فاطمة فاضل مجيد

دعـــاءُ العشــــقِ

بقلم: فاطمة فاضل مجيد في ليلٍ غاسق، حيثُ النجومُ كانت في إجازة، والقمرُ قد توارى بلياقةٍ بين الغيومِ الكثاف، سميّ المصطفى (صلى الله عليه وآله) بحياء، أهلُ السماءِ في ترصدٍ غريب، بينما أهلُ الأرضِ بين لهوٍ ولعبٍ ونومٍ، ظلمٍ وقهرٍ وتجويع، وجل ونَشِيج بين الأيتام والمستضعفين مسموع. هو منتصبٌ صوبَ الكعبةِ، يُصلي ركعتين، يدعو دعوتين، لأهلِ الأرضِ قبل السماء، ويرفعِ الكفين، تبكي السماءُ فرحًا، لاستقبال صوتٍ طالما بدأ بالغيرِ قبل النفسِ، بعد سُمُوّ، يعود محملًا بهدايا. بهجةٌ ودفء ليتيم، طعامٌ وثيابٌ لمسكين، نصرٌ لمظلومٍ ومقهور، فرجٌ لسجينِ الخنَّاسِ، وشفاءٌ لعَلِيل، زهزَقةٌ على وجهِ مجاهدٍ مدافعٍ عن الإسلامِ من كيدِ الحُساد، والكثيرُ من الهدايا لهم، وهداياهُ لأهلِ السماءِ أعجب، وأما هديتهُ لنفسه، اللهمَّ عجل لي لقاء الأحباب من شيعة جدي علي (عليه السلام).

الخواطر
منذ 3 أشهر
105

صـــلاةُ الليــــل

بقلم: فاطمة فاضل مجيد أنا ممن دُوّنَ بصفحاتِ أعماله بصفاتِ من يُصلي صلاة ليرتاح منها لا يرتاح بها. كانت أيامي مع المراحل الدراسية المتوسطة تتميز باجتهادي، ورصد وقتي كله من أجل المذاكرة، وعلى حساب الصلاة، وعلاقتي مع الله تعالى؛ من أجل كسب رضا نفسي وفرحة والدّي. ذات يومٍ أمر الله (تعالى) الشمس أنْ تشرق بضوءٍ يتسلل بكلِّ هدوءٍ إلى كلِّ قلبٍ معتمٍ وبارد، واستجابت الوردة لأمرِ ربها لتتفتح وتنشر عطرها الفواح، فيهيمُ بها الهواء ليملأ رئتيه عطرًا زكيًا، وفي عجالةٍ يأتي النحل ليأخذ ما قَّدر الله تعالى له من رزقٍ في ميسم الورد، فيمضي اليوم والورد في حياءٍ يتقطر ندى.. وفي صفي أيضًا تظهر وردةٌ طاعتها لأمر الربِّ؛ لتنشر عطرها ليهيم به العقل لطريق النور والراحة السرمدية حيث الله تعالى.. دخلت صفنا معلمة جديدة بهيبة العفاف الفاطمي والأخلاق المحمدية، وبعد السلام والابتسامة لتبعث الأمان، رددنا السلام، والأمانُ حلَّ ضيفًا على قلوبنا الصغيرة البريئة... اسمي سحر و سأتولى تدريسكم التربية الفنية.. سأتعلم أنا وأنتنَّ كيف نرسم ونُلوِّن الورق في النصف الأول من الوقت، وأردفت وفي النصف الثاني سنتعلم أنْ نرسم حياتنا بقلمٍ مهدوي ونلوِّنها بأربعة عشر لونًا ونعطرها بعطر هذه الألوان.. كان الأمر عاديًّا لبعض الفتيات إلا معي، فقد تعلقت روحي بهذه الرسامة بلا سبب، وسلّمتُها لوحة حياتي التي كانت مملوءة ببقعٍ بيضاء وأخرى سوداء، كنتُ أخجل كثيرًا من النظر إلى لوحتي، ولا انسى غبار الإهمال عليها؛ فأنا ممن يلومُ نفسه طوال الوقت لكن لا يتحرك إلى تغيير! أجل هذا ما أجيده فقط: توبيخ النفس، لكن قد أتى اليوم الذي تحرّكتُ فيه إلى السمّوِ بلوحتي.. هو اليوم الذي تحدثت فيه تلك المعلمة بحديثٍ نبوي ونقلٍ علوي عن أهمية الصلاة وما هي وكيفيتها، لتُضفي على لوحتي ألوان السعادة والتوفيق، وأتعجب من سرعة التغير فقد كان الحديث المحمدي عجيبًا، وذا وقعٍ خطيرٍ، لقد أقشعر جسدي عندما قالت بأسلوبها الخاص: بناتي في حالةِ شعوركن بالحزن والضيق في الصدر، فتصغر الدنيا في العين، والأب في العمل غارق، والأم من بعده تغوصُ في اهتماماتها ومع كلِّ الاحترام والتقدير لهما، لكن هناك من لا يشغله عمل عنكن حيث أنتن كلّ عمله! فتحدّثن إليه بما ألَمَّ بكن من ضيق، ولا تخفن؛ فأسلوب الحديث معه سهلٌ وبسيطٌ ملخصٌ بوضوءٍ وصلاة، وعندما تسلمن أمركن إليه سوف تشعرن أنَّ ارواحكن تغتسل بماء بارد ينعش لكنّ حياتكن.. وما إنْ جرّبتُ الأمر في كلِّ ضائقةٍ دنيوية، إذ أجد نفسي قد فرشتُ سجادةَ الفرار إلى الله تعالى لصلاة الاستغاثة، فتُختم بغسلٍ بارد يُنعش الروح، حتى بدأتُ أصلي الفرائض بكلِّ اهتمامٍ، وإنْ كنتُ في بعض الأحيان أصطنع الاهتمام، فليس بأمري حيلة، وما التوفيق إلا بيد الربِّ الجليل. وجاء اليوم لترتقي لوحتي بألوانٍ زاهية، إذ تحدثت بكلِّ عفوية عن السرِّ المشترك بين العشاق والليل، وبأسلوبها الجذاب أجبرت عقلي على الإصغاء باهتمام وروحي بالطاعة العمياء، فقالت بأسلوبها الخاص: إنَّ لليلِ سرًا عجيبًا، يجبرُ بعض من يعرف هذا السر على النهوض من فراش نومه، ليتحدث مع من يحب، وحيث إنّ الربَّ وضع أسلوبًا خاصًا مع من يحب التحدث إليه في الليل وهو ثماني ركعات وشفع ووتر، نحنُ لا نعرف السرَّ إلا بالتجريب.. وما إنْ رجعتُ إلى البيت حتى طلبت من أمي أن تعلمني كيف أصلي هذه الصلاة، فقد أقشعرت روحي هذه المرة وليس جسدي، فبدأت ألوِّن وألوِّنُ لتُصبح لوحتي كاملة. مرت الأيام، وكثرت المسؤوليات، فوجدتُ نفسي قد افترقتُ عن صلاة العشاق قهرًا، وفي الكثير تهاونًا مني، كنتُ حزينةً فقد أنهيت الدراسة المتوسطة ولن أقابل تلك الوردة وأشم عطرها. فمن يُنعش روحي بعدها؟ لكن لا وألف كلا، حاشا لربٍ كريمٍ أنْ يترك عبدًا، إذ رمى لي سلمَ النجاة مرةً أخرى، فتأتي أمّي بكلِّ حنانها لتريح روحي، بعد إخبارها عن أسباب حزني، فأجدها تقول لي: شفعٌ ووترٌ أفضل من حرمانٍ كاملٍ. بادرتُها بابتسامةِ العمر وأتبعتها بسؤال: ــ وإذا تأخرتُ حتى حلَّ أذان الفجر ضيفَ أهل الأرض؟ ــ صلاةُ الفجر ثم الشفع والوتر بنيةِ القضاء، ولإمامٍ غائبٍ إهداء؛ ليضفي لونًا مميزًا في حياتكِ يا ابنتي.. وفعلًا، لقد صدقت أمي، كان ذلك الإهداء للإمام (عجل الله فرجه) يضفي لونًا مميزًا وجميلًا زاهيًا طوال يومي. نصيحةٌ إلى القارئ في رحلة الدنيا التي مدتها قصيرة، أي وقت محدد لكلِّ إنسان، يجب أنْ تعمل ولا تؤجل فلا وقت للتهاون والتكاسل، من الخسارة أن تحرم من لذة العمر... فيا أخي/أختي ما عليكما إلا التجربة، والأمر بعد ذلك لكما. فقط، جربا صلاة العشاق.

القصص
منذ شهرين
148

عربٌ إنكليز!

بقلم: فاطمة فاضل مجيد أعيش في الخليج عيشةً جميلةً مع أسرتي، أُدرِّسُ التلاميذ.. فأدخل عليهم كلّ صباحٍ بمواعيدِ عملي، وأحيييهم بــ: good morning، وأبدأ بترديد كلماتٍ وهم من بعدي يرددون: mother father sister brother. أستمتعُ ويستمتعون بالدرس، ومع الأناشيد التعليمية تكتمل فرحة تلاميذي، أعودُ إلى إدارةِ المدرسة: hey كيف حالكم؟ أقضي وقتًا جميلًا مع زملائي. وفي يومٍ صيفي شديد الحر، حظيتُ برحلةٍ إلى خارج البلد، حيثُ أحبُّ، إلى أمريكا، قضيت إجازةَ العمر، لم يخطر ببالي شيئًا لم أفعله، عدت very happy، احتضنتُ أفراد عائلتي one by one، قصصتُ لهم كيف ركبت plane وشعور awesome؛ لأثيرَ فضولهم وغيرتهم بما حظيت به، وأزيد إعجابهم بطلاقةِ لساني .. وبعد التفاخر والتباهي أمام العائلة والأصدقاء قررتُ أن آخذ قسطًا من الراحةِ، فانفردتُ myself جلستُ على الكرسي أمام الطاولة وأمسكتُ فنجان coffee مفتخرًا بنفسي واضعًا leg on leg أمسكتُ newspaper أقلبُ صفحةً تلو صفحة .. وإذا بمقالٍ قصير بعنوانٍ (لسنا عربإنكليز فنحنُ العرب) يخطفُ بصري، أحمرَّ خدي وتعرّق جبيني و توسّعت عيني وارتعشت يداي من مضمون هذا المقال.. صباحُ الخير لكلِّ عربيٍ جمَّل لسانه بفصاحةِ لغته ولم يُلوِّثه بكلماتِ لغة الجار، احترمَ الفصل ولم يساوِ بين الأقربين والجار الأبعد.. فهمَ أنَّ (الأقربون أولى بالمعروف( فكلُّ التمنيات بصباحٍ جميل لعقولِ الفصلِ والتميُّز.. أنتم ذووا الثقافة والشأن الرفيع.

القصص
منذ شهرين
162

نُزهِــرُ بالانتظار

بقلم: فاطمة فاضل مجيد قُتِل أخي، ولم يعُد إلى أُمي وأبي.. كم يُحزنني حال والديّ! الرجالُ على الأرض مُمدّدون، وبدمائِهم يتدفؤون، والنساءُ شُوِّهت أجسادُها في السجونِ.. أنينُ الأراملِ والأيتامِ قد ضيقَ نفسَ الهواء، ألمُ البطنِ لا يُفارقُ أجسادَ الضعفاء، والظالمون والمتكبرون والسارقون يمشون في الأرضِ فرحين. قال الناس: كلُّ هذا حدث وقائُدنا شاهدهُ وسمعهُ وهو لم يُفكر حتى أنْ يأتي! ما أقسى قلبه! هو لم يأتِ، بل لم يُفكر أنْ يأتي! ترددت كثيرًا هذه الأقوال على مسامعي، إلى أن جاء رجلٌ ذو حكمةٍ ورجاحة عقلٍ وقلبٍ مُلِئ بحُبٍّ خالصٍ لقائدهِ، يشهد له الجميع بهذا. قال لهم: هل قلوبكم سليمة وعقولكم مُبصرة وأيديكم نظيفة؟ أو هل إنَّ الحملَ على أظهرِكم خفيف؟ الجميع صامتٌ مُستغربٌ... أما هو فأكملَ قائلًا: إذًا لِمَ تستعجلونه بالعودةِ من سفرهِ، والله تعالى قد اشتقتُ إليه كثيرًا، لكن لا أحبُ أنْ يراني إلا وأنا نظيفُ الروح... فسكتَ وذهب تاركًا الجميع بين نادمٍ ومُتحيرٍ وخجلٍ مما قالهُ، ومما صدّق ما سمعهُ من أقوالِ التُهمةِ لقائده.. في حينها أدركتُ أنّ عليَّ العملَ بكلِّ ما أوتيتُ من قوةٍ لتطهيرِ روحي من كلِّ ما يؤلم قائدي، بالعلمِ والعملِ، بالانتظارِ المُثمر لقدومهِ المبارك، حتى أكون ممن يدخل السرور على قلبه عند قدومه من سفرهِ الطويل لا من يُسيء إليه... وبانتظارهِ سأزهِرُ أنا.

الخواطر
منذ شهرين
152

رغمَ أنفِ الزمن، يبقى الأمل.. فلنحيَ بالأمل

بقلم: فاطمة فاضل مجيد على وفاءِ جرسِ تنبيهِ الساعة أستيقظ كلَّ صباح، أغسلُ وجهي، وأرتدي ملابسي، وأحمل حقيبتي، أجري مسرعةً؛ لأحتضن أمّي، هذه هي تحيةُ الصباحِ الخاصة بي لوالدتي، فتبادلني بالحضن. وأقبل جبينَ والدي، ذي العينين الناعستين. أغلق الباب على عجلٍ وأجري مع أنَ الوقت مبكرًا، لكن ما في داخلي من النشاط لا يسمح لي بالتباطؤ في سيري. أصل إلى صفي وأجلس في مقعدي وبجواره مقعدٌ يتيم مهلهل، اعتقادي يقول: إن شدة الحرارة المنبثقة من الحيوية التي سبحت في دمِ عروقي، تخشى الفتيات أنْ يحترقنّ بها، لاسيما وقد أحطنَ أنفسهنَّ بحطبِ الحسد. لا بأس، لم يُثِر ذلك في نفسي أي انزعاج، يجري اليوم وأسابقه باجتهادي، وتمجيد المعلمات إيّاي، ومساعدتي لمن تحتاج العون. قد أكون جالسةً لوحدي لكن طابع الفتاة المنعزلة ليست من صفاتي. مرّتِ الأيام والشهور والسنون ومعها وصلَ عمري إلى الثامنة عشرة، مع مضي ما مضى ووصولي لما وصلت، لم يحلُ لي إلا أن يأتي يومٌ أصبحُ فيه أنا صنديدة أقراني. ذات يومٍ كنت عائدةً من المدرسة الإعدادية في الواحدة والنصف ظهرًا، ومع اقترابي للبيت يعلو صوت سيارة الإسعاف، بوصولي رأيتها فأيقنتُ أنَّ أمرًا حلَّ بدارنا، جريتُ مسرعةً منادية: بابا...ماما .. وإذا بي أرى نقالة الإسعاف تنقلُ جسدَ إنسانٍ وتخرج من مطبخنا، اقتربتُ إليها وإذا بأبي يُمسكني من رسغ يدي وبقوة يحتضنني. ــ بابا........ أين ماما؟ لم ينبس أبي ببنت شفة، لا تتكلم يا أبي، فدموعك والضياع والخوف في نفسي يضطرمُ تكفي لأعرف! لقد توفيت والدتي بغتةً، لتكون ولادتي أنا جلية... مضت أيام التعزية ومواساة الأقارب إيّانا، فأصبح البيت خاويًا كقلبي لا يفترق عنه إلا بوجود الدم. أستيقظُ وأنام وصورتها لا تفارق عيني، وحيوتي قد غرقت مخنوقةً في دمي فلم يُنجدها أحد، روحي يعتصرها الألم بعد أن قبرت غنجي وزقزقتي. أما من حولي فكان يشجعني على الموتِ.. (ففي جميع المجتمعات النامية والمتحضرة تقريبًا يُرفع شعارٌ بوجه اليتيم "لا حياة بعد الأم أو الأب" لكني هنا سأثبت العكس، وسأصدحُ بصوتي: "الحياة حقٌ للجميع، مجرمٌ من يحاول سلبها". وذات صباحٍ ذهبتُ إلى مدرستي، أجرُّ بقدميَّ، كنتُ أسابق اليوم بملءِ روحي بالحزن، والسماح للكآبة أن ترسم ملامح وجهي! لقد نسيتُ معاني الحيوية والنشاط، لكن بقيتُ أحتفظ برقةِ قلبي وفطنةِ عقلي.. عدتُ إلى البيتِ في الواحدةِ والنصف لأجد أبي جالسًا على الكرسي على غير عادته ينتظرني، ما إن رآني حتى ناداني، ليخبرني بفرحته: أنْ وجد له عروسًا! عندها نفذَ الحزن إلى نفسي بصورةٍ شديدة، وأحسستُ أنَّ قلبي جراءها قد انقبض بقوة، لم أُبادله الابتسامة، فما كان منّي أمامه سوى التزام الصمت وخسف الأرض بنظري. الثلاثاء في السابعة صباحًا دخلت عروس البيت بابتسامتها وضحكاتها المتعالية، ما إن وقع نظرها عليّ حتى حيّتني بكلِّ ودٍ وحنانٍ أمامه، رددتُ تحيتي بكلِّ ما تحمله معالم البراءة، هي تمازحني وتداعبني فسعدتُ بذلك ، وظننتُ أنَّ أمّي عادت إليّ في الوهلةِ الأولى. الخميس في السادسة صباحًا، استيقظت على صوتها: قومي، فلديكِ أعمالٌ يجب أنْ تُنهيها اليوم.. قالتها بأقصى درجاتِ العجرفة. ــ والمدرسة؟ كصاعقةٍ أردفت: لا دوامَ بعد الآن .. جريتُ هاربةً لقطعِ طريق أبي كالسهم، فأخبرته، وإذا به يرد أنْ لا دوامَ، يجب عليَّ خدمة عروسهِ .. فصرختُ بكلِّ ما أوتيتُ من هم: لا...لن أقبل بذلك .. فأعاد أبي كلامه بغضبٍ شديد، كلامه .. نظراتها .. كسمومٍ أحرقت رئتيّ، لأجد نفسي على الكرسي، فيبادر أبي لكسب الرضا بلطم خدي (وهل كنت أمثل أنا يا والدي!)، فهويت أحتضن الأرض لعلها تمدني ولو بالقليل من الحنان ليتيمةٍ فقدت قريبًا أمها، لكن لم أجد إلا القسوة... يا أرض لقد زدتِ آلامي. ذهب هو إلى عمله، وذهبت هي إلى غرفتها، تركاني بخدي الأحمر ونفسي الضيّق، فمضى يومي أسابقه بشكوى ورفع أمري إلى قاضي القضاة ربّ الجلال. وفي يومٍ من الأيام، أعددتُ العشاء بكلِّ حبٍ وحنانٍ لوالدي متناسيةً ما أمر به وما فعله، فجاءت هي تنعقُ: ارجعي إلى المطبخِ .. وأما هو فقد أشار بسبابته بلزوم التنفيذ .. في المطبخِ جلست أسمع صوت غناء الملاعق الفرحة، وهي تثير صوت معدتي الحزينة! فقد كانت الأوامر الجديدة تقضي بأنْ لا آكل حتى ينتهيا هما من طعامهما، فيسمحا لي بأكلِ ما تبقى بكلِّ مَنٍ وذل! أنا لا أريد ولا أستطيع أنْ أصدق أنَّ القسوة هي حالة طبيعية للإنسان. وبذات الليلة أستقرَّ جسدي على سرير غرفتي شاكيًا تعبه لربي، لم أذكر أمّي وأبكيها أو أرثيها هذه المرة، فلم أفعل إلا الصمت، والتقلب يمينًا ثم يسارًا، حتى هدأت، فسددتُ النظر إلى رفِّ كتبي تبسمتُ ثم تبسمتُ أكثر.. كان نظري على كتابٍ بعنوان "كنِ العاصفة" فتذكرتُ أنَّه هديةُ أمي في عيد ميلادي الأخير. قفزتُ مسرعةً متناسيةً شكوى الجسد، أروم فتح الكتاب، وإذ بي أفتحه فيخطف نظري نص: (إرادة المؤمن أقوى من الجبل؛ لأن الجبل تحطمهُ الفؤوس، بينما لا تنال من إرادة المؤمن شيئًا).. هذا ما قرأته، فرمى طوف النجاة للحيوية التي غرقت في عروقي، وأعاد لها نفسها فتحيى من جديد. عقدتُ العزم على استعادة قوتي، فلقد آنَ لي أنْ أزهِر كما كنت سابقًا.. يُقال: إنَّ الإنسان هو كتلةٌ من الفرص، فأقول لمن قال المقال: لقد صدقت. وفي صباح اليوم التالي نهضتُ بكلِّ نشاطٍ من سريري، وبعجلةٍ ارتديتُ ملابسي، وأعددتُ الفطور لهما، فأتيا وهذه المرة لم أسمح لها أنْ تنعق. بابتسامةٍ خفيفة: ــ تفضّل يا أبي، قلت له، وإذا احتجت إلى أيّ شيء فأنا في المطبخ. وأسرعت أغسل الأواني والملابس ومسحتُ الأرض وسقيتُ أزهار الحديقة وأنهيتُ أعمالي بإخلاص من دون كللٍ أو مللٍ. وبعد ذلك جريتُ إلى المطبخ حيث الكرسي جلستُ وبدأتُ أقرأ وأغذي عضلةَ عقلي وأشغلُ روحي بالإيمان بالله تعالى. ولم أكتفِ بكتابٍ، فكنتُ أنهي واحدًا تلو الآخر. أما زوجة أبي فقد أشبعت روحها بالجروحِ إثر ضربات الحقد؛ لم ترقها حالي الجديدة، فبدأت تخطط لطردي وتشريدي في الشوارعِ، فبدأت تنفذ خططها وأنا بإيماني بالقادر القدير وذكائي أفشلت كلَّ خططها. أما أبي كان كالصليب لا يبالي بشيء. وفي الأربعاء في العاشرة صباحًا، طُرِق بابُ بيتنا بقوة، وما إنْ فتحت الباب، حتى سمعتُ عويلها، فأتيتُ مسرعةً إلى باب الدار، فوجدتُ رجال الشرطة يبلغونها أنَّ أبي قد عمل حادث سيرٍ أدى إلى نقله إلى المشفى! لأنَّ إصابته بليغة سببت له كسرًا في عظام القدم، فاستقبلتُ الخبر بشجاعةِ وحمدتُ الله تعالى أنه لم يفارق الحياة. بعد رقوده لمدة أسبوعٍ في المشفى، عاد إلى البيت بكرسيٍ متحرك، كان لا يستطيع القيام بشيء، فلم تتحمل وضع أبي ولم تُطِق تقديم الخدمة له، فأسرعت تلملم أغراضها وطلبت الطلاق، وعادت إلى بيت أهلها ولم نسمع عنها شيئًا بعد ذلك، وكانت معالم الحزن والندم واضحةً في عيني أبي.. أما أنا فسكبتُ على أبي كلَّ معاني الحب والحنان، ساعدته في كلِّ شيءٍ حتى استطاع النهوض من كرسيه بعد شهرين، لقد تعجب الجميع من شفاء أبي السريع. وذات يومٍ بكى أبي باندفاعٍ شديد لا حدود له، ثم وشوش لي: سامحيني يا ابنتي، وقبَّل خدي الذي لطمه عدة مرات. فغفرتُ لأبي، وعدتُ إلى مدرستي بكلِّ تميزٍ... وعشنا حياة هنيئة.

القصص
منذ شهرين
171

الممهدون مستبشرون فرحون

بقلم: فاطمة فاضل مجيد الممهدُ لإمامِ زمانه لا يعرف الحزنُ طريقًا إلى قلبه.. سأخبرُكم سَرًا، لا يعرفهُ إلا الممهد لإمامِ زمانه، يُقال: إن إنسانًا ملّت الدُنيا من ابتسامته. يا للعجب! إيُّ إنسانٍ لم يُجرب ملامحَ الحُزنِ على وجهه.. لكن كيف، وقد مُلئت هذه الدُنيا بالكثيرِ من الأشياءِ التي لها علاقة وثيقة بتقليصِ امتدادِ شفتي الإنسان، وتقطيب حاجبيه، وملء عينيه بالدموعِ، وصدره بضيق النفس، وظهره بإحساسِ الثقل، وجرح قلبه حتى ينزف دمًا، وتسريب الألمِ إلى كلِّ أعضائه واحدًا تلو الآخر، وأمثال ذلك .. الحرب، الجوع، الفقر، الظلم، الخيانة، الخذلان، إعطاء العهود الكاذبة، والأصعب فقدان الأحبة .. كلُّ هذا مؤلمٌ، صحيحٌ ذلك، لكن في عالمِ الممهد كلُّ هذا هيّنٌ ليّنٌ.. لكن كيف؟ هل سيفرح إذا سمعَ أبواقَ إعلانِ الحرب مثلًا؟! أجل، وسيكون في المقدمةِ! لأنه سيقول: لِمَ لا أفرح، إذا كان العدو عدوًا لإمامِ زماني سأرتدي لباس الحرب وأحملُ السلاح، وأعرضُ جسدي للبردِ وللحرِّ ولأطلاقِ رصاص العدو وقنابله! وأزيدكم، سيقول لكم: إنَّ حَلمي يتمثل بابتسامةٍ، بتشهُدٍ عند تناثر أعضاء جسدي على الأرضِ، بأنْ أرى إمام زماني آنذاك راضيًا عني! لكن لماذا هذا كله، أتعلمون؟! فقط من أجلِ أن يرسمَ ابتسامةً على شفاه إمامِ زمانهِ الحزينة.. ثم ماذا بعد، لو كان هذا الممهد فقيرًا، تُرى هل سيكون فرحًا مبتسمًا؟ يا عزيزي! قلبٌ حظيَ بنظرةٍ من إمامِ زمانه أ يُعدُ فقيرًا؟! حسنًا حسنًا، الأصعب فقدانُ الأحبة، الأم .. الحنان .. ولكن حنان إمامه لا تفهمه عُقولُ وقلوب الأمهات! الأبُ العزة! كلُّ العزِّ هو بالانتماءِ للإمامِ ولا يوجد بعدهُ عز! الأخ السند! من كان سندهُ إمام زمانه لا يعرفُ للسقوطِ معنىً في حياته! فلا تعجبوا من إنسانٍ ملَّت الدُنيا من ابتسامته... والآن قد عرفتُم مصدرَ السعادة الحقيقية في هذه الدُنيا الفانية.. أجل، يجب أنْ تَعرفوه، وأنْ تتيقنوا أنَّ كلَّ ما كان لأجله هو، أصبحَ هيّنًا ليّنًا جميلًا. جربوا الارتباطَ به في كلِّ شيء، يجبُ أنْ تُجربوا قبل أنْ تفترق أرواحكم عن أجسادكم، وتكونوا قد خسرتُم حلاوةَ الارتباطِ بمصدرِ السعادة الحقيقية في هذه الدُنيا الفانية.

اخرى
منذ شهرين
131

هم له وهو لهم

بقلم: فاطمة فاضل مجيد بعد تعبٍ مُظنٍ في العمل وبذل ما يمكن بذله، تأتي ثمار العمل غير ناضجة أو فاسدة، فتُصاب بضيقٍ في التنفس أشبه بما لو لُفَّ حبل المشنقة حول عنقك، وجنونُ القلب حاله كحالِ من يركلُ ما حوله بلا وعيٍ تتبعه صرخاتُ الإغاثة، وانكسارُ الظهرِ كما لو قمت بمحاولاتِ حمل صخور الجبل الثقيلة، وتراخي الأطراف العليا والسفلى، كما لا تستطيع فعل أيّ شيءٍ سوى حمل رايةٍ بيضاء، وملء العينين بماءٍ غزير يحملُ معاني الاستسلام. لا يمكن فعل شيءٍ صحيح، هذا ظنُ الجميع لكن إلا هم! أتعرفون من هم يا أيُّها القراء الأعزاء؟ أ حزرتم؟! هم بعد كلِّ هذا يقفون ويضعون أيديهم على قلوبهم، ليتلفظوا بكلِّ معاني الجد والاجتهاد، قائلين: (بردًا وسلاًمًا على قلبك يا أبا صالح أبا العزِ والإباء) قال لي أحدهم: ما أن أنهي هذه الجملة حتى يراودني شعورٌ غريب، هذا الشعور يكيل لي قوةً تدمر كلَّ ما ألمَّ بي من حسيس الانهيار. كأن الإمام يردُ عليّ بـ( بردًا وسلامًا على قلبكِ يا موالي) للشيعة قوةٌ عظيمةٌ لا تفتر، لوجود الإمام الحنون الهمام المقدام بينهم. (هم له وهو لهم في كلِّ تفاصيل الحياة).

اخرى
منذ 4 أسابيع
124