النّجمة التي ولدت الشّمس

بقلم: زينب سامي _أتدري عن نخاس قدم من المغرب؟ _لا. ولكن الإمام الذي كان يعلم علم الأولين والأخرين؛ قال لهشام: لقد جاء فهيا بنا. كان هشام طائعًا لإمام زمانهِ فلم يسأل: كيف؟ ولماذا؟ بل أخذ فرسه واتبع الإمام كما يتبع الفّصيل أمه. إنّ الارّهاصات تنبئ أنّ الأرض تتهيأ لحدث عظيم، قد اقترب الوقت إلى تهيئة الوعاء الذي سوف يحمل نور الإمام الثّامن، ولكن أنى لهذا الأمر أن يحدث بسهولة! فولادة صبي كالشّمس المشّرقة؛ صبي كان يتوق جده للقائهِ، ولكن السّم كان سريعًا فأخذ حياته راحلًا، وفي قلبهِ أمنية أن يلتقي بعالم آل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين). هذا الصبي لا بد أن تكون لهُ أم لامثيل لها؛ لأنه سوف يكون أبًا لأربعة أنوار آخرهم قائم هذهِ الدّنيا؛ فالاختيار يجب أن يكون دقيقًا لأن والده يمهد للقائم باختياره الصحيح؛ يمهد للدنيا بعهد جديد؛ اختيار ستبقى الاجيال بسببه بخير ونعمة. الله تعالى لم يترك عبدهُ حائرًا، ولم يرهقه من أمرهِ فقد أعانهُ، وهو خير معين. سار الإمام مع هشام نحو نخاس جاء من بلاد المغرب يحمل جوارٍ؛ حتى إذا بلغ مطلع المكان؛ طلب الإمام موسى (عليه السلام) من النخاس أن يعرض عليه الجواري فعرض عليه تسعة من الجواري وأخفى النّجمة العاشرة لنفسه. كان الإمام يعرف أنّ النّجمة التي جاءت من بلاد الْمغرب هنا لدى هذا النّخاس، ولكنه أبى أن يعطيها للإمام فتركه الإمام ورحل. حتى جاء صباح الغد فأرسل الإمام هشام كرة أخرى إلى أن بلغ المكان فحدّث النخاس عن المبلغ الذي يريده مقابل تلك الجارية؟ أدرك النّخاس أنّ هذه النّجمة لن تكون لهُ مهما حاول؛ فهي خُلقت لتكون زوجة لرجل لا مثيل له؛ وهي فرصة عظيمة ليطلب ما يشاء من ثمن يسد به طمعه فطلب النخاس قيمة مرتفعة مقابل أن يهبها له. فقبل هشام طمع النّخاس بالمال و قد ابتاع تلك النجمة الغالية الى الإمام. وزفت النّجمة إلى النّورِ وتم الزّواج وتحققت نبوءة الكتابية التي قالت للنخاس اثناء ما كان يسير بها نحو المدينة (...ما ينبغي ان تكون عندك، إنّ هذهِ الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض، ولا تلبث عنده إلّا قليلًا حتّى تلد منهُ غلامًا يدين لهُ أهل المشرق والمغرب). وقد أصبحت النّجمة التي قدمت من بلاد المغرب عند أكمل النَّاس في ذلك الزّمان وأتمهم، وتم اللّقاء بين خير أهل الأرض وأفضل نساء أهل زمانها، امرأة اجتمعت بها عفة مريم وحياء ابنة شعيب ونقاء سارة وهاجر وصبر آسيا، كل هذا من أجل أن تكون وعاءً طاهراً لتلد للدنيا نورها الثّامن. وما لبثت إلّا قليلًا، وها هي ترى آثار الحمل وتسمع وليدها وهو يردد في بطنها التسبيحِ والتهليل والتحميد، فيرهبها ذلك ويفزعها؛ فكيف لصبي أن يتكلم وهو ما زال في بطنها؛ وما تلك إلّا إشارة إلى أنه سيكون صبياً عظيماً لا مثيل له. ومرت أيّام الحّمل ووضعت النّجمة وليدها، وقع واضعًا يديهِ إلى الأرض رافعًا رأسه للسماء... ودخل الأب ليهنئ الأم الطّاهرة ويقول "هنيئا لكِ يا نجمة كرامة ربكِ" ثم أخذ وليده وقام بمراسيم الْولادة له بعد أن اختار له اسم "علي" تيمنًا بجدهِ أمير المؤمنين (عليه السلام) وأعاده إلى أمه كي تقر عينها وتسر نظرها بكرامة ربها. _____________ روى هشام بن أحمد قال: أبو الحسن الأول -هو الإمام موسى- هل علمت أحدًا من أهل المغرب قدم؟ قلت: لا فقال (عليه السّلام): بلى قد قدم رجل فانطلق بنا إليه فركب و ركبنا معه حتى انتهينا إلى الرجل فإذا رجل من أهل المغرب معه رقيق. فقال له: اعرض علينا فعرض علينا تسع جوار كل ذلك يقول أبو الحسن: لا حاجة لي فيها ثم قال له: اعرض علينا فقال: ما عندي شيء فقال له: بلى اعرض علينا قال: لا واللّه ما عندي إلّا جارية مريضة فقال له: ما عليك أن تعرضها فأبى ثم انصرف (عليه السّلام) ثم انه أرسلني من الغد إليه فقال لي: قل له: كم غايتك فيها؟ فاذا قال: كذا و كذا- يعني من المال- فقل: قد أخذتها فأتيته فقال له: ما أريد أن انقصها من كذا- وعين مبلغًا خاصًا- فقلت: قد أخذتها وهو لك فقال: هي لك ولكن من الرجل الذي كان معك بالأمس؟ فقلت: رجل من بني هاشم فقال: من أي بني هاشم؟ فقلت: من نقبائهم فقال: أريد اكثر من هذا فقلت: ما عندي اكثر من هذا. فقال: اخبرك عن هذه اني اشتريتها من أقصى المغرب فلقيتني امرأة من أهل الكتاب فقالت: من هذه الوصيفة معك؟ فقلت: اشتريتها لنفسي. فقالت: ما ينبغي أن تكون عند مثلك ان هذه الجارية ينبغي ان تكون عند خير أهل الأرض فلا تلبث عنده إلّا قليلا حتى تلد منه غلاما يدين له شرق الأرض وغربها قال: فأتيته بها فلم تلبث عنده إلّا قليلًا حتى ولدت له عليًّا. ................. جميع ما ورد في القصة استخلصته من روايات ذكرت في كتاب منتهى الآمال الجزء الثاني فصل حياة الإمام الرضا (صلوات الله عليه وَعَلَى آبائه)

القصص
منذ 6 أيام
117

بيدهِ المُباركة

بقلم: عُلا حُسين دون تأخير، الكُل اجتمع عند الوقتِ المُحدد.. وقوفهُم وترتيبهُم ذكّرني بِمسيرة أربعينية الإمام الحُسين (عليه السلام) حيثُ كانوا يعملون ويسيرون بِهيئة مواكب، نساء ورجالاً، شباباً وشُياباً، وحتى الأطفال، المُختلف أن المسير لم يكن يضج بِصوت الرواديّد بل كان صوت شخص واحد يقرأ والجميع يُردد والدموع كَلحنٍ تُردد معهُم، رُبما لم يكن هُناك داعٍ لرفع تلك الرايات لكن المغزى هذهِ المرة كان مُختلفاً، كان الجميع في ذهولٍ مما يحصل تحت أرجلهُم إذ بِمُجرد مسيرهم خطوات، الأرض تكسوها الخضرة! تحول الطريق من صحراء قاحلة إلى طريق يملأه الخضار ورائحةُ الورود الرائعة، يفوح عطر الوردة المُحمديّة في جميع الأرجاء، حتى السماء كانت تسير معهُم تستمد السَكينة من قلوبهم المُطمئنة، العروش الناصبة كانت مُهدّمة بأكملها والأثار المُتبقية تختفي بمرور المواكب التي بدأت تتوافد من جميع بُلدان العالم والعدد بدأ ضخمًا مُهيبًا.. وصلنا المدينة والرايات تُرفرف بأيدينا وكأنها كانت تنتظر هذهِ اللحظة مُنذُ أمدٍ بعيد، بعد زيارة المسجد النبوي ذهبنا إلى الهدف الأول المقصود، إلى أرض البقيع المُقدسة، وأيُّ أرضٍ كانت، الترابُ يملأها مُبينًا أن لا زائر مَر من هُنا منذُ قرونٍ، تقدمَ صاحب الدولة المهدويّة ووضع يدهُ المُباركة على قلبه الشريف وقال: السلامُ على أئمة البقيع، ثُمَّ خلع نعليه وجلس على الأرض قُربَ تلك القبور يندبُ أصحابها، بدأ بزيارة العم الغالي الحَسن المُجتبى، ثُمَّ استرسل في زيارة الأجداد السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام)، وأيُّ زيارة كانت وكأنهُ فقدهُم للتو! يضجُ المكان بالصراخِ والعويل فكيف بنا أن نُفرغ أشواقنا وأشواق من وافاهُ الموت ولم ير هذهِ اللحظات بدون البُكاء؟ قام الإمام مُشمرًا عن ساعديه للبدء في تشييد القبور وتحويلها إلى جنة مُصغرة تلجأ إليها النفوس لِتأنس بها.. الجميع ينتظر أن يُناديهُ الإمام بِاسمه ليخدمهُ بعينه، مرت ساعاتٌ وكأنها ثوانٍ، لم يشعر أحدٌ بشيءٍ من التعب وذلك لأن الكُل قد ساهم في البناء بِمهنتهِ وهِوايتهِ، حتى ذاك الشاب الذي انخدش بيده ركض الطبيبُ بحُب إليهِ فرحًا أنهُ سَيخدم أيضًا، أما النساء فباشرنَّ بِطهيّ الطعام في مضيف أئمة البقيع الذي تمَ بناؤهُ للتو، إلى أن حان موعدُ صلاةِ الظهر، تسابق الجميع إلى الوضوء للصلاةِ جماعةً خلف إمام الزمان، بينما كانوا يتسابقون جاء الإمام بخطواتٍ هادئة وسَبقهُم أجمعهُم، نفضَ ثوبهُ فَتساقطت جميع ذرات الغُبار العالقة بثوبهِ، وفاحت رائحة المسك حول الجميع، أما قطراتُ ماءِ الوضوء فكانت تنزلُ من يديهِ الشريفتين بأحلى وأنقى ما يكون وكأنها لؤلؤٌ منثور .. وقف بطلتهِ البهية وأذن أذان صلاة الظهر.. واخيرًا: أشهدُ أن عليًا وليُّ الله، لأول مرةَ بعد مرور العديد من القرون. تهيأ الكُل للصلاة جماعةً في أرض البقيع تحت أربع قُبب وخلف الإمام، لم تكن صلاةً بل تحليقًا في سماء الحُب، تحلقيًا يملأهُ الخشوع والاشتياق، بعدها جلسوا لِيستريحوا ويرموا بتعبِ الأيام بالجلوس في محضره و النظر إلى وجهه الزكيّ، لا زال الأطفال يلّتفون حول الإمام أينما رحل، يبدو أنهم تعلّقوا بتلك الفراشات التي تُحيط به و رُبما وجدو الراحة في كلامه وملاطفته لهُم! بدأ كلامه بنظرة تغوص في داخلها العديد من المعاني، فقط من نظرتهُ تلك بدأ الجميع بالبُكاء.. يبدو أنهم قد علموا معناها ألا وهو الاشتياق.. تحدث عن المرحلة التالية أين سَتكون؟ وكانت المُفاجأة للجميع، أنهُ حلم الشيعة المُنتظر هو القادم! بعدها تكلّم عن تلك الليلة التي هُدم فيها البقيع وكأن أرض البقيع بدأت تئنُ وهي تسمع وتتذكر ما قد جرى عليها، تبثُ آلام الأيام و السنين في محضرِ الإمام.. أتم كلامه بِشَكرِ كُل شخص بِاسمه وذكر أسماء الأشخاص الذين كانت كُل نواياهُم وأملهُم أن يدركوا هذا اليوم، لكنهُم لم يوفقوا.. قام الجميع إلى حيث مُضيف أئمة البقيع وروائح الطعام أروع ما يكون، أمّا الحمام فكان يُرفرف بأجنحته حول القُبب فرحينَ بأن أرضهم التي اعتادوا أن يبقوا فيها قد أزهرت بوجودِ أصحابها -هتف أحدهم أين الإمام؟ -جاء الصوت؛ هلموا بنا لِأُريكُم قبر الجدة والسيدة الجليلة فَاطِمة (سلام الله عليها) انطلق الموكب مُسرعًا، كأيتام لرؤية قبر حبيبة قلوبهم أمهم المفقود قبرها، يرتمون على قبرها ويبثون أشواقهم، لِيستنشقوا عبير تُراب القبر، حينها ستبدأ الزيارات إلى العتبة الفَاطِميّة المُقدسة .. حينما يدق الشوق في قلبك ولا حيلة لديك، عليك أن تذهب بروحك إليهم.. سَيأتي! سَيأتي إمامُ العصرِ ويبني أرضَ البقيعِ المُبارك بِيدهِ المُباركة..

القصص
منذ أسبوعين
71

سجـــدةُ العشــــق

بقلم: منتهى طالب الموسوي لطالما رأيتُ أمّي تسجد خاشعةً متمتمةً بحروفٍ عشقتها؛ لأنها تداعب أوتار قلبي الذي فُطر على حُبِّ الحسين (عليه السلام) .. الحروف تخرجُ من قلبها حاملةً صدق مشاعرها وتوسلها لله (تعالى) أنْ تكون ممن يشفع له الحسين ويثبت له قدم صدقٍ مع الحسين (عليه السلام) وأصحابه الذين بذلوا مُهجهم دونه (عليه السلام). فأسأل نفسي: ماذا تعني أمّي بقدم صدقٍ؟ أهي الوقوف مع الحسين؟ أم هي الشفاعة؟ أم هي أنْ تكون من خدمة الحسين؟ أم ماذا؟ ارتديتُ إحرامي وتعثرت بخجلي وجلستُ بقربها وهي تقرأ الزيارة منتظرةً سجدة العشق تلك لأسجد معها علّني أجدُ إجابةً لسؤالي .. فترنمت حروف الزيارة من قلبها العاشق الذي روّاني عشق الحسين، وانحدرت دموعها متلألئةً على وجنتيها الذابلتين من تعب السنين .. ووصلت إلى ذلك السجود وتجمّعت أحاسيسها وتنهّدت وقالت: اللهم لك الحمد حمد الشاكرين لك على مصابهم ....الحمد لله على عظيم رزيتي ... فقلت في نفسي حمدًا على عظمِ الرزية! أوليس نحنُ من شيعتهم وحزننا لحزنهم وفرحنا لفرحهم كما علّمتني أمّي وأتمّت بأنفاسها الوالهة: اللهم ارزقني شفاعة الحسين يوم الورود، وثبِّت لي قدم صدقٍ عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (عليه السلام). فتنهدتُ وقلت: يا رب ثبِّت لي قدم صدقٍ عندك مع الحسين وعرفني ذلك القدم … وما إن انتهت أمّي سألتها عن ذلك القدم وكنت متيقنةً أنها سوف تأتيني الإجابة؛ لأني أعلم أنَّ الحسين عليه السلام سوف يجيبني على لسان أمّي … قالت: يا بنيتي، قدم الصدق هو ثبات المؤمن على صدق النصرة للإمام الحسين (عليه السلام) بالقول والفعل من خلال أعماله وسيره حسب نهجه (عليه السلام)، وشريعة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) بالورع ومحاسن الأخلاق، وأنْ لا تؤثر به شبهات أعداء الدين والمذهب، بل يجب أنْ تكون عقيدته ثابتةً ومنها يتبلور عمله، وأن لا يُحزن قلبه وقلب ولده الحجة (عليهما السلام) باجتراح المعاصي، وبثباته هذا إنْ شاء الله تعالى ينال الشفاعة. فالمؤمن عندما يدعو بأنْ يجعل الله تعالى له قدم صدق مع الحسين عليه السلام، هو يطلب العون من الله (تعالى) أنْ لا يخذل الحسين عليه السلام مثلما خذله الكثير عند قيامه لنصرة الحق حين خرج للإصلاح في أمة جده (صلى الله عليه وآله) ولم يثبت معه إلا أصحابه وأهل بيته (عليهم السلام)، الذين خلدهم الله تعالى معه ووصفهم الإمام المعصوم بأنَّهم أصحاب الأقدام الثابتة على الصدق والإخلاص بقوله: "اللهم ثبِّت لي قدم صدق…". فهم لم تؤثر بهم الشبهات ولم تغير عقيدتهم انحرافات الأعداء. وهم الأبرار الأخيار. وجاء وصفهم على لسان الحسين (عليه السلام): " فإنّي لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهلَ بيتٍ أبر ولا أوصل من أهل بيتي" فقلت: يا أمّي ذاك زمانٌ بعيدٌ وله أهله. فأجابت: لا يا بنيتي، إنَّ الحسين عليه السلام قالها بصوتِ الحق ووضع بهذا القول أساسًا ثابتًا لنصرة الدين الحق في أيِّ زمانٍ ومكانٍ، قالها ليزيد (عليه اللعنة) عندما أرسل له جلاوزته فردَّ عليهم الحسين (عليه السلام): "مثلي لا يبايع مثله"، وهذه رسالةٌ موجهةٌ إلى كلِّ مؤمنٍ غيورٍ أنْ لا يركن إلى الظلم والفساد. ونداؤه في يوم عاشوراء الذي ظلَّ مدويًا يستنهض الأجيال لنصرةِ الدين الذي ضحى بنفسه وعياله من أجله. فكم من طائعٍ لهوى نفسه انحرف عن نهج الحسين عليه السلام وزلّت قدمه واتبع هواه وسار في طريق الفاسدين والعياذ بالله. والآن أ علمتِ ما هو قدم الصدق؟ هو الثبات على ذلك النهج القويم الذي حفظه الإمام الحسين (عليه السلام) بدمه الطاهر، لكي نحظى بالشفاعة .. فما كان مني إلا أنْ سجدت لربي شكرًا؛ لأن الحسين (عليه السلام) في قلبي، وذلك من فيض رحمة ربّي، ومن حُسن تربية أمّي #_اغرسي_عشق الحسين_بقلوب أولادك #_وثبِّت لي _قدم صدق

القصص
منذ شهر
358

رغمَ أنفِ الزمن، يبقى الأمل.. فلنحيَ بالأمل

بقلم: فاطمة فاضل مجيد على وفاءِ جرسِ تنبيهِ الساعة أستيقظ كلَّ صباح، أغسلُ وجهي، وأرتدي ملابسي، وأحمل حقيبتي، أجري مسرعةً؛ لأحتضن أمّي، هذه هي تحيةُ الصباحِ الخاصة بي لوالدتي، فتبادلني بالحضن. وأقبل جبينَ والدي، ذي العينين الناعستين. أغلق الباب على عجلٍ وأجري مع أنَ الوقت مبكرًا، لكن ما في داخلي من النشاط لا يسمح لي بالتباطؤ في سيري. أصل إلى صفي وأجلس في مقعدي وبجواره مقعدٌ يتيم مهلهل، اعتقادي يقول: إن شدة الحرارة المنبثقة من الحيوية التي سبحت في دمِ عروقي، تخشى الفتيات أنْ يحترقنّ بها، لاسيما وقد أحطنَ أنفسهنَّ بحطبِ الحسد. لا بأس، لم يُثِر ذلك في نفسي أي انزعاج، يجري اليوم وأسابقه باجتهادي، وتمجيد المعلمات إيّاي، ومساعدتي لمن تحتاج العون. قد أكون جالسةً لوحدي لكن طابع الفتاة المنعزلة ليست من صفاتي. مرّتِ الأيام والشهور والسنون ومعها وصلَ عمري إلى الثامنة عشرة، مع مضي ما مضى ووصولي لما وصلت، لم يحلُ لي إلا أن يأتي يومٌ أصبحُ فيه أنا صنديدة أقراني. ذات يومٍ كنت عائدةً من المدرسة الإعدادية في الواحدة والنصف ظهرًا، ومع اقترابي للبيت يعلو صوت سيارة الإسعاف، بوصولي رأيتها فأيقنتُ أنَّ أمرًا حلَّ بدارنا، جريتُ مسرعةً منادية: بابا...ماما .. وإذا بي أرى نقالة الإسعاف تنقلُ جسدَ إنسانٍ وتخرج من مطبخنا، اقتربتُ إليها وإذا بأبي يُمسكني من رسغ يدي وبقوة يحتضنني. ــ بابا........ أين ماما؟ لم ينبس أبي ببنت شفة، لا تتكلم يا أبي، فدموعك والضياع والخوف في نفسي يضطرمُ تكفي لأعرف! لقد توفيت والدتي بغتةً، لتكون ولادتي أنا جلية... مضت أيام التعزية ومواساة الأقارب إيّانا، فأصبح البيت خاويًا كقلبي لا يفترق عنه إلا بوجود الدم. أستيقظُ وأنام وصورتها لا تفارق عيني، وحيوتي قد غرقت مخنوقةً في دمي فلم يُنجدها أحد، روحي يعتصرها الألم بعد أن قبرت غنجي وزقزقتي. أما من حولي فكان يشجعني على الموتِ.. (ففي جميع المجتمعات النامية والمتحضرة تقريبًا يُرفع شعارٌ بوجه اليتيم "لا حياة بعد الأم أو الأب" لكني هنا سأثبت العكس، وسأصدحُ بصوتي: "الحياة حقٌ للجميع، مجرمٌ من يحاول سلبها". وذات صباحٍ ذهبتُ إلى مدرستي، أجرُّ بقدميَّ، كنتُ أسابق اليوم بملءِ روحي بالحزن، والسماح للكآبة أن ترسم ملامح وجهي! لقد نسيتُ معاني الحيوية والنشاط، لكن بقيتُ أحتفظ برقةِ قلبي وفطنةِ عقلي.. عدتُ إلى البيتِ في الواحدةِ والنصف لأجد أبي جالسًا على الكرسي على غير عادته ينتظرني، ما إن رآني حتى ناداني، ليخبرني بفرحته: أنْ وجد له عروسًا! عندها نفذَ الحزن إلى نفسي بصورةٍ شديدة، وأحسستُ أنَّ قلبي جراءها قد انقبض بقوة، لم أُبادله الابتسامة، فما كان منّي أمامه سوى التزام الصمت وخسف الأرض بنظري. الثلاثاء في السابعة صباحًا دخلت عروس البيت بابتسامتها وضحكاتها المتعالية، ما إن وقع نظرها عليّ حتى حيّتني بكلِّ ودٍ وحنانٍ أمامه، رددتُ تحيتي بكلِّ ما تحمله معالم البراءة، هي تمازحني وتداعبني فسعدتُ بذلك ، وظننتُ أنَّ أمّي عادت إليّ في الوهلةِ الأولى. الخميس في السادسة صباحًا، استيقظت على صوتها: قومي، فلديكِ أعمالٌ يجب أنْ تُنهيها اليوم.. قالتها بأقصى درجاتِ العجرفة. ــ والمدرسة؟ كصاعقةٍ أردفت: لا دوامَ بعد الآن .. جريتُ هاربةً لقطعِ طريق أبي كالسهم، فأخبرته، وإذا به يرد أنْ لا دوامَ، يجب عليَّ خدمة عروسهِ .. فصرختُ بكلِّ ما أوتيتُ من هم: لا...لن أقبل بذلك .. فأعاد أبي كلامه بغضبٍ شديد، كلامه .. نظراتها .. كسمومٍ أحرقت رئتيّ، لأجد نفسي على الكرسي، فيبادر أبي لكسب الرضا بلطم خدي (وهل كنت أمثل أنا يا والدي!)، فهويت أحتضن الأرض لعلها تمدني ولو بالقليل من الحنان ليتيمةٍ فقدت قريبًا أمها، لكن لم أجد إلا القسوة... يا أرض لقد زدتِ آلامي. ذهب هو إلى عمله، وذهبت هي إلى غرفتها، تركاني بخدي الأحمر ونفسي الضيّق، فمضى يومي أسابقه بشكوى ورفع أمري إلى قاضي القضاة ربّ الجلال. وفي يومٍ من الأيام، أعددتُ العشاء بكلِّ حبٍ وحنانٍ لوالدي متناسيةً ما أمر به وما فعله، فجاءت هي تنعقُ: ارجعي إلى المطبخِ .. وأما هو فقد أشار بسبابته بلزوم التنفيذ .. في المطبخِ جلست أسمع صوت غناء الملاعق الفرحة، وهي تثير صوت معدتي الحزينة! فقد كانت الأوامر الجديدة تقضي بأنْ لا آكل حتى ينتهيا هما من طعامهما، فيسمحا لي بأكلِ ما تبقى بكلِّ مَنٍ وذل! أنا لا أريد ولا أستطيع أنْ أصدق أنَّ القسوة هي حالة طبيعية للإنسان. وبذات الليلة أستقرَّ جسدي على سرير غرفتي شاكيًا تعبه لربي، لم أذكر أمّي وأبكيها أو أرثيها هذه المرة، فلم أفعل إلا الصمت، والتقلب يمينًا ثم يسارًا، حتى هدأت، فسددتُ النظر إلى رفِّ كتبي تبسمتُ ثم تبسمتُ أكثر.. كان نظري على كتابٍ بعنوان "كنِ العاصفة" فتذكرتُ أنَّه هديةُ أمي في عيد ميلادي الأخير. قفزتُ مسرعةً متناسيةً شكوى الجسد، أروم فتح الكتاب، وإذ بي أفتحه فيخطف نظري نص: (إرادة المؤمن أقوى من الجبل؛ لأن الجبل تحطمهُ الفؤوس، بينما لا تنال من إرادة المؤمن شيئًا).. هذا ما قرأته، فرمى طوف النجاة للحيوية التي غرقت في عروقي، وأعاد لها نفسها فتحيى من جديد. عقدتُ العزم على استعادة قوتي، فلقد آنَ لي أنْ أزهِر كما كنت سابقًا.. يُقال: إنَّ الإنسان هو كتلةٌ من الفرص، فأقول لمن قال المقال: لقد صدقت. وفي صباح اليوم التالي نهضتُ بكلِّ نشاطٍ من سريري، وبعجلةٍ ارتديتُ ملابسي، وأعددتُ الفطور لهما، فأتيا وهذه المرة لم أسمح لها أنْ تنعق. بابتسامةٍ خفيفة: ــ تفضّل يا أبي، قلت له، وإذا احتجت إلى أيّ شيء فأنا في المطبخ. وأسرعت أغسل الأواني والملابس ومسحتُ الأرض وسقيتُ أزهار الحديقة وأنهيتُ أعمالي بإخلاص من دون كللٍ أو مللٍ. وبعد ذلك جريتُ إلى المطبخ حيث الكرسي جلستُ وبدأتُ أقرأ وأغذي عضلةَ عقلي وأشغلُ روحي بالإيمان بالله تعالى. ولم أكتفِ بكتابٍ، فكنتُ أنهي واحدًا تلو الآخر. أما زوجة أبي فقد أشبعت روحها بالجروحِ إثر ضربات الحقد؛ لم ترقها حالي الجديدة، فبدأت تخطط لطردي وتشريدي في الشوارعِ، فبدأت تنفذ خططها وأنا بإيماني بالقادر القدير وذكائي أفشلت كلَّ خططها. أما أبي كان كالصليب لا يبالي بشيء. وفي الأربعاء في العاشرة صباحًا، طُرِق بابُ بيتنا بقوة، وما إنْ فتحت الباب، حتى سمعتُ عويلها، فأتيتُ مسرعةً إلى باب الدار، فوجدتُ رجال الشرطة يبلغونها أنَّ أبي قد عمل حادث سيرٍ أدى إلى نقله إلى المشفى! لأنَّ إصابته بليغة سببت له كسرًا في عظام القدم، فاستقبلتُ الخبر بشجاعةِ وحمدتُ الله تعالى أنه لم يفارق الحياة. بعد رقوده لمدة أسبوعٍ في المشفى، عاد إلى البيت بكرسيٍ متحرك، كان لا يستطيع القيام بشيء، فلم تتحمل وضع أبي ولم تُطِق تقديم الخدمة له، فأسرعت تلملم أغراضها وطلبت الطلاق، وعادت إلى بيت أهلها ولم نسمع عنها شيئًا بعد ذلك، وكانت معالم الحزن والندم واضحةً في عيني أبي.. أما أنا فسكبتُ على أبي كلَّ معاني الحب والحنان، ساعدته في كلِّ شيءٍ حتى استطاع النهوض من كرسيه بعد شهرين، لقد تعجب الجميع من شفاء أبي السريع. وذات يومٍ بكى أبي باندفاعٍ شديد لا حدود له، ثم وشوش لي: سامحيني يا ابنتي، وقبَّل خدي الذي لطمه عدة مرات. فغفرتُ لأبي، وعدتُ إلى مدرستي بكلِّ تميزٍ... وعشنا حياة هنيئة.

القصص
منذ شهر
130

عربٌ إنكليز!

بقلم: فاطمة فاضل مجيد أعيش في الخليج عيشةً جميلةً مع أسرتي، أُدرِّسُ التلاميذ.. فأدخل عليهم كلّ صباحٍ بمواعيدِ عملي، وأحيييهم بــ: good morning، وأبدأ بترديد كلماتٍ وهم من بعدي يرددون: mother father sister brother. أستمتعُ ويستمتعون بالدرس، ومع الأناشيد التعليمية تكتمل فرحة تلاميذي، أعودُ إلى إدارةِ المدرسة: hey كيف حالكم؟ أقضي وقتًا جميلًا مع زملائي. وفي يومٍ صيفي شديد الحر، حظيتُ برحلةٍ إلى خارج البلد، حيثُ أحبُّ، إلى أمريكا، قضيت إجازةَ العمر، لم يخطر ببالي شيئًا لم أفعله، عدت very happy، احتضنتُ أفراد عائلتي one by one، قصصتُ لهم كيف ركبت plane وشعور awesome؛ لأثيرَ فضولهم وغيرتهم بما حظيت به، وأزيد إعجابهم بطلاقةِ لساني .. وبعد التفاخر والتباهي أمام العائلة والأصدقاء قررتُ أن آخذ قسطًا من الراحةِ، فانفردتُ myself جلستُ على الكرسي أمام الطاولة وأمسكتُ فنجان coffee مفتخرًا بنفسي واضعًا leg on leg أمسكتُ newspaper أقلبُ صفحةً تلو صفحة .. وإذا بمقالٍ قصير بعنوانٍ (لسنا عربإنكليز فنحنُ العرب) يخطفُ بصري، أحمرَّ خدي وتعرّق جبيني و توسّعت عيني وارتعشت يداي من مضمون هذا المقال.. صباحُ الخير لكلِّ عربيٍ جمَّل لسانه بفصاحةِ لغته ولم يُلوِّثه بكلماتِ لغة الجار، احترمَ الفصل ولم يساوِ بين الأقربين والجار الأبعد.. فهمَ أنَّ (الأقربون أولى بالمعروف( فكلُّ التمنيات بصباحٍ جميل لعقولِ الفصلِ والتميُّز.. أنتم ذووا الثقافة والشأن الرفيع.

القصص
منذ شهر
122

صـــلاةُ الليــــل

بقلم: فاطمة فاضل مجيد أنا ممن دُوّنَ بصفحاتِ أعماله بصفاتِ من يُصلي صلاة ليرتاح منها لا يرتاح بها. كانت أيامي مع المراحل الدراسية المتوسطة تتميز باجتهادي، ورصد وقتي كله من أجل المذاكرة، وعلى حساب الصلاة، وعلاقتي مع الله تعالى؛ من أجل كسب رضا نفسي وفرحة والدّي. ذات يومٍ أمر الله (تعالى) الشمس أنْ تشرق بضوءٍ يتسلل بكلِّ هدوءٍ إلى كلِّ قلبٍ معتمٍ وبارد، واستجابت الوردة لأمرِ ربها لتتفتح وتنشر عطرها الفواح، فيهيمُ بها الهواء ليملأ رئتيه عطرًا زكيًا، وفي عجالةٍ يأتي النحل ليأخذ ما قَّدر الله تعالى له من رزقٍ في ميسم الورد، فيمضي اليوم والورد في حياءٍ يتقطر ندى.. وفي صفي أيضًا تظهر وردةٌ طاعتها لأمر الربِّ؛ لتنشر عطرها ليهيم به العقل لطريق النور والراحة السرمدية حيث الله تعالى.. دخلت صفنا معلمة جديدة بهيبة العفاف الفاطمي والأخلاق المحمدية، وبعد السلام والابتسامة لتبعث الأمان، رددنا السلام، والأمانُ حلَّ ضيفًا على قلوبنا الصغيرة البريئة... اسمي سحر و سأتولى تدريسكم التربية الفنية.. سأتعلم أنا وأنتنَّ كيف نرسم ونُلوِّن الورق في النصف الأول من الوقت، وأردفت وفي النصف الثاني سنتعلم أنْ نرسم حياتنا بقلمٍ مهدوي ونلوِّنها بأربعة عشر لونًا ونعطرها بعطر هذه الألوان.. كان الأمر عاديًّا لبعض الفتيات إلا معي، فقد تعلقت روحي بهذه الرسامة بلا سبب، وسلّمتُها لوحة حياتي التي كانت مملوءة ببقعٍ بيضاء وأخرى سوداء، كنتُ أخجل كثيرًا من النظر إلى لوحتي، ولا انسى غبار الإهمال عليها؛ فأنا ممن يلومُ نفسه طوال الوقت لكن لا يتحرك إلى تغيير! أجل هذا ما أجيده فقط: توبيخ النفس، لكن قد أتى اليوم الذي تحرّكتُ فيه إلى السمّوِ بلوحتي.. هو اليوم الذي تحدثت فيه تلك المعلمة بحديثٍ نبوي ونقلٍ علوي عن أهمية الصلاة وما هي وكيفيتها، لتُضفي على لوحتي ألوان السعادة والتوفيق، وأتعجب من سرعة التغير فقد كان الحديث المحمدي عجيبًا، وذا وقعٍ خطيرٍ، لقد أقشعر جسدي عندما قالت بأسلوبها الخاص: بناتي في حالةِ شعوركن بالحزن والضيق في الصدر، فتصغر الدنيا في العين، والأب في العمل غارق، والأم من بعده تغوصُ في اهتماماتها ومع كلِّ الاحترام والتقدير لهما، لكن هناك من لا يشغله عمل عنكن حيث أنتن كلّ عمله! فتحدّثن إليه بما ألَمَّ بكن من ضيق، ولا تخفن؛ فأسلوب الحديث معه سهلٌ وبسيطٌ ملخصٌ بوضوءٍ وصلاة، وعندما تسلمن أمركن إليه سوف تشعرن أنَّ ارواحكن تغتسل بماء بارد ينعش لكنّ حياتكن.. وما إنْ جرّبتُ الأمر في كلِّ ضائقةٍ دنيوية، إذ أجد نفسي قد فرشتُ سجادةَ الفرار إلى الله تعالى لصلاة الاستغاثة، فتُختم بغسلٍ بارد يُنعش الروح، حتى بدأتُ أصلي الفرائض بكلِّ اهتمامٍ، وإنْ كنتُ في بعض الأحيان أصطنع الاهتمام، فليس بأمري حيلة، وما التوفيق إلا بيد الربِّ الجليل. وجاء اليوم لترتقي لوحتي بألوانٍ زاهية، إذ تحدثت بكلِّ عفوية عن السرِّ المشترك بين العشاق والليل، وبأسلوبها الجذاب أجبرت عقلي على الإصغاء باهتمام وروحي بالطاعة العمياء، فقالت بأسلوبها الخاص: إنَّ لليلِ سرًا عجيبًا، يجبرُ بعض من يعرف هذا السر على النهوض من فراش نومه، ليتحدث مع من يحب، وحيث إنّ الربَّ وضع أسلوبًا خاصًا مع من يحب التحدث إليه في الليل وهو ثماني ركعات وشفع ووتر، نحنُ لا نعرف السرَّ إلا بالتجريب.. وما إنْ رجعتُ إلى البيت حتى طلبت من أمي أن تعلمني كيف أصلي هذه الصلاة، فقد أقشعرت روحي هذه المرة وليس جسدي، فبدأت ألوِّن وألوِّنُ لتُصبح لوحتي كاملة. مرت الأيام، وكثرت المسؤوليات، فوجدتُ نفسي قد افترقتُ عن صلاة العشاق قهرًا، وفي الكثير تهاونًا مني، كنتُ حزينةً فقد أنهيت الدراسة المتوسطة ولن أقابل تلك الوردة وأشم عطرها. فمن يُنعش روحي بعدها؟ لكن لا وألف كلا، حاشا لربٍ كريمٍ أنْ يترك عبدًا، إذ رمى لي سلمَ النجاة مرةً أخرى، فتأتي أمّي بكلِّ حنانها لتريح روحي، بعد إخبارها عن أسباب حزني، فأجدها تقول لي: شفعٌ ووترٌ أفضل من حرمانٍ كاملٍ. بادرتُها بابتسامةِ العمر وأتبعتها بسؤال: ــ وإذا تأخرتُ حتى حلَّ أذان الفجر ضيفَ أهل الأرض؟ ــ صلاةُ الفجر ثم الشفع والوتر بنيةِ القضاء، ولإمامٍ غائبٍ إهداء؛ ليضفي لونًا مميزًا في حياتكِ يا ابنتي.. وفعلًا، لقد صدقت أمي، كان ذلك الإهداء للإمام (عجل الله فرجه) يضفي لونًا مميزًا وجميلًا زاهيًا طوال يومي. نصيحةٌ إلى القارئ في رحلة الدنيا التي مدتها قصيرة، أي وقت محدد لكلِّ إنسان، يجب أنْ تعمل ولا تؤجل فلا وقت للتهاون والتكاسل، من الخسارة أن تحرم من لذة العمر... فيا أخي/أختي ما عليكما إلا التجربة، والأمر بعد ذلك لكما. فقط، جربا صلاة العشاق.

القصص
منذ شهر
92

هديٌ في رمضان!

بقلم: نجاة رزاق أمنيةُ كلِّ النساء إذا تزوجت أنْ تُرزق ولداً بكراً يحمل اسم أبيه، ويكون ذخرًا لها أوانِ المشيب، وما إنْ تبدأ نبضاتُ قلبِه تدقُّ بين أحشائها حتى يطير بها الشوقُ كلّ يومٍ آلاف المرات. ترسم له مئاتِ الصور، تخيطُ له من الثياب العشرات. عدد تلك الأشهرِ القليلة كأنَّه سنوات! وحينما يخرج إلى هذا العالم الفسيح، تتألق زهوًا؛ فقد أنجبت ذكرًا. تتخيلُ أنَّها ملكت الدنيا، فتغذيه من روحها وحنانها ولبنها، وتسقيه كأس الولاءِ بدعاءٍ مأثور أو زيارةٍ لأحد الأولياء، وكتابُ الله تعالى وآياتُه ترنيمةٌ تتلوها عليه كلّ صباحٍ ومساء. تغرس شجرة الأمل عند مهده وتسقيها بدموعِ العينين؛ لتكبر ويكبر معها الرجاء. وماهي إلا أيام مع أيام لتصبح شهورًا وسنواتٍ. وعندما يقولون لها إنَّ ابنكِ أصبحَ تلميذًا لابد من فراقه بعض الأوقات، تختلطُ في قلبها مشاعرُ الفرح والحزن، كيف لي بالفراق؟ البعضُ تجلس عند باب المدرسة تسمع صوته مختلطًا مع أصواتِ المئات، مرددًا نشيدًا للوطن... موطني موطني.. إنّه الصبح آت ... وتمرُّ الأيام وتشاهد سُمرةً على خديه، تضع يديها الناعمتين على كتفيه: بُني أصبحتَ رجلًا! تلك المشاعر يا لها من مشاعرّ! فرحٌ، سرورٌ، لا توصف .. تبدأ بالبحث والتنقيب عن أجملِ الفتيات، كُلّما رأت إحداهن تخيّلتها مرتديةً ثوبًا أبيضَ، حاملةً باقةَ وردٍ حمراء، ويدُ حبيبها بيدِ تلك الفتاة. تسمعُ أهازيج الفرحِ وترى نُثاره، ثم تعودُ لصحوتها فلا تجد ولدها ولا تلك الفتاة! وفي يومٍ ما يأتي نداء الجهاد، بيتكم في خطر، هبوا يا أبطال الوغى، تقفُ حائرةً: هل تتركه يرحل؟ .. لا، لا، وأحلامي وأمنياتي، هل تذهب سدىً؟ لا احتمل هذا .. حتى يقف بين يديها ويُخيّرها بين الحياة وبين الجنة! فتختار ... يذهبُ حاملًا في حقيبته كلَّ أيامِها، كلَّ أحلامِها، تنتصر معه على الشيطان، ثم يغادر لقتال أعوان الشيطان ... وفي يومٍ من أيامِ الشهرِ الفضيل، في اعتداءٍ من أوكار داعش على قطعاتِ الحشد المقدس، يرحلُ شهيدًا ... يذهبُ كهديٍ قربةً إلى الله تعالى... في شهر الله تعالى... وتبقى أمُّه تحلم بيومٍ تلتحقُ به... ولكن متى يكون هذا اللقاء؟

القصص
منذ شهرين
132

الأمير غريب!

بقلم: زين العابدين نعيم بعدما أرخى الليل ستائره.. ونشر الظلام أجنحته.. واستيقظت النجوم.. وكانت ليلة من ليالي الشتاء الباردة الموحشة.. سار الأمير مبتعدًا عن المدينة نحو الصحراء، وكان منتصف الليل.. وفي هذا الوقت ينطلق الصوت من القلب ليرسم حالة صاحبه، فانطلق الصوت من قلبه حاملًا همومًا لا تحملها الجبال الرواسي: أرى علل الدنيا علي كثيرة***وصاحبها حتى الممات عليل وإني لمشتاق إلى من أحبه***فهل لي إلى من قد هويت سبيل سار... والجزع والغربة قد ملأت أعماقه.. نعم الغربة... فهو القائل.. فقد الأحبة غربة.. وأيّ غربة عاشها بفقد سيدة الكون؟! سار.. بجسمه الذي أنحله البكاء والنحيب.. فبدا كزهرة أذبلها غياب شمس فحجب نورها وجه الظلام الموحش! ما ذنب الشمس إن كان الظلام لا يطيق نورها؟! سار.. الإمام الى الأمام.. بخطوات وئيدة تحكي جسدًا أنهكه الفراق.. رفع رأسه إلى السماء.. ووجهه يحمل طيفًا ملكوتيًا.. وغدت عيناه -التي يتألق فيها حزن مرير- تسرحان في السماء بين النجوم.. فراح يتأمل بتألم و حسرة.. فازداد قلقه وحزنه! لَكأنه علم أن مصير النجوم كمصير الشمس.. الغياب! وهو يرى كيف أنّ لكل نجم قصة تنهش قلبه المُنهك.. ماذا بقي من قلبه الذي صفعته الغربة؟ غدا قلبه يحتضر كخيمة أتلفها ريح عاصف.. فتمتم بكلمات مخاطبا بها الدهر: سأصبر حتى يعلم الصبر أنّي***صبرت على شيء أمر من الصبر وكان القمر في تلك الليلة تامّا.. القمر؟! نعم القمر.. القمر الذي سيصارع نفس القدر الذي لا مفر منه.. طأطأ رأسه مجددًا و دموعه تشعل الرمال فورانًا.. فتهيج لتكون شاهدًا للتاريخ.. انهال بعدها بين يدي ربه متضرعًا خاشعًا مُسلِّمًا أمره إليه.. ذهب الليل... مستقبلًا الصباح.. لكن ما زال الظلام ناشرًا أجنحته.. والسماء أثقلتها غيوم سوداء؟! وإلى يومنا بقيت الظلمة.. ولم تشرق الشمس.. لكنها ستشرق يومًا ما.. نعم ستشرق... ستشرق بشمس تمحو كل ظلمات الكون... وتضيئ حتى النجوم.. نعم ستشرق..

القصص
منذ شهر
141

قلبُ طفلٍ في جَسَدِ مُسِنٍ!

بقلم: محمد علي هناكَ العديدُ من الأشخاصِ وُلِدوا في أزمنةِ الحروبِ الطويلة التي تأكلُ سنواتٍ عديدةٍ من أعمارِ الشعوب، تاركةً خلفَها الدمارَ والدماء.. بعد نهايةِ كُلِّ حربٍ يُولَدُ الناسُ من جديدٍ للحياة، ولكنْ رجالًا يحملونَ معهم فقدانَ لذةِ عيشِ مرحلة الطفولة، لتأكلَ مصالحُ تجارِ الحروب أحلامَ الطفولةِ! نجدُ الشيخَ المُسِنَ عندما ينظرُ لأطفالٍ يلعبون فإنَّه يتحسَّر ويتكسَّر من الداخلِ لفقدانِه هذا الشيء، لكنْ يُحاولُ قدر الإمكانِ أنْ يوفرَ هذهِ اللحظاتِ السعيدةَ لأبنائه ويسعى جاهدًا...، ولكنْ ولسوءِ الحظِّ ولأنَّه يعيشُ في بلدٍ تعيسٍ تُزاوِلُهُ الحروبُ منذُ ولادته فأنَّ الحربَ تعودُ معيدةً معها الذكرياتِ التعيسة، سالبةً مجهوداتِهِ لتوفيرِ طفولةٍ لأطفاله بسببِ قصفٍ عشوائيٍّ يفقدون فيه دُنياهم ليعيشوا حياةَ الطفولةِ في أُخراهم. هذا البلدُ هو العراق، وهذا الشيخُ هو المُسِنُ العراقيُّ، وهذا الحلمُ الضائعُ هو أقلُّ أحلامِ الطفلِ العراقي، وهذه الحروبُ منذُ ولادة العراق وكأنَّها تقول: إذا كان عراقُكم لمْ يعِشْ طفولته، فكيفَ أنتم ؟! اللهم اجعل هذا البلد آمنًا..

القصص
منذ 4 أشهر
347

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
45571

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
36985

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30367

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30186

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
20890

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
19407