٌ ما جرى علينا من أهوالٍ يا عمتي، فهذه الجدران تُحدِّثني ببكائها لحالي. سيدي يا مظلوم.. أيُّها المُكبّل بالسلاسل في قعور السجون، يا صاحب السجدة الطويلة، ليت النداء يصلُ إلى كربلاء حيث جدك الحسين (عليه السلام) فإنها غير بعيدةٍ، يُخبره بما فعل السندي وهارون بسيد العقيدة... غريبٌ يُسقى السم في سجون هارون ... سيوضع نعشك على الجسر حينها يظلمُ القمر وتسقطُ نجمة! سينكسرُ ظلُّ كلِّ شجرةٍ، وسيحدثُ شرخٌ في قلوبِ مُحبيك إلى قيام الساعة... سيدي يا موسى، ليتَ لنا أنْ نتشقق أو نتلاشى... ليتنا نستطيعُ أنْ نخلصك من تلك الزنزانة المظلمة لتنعم بالحرية! ليت لنا سهمًا نُصيبُ به من يحاول إيذاءك... ليتنا نوقدُ أنفسَنا شموعًا؛ كي ننير لك هذا الظلام! بكى الظلام واشتكى: أتحسبُني يا جدار راضٍ؟! أنا مجردٌ من كلِّ شيءٍ، لا أملكُ القدرة لتحويل نفسي، وأني لخجلٌ مما فعلتُ، كنتُ ليلة الحادي عشر ممن لم ينصروا الآل والعيال، والآن لم أقدِمْ على عمل يريح قلب مولاي موسى بن جعفر (عليه السلام)، إلى الله أشكو ضعف حيلتي... ليت لي قلبًا يشعُّ نورًا، ما كنتُ بخلتُ بأنْ أنير تلك الظلمة لإمامي، لكنّي كلي ظلام ... يا مولاي إنْ متُّ يومًا وبُعِثتُ أبدل ظلامي نورًا.

اخرى
منذ 4 أشهر
156

الكفيـــــل (عليه السلام)

بقلم: نورا كاصد العبودي بدا اليومُ مختلفًا، وكأنّه الربيعُ في جماله وصفائه، استيقظتُ باكرًا والتحقتُ بالعمل، حيثُ الجميع مجتهدًا بعمله ويقضي واجبه في الوقت المحدد له؛ لأننا هنا نقوم بتوزيع المهام على جميع الفراشات... انطلقت وأنا مرحةٌ، أتنقل بين الزهور الجميلة بألوانها الزاهية، أجمعُ الرحيق وأتبادل أطراف الحديث مع زميلاتي، لكني لم أشاهد زمردة بين الفراشات أين اختفت؟ زمردة أختي الصغيرة كسولةٌ جدًا، أجدها تبطئ بعملها دائمًا، وتجلس قرب جدتي لتروي لها الحكايات! نتشاجرُ أنا وهي؛ لأنها تترك عملها عليَّ، أنا أحملُ كلَّ شيءٍ عوضًا عنها، تعبتُ كثيرًا منها، فهي لا تلتزم بالمهام الموكلة إليها، سأبحث عنها وأقسم أني إنْ وجدتها سأضربها ضربًا مبرحًا... طرتُ أبحثُ عنها وسألتُ جميع زميلاتنا، لكن لم ترها أيُّ واحدةٍ منهن، دبَّ القلقُ في نفسي عليها كثيرًا، ذهبت أسأل كلَّ الزهور فأخبرنني أنهن لم يشاهدنها منذ الأمس.. جلستُ في مكاني وبكيت كثيرًا، إنها وصية أمي رحمها الله كيف لي أنْ أضيعها؟ وكيف لي أنْ أجدها الآن؟! كيف إنّي لم ألاحظ اختفاءها؟! هذا خطأي، لن أسامح نفسي إنْ حصل لها مكروه... في شدة حيرتي هذه رفعت رأسي إلى السماء ودعوت الله أنْ يدلني طريقها، ونزلت دموعي كأنها أبحر، وجدت كلَّ زميلاتي الفراشات يدعين معي وكذلك الزهور، تعجبتُ من مؤازرتهن إياي وتذكرت جدتي، طرتُ نحوها وأخبرتُها أنّي لم أجد زمردة ... تحيّرت جدتي، لكن أحدى زميلاتي سألتها: يا جدة ماهي آخر قصة قصصتها على زمردة؟ قالت جدتي: قصة الكفيل المدفون في كربلاء... قلتُ: لابد إنها هناك! تابعتْ جدتي أنَّ اليوم ذكرى مولده... أخبرتُ الجميع أني سوف أسافر نحو كربلاء، فمن تأتي معي؟ رحبن جميعًا وطرنا إلى أرض كربلاء فهي ليست بعيدة... وصلنا مدينةً بأسوارٍ ضخمة... هذه هي المدينة .. دخلنا المدينة وقد خلت من ساكنيها وأغلِقت أبواب محلاتها والناس صفوف يمشون بقلوبٍ والهةٍ ومشتاقة، والفرح والسرور يعلو مُحيّاهم، ويحملون بأيديهم أغصان الياس والشموع والبعض يحمل الورود. سرنا معهم سربًا من الفراشات وكُلّما اقتربنا من المكان المقصود هبّت علينا عطورٌ وروائحُ زكية، رغم أني عشتُ عمري كُلَّه أتنقل بين زهور الياسمين والجوري والقداح، إلا أنّي لم أشم عطرًا بطيب هذا العطر...!! سمعتُ الناس يُهنئون بعضهم يقولون: مباركٌ لكم ولادة الكفيل، مباركٌ لكم ولادة ساقي عطاشى كربلاء، مباركٌ لكم ولادة أخ الحسن والحسين وابن علي المرتضى (عليهم السلام). وصل الناسُ مكانًا كأنّه الجنة لم ترَ عيني كجمال هذا المنظر، حيثُ العين تسرُّ بما ترى، وجدتُ الناس وقد تعلقت بشباكٍ ذهبي تبكي وتذرف دموع الألم ...!! تساءلتُ ما القصة؟ كيف يجتمع الفرح والحزن في آنٍ واحد؟ آهِ، لقد نسيتُ زمردة بالكامل، فسرتُ وتعلقتُ بذلك الشباك للمرةِ الأولى، اطمئنُ قلبي وأخذتُ أدعو يا ساكن هذا المكان المعظم والمشهد المكرم يا وجيهًا عند الله دُلَّني بأختي؟ وعرفني بك؟ فإنَّ لك كرامةً عند الله (سبحانه وتعالى).. أحسستُ بشيءٍ يربتُ على جنحي، التفتُّ وإذا بها زمردة تقفُ خلفي، فرحتُ برؤيتها حقًا قبّلتها، وعدتُ لأشكرَ صاحب الكرامات الكفيل (عليه السلام)، لم أعاقب زمردة ولكن بشرط أن تخبرني لمَ الناس هنا يفرحون و يحزنون في الوقت ذاته؟ وما قصة الكفالة؟ ولمَ لُقِّب صاحب هذا المشهد بهذا اللقب؟ وافقت أن تخبرني بشرط أن نبقى أنا وهي هنا في حضرة الإمام (عليه السلام) طوال حياتنا، وافقت بالتأكيد، إذ لن أفرط بفرصة البقاء في هذا المكان ما حييت. السلام عليك يامن غزوتَ بحبكَ كلَّ مخلوقاتِ الكون.

اخرى
منذ 4 أشهر
234

لماذا تُطيل التفكير والله تعالى وليُّ التدبير؟

بقلم: نورا كاصد العبودي نفكرُ لنكون، نفكرُ كي نصنع وننتج، نقرأ ونكتب، نناقش وننفذ، و ننتقد... نكتبُ خاطرة هنا، وقصةً هناك، ونُلونُ لوحةً أعيا الزمان ملامحها حتى طغى اللون الرمادي عليها! نرسمُ الحروف وننتظرُ رؤيتها بأبهى صورةٍ في أعينِ الناس لنراهم يتذوقون كتاباتِنا والبعضُ يأخذُ بما جاءَ فيها... نرتبطُ بالتفكير ونتكئ على جدارِ تدبير الأمور من قبلِ الله (عز وجل)، فكلاهما يرتبطان ارتباطًا روحيًا ليصلا بنا إلى طور المُتألقين ... التفكيرُ رصيدنا من الحياة؛ كي نصنعَ به أحلامنا، و نُدونَ أهدافنا، ونغرسَ بذورَ نجاحِنا، ولو في أرضٍ جرداءٍ، ونرسمُ الأماني على طولِ طريقِ الأمل ... سيزهرُ حتمًا، وفي آخر المطاف نفرغُ جيوب التفكير ونتركها ليُدبِّر الله تعالى أمرنا، فهو الذي يحمل الثقل عن كواهلنا، ويجمع شتات تفكيرنا، مهما تبعثر فينا الرأي، ويشدّ على أيدينا.. قد يسوءُ تفكيرنا وقد يصلح لكني أعترف أنَّي أطلب التدبير منك يا رب، أنا سيءٌ إلى أبعدِ الحدود... وكأنَّ التفكير اختبارٌ مدرسي نُنجزه وننتظر حصولنا على الدرجات التي هي بمثابةِ تدبير أمورنا، فهو (سبحانه وتعالى) يقفُ بجانبنا ويُدبِّرُ ويصلحُ أمورنا ويُهيئ لنا الأسباب ويُرشدنا نحو الصواب.

اخرى
منذ 3 أشهر
185

أبطالُ الميادين

بقلم: نورا گاصد العبودي تجدهم عبر الأزمان بين غُبارِ الذاكرة وصحوةِ الحضور... يتلألأ ذكرهم كما النجوم... ترابُ أقدامهم شرفٌ... وتاريخُهم الحافلُ بالمُنجزاتِ فخرٌ وعز... بهم نتباهى بين الخلق ... فهم القدوة... ووجودهم مصباحُ نورٍ يُضيء عُتمةَ الأيام القادمة... فكُلّما تعثرت بنا الحياة استندنا على جدارٍ بناهُ لنا مرجعٌ عظيم... وعدٌ حقٌ ذلك الذي قطعوه له على أنفسهم عندما لبّوا دعوى الجهاد الكفائي، وأقسموا أنْ يوفوا بعهدهم متى ما احتاجهم الوطن ... وفي كلِّ الأزمات سيكونُ هناك رجالُ المهام الصعبة، تشهدُ لهم صور إخوانهم التي ملأت وادي السلام! هم رياحٌ عاتية ليس لها قرار تمحو حتى الآثار، هبّوا ظهرًا بعد الصلاة للدفاع عن الأرض وصيانةِ العرض... هؤلاء من زلزلوا البلاد تحت أقدامِ داعش ومن ولّاهم، واليوم هم حمامةُ سلامٍ بيضاء انطلقوا مع فتوى التكافل غير مُبالين بالمنايا! يواجهون شبحَ الوباء بكلِّ هِمّةٍ وشجاعة، ذلك الوباء الذي أعجزَ دولًا ذات عظمةٍ وسيادة وأرعب مدنًا عن بكرة أبيها... هم حشدٌ ... هم بعينِ الله ... اللهم سدِّد خُطاهم وخُطى مرجعنا العظيم ... إنَّك سميعٌ مجيب.

اخرى
منذ 3 أشهر
140

حدّثني الليلُ عنك

بقلم: نورا كاصد العبودي حدّثني الليلُ عنك كثيرًا... قال لي: إنّك عابدٌ تقضيه كُله ساجدًا كجدك محمد (صلى الله عليه وآله)، و زاهدٌ في كلِّ شيءٍ، تمنحُ الحبَّ لكلِّ ما خلق الله، وتنشرُ أمانًا بحجم الكون! وتنتظرُ أنْ يشعر الناس بوجودك ويعملوا ويجتهدوا في سبيل رؤياك... قال (تعالى): "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"[النحل ٩٧]. فأصبح كلُّ همي أنْ أنزع شرنقة الليل عني، وأنتظر رغم محاولات الليل خنقي، وكلّما همَّ جسدي بالسقوط يحتدم في قلبي الصبر وأقاوم ... أخشى أنْ أسقط في هاويةِ الليل فلا يجدني أحدٌ ... فأتيه في ظلامه وأعود وأثبت... أسرقُ لحظاتٍ منه لأنتشر بسرعةٍ فائقة ... أنا الفجرُ يا مولاي، يُبعثِرُني الشوقُ حتى ألوذ بجدارِ الصمت وأنتظر قدومك وأخاف أنْ يتلاشى ويختفي عمري الصغير بين ظلام الليل وسطوع شمس النهار! فبين الاثنين حكايا وقصص وعبادات شتى... فالشمسُ أقوى مني تقتلني وتتغلبُ عليَّ دومًا ...أرتشفُ المُرَّ منها ... وشعاعها يُطوِّقُ رقبتي ... حتى تبلغ تنهيداتي مُنتهى مسكن الغيوم ... لكن راودتني فكرةٌ رائعة: سأرسم حروفَ اسمك على كلِّ وردةٍ تتفتح لي وكلّ قطرةِ ندى تسقط، ستسقط تنادي الفرج، وسأوصي عصافير الكونِ بأنْ يُرددوا اسمك ... لن أكتفي، سأجعلُ اسمك يُرددهُ المؤمنون بعد كلِّ صلاةِ فجرٍ ... وفي يوم الجمعة سيُرتلُ الناسُ دعاء الندبة حتى شروق الشمس .... رغم علمي بأنْ الليل والشمس سيُصدران مذكرة اعتقالٍ ضدي ويُقرران نفيي إلى بلدٍ لا يبزغ فيه فجر! أينما أكونُ سأنتظرُ أنْ أحظى بشرفِ لُقياكَ حتى تُشرق على ثغري ابتسامة النصر ... اللهمَّ عجِّل لوليكَ الفرج.

اخرى
منذ 4 أشهر
118

الأمــلُ طبيـبٌ

بقلم: نورا كاصد العبودي عند منعطف الأزمات رُبما يخذلك حتى الكلام، لكن قلمي إلى الآن معي لم يتركني، أمسكتُ به ودوّنتُ آخر صفعةٍ كانت مؤلمةً جدًا عندما تركني الأحبة وانصرفوا عند باب المشفى! إنّه الحجرُ الصحيّ، بعدما رافقني المرض احتلَّ حتى أجزائي الصغيرة، فعلّقتُ أحلامي عن العمل، وآمالي تحتضر، ومات حبي للتفاصيل الجميلة كقراءة الكتب وقهوتي المميزة وورودي التي كنتُ أحبها كثيرًا، أصبحتُ جثةً أتنفس! سؤالٌ وحيدٌ بات يخنقني، فسألت إحدى الطبيبات: ــ إنْ مُتُّ، هل ستُحرقون جثماني أم ستُلقونه بدجلة؟ فأنا بكيتُ ألمًا لما سمعت ... لم تُجبْ، واكتفت بنظرةِ عطفٍ، ومرّرت يدَها فوق رأسي وانصرفت، كنتُ أودُّ أنْ تُسدي إليَّ معروفًا بعد موتي، أردتُها أنْ تضع وردةً على قبري، لم تمر سوى لحظاتٍ حتى عادت الطبيبة تحملُ بيدها وردةً وكتابًا! وجلست إلى جانبي، وبدأت تقرأ لي عن الأمل والتفاؤل ثم أطبقتِ الكتاب وقالت: ــ سأقصُّ عليكِ قصتي؛ فحياتُنا باتت تُمثِّل رواياتٍ عظيمة! أنا يا عزيزتي منذ شهر ونصف لم أرَ زوجي وأطفالي، حبيسة مثلك تمامًا، أحيانًا ما أنتظر دوري معكِ، فلا أعلم إنْ كنتُ مُصابةً أو انتقلت لي العدوى! وأخرى أنا على ثقةٍ تامةٍ أنَّكِ ستشفين تمامًا، وتعودين إلى حياتكِ السابقة، وأنَّ المرض لن يصيبني وسأغادر هذا المكان وأحتضن أطفالي من جديد، فأنا مؤمنةٌ بقضاء الله (عز وجل) حيثُ قال: "قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"(التوبة(٥١)). سنبذلُ كلَّ ما في وسعنا لمعالجتكم، نظرتُ إلى النافذة، وإذا الأمل فراشةٌ صغيرة حطّت على غصن وردةِ الربيع، حقًا أنتم الأمل!

اخرى
منذ 3 أشهر
135

نـصٌ تمــزَّق!

بقلم: نورا كاصد العبودي وتُشيحُ الطفلةُ الصغيرة في داخلي عن الثرثرة، تصمتُ فجأةً؛ لتنثرُ الأشجار أوراقها بعذرٍ وقحٍ كحلولِ موسم الخريف مثلًا! ملأتُ سلّة حياتي بصورٍ من الذاكرة مسروقة، حتى ذبلتْ بانتظارِ الأفضل! وضعتُ أحلامي داخل قارورة، ورميتُ بها إلى البحر رجاء أن تتحقق! ولكن، لم يتحقق شيء! وبعد حينٍ، أخذتُ أرمِّمُ باقي الخدوش التي أحدثها انهيار الجدار الذي طالما اتكأتُ عليه، نفدت كلُّ موادّ الترميم، ولم يترمم شيءٌ! حتى الجدار لم يعد صالحًا! مساءاتي على وشك الانتهاء، تنتظرُ آخر نبضٍ! لا أحدَ ينتظرُ في الخارج كي يُخبره الطبيب: فقدنا المريض! قلبي يُسطِّرُ لي كلَّ هذه الأحاديث، فهذه من أساطير قلبي البالي، حتى حطَّت أمامي حمامةً بيضاء، قطعت كلَّ الذي بيني وبين قلبي من حديث، وأسدلت الستار عن مسرحية لمدة خمسِ دقائق! كان أبطالها أربعة: أولهم يرتدي بدلة بيضاء، والآخر حمراء، والثالث يشبهني كثيرًا، والأخير يدٌ تخطُّ على ورقٍ! صاحب البدلة الحمراء يضربُ الشخص الذي يُشبهني من كلِّ جانبٍ بلا رحمة! أما الشخص الذي يُشبهني فكان فاقدًا للأمل، يولولُ ويندب حظّه كثيرًا ويقول: ــ لِمَ اختارني أنا من بين الجميع؟! حتى انهارت قواه وسقط أرضًا، ورغم ذلك ظلَّ صاحب البدلة الحمراء يضربه بقوة! والآخر لا ينفكُ يلعن نفسه والقدر، وكانت اليد مستمرةً في الكتابة، وأما صاحب البدلة البيضاء فإنَّه يراقب فقط! أخذ الشخص الذي يشبهني يلفظ أنفاسه الأخيرة! فهو سيغادر الحياة بعد قليل، وإذا بالسماء تمطر، فتحرّك صاحب البدلة البيضاء أخيرًا وهمس في أذن الشخص المُلقى على الأرض (شبيهي) وقال له: ــ فوِّضْ أمرك لله تعالى. فبكى الشخص الذي يشبهني، وذكر ربه، عندئذٍ هرب صاحب البدلة الحمراء من فوره وهو يصرخ، وأما اليدُ التي كانت تكتب فمحت سجلها وقلبت ورقةً بيضاء جديدة. أيُعقل أنَّها محت حياةً كاملة وبدأت حياة جديدة؟! نهضتُ مرعوبًا، الحمد لله، إنَّه حلمٌ بل إنذار، كلا على الأغلب إنَّها بشرى؛ فشيءٌ انتهى وشيءٌ على وشك أنْ يبدأ، استغفرتُ ربي واستعنتُ به وفوّضتُه أمري. حتى وان أصابك الملل والكسل، لا تستسلم أبدًا لوساوس الشيطان؛ فالحياةُ لا تتوقف عند أشخاصٍ، أو نقطةٍ معينة، بل هي في تغيُّرٍ دائم، وهذه من نعم الله (سبحانه وتعالى). استعن بالصلاة والذكر فهما كفيلان بمحو سيئاتك، ويباعدان بينك وبين من يضمر لك سوءًا، يُخرجانك من ظلمات الغفلة إلى نور الحقيقة، والهداية، والصلاح. لا تقنط من رحمةِ ربِّك فهو الرؤوف الرحيم، قال الله (سبحانه وتعالى): "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"(الزمر 53). اترك كلَّ شيءٍ لله (عزَّ وجل)، وسترى كلَّ شيءٍ من الله (جل ثناؤه) أفضل.

اخرى
منذ 3 أشهر
138