مُثلثُ الشعيرةِ الشعبانية(3)

بقلم: علوية الحسيني 3/ الــعملُ بأوامرِ الإمامِ بعدَ أنْ أعرفَ الإمامَ، ثم أُحِبّه، لا بُدّ من أنْ يقترنَ هذان الركنانِ بعملي بأوامرِه (عجّل الله فرجه الشريف)، والعملُ بأوامرِ الإمامِ هو التمهيــدُ بعينِه، كما سيتضِحُ لنا. والعملُ بأوامرِ الإمامِ (عجّل الله فرجه الشريف) آخرُ رُكنٍ من أركانِ قاعدةِ المُثلث، والأدلةُ على العملِ بها عديدةٌ، نذكرُ البعضَ منها: ■أولًا: الدليلُ القرآني، قال (تعالى): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُم}(36)، وأولي الأمرِ هم الأئمةُ (عليهم السلام)؛ فقد رويَ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): "نحنُ ولاةُ أمرِ الله"(37). فالآيةُ الكريمةُ تربطُ بينَ طاعةِ اللهِ (تعالى)، وطاعةِ رسولِه (صلى الله عليه وآله)، وطاعةِ ولاةِ أمرِ الله (عليهم السلام)، والطاعةُ يترتبُ عليها العملُ بالأوامر. إذًا أوامرُ الإمامِ (عجّل الله فرجه الشريف) هي أوامرُ اللهِ (تعالى)، فيجبُ العملُ بها. ■ثانيًا: الدليلُ الروائي رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "نحنُ قومٌ فرضَ اللهُ طاعتَنا"(38). ولو تأمّلْنا في آيةِ إحياءِ الشعائرِ لوجدنا نتيجتَها هي التقوى؛ قال (تعالى): {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب}(39). والتقوى: هي تطبيقُ أوامرِ وشريعةِ اللهِ (تعالى)، بعملِ الواجبات، واجتنابِ المُحرّمات، ووضعِ النفسِ في موضعٍ يرضاه (تعالى)، وابتعادها عمّا لا يرضاه؛ استنادًا إلى ما رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "أنْ لا يفقدَك اللهُ حيثُ أمرَك، ولا يراكَ حيثُ نهاك"(40). ومن ثم نستطيعُ أنْ نقولَ: إنّ الذي يترتبُ على إحياءِ الشعائرِ هو تقوى الله (سبحانه وتعالى). والتقوى هي لُبُّ التمهيد. ومن هُنا نعرفُ أنّ حقيقةَ التمهيدِ هي الالتزامُ بالواجباتِ، وتركُ المُحرّمات، بالإضافةِ إلى سلامةِ ورسوخِ العقيدةِ بأصولِ الدّين، والتخلُّقِ بأخلاقه. وبذا نلحظُ الترابُطَ الوثيقَ بينَ إحياءِ الشعائرِ عمومًا والشعبانيةِ خصوصًا، وبين الالتزامِ بأوامرِ الإمامِ التي هي بالأصلِ أوامرُ إلهيةٌ. إذًا التمهيدُ هو لُبُّ التقوى، والتقوى هي لُبُّ التمهيد: ●والسؤال: كيفَ أُحيي شعيرةَ ذكرى ميلادِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من خلال التزامي بأوامره؟ وبعبارةٍ أخرى: ما آليةُ التمهيدِ للإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؟ الجواب: هناك بعضُ الأعمالِ التي من المُمكنِ أنْ تكونَ أعمالًا مُمهِّدةً لظهورِ الإمامِ –بعدَ تحقُّقِ الأعمال الأخرى-، منها: 1/ الالتزامُ بالواجباتِ والاجتنابِ عن المُحرّمات. 2/ الدُعاءُ بتعجيلِ فرجِ آلِ مُحمّدٍ (عليهم السلام). 3/ كتابةُ بحثٍ أو مقالٍ أو قصةٍ أو شعر بعدَ الاطلاعِ على سيرته بهدفِ بيانِ فضائلِ الإمامِ ومقاماتهِ ومواقفه ومظلوميته. 4/ إتقانُ العملِ البيتي، أو حتى الوظيفي المقرون بمُراعاةِ العِفّةِ والحِشمةِ والأدبِ للنساءِ والورعِ وغضِّ البصر. 5/ إعطاءُ الجوارحِ حقَّها، ومنعُها عمّا يُغضِبُ اللهُ (تعالى)، كعدمِ الذهابِ للأعراسِ ذات الغناء الماجنِ، وعدمِ المُشاركةِ فضلًا عن الاستماعِ للغيبةِ والنميمة، واستبدالِ ذلك بما يُرضي الله (تعالى). 6/ صِلةُ الأرحام؛ لما لها من أهميةٍ بالغةٍ، ولقطعِها حُرمةٌ كبيرةٌ. 7/ الإحسانُ إلى الوالدين، فإنّ رضا الله (تعالى) من رضاهما. 8/ تربيةُ الأبناءِ على نهجِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام). 9/ تنظيمُ الوقتِ وتقسيمُه. 10/ التفقُّهُ في دينِ اللهِ (تعالى) –التفقُّهُ بالمعنى الأخصّ- بتعلُّمِ الأحكامِ الابتلائية على الأقل. 11/ الثباتُ على العقيدة، والعملُ على الدفاعِ عنها إنْ أمكن. 12/ المُساهمةُ في كفالةِ يتيم، ومساعدةِ الفقراء، والتقرُّبُ بذلك لله (تعالى). "كما وذكر الميرزا الأصفهاني (قدس سره) عدّة أعمالٍ، منها: 13/ الاغتمامُ لفراقهِ ولمظلوميتهِ (عليه السلام). 14/ انتظارُ فرجهِ وظهورِه (عليه السلام). 15/ البُكاءُ على فراقِه ومصيبتِه (عليه السلام). 16/ التسليمُ والانقيادُ لأمرِ اللهِ وتركُ الاستعجالِ في ظهورِه (عليه السلام). 17/ أنْ نصلَه (عليه السلام) بأموالنا. 18/ التصدُّقُ عنه بقصدِ سلامتِه (عليه السلام). 19/ معرفةُ صفاتِه، والعزمُ على نُصرتِه في أيّ حالٍ كان...(عليه السلام). 20/ طلبُ معرفتِه (عليه السلام) من اللهِ (عز وجل). 21/ إعطاءُ القرابين نيابةً عنه (عليه السلام) بقدرِ الاستطاعة. 22/القيامُ احترامًا عندَ ذكرِ اسمِه وخصوصًا لقب (القائم) (عليه السلام). 24/ إعدادُ السلاحِ للجهادِ بينَ يديه (عليه السلام). 24/ التوسُلُ به (عليه السلام) في المُهمّاتِ، وإرسالِ رسائلِ الاستغاثةِ له (عليه السلام). 25/ الثباتُ على الدينِ القويمِ، وعدمُ اتباعِ الدعواتِ الباطلةِ المُزخرفة. 26/ الصلاةُ عليه (عجل الله فرجه). 27/ دعوةُ الناسِ لمعرفتهِ وخدمتِه وخدمةِ آبائه الطاهرين. 28/ الصبرُ على المصاعبِ وعلى تكذيبِ وأذى أعوانِه في زمانِ غيبتِه (عليه السلام). وأعمالٌ أخرى لا يسعُ المقامُ لذكرها، يُفضّلُ مُطالعةُ المصدرِ بكامله"(41). ■والخُلاصة: أنّ مُثلثَ الشعيرةِ الشعبانية تجسّدَ بمعرفتي بالإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، ثم محبتي له، التي تؤدّي إلى عملي بأوامره. وإذا عملتُ بأوامرِه كسبتُ رضا الله (تعالى)، وكان عملي هذا دافعًا نحو التمهيدِ لدولتِه الكريمة، وبهذا أكونُ قد أحييتُ شعيرةً من شعائرِ اللهِ (تعالى) التي هي من لُطفِه بعباده. _____________________ (36) سورة النساء: 59. (37) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب إن الأئمة عليهم السلام ولاة أمر الله وخزنة علمه, ص192, ح1. (38) مصدر سابق, ج1, باب فرض طاعة الأئمة, ص186, ح3. (39) سورة الحج: 32. (40) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج67, ص285, ح8. (41) ظ: وظيفة الأنام في زمن غيبة الإمام: للسيد محمد تقي الموسوي الاصفهاني, ج1-2. اللهم اجعلنا من أعوانه ومُقويّةِ سلطانه والمؤتمرين لأمره والراضينَ بفعله والمُسلِّمين لأحكامه يا أرحمَ الراحمين.

دراسات مهدوية
منذ شهرين
97

مُثلثُ الشعيرةِ الشعبانية الحلقة الثانية

بقلم: علوية الحسيني ٢/ محبةُ الإمامِ بعدَ أنْ أعرفَ الإمامَ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) أنتقل إلى مرحلةِ حُبّه؛ فحُبّي للإمامِ تابعٌ لمعرفتي به، وهو الذي يُعينني على طاعةِ الإمام؛ لأنّ "الحبيبَ لمن أحبّ مطيعُ"(19). المحبةُ أمرٌ متوسطٌ بينَ المعرفةِ والطاعةِ بالعمل؛ أيّ إذا لم أعرفِ الإمامَ كيف أُحِبُّه؟! وإذا أحببتُه بعدَ معرفتِه كيفَ لا أعملُ بقولِه، وأُمهِّدُ لظهوره؟! ■والأدلةُ على وجوبِ محبةِ الإمامِ عديدةٌ، نذكر البعضَ منها: ●أولًا: الدليلُ القرآني لقد أوصانا اللهُ (تعالى) في كتابِه الكريم بالودِّ لأهلِ بيتِ نبيّه (عليهم السلام)، حينما علّم نبيّه (صلى الله عليه وآله) أنْ يُخبِرَ الأمةَ بالمودةِ في قُربته؛ بقوله حكايةً: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}(20). "والمودةُ هي الحُبُّ الظاهرُ أثرُه في مقامِ العمل، فنسبةُ المودةِ إلى الحُبِّ كنسبةِ الخضوعِ الظاهرِ أثرُه في مقامِ العملِ إلى الخشوعِ الذي هو نوعُ تأثُّرٍ نفساني عن العظمةِ والكبرياء"(21). ●ثانيًا: الدليلُ الروائي: أ) لقد حثّتِ الرواياتُ الشريفةُ على محبةِ أهلِ البيت (عليهم السلام) عمومًا، فقد رويَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "ألا ومن أحبَّ آلَ محمدٍ أمنَ من الحسابِ والميزانِ والصراط"(22). ب) هناك رواياتٌ جعلتْ حبّهم (عليهم السلام) استكمالًا للدّين، أيّ إنّ الدّينَ بلا محبتِهم دينٌ ناقص؛ حيثُ رويَ عن رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "حُبُّ أهلِ بيتي وذُرّيتي استكمالُ الدين"(23). كيفَ لا، وحُبُّهم وحُبُّ سيّدِهم (عليهم السلام) هو طريقٌ لحُبِّ اللهِ (تعالى)، قالَ (تعالى): {إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم}(24). فاتباعُ النبيّ وآله (عليهم السلام) طريقٌ لمحبةِ اللهِ (تعالى)، ونتيجةٌ لحُبّه (تعالى) لهم. *وهُنا محذوران: •الأول: الإفراطُ في محبةِ الإمامِ: أي الغلو في المحبةِ إلى درجةِ تأليهِ الإمامِ. هذا المحذورُ يخدشُ عقيدتَنا في التوحيد، وكثيرًا ما حذّرَنا أهلُ البيتِ (عليهم السلام) باجتنابِه؛ رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا، وإيّاكم والغلو كغلو النصارى فإنّي بريءٌ من الغالين"(25). •الثاني: التفريطُ بحيث يُصبح المرء مبغضاً للإمام (عليه السلام) أو مشككاً في كمالاته ومقاماته الوجودية. والعلاج هو: لا بُدّ من الموازنةِ في حُبِّ الإمام، فلا تفريطَ بالجُحدِ وعدم الحُب، ولا إفراط بالغلو، بـل أمرٌ بين أمرين. ■وهُنا سؤال: كيف أحِبُّ الإمامَ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) باتزان؟ وكيفَ أُرسِّخُ محبةَ إمامِ زماني؟ والجواب: إنّ محبةَ الأئمةِ (عليهم السلام) عمومًا توجِبُ الرحمةَ الإلهية؛ كما هو ظاهرُ ما رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "رحِمَ اللهُ عبدًا حبَّبنا إلى الناسِ ولم يُبغِّضْنا إليهم"(26)، ولو تتبّعْنا موجباتِ حُبِّ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لوجدنا فيضَ الرحمةِ الإلهيةِ يشملُ كُلَّ مُحِبٍّ لإمامِ زمانه. ومُمكِنٌ أنْ تنفعَ عِدّةُ نقاط، منها: 1- "صفاءُ القلب؛ فالقلبُ كُلّما كانَ صافيًا من الشوائبِ التي تُعيقُ الوصولَ إلى الكمال، كانَ صاحبُه أهلًا ليُحِبّ إمامَ زمانِه، فمن كانَ قلبُه حنونًا رؤوفًا داعيًا لقضاءِ حوائجِ الآخرين كان مُتيّمًا بحُبِّ إمامه. 2- الطهارةُ من الذنوب؛ فمن كسرَ قيدِ الذنوبِ وتحرّرَ من سجنها، وتوضّأ بماءِ التوبة، وعملَ على تهذيبِ نفسِه، كان أهلًا ليُحِبّ إمامَ زمانِه. 3- الإهداءُ للإمام. وهذا أمرٌ وجداني، فمُجرّدُ الإهداءِ لشخصٍ توجِبُ محبته، فكيف لو كانَ ذلك الشخصُ هو الإمامَ؟! 4- الذكرُ الخفيّ الدائم للإمام. فإنّه يوجِبُ المحبةَ الشديدة. 5-التألُّمُ لآلامِ الإمامِ والفرحُ لفرحِه. هذه الحالةُ من السنخيةِ أيضًا توجِبُ المحبة"(27). 6- كثرةُ ذكرِ الإمام؛ من المُمكن أنْ يكونَ مدعاةً لإطلاقِ اسمِ المُحِبّ على من أكثرَ ذكرَ مولاه أمامَ الملأ. 8- عدُّ كُلِّ ما هو من الإمامِ جميلًا. ومصاديقُه كثيرةٌ لا يسعُ المقامُ لذكرِها، فمن أحبّ مولاه بصدقٍ تيقّنَ من حِكمته وحِكمة خالقه"(28). يُضاف إلى ذلك، الصفات التي اتصف بها الإمام المهدي (عليه السلام) وسلوكياته التي ذكرتها النصوص، فإنها توجب محبته لمن كان له قلب، ومنها: 1- إنّ الإمامَ (عجّل الله فرجه الشريف) رحمةٌ للعالمين؛ روي أنّ رجلًا أتى للإمامِ الصادق (عليه السلام) وقال له: "إنّكم أهلُ بيتِ رحمةٍ اختصّكم اللهُ (تبارك وتعالى) بها، فقال له: كذلك نحنُ والحمدُ لله لا ندخلُ أحدًا في ضلالة ولا نُخرجُه من هدى إنّ الدُنيا لا تذهبُ حتى يبعث اللهُ (عز وجل) رجلًا منّا أهلِ البيتِ يعملُ بكتابِ اللهِ لا يرى فيكم منكرًا إلا أنكر"(29)، فهذا دافعٌ جيّدٌ لمحبةِ الإمام. 2- إنّ الإمامَ (عجّل الله فرجه الشريف) يطلبُ من أصحابِه عدمَ استخدامِ العُنفِ بجميع صوره، فيُبايعونه على ذلك، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدَ وصفِه لأصحابِ الإمامِ المهدي (عليه السلام): "يُبايعونُه على أنْ لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا ولا يهتكوا حريمًا محرمًا ولا يسبّوا مسلمًا ولا يهجموا منزلًا ولا يضربوا أحدًا إلا بحق،... ولا يخربوا مسجدًا ولا يقطعوا طريقًا ولا يظلموا يتيمًا ولا يُخيفوا سبيلًا ولا يحتسبوا مكرًا ولا يأكلوا مال اليتيم ولا يفسقوا بغلام ولا يشربوا الخمر ولا يخونون الإمامةَ ولا يخلفوا العهدَ ولا يحبسوا طعامَ من برٍ أو شعيرٍ ولا يقتلوا مستأمنًا ولا يتبعوا منهزمًا ولا يسفكوا دمًا ولا يجهزوا على جريح"(30). 3- إنّ الإمامَ (عجّل الله فرجه الشريف) يُحاولُ أنْ يهديَ ألدَّ أعدائه وهو السفياني، روي عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: " يقولُ [القائم] لأصحابِه سيروا إلى هذه [هذا] الطاغية [السفياني]، فيدعوه إلى كتابِ الله وسنةِ نبيه (صلى الله عليه وآله)، فيُعطيه السفياني من البيعةِ سلمًا فيقول له [للسفياني] كلب وهم أخوالُه: [ما] هذا ما صنعت؟ والله ما نُبايعك على هذا أبدًا، فيقول [السفياني]: ما أصنع؟ فيقولون: استقبله [أي قابل الإمام المهدي] فيستقبله، ثم يقول له القائمُ (صلى الله عليه): خُذْ حذرَك فإنني أديت إليك وأنا مقاتلك"(31). 4- إنّ الإمامَ (عجّل الله فرجه الشريف) يُحاورُ مُخالفيه ولا يُريدُ مُقاتلتهم حيثُ روي أنّه (عجّل الله فيرجه الشريف) "يستدعي بين يديه كبارَ اليهودِ وأحبارَهم ورؤساءَ دينِ النصارى وعلماءهم ويُحضِرُ التوراةَ والإنجيلَ والزبورَ والفرقانَ ويُجادلهم على كُلِّ كتابٍ بمفرده يطلب منهم تأويله ويعرفهم تبديله ويحكمُ بينهم كما أمرَ اللهُ ورسوله"(32). ومن هنا يدخلُ في دينِ الله (تعالى) العديد من اليهودِ والنصارى طوعًا، بعد اقتناعِهم بحوارِ الإمام أرواحنا فداه، فما أرحمه! 5-إنّ الإمامَ (عجّل الله فرجه الشريف) يفتحُ القسطنطينية بلا قتالٍ، روي عن الإمامِ الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "إذا قامَ القائمُ ...ويبعثُ جندًا إلى القسطنطينية، فإذا بلغوا الخليجَ كتبوا على أقدامِهم شيئًا ومشوا على الماء، فإذا نظرَ إليهم الرومُ يمشون على الماء قالوا: هؤلاء أصحابُه يمشون على الماء، فكيف هو؟! فعندَ ذلك يفتحون لهم أبوابَ المدينة، فيدخلونها فيحكمون فيها ما يريدون"(33). ■والسؤالُ لا زالَ قائمًا بعدَ كُلِّ هذا: هل تكفي محبتي لإمامِ زماني بعدَ أنْ عرفته؟ الجواب: لا تكفي استقلالًا؛ بل لا بُدّ من أنْ تكونَ مقرونةً بالعمل؛ فلو تأمّلنا في سياقِ الآية: {إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم}(34)، لوجدنا أنّها دليلٌ على ضرورة اقتران الحب بالعمل. هذا وقد روي عن الإمامِ الباقر (عليه السلام): " يا جابر من أطاعَ اللهَ وأحبَّنا فهو ولينا"(35). إذًا لا تكفي المحبةُ بعدَ المعرفةِ ما لم تقترنْ بعمل، وهذا ما سأوضحه لاحقًا إنْ شاء الله (تعالى). __________________________ (19) مما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام), في بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج47, ص24. (20) سورة الشورى: 23. (21) تفسير الميزان: للسيد الطباطبائي, ج16, ص166. (22) فضائل الشيعة: للشيخ الصدوق, ص4. (23) الأمالي: للشيخ الصدوق, ص258. (24) سورة آل عمران: 31. (25) الاحتجاج: للشيخ الطبرسي, ج2, ص233. (26) الكافي: للشيخ الكليني, ج8, ص229, ح292. (27) ظ: الحقيقة المهدوية: للسيد منير الخباز, ص18-21. (28) ظ: مقال بعنوان: كيف تعرف أن الإمام (عجّل الله فرجه) يحبك وأنت تحبه؟: للشيخ حسين عبد الرضا الأسدي, مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام), 231. (29) الكافي: للشيخ الكليني, ج8, ص396, ح597. (30) الملاحم والفتن: للسيد ابن طاووس, ج1, ص292. (31) تفسير العياشي: لمحمد بن مسعود العياشي, ج2, ص60. (32) إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب: للشيخ علي اليزدي الحائري, ج2, ص197. (33) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, باب21, ص332-333, ح7. (34) سورة آل عمران: 31. (35) الأمالي: للشيخ الطوسي, 582 / 29, ص296. بنفسي أنتَ من أمنية شائقٍ يتمنى, من مؤمنٍ ومؤمنةٍ ذكرا فحنّا.

دراسات مهدوية
منذ شهرين
152

مثلثُ الشعيرةِ الشعبانية الحلقة الأولى

بقلم: علوية الحسيني إنّ هذه المناسبةَ المقدّسةَ التي هي من شعائرِ اللهِ (تعالى) ينبغي علينا إحياؤها دومًا بما يليق وقدسيتها، انطلاقًا من يومِ الخامس عشر من شعبان المُعظّم. الشعيرةُ: هي كُلُّ عملٍ يكونُ مظهرُه الجزعَ على مصابِ الأئمةِ (عليهم السلام)، أو يكونُ مَظهرًا لمواساتهم في مظلومياتهم، أو مظهرًا من مظاهرِ الفرحِ لفرحِ آلِ مُحمّدٍ (عليهم السلام). وذكرُنا لذلك هو نوعٌ من إحياءِ الشعائِرِ من وجهٍ ونوعٌ من التمهيدِ لإمامِ الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) من وجهٍ آخر، يقولُ اللهُ (تعالى) في مُحكمِ كتابه الكريم: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب}(1). *وهنا سؤالٌ: كيفَ نُحيي شعيرةَ ذكرى ميلادِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؟ هل يكفي اطلاعُنا على الأدوارِ التي قامَ بها الإمام أو عبادته أو تعامله؟ أم هل يكفي الحُبُّ القلبي له (عجّل الله فرجه الشريف)؟ الجواب: كُلُّ ذلك لا يكفي استقلالًا؛ بل لإحياءِ تلك الشعيرةِ مُثلثٌ مُرتبطٌ رأسه بقاعدته، لا بُدّ من تحقيقِها جميعًا؛ فرأسُه المعرفةُ بالإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وقاعدته: حبّ الإمام, والعمل بأوامره. 1/ مـــعرفةُ الإمامِ: نبدأ برأسِ الهرم الذي هو معرفةُ الإمامِ (عجّل الله فرجه الشريف)، والأدلةُ على وجوبِ معرفةِ الإمامِ عديدةٌ نذكرُ البعضَ منها: أولًا: الدليلُ القرآني: والأدلةُ القرآنيةُ على ذلك عديدةٌ، منها: قول الله (تعالى): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(2). "فأوجبَ معرفةَ الأئمةِ من حيث أوجبَ طاعتَهم، كما أوجبَ معرفةَ نفسِه، ومعرفةَ نبيّه – (عليه وآله السلام)- بما ألزمَ من طاعتهما"(3)؛ أيّ إنّي إذا لم أعرفِ الإمامَ لا أُطيعه، فالمعرفةُ أولًا، ثم تتفرّعُ منها الطاعة. تمامًا كما هو الحالُ في طاعةِ اللهِ (تعالى)؛ فإذا لم أعرفْه كيفَ أطيعه؟! ثانيًا: الدليلُ الروائي: أ) عن زرارة قال: "قلتُ لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفةِ الإمامِ منكم، واجبة على جميعِ الخلق؟ فقال: إنّ اللهَ (عز وجل) بعثَ محمدًا (صلى الله عليه وآله) إلى الناسِ أجمعين رسولًا وحجةً للهِ على جميعِ خلقِه في أرضِه، فمن آمنَ باللهِ وبمُحمّدٍ رسولِ الله واتبعه وصدّقه فإنَّ معرفةَ الإمامِ منّا واجبةٌ عليه، ومن لم يؤمنْ باللهِ وبرسولهِ ولم يتبعه ولم يُصدِّقْه ويعرفْ حقَّهما فكيفَ يجبُ عليه معرفةُ الإمامِ وهو لا يؤمنُ باللهِ ورسولِه ويعرف حقَّهما؟!"(4). ب) الدُعاءُ المروي عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "اللَّهُمّ‏ عَرّفْني حَجّتَكَ فَإنَّكَ إن لَمْ تُعرّفْني حُجّتَكَ ضَلَلْتُ عَن ديْني"(5)، فمن لم يعرفْ إمامَ زمانِه ضالٌ، تائهٌ، لا يعرفُ عقيدةً حقّةً، ولا فقهًا مُستدلًا عليه، ولا أخلاق إلهية؛ لأنّه لم يمسكْ بحبلِ اللهِ المتين، محمدٍ وأهل بيته الطاهرين. ج) عن الإمام الصادق (عليه السلام): "من باتَ ليلةً لا يعرفُ فيها إمامَه ماتَ ميتةً جاهلية"(6)، فالحديثُ يصفُ من لم يعرفْ إمامَ زمانِه بأنّه جاهلٌ، والعقلُ يحكمُ بوجوبِ رجوعِ الجاهلِ إلى العالم، ومخزنُ علمِ اللهِ (تعالى) هم مُحمّدٌ وآله (عليهم السلام)؛ فنُلاحظُ عظمةَ معرفةِ الإماِم (عجّل الله فرجه الشريف)، وما يترتبُ على الجهلِ بها، فضلًا عن جحدها ولهذا عُدَّتْ رأسًا لهرمِ إحياءِ الشعيرةِ الشعبانية. *وهنا سؤالٌ مهمٌ: كيف أعرفُ إمامَ زماني؟ الجوابُ باختصار: إنّ لمعرفةِ الإمامِ درجاتٍ، أدناها ما رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "وأدنى معرفةِ الإمامِ أنّه عدلُ النبيّ إلا درجةَ النبوةِ ووارثِه، وإنّ طاعتَه طاعةُ اللهِ وطاعةُ رسولِ الله، والتسليمُ له في كُلِّ أمرٍ والردّ إليه والأخذ بقوله"(7). فالحديثُ يستبطنُ ثلاثةَ أمورٍ هي: (معرفةُ الإمام، والتسليمُ القلبي بالمحبّةِ له، والعملُ بقوله)، وهي عينُ المُثلثِ الذي أشرنا إليه أعلاه. والكتبُ المهدويةُ كفيلةٌ ببيانِ معرفةِ الإمام، وآدابِ انتظاره، وعلاماتِ ظهوره، وجميعِ تفاصيلِ قضيّته، من شاءَ زيارة مركزِ الدراساتِ التخصُصيةِ في الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لقراءةِ الكتبِ الموثوق فيها. نعم، هناك عدّة أمورٍ مهمةٍ ينبغي معرفتُها، منها: 1- إنّ الإمامَ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مُنَصَّبٌ كإمامٍ بجعلٍ إلهي -كما هو حالُ أجدادِه (عليهم السلام)-؛ قال (تعالى): {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}(8). 2- إنّ اسمه (عجّل الله فرجه الشريف) هو مُحمّد؛ كما رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "الخَلَفُ الصالحُ من ولدي وهو المهدي اسمُه مُحمّدٌ وكُنيتُه أبو القاسم يخرجُ في آخرِ الزمان"(9). 3- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) من ولدِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام)؛ كما رويَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "والأئمةُ التسعةُ من ولدِ الحُسينِ تاسعُهم مهديُّهم وقائمُهم"(10). 4- عصمتُه (عجّل الله فرجه الشريف) لخوفه الشديدِ من ربِّ الأرضِ والسماوات، فكانَ ورعًا لا يقترفُ المعاصي، ولا يتركُ الواجباتِ –كأجدادِه (عليهم السلام)-. 5- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) حاملُ عرشِ اللهِ (تعالى) –أي حاملُ علمِ الله-؛ لأنّه أولُ من نطقَ بالربوبيةِ للهِ (تعالى) في عالمِ الذرّ بعدَ النبيّ مُحمّدٍ وأهلِ بيتِه (عليهم السلام)؛ رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: حينَما سُئلَ عن آيةِ {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء}(11) وعلم أنّ هناك من يقولُ إنّ العرشَ كانَ على الماءِ والربّ فوقه، فقال: "كذبوا، من زعمَ هذا فقد صيّرَ اللهَ محمولًا ووصفَه بصفةِ المخلوقِ ولزمَه أنّ الشيءَ الذي يحملُه أقوى منه،... إنّ اللهَ حملَ دينَه وعلمَه الماءَ قبلَ أنْ يكونَ أرضٌ أو سماءٌ أو جنٌ أو إنسٌ أو شمسٌ أو قمر، فلمّا أرادَ اللهُ أنْ يخلقَ الخلقَ نثرَهم بينَ يديه فقالَ لهم: من ربُّكم؟ فأولُ من نطق رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وأميرُ المؤمنين (عليه السلام) والأئمةُ (صلوات الله عليهم) فقالوا: أنتَ ربُّنا، فحمّلَهم العلمَ والدين، ثم قالَ للملائكة: هؤلاءِ حملةُ ديني وعلمي وأُمنائي في خلقي وهم المسؤولون"(12). 6- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) وارثُ الأنبياءِ والأوصياءِ (عليهم السلام)؛ حيث إنّه ورثَ الكتبَ الصحيحةَ من التوراةِ والإنجيلِ والزبور، رويَ عن الإمامِ الباقر (عليه السلام): "إذا قامَ قائمُ أهلِ البيتِ...يستخرجُ التوراةَ وسائرَ كتبِ اللهِ (عز وجل) من غارٍ بأنطاكية، ويحكمُ بينَ أهلِ التوراةِ بالتوراة، وبينَ أهلِ الإنجيلِ بالإنجيل، وبينَ أهلِ الزبورِ بالزبور"(13). مثلما ورثَ عصا موسى وتابوتَ آدم (عليهما السلام)؛ رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "عصا موسى...هي وتابوت آدم في بحيرةِ طبرية، ولن يبليا، ولن يتغيّرا حتى يُخرجهما القائمُ (عليه السلام) إذا قام"(14). فضلًا عن أنّه ورثَ قميصَ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، روي عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "ألا أُريكَ قميصَ القائمِ الذي يقومُ عليه؟ فقلتُ: بلى. قال: فدعا بقمطر((4)) ففتحه وأخرجَ منه قميص...فقال: هذا قميصُ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)...وفيه يقومُ القائم"(15). 7- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) مُسدّدٌ بروحٍ من اللهِ (تعالى)، روي عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "عن أبي بصير قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز وجل): "يسألونك عن الروحِ قُلِ الروحُ من أمرِ ربّي" قال: خلقٌ أعـــظمُ من جبرئيل وميكائيل، كانَ مع رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وهو مع الأئمةِ، وهو من الملكوت"(16). 8- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) أفضلُ وأحكمُ وأعلمُ الأئمةِ من بعدِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام)؛ روي عن سلمان قال: "كُنّا مع رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) والحُسينُ بن علي (عليهما السلام) على فخذه إذ تفرّسَ في وجهه. وقال: يا أبا عبد الله أنت سيّدٌ من سادة وأنت إمامٌ ابن إمامٍ أخو إمام، أبو أئمةٍ تسعة تاسعُهم قائمُهم إمامُهم أعلمُهم أحكمُهم أفضلُهم"(17). 9- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) يُظهِرُ الأحكامَ الواقعية، ويُهذّبُ الدينَ من البدع؛ كما نقرأُ في دعاءِ العهدِ المروي عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "واجعله اللهمَّ... ومُجدِّدًا لما عُطِّلَ من أحكام كتابك"(18). تُرى، هل تكفي معرفتُنا بالإمامِ لإحياءِ ذكره؟ الجواب: لا، والتفصيلُ يأتي لاحقًا إنْ شاء الله (تعالى). _____________________ (1) سورة الحج: 32. (2) سورة النساء: 59. (3) الإفصاح: للشيخ المفيد, ص28. (4) الكافي: للشيخ الكليني, ج1 باب معرفة الإمام والرد عليه, ص80-181, ح3. (5) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب في الغيبة , ص342, ح29. (6) الغيبة: للشيخ النعماني، ج1، ب4، ص124، ح1. (7) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج36, ص407. (8) سورة الأنبياء:73. (9) كشف الغمة: للإربلي, ج3, ص275. (10) عيون اخبار الرضا: للشيخ الصدوق, ج2,ص60, ح25. (11) سورة هود: 7. (12) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب العرش والكرسي, ص133, ح6. (13) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, باب13, ص241, ح26. (14) مصدر سابق, ج1, باب13, ص241, ح27. (15) مصدر سابق, ج1, باب13, ص248, ح41. (16) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة عليهم السلام, ص273, ح3. (17) مقتضب الأثر: لأحمد بن عياش الجوهري, ص9. (18) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج53, ص96. اللّهم عرّفني حجّتك؛ فإنّك إنْ لم تُعرّفني حجّتكَ ضللتُ عن ديني.

دراسات مهدوية
منذ شهرين
179

المبحث الثاني: الصيحة الإبليسية (٢)

بقلم: علوية الحسيني ▪️المطلب الرابع: هدف الصيحة الإبليسية إنّ من يكون عدوًا لله تعالى ولرسله (عليهم السلام) فإن هدفه هو كفر الناس بالله تعالى, وبجميع رسله وشرائعهم. وما نلحظه من هذا الحدث الحتمي هو اضلال الناس عن اتباع الحق, لكن هذا الإضلال يتفاوت بالدرجات حسب فئات السامعين للصيحة, والتفصيل كالتالي: 1- غير المسلمين: إنّ سائر الأديان, ومن لا دين لهم لا يعني لهم (السفياني) المنادى باسمه, لعدم إيمانهم به؛ لكن هدف الصيحة الإبليسية هو زعزعة تصديقهم بما سمعوا من الصيحة الجبرائيلية بأن الحق مع قائم آل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين)؛ فيرتابون, وتغشاهم الحيرة في اتخاذ قرار الاتباع, فمنهم من يؤمن بها, ومنهم من يكفر بها. 2- المسلمون: أما المسلمون الذين هم غير الشيعة فتأثرهم بالصيحة الإبليسية سيكون أكثر درجةً من تأثيرها على غير المسلمين؛ إذ تهدف إلى حصول فتنة بين أتباع الإمام علي (عليه السلام), وبين أتباع عثمان (الخليفة الثالث) الذي اتهموا الإمام علي بقتله آنذاك, فتحدث معمعة بينهما, ومنهم من يؤمن بها, ومنهم من يكفر ويبدّل موقفه؛ فيناصر أتباع الإمام. 3- المؤمنون: أما المؤمنون وهم الشيعة الإمامية فهنا يختبر مدى ثباتهم على عقيدتهم, فمن كانت عقيدته راسخة لا يتبّع الصيحة الإبليسية, فلا يوالي السفياني, ويبقى مصرًا على إيمانه بإمام زمانه. أمّا من كانت عقيدته متزلزلة فلربما يقع في الشك، خصوصاً إذا كان ممن لم يسمع ولم يقرأ الروايات عن الصيحة وكيفية الوقاية من صيحة إبليس. *وهنا التفاتة لطيفة لا بد من بيانها تعضيدًا للكلام؛ حيث روي أنّ زرارة سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن كيفية معرفة الحق من الباطل, فقال له الإمام: يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: إنه يكون قبل أن يكون، ويعلمون أنهم هم المحقون الصادقون" (31). وظاهرًا في ذلك إشارة من الإمام الصادق (عليه السلام) إلى ضرورة تثقيف المؤمن بقضية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), باطلاعه على أحاديث العترة المحمدية. وبهذا يندفع ما يسبب حيرةً لمن سمع الصيحة الإبليسية المُضلة. ▪️المطلب الخامس: الصيحة الإبليسية ليست اعجازًا: رغم أنّ المستفاد من ظاهر الروايات أنّ الصيحة الإبليسية يسمعها جميع أهل الأرض, إلّا أنّ هذا الأمر "ليس بمعجز؛ لعدّة أسباب" (32), منها: 1- لو كانت الصيحة الإبليسية معجزة للزم أن يغرر الله تعالى بالقبيح, والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. فالمعجزة يقبح عقلاً اظهارها على يد كاذب منافق كالسفياني ومن يصيح باسمه, وبالتالي من يسميها معجزة لازم قوله أنّ الله تعالى يغرر بالقبيح بإجراء المعجزة على يد عدوه وهذا باطل. 2- لو كانت الصيحة الإبليسية معجزة للزم أن تكون وليدة العناية الإلهية, والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. فصيحة إبليس هي وليدة تخطيط ودراسة وتنفيذ أعداء الله تعالى, بل وحذّرت روايات العترة المحمدية من اتباع مضمونها. 3- لو كانت الصيحة الإبليسية معجزة للزم أن يكون أصحابها متحلين بأكمل الفضائل والأخلاق الإنسانية, والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. فمن يتأمل في سيرة السفياني يجدها دموية, محاربة لله (تبارك وتعالى), وللرسول وآله (عليهم السلام), فضلًا عن انحطاط أخلاقه, وانعدام إنسانيته, هو وأتباعه. ■الخاتمة الحمد لله الواحد المعبود، عمّ بحكمته الوجود، وشملت رحمته كلّ موجود، أحمده سبحانه وأشكره وهو بكلِّ لسانٍ محمود, على جميع النعم, لاسيما نعمة موالاة المنقذ الموعود (عجّل الله فرجه الشريف). وفي النهاية لا يخطر على بالي إلاّ أن أقول أنّي وبحمد الله أبديتُ جهديَ المتواضع, أسألُ الله تعالى أن وفّقت فى تقديمِ جهدٍ وإن كان متواضعًا في هكذا موضوع. ويبقى محلاً للنقد البنّاء, فلست أدّعي كماله. وتوصلتُ في بحثي المتواضع هذا إلى النتائجِ الآتية: 1/ الصيحة الجبرائيلية لطف من الله تعالى بالمؤمنين, وتنبيه للمسلمين وغير المسلمين. 2/ الصيحة الإبليسية حتمية الوقوع باللازم, ينحرف معها المعاند, والكافر, ومتزلزل العقيدة, وتبقى كيفيتها غيبية, وكل ما يورد فهو احتمال. 3/ الصيحة الجبرائيلية والإبليسية لا يتسببان بموت الناس. 4/ حث أهل البيت (عليه السلام) على ضرورة الالتزام بتراثهم. _________________ (31) إثبات الهداة: للشيخ الحر العاملي, ج3, ص736، ح104. بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص294، ح46. معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): للشيخ الكوراني, ج3, ص475، ح1018. (32) ظ: محاضرات في الإلهيات: للشيخ السبحاني, ص259, 261-263. اللّهم ثبتنا على دينك, واستعملنا بطاعتك, وليّن قلوبنا لولّي امرك. والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمدٍ, وآله الطاهرين.

دراسات مهدوية
منذ سنة
670

المبحث الثاني: الصيحة الإبليسية (١)

بقلم: علوية الحسيني عرفنا في الروايات الشريفة أنّ هناك خمس علاماتٍ حتمية, لابد من تحققها قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), ومنها: الصيحة. وعرفنا هوية الصيحة الجبرائيلية, ولابد من معرفة هوية الصيحة التي تقابلها, وهي الصيحة الإبليسية, وبما أنّ الصيحة الأولى من العلامات الحتمية, كذلك العلامة الثانية كذلك, فلازم اللازم لازم. ونظرًا لأهمية هذا الموضوع أُفرد في مبحثٍ مستقل, وسيتم بيان هوية هذه الصيحة, من مصدرها, ووقتها, ومضمونها, وهدفها, ونفي اعجازها, وذلك ضمن المطالب التالية: ▪️المطلب الأول: مَصدَر ومُصدِر الصيحة الإبليسية إنّ مَصدر الصيحة الإبليسية هو الأرض, ولذا يُعبر عنها (بصيحة ابليس)؛ إشارةً إلى مُصدِرها وهو -ظاهرًا- ابليس اللعين الذي طرده الله تعالى من الجنة, فنزل من السماء, وسكن الأرض, هو وذريته. وهذه الصيحة أرضية, لا دخالة للملائكة بها, بل هي من فعل ابليسي. فبعد طرد ابليس من الجنة إلى الأرض, شكّل له أعوانًا وجنودًا, كما أخبرنا الله تعالى: {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُون} (18), فلا يستبعد أن ينفذ الصيحة أحد جنود ابليس, وهم الشياطين من الجن, بل لا يستبعد أن يكونوا من الإنس الكفرة؛ بدليل الآية الكريمة: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} (19), التي جاء في تفسيرها أنّ "الأزّ هو التحريك بشدة وإزعاج, والمراد تهييج الشياطين إياهم إلى الشر والفساد وتحريضهم على اتباع الباطل وإضلالهم بالتزلزل عن الثبات والاستقامة على الحق" (20). وإرسال الشياطين على الكفرة وطلبهم فعل الشر والفساد "ليس جبرًا من الله تعالى؛ بل هم الذين جعلوا الشيطان عليهم ولهم وليًا, فهيمن عليهم, وجعلهم أداةً طيّعة" (21) وبالتالي فكل إنسان يعصي الله تعالى فهو موالٍ للشياطين, وجنود ابليس, ويشكلون حزبًا خاصًا بهم, بقيادة شيطانهم الأكبر -الذي يحتمل أن يكون من الإنس أيضًا- أسماهم الله تعالى بحزب الشيطان؛ بقوله: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُون} (22). إذًا مَصدَر الصيحة الإبليسية هو الأرض, ومُصدِرها هو إمّا ابليس, أو أحد شياطينه, أو أحد مواليهما من الإنس الكفرة. وما طرق أسماعنا اليوم من وجود مشروع ماسوني, يسمى بمشروع (الشعاع الأزرق -الهيلوغرافيا-), الذي عملت الجهات الصهيوأمريكية على انشائه منذ أكثر من عشر سنوات تقريبًا, ممكن أن يكون أبرز مصداقٍ لهذه الصيحة. وهذا المشروع "هو مشروع اصدار أصوات يسمعها جميع أهل الأرض, يخيّل للناس أنّه صادر من السماء, الهدف منه هو تشكيك الناس بعقائدهم, إلى أن يتخلوا عن أديانهم. ولعلّ الغرض الأسمى لهم هو التمهيد لهيمنتهم الدولية بقيادة المسيح الدّجال, الذي يرجون له" (23) ▪️المطلب الثاني: وقت الصيحة الإبليسية إنّ وقت هذه الصيحة هو آخر نهار اليوم الثالث والعشرون من شهر رمضان المبارك, الموافق يوم الجمعة. وتأتي هذه الصيحة كردّة فعلٍ على الصيحة الجبرائيلية –المشار إليها في المبحث الأول- أولاً وبالذات. وزمن الصيحة هذه يؤيد القول بأنّ مُصدِر الصيحة هم أناس كفرة, أتباع الشيطان؛ حيث إنّ الشياطين الجنيّة مغلولة الأيدي في شهر رمضان المبارك, فلا تستطيع الضر بالمؤمنين, لحكمةٍ من الله تعالى. إذًا هذا المطلب يكون تأييدًا للمطلب السابق, ففاعل الصيحة الإبليسية هو من فعل فاعل إنسي, كافر, ذي طباع وغايات إبليسية. ▪️المطلب الثالث: مضمون الصيحة الإبليسية إنّ مضمون الصيحة الكافرة هذه هو اتباع الخط المخالف لأهل البيت (عليهم السلام) المتمثل بالسفياني؛ حيث إنّه يخرج في شهر رجب, وتحصل الصيحة بعد شهرين من خروجه –في شهر رمضان كما علمنا في المطلب الثاني-. ولو لاحظنا الروايات لوجدناها تدرجت بتعريفنا بشخصية الشخص الذي يُصاح باسمه, فكانت على ثلاثة أصناف: 1- روايات مطلقة, منها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: فِي آخِرِ النَّهَارِ صَوْتُ المَلْعُونِ إِبْلِيسَ يُنَادِي: أَلا إِنَّ فُـلاناً قُتِلَ مَظْلُوماً، لِيُشَكِّكَ النّاسَ وَيَفْتِنَهُمْ، فَكَمْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ مِنْ شَاكٍّ مُتَحَيِّرٍ قَدْ هَوى فِي النَّارِ... وَالصَّوْتُ الثَّانِي مِنَ الأَرْضِ، وَهُوَ صَوْتُ إِبْلِيسَ اللَعِينِ، يُنَادِي بِاسْمِ فُلانٍ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُوماً، يُرِيدُ بِذَلِكَ الفِتْنَةَ، فَاتَّبِعُوا الصَّوْتَ الأَوَّلَ [الصيحة الجبرائيلية]، وَإِيَّاكُمْ وَالأَخِيرَ أَنْ تُفْتَنُوا بِه" (24), فلعلّ جواب الإمام كان مناسبًا لإدراك الشخص السائل, فكان مطلقًا, دون أن يشخّص له المصداق. 2- روايات أخرى مصرّحة باسم ذلك الشخص, وهو عثمان؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قلت: وكيف يكون النداء؟ قال: ينادي مناد من السماء أول النهار يسمعه كل قوم بألسنتهم: ألا أنّ الحق في علي وشيعته. ثم ينادي إبليس في آخر النهار من الأرض: ألا أنّ الحق في عثـمان وشيعته فعند ذلك يرتاب المبطلون" (25). ولو رجعنا إلى كتب اللغة لوجدنا معنى اسم عثمان هو "فرخ الثعبان، وقيل: فرخ الحية ما كانت، وكنية الثعبان أبو عثمان" (26), فمن خلال هذه الرواية نفهم أنّ عثمان المنادى باسمه هو عدو المنادى باسمه في الصيحة الجبرائيلية (قائم آل محمد عليه وعليهم السلام) وقد يُفهم أنّه عثمان بن عفان باعتباره الخط المعارض, حيث كان عثمان خليفة جائرًا, ولم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) راضيًا على حكمه, فعندما قتل عثمان اتّهم أتباعه الإمام علي (عليه السلام), "فلعلّ الصيحة الإبليسية تريد اثارة الفتنة بين أتباع علي (عليه السلام) –ومن ضمنهم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ومن آمن بالصيحة الجبرائيلية وبين أتباع عثمان" (27) 3- روايات مصرّحة بنسب ذلك الشخص المصاح باسمه, وهو سفياني اللقب والمنهج, روي عن الصادق (عليه السلام): "...ثم ينادي ابليس في آخر النهار: ألا إن الحق مع الـسفياني وشيعته فيرتاب عند ذلك المبطلون." (28) يذكر أنّ شخص السفياني قد أوضحه الإمام السجاد (عليه السلام) فقال: "هو من ولد عتبة بن أبي سفيان" (29), ولا يخفى عداء الأمويين للعلويين, وقد بيّن لنا الإمام الصادق (عليه السلام) جذور ذلك العداء بقوله: "إنّا وآل أبي سفيان أهلُ بيتين تعادينا في الله، قُلنا: صَدَق الله، وقالوا: كَذَب الله، قاتل أبو سفيان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقاتل معاوية عليَّ بن أبي طالب، وقاتل يزيدُ بنُ معاوية الحسين بن علي عليه السلام، والسفياني يقاتل القائم" (30), فثبت بذلك أنّ المصاح باسمه هو عدو قائم آل محمد (عليهم السلام) والجمع بين الثانية والثالثة يكون بأن المقصود من هذه الأسماء هي الإشارة إلى الخط المخالف لأهل البيت (عليهم السلام) كما تقدم. هدف الصيحة الإبليسية، ونفي إعجازها. يأتي لاحقًا إن شاء الله تعالى. ________________ (18) سورة الشعراء: 95. (19) سورة مريم: 83. (20) الميزان في تفسير القرآن: للسيد محمد حسين الطباطبائي, ج14, ص109. (21) ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج9, ص503. (22) سورة المجادلة: 19. (23) ظ: حقيقة مشروع الشعاع الأزرق ( الهيلوغرافيا ): للكاتب أحمد سيف الدين سكاف. (24) الغيبة: للنعماني: ص262, ب14, ح13. (25) الغيبة: للشيخ الطوسي, ص435. (26) لسان العرب: لابن منظور, ح12, ص385. (27) مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام), الأسئلة والأجوبة المهدوية, س127. (28) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص206. (29) الغيبة: للشيخ الطوسي, ص444. ح437. (30) معاني الأخبار: للشيخ الصدوق, ص346, ح1.

دراسات مهدوية
منذ سنة
1368

المبحث الأول: الصيحة الجبرائيلية (٢)

بقلم: علوية الحسيني ▪️المطلب الرابع: هدف الصيحة الجبرائيلية: تعتقد الشيعة الإمامية أنّ الله (تبارك وتعالى) عادل حكيم, لا يفعل عبثًا, فبالتالي كل فعلٍ من أفعاله نابع عن حكمةٍ منه, وعائد بالنفع على عباده. فمن عدله (تبارك وتعالى) أنّه دلّ عباده على الطريق القويم من خلال آية كونية, ليتفكروا بها وبمضمونها, ويصلوا إلى الحق بصورة أسرع. وهذا نظير أنّك إذا ذهبتَ ضيفًا لأحد أقاربك, ولم يشخص موقع منزله تحديدًا, ولم يعيّن لك أقرب نقطة دالة, فإنّ تصرفه هذا غير راجح عقلاً, بل غير لائق مع كرمه؛ فكيف يدعوك لضيافته دون أن يرشدكَ إلى مكان الضيافة! فهكذا أكرم الأكرمين, الله (تبارك وتعالى) جعل الصيحة الجبرائيلية تمهيدًا لظهور منقذ البشرية, وأمرنا باتباع وليّه حين ظهوره, وهذا حسب منطوق الرواية. أما مفهومها فيدل على اجتناب الشر وأهله, وهو السفياني وجيشه. وما ذلك إلّا لطف منه بعباده, وتحنن عليهم؛ تحقيقًا لغرضه, وهو الوصول بهم إلى الكمال, والحكيم مَن حقق غرضه, والعادل مَن أجرى مسببات رضاه. ▪️المطلب الخامس: اعجاز الصيحة الجبرائيلية إنّ الصيحة أمر خارق للعادة, يعجز البشر عن الإتيان بمثله –رغم محاولات اتباع ابليس في صيحتهم, كما سيأتي في المبحث القادم-. وإلّا كيف يفهم جميع أهل الأرض لغة الصيحة رغم اختلاف لغاتهم؟ وهذا سؤال واقعي, لا مفر منه, وطالما نحن بصدد بيان هوية الصيحة, ودراسة وتحليل مفرداتها، تعيّن التعرض لجوابه, الذي يحتمل عدّة وجوه متغايرة: 1- فيزيائيًا: على فرض أنّ جبرائيل (عليه السلام) سيحمل أداةً صوتية يتكلم بها-نظير ما للمَلَك اسرافيل (عليه السلام) مِن صورٍ ينفخ فيه- "فإنّ الصوت المنبثق من الجهاز يتعرض للضغط الجوي, مما يؤدي إلى تموجه, فيصل إلى بقاع الأرض بصورةٍ تدريجية, وهذا ما يسمى بالموجات ثلاثية الأبعاد" (12). وبالتالي ممكن أن تكون الموجة الأولى بلغةٍ معينة, والموجات الأخر بلغاتٍ مغايرة للأولى. *وقد يشكل على هذا الاحتمال بالقول: إنّ عدم استقامة الصوت وتموجه يتحقق بالقرب والبعد بين مصدر الصوت والسامع, والحال أنّ جبرائيل (عليه السلام) في السماء السابعة حين اصداره للصوت, والأرض قريبة عن السماء, فلا يتحقق التموج, بل يصل بسرعةٍ واحدة! - فممكن أن يُجاب: بأنّ الأرض كروية، فبالتالي تصلها موجات صوتية متعددة لا بسرعةٍ واحدة. ومهما تعددت الإشكالات, يبقى الإعجاز قائمًا, ويكفينا صحة الروايات بشأن هذا الحدث الكوني المحتوم. 2- روائيًا: الرواية جعلت فاعل النداء مبني للمجهول, بقولها: "حَتَّى يُنَادى بِاسْمِهِ مِنْ جَوْفِ السَّماء", نعم, يبقى اسم الصيحة جبرائيلية, لكن غموض هذه الرواية يجعلنا نتأمل في رواية أخرى, تقول أنّ لكلّ بلدٍ ملائكة, وهم يتولون أمر تبليغ كل بلدة بنص كلام الصيحة, "سُئِلَ أبو عبد الله (عليه السلام) عن العلَّة في الصيحة من السماء كيف يعلمها أهل الدنيا والصيحة هي بلسان واحد ولغات الناس تختلف؟ فقال: إنَّ في كلِّ بلد ملائكة موكَّلون، فينادي في كلِّ بلد ملك بلسانهم..." (13). فهنا تتعدد الاحتمالات بشأن لغات الصيحة, "وهناك من العلماء من جمع بين الروايتين, وخرج باحتمالاتٍ موضوعية, هي: 1- إنّ جبرائيل (عليه السلام) أخِذ طريقًا للإشارة إلى أنّ الملائكة هم الذين يصدرون الصيحة. 2- إنّ جبرائيل (عليه السلام) يأمر الملائكة بإصدار الصيحة, وكل ملك بلغةِ البلد يفهم بلدته. 3- إنّ جبرائيل (عليه السلام) والملائكة يتقاسمان الصيحة, فيبدأها هو (14). ورغم دقة واحتمالية وقوع جميع الاحتمالات, يرجّح الاحتمال الأخير منها؛ للحفاظ على اسم الصيحة وتسميتها بفاعلها, مع قرن مساعدة ملائكة كلّ بلد لجبرائيل (عليه السلام), فجبرائيل (عليه السلام) رغم ما له من منزلة عظيمة, فلا يستبعد وجود ملائكة يترأسهم, ويؤيد هذا ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من تعدد الأمناء على الوحي من الملائكة, وما يطرق اسماعنا هو فقط جبرائيل, فكثرتهم لازمها تفضيل أحدهم عليهم, وهو جبرائيل (عليه السلام): " وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ، ‏وأَلسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْره" (15). ________________ (12) ظ: أساسيات الفيزياء: لفريدريك بوش ، دافيد جيرد. (13) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج59, ص193, ح55. (14) ظ: الصيحة قراءة في أعماق الصوت: للشيخ حسين الأسدي, مجلة الموعود, العدد ٢/ ذو الحجة/ ١٤٣٧هـ. (15) نهج البلاغة: ج1, ص19.

دراسات مهدوية
منذ سنة
875

الصيحتان الجبرائيلية والإبليسية (دراسة مقارنة) المبحث الأول: الصيحة الجبرائيلية (١)

بقلم: علوية الحسيني ■تمهيد بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ربّ العالمين, وصلى الله على سيّدنا محمدٍ وآله الطاهرين. لا شك في أنّ القضية المهدوية تشكّل جزءً كبيرًا من المنظومة المعرفة, رغم اندراجها تحت حقل العقيدة، وبالتالي لا يمكن البحث فيها, أو القراءة عنها إلّا بعد التثبت من العقيدة. ولهذه القضية علامات حتمية, ورد في الروايات الشريفة أنّ هناك خمس علامات, لا بد من تحققها قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), منها: الصيحة, أو النداء السماوي. والحتم: هو "اللازم الواجب الذي لا بد من فعله. وحتم الله الأمر يحتمه: قضاه" (1). فهي في عالم الثبوت ثابتة, أما في عالم الإثبات فأصل ثبوتها ثابت, إلاّ أنّ الاختلاف حاصل في إدراك كيفيّتها. والصيحة صيحتان: جبرائيلية لا نستطيع أخذ معناها اللغوي؛ لأنّها لا تعني العذاب, بل هي مجرد دال على مدلول, وهي ضرورة اتباع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) -كما سيأتي-. وفي قبالها توجد صيحة إبليسية تضلل الناس عن اتباع الصيحة الأولى. ولا زال الأبالسة يعدّون لها منذ سنوات, ساعين لتحقيق هدفهم. كما وشاع في الآونة الأخيرة كلام الناس حول الصيحة, ووصفوها بوصفٍ لم يرد في الروايات, بل وزعموا أنّها قاتلة، والبعض الآخر أخذ يروج لتحليلاته الشخصية، وهناك من يتبعه! فنظرًا لأهمية هذا الموضوع الذي أثار لغطًا بين الناس, وخلطًا بالمفاهيم سيتم فرد كلّ من الصيحتين في مبحث مستقل بدراسةٍ مُجملة. ■المبحث الأول: الصيحة الجبرائيلية: حدث جاء التأكيد عليه في الروايات الحتمية لظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), ولبيان هوية هذه الصيحة لا بد من الوقوف على مصدرها, ووقتها, ومضمونها, وهدفها, والدليل على اعجازها, وهذا ما سيتم التطرق له ضمن المطالب التالية: ▪️المطلب الأول: مَصدر ومُصدر الصيحة: إنّ مَصدَر الصيحة الجبرائيلية هو السماء, ولذا تُسمى بـ(الصيحة الجبرائيلية)؛ إشارةً إلى مُصدِرها وهو المَلَك جبرائيل (عليه السلام). وهذا أمرٌ ممكن؛ وهو نظير الصوت الذي خلقه الله تعالى وكلّم به نبيّه موسى (عليه السلام). ونظير الصوت الذي سوف يصدره المَلَك اسرافيل (عليه السلام) في نفخة الصور -الإماتة, والإحياء-، وجميع ذلك خاضع لهيمنة وسلطنة وعلم الله تعالى. ▪️المطلب الثاني: وقت الصيحة الجبرائيلية: ذكرت الروايات أن وقت الصيحة سيكون في ليلة الثالث والعشرون من شهر رمضان المبارك, الموافق يوم الجمعة المبارك. وهذا الأمر: أولاً: محتوم صادر عن لسان أهل البيت (عليهم السلام). وثانيًا: إنّ عدم بيان هذا الحدث الكوني المهم نقض لغرض الأئمة (عليهم السلام) من ارشاد شيعتهم خصوصًا, والمسلمين عمومًا إلى التثقيف لهذه الصيحة, بل ونقض لغرض الله (تبارك وتعالى) من جعل الأئمة امتدادًا لوظيفة النبي (عليه وعليهم السلام) من تحقيق اللطف بعباده. وظاهرًا أنّ وقت الصيحة اختاره الله تعالى, وحتّمَ أمره؛ لسببين: 1- كون شهر رمضان أفضل الشهور. 2- كون قلوب المسلمين في هذا الشهر مقبلة على الله (تبارك وتعالى). 3- لحكمةٍ خفية هو (تعالى) أعلم بها. 4- ليلفت نظر غير المؤمنين إلى أحقيّة المذهب الشيعي؛ حيث إنّ أئمة هذا المذهب حصروا ليالي القدر -رغم مجهوليتها تحديدًا- بين ليلة التاسع عشر, والواحد والعشرون, والثالث والعشرون؛ كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان التقدير وفي ليلة إحدى وعشرين القضاء وفي ليلة ثلاث وعشرين إبرام" (2). أما غير المؤمنين فطبقًا لما هو مروي في كتبهم إنّ ليلة القدر كل ليلة وترية ضمن العشر الأواخر من شهر رمضان (3). 5- ليلفت نظر غير المسلمين إلى أحقية الدّين الإسلامي, حيث إنّ يوم الصيحة هي ليلة القدر, وليلة القدر هذ الليلة التي نزل فيها القرآن الكريم على قلب النبي الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله), كتاب الدّين الخاتم, الذي سوف يسود العالم بقيادة المنقذ العالمي الموعود, المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الرشيف). ▪️المطلب الثالث: مضمون الصيحة الجبرائيلية: إنّ مضمون الصيحة هي ضرورة اتباع قائم آل محمد (عجّل الله فرجه الشريف)؛ فقد وردت رواية عامة عن الإمام الصادق (عليه السلام) روي أنّه قال فيها: "...يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ قُدَّامَ هَذَا الأَمْرِ خَمْسُ عَلامَاتٍ:... وَلا يَخْرُجُ القَائِمُ حَتَّى يُنَادى بِاسْمِهِ مِنْ جَوْفِ السَّماءِ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ (فِي شَهْرِ رَمَضانَ) لَيْلَةِ جُمُعَةٍ, قُلْتُ: بِمَ يُنَادى؟ قَالَ: بِاسْمِهِ وَاسْم أَبِيهِ: أَلا إِنَّ فُلانَ بْنَ فُلانِ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوهُ، فَلا يَبْقَى شَيْءٌ خَلَقَ اللهُ فِيهِ الرُّوحَ إِلَّا يَسْمَعُ الصَّيْحَةَ، فَتُوقِظُ النَّائِمَ وَيَخْرُجُ إِلى صَحْنِ دَارِهِ، وَتَخْرُجُ العَذْرَاءُ مِنْ خِدْرِها، وَيَخْرُجُ القَائِمُ مِمَّا يَسْمَعُ، وَهِيَ صَيْحَةُ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام" (4). ولا بد من الوقوف عند بعض مضامين هذه الرواية, ضمن النقاط التالية: 1- كيف تخرج العذراء من خدرها؟ ظاهرًا أّنّ الخروج حقيقي, فهو كناية عن شدّة الفزع من صوت الصيحة, حيث إنّ الاذن البشرية تألف الأصوات المعتادة, فيكون من باب فزعها ذلك الخروج, بقرينة سياقية متصلة سابقة لسياق هذه الجملة, وهي "فَتُوقِظُ النَّائِمَ وَيَخْرُجُ إِلى صَحْنِ دَارِه", ولاحقة لها, وهي "وَيَخْرُجُ القَائِمُ مِمَّا يَسْمَع". فممكن حمل خروج الرجل (النائم والقائم والمستيقظ من نومه على أثرها) إلى صحن داره على أنّه يخرج ليترقب ويتتبع مصدر الصوت, وهي دلالة فعلية, وجدانية, نلتمس وجودها في واقعنا المعاش, نظير أنّكَ اليوم عندما تسمع صوت جرس الباب يدق, تتوجه إلى الباب لترى من الطارق, ونظير ما إذا سمعت صوت انفجارٍ مدوٍ تهرع إلى الشارع مصدر الصوت لترى ما حصل. وهكذا تخرج النساء لترى ماذا حصل في السماء, فممكن حمل (خروجهنّ من خدورهن) على (خروجهنّ من بيوتهنّ ليرينَ ما حصل في السماء)؛ فالخدر لغةً هو: " سِتْرٌ يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت ثم صار كلُّ ما واراك من بَيْتِ ونحوه خِدْراً, الخدر هو المتعارف لغةً، وهو: " سِتْرٌ يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت ثم صار كلُّ ما واراك من بَيْتِ ونحوه خِدْراً" (5). أما هدف الصيحة وإعجازها يأتي لاحقًا إن شاء الله تعالى. _________________ (1) لسان العرب: لابن منظور, ج12, ص113. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج4, ص١٦٠, باب ليلة القدر. (3)ظ: البخاري في (الاعتكاف) باب الاعتكاف في العشر الأواخر برقم 1986، 1992، والترمذي في (الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) باب ما جاء في ليلة القدر برقم 792. (4) الغيبة: للنعماني, ص301, ب16, ح6. (5) لسان العرب: لابن منظور, ج4, ص230.

دراسات مهدوية
منذ سنة
1866

هل إنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يقتل العلماء؟

بقلم: علوية الحسيني عبارةٌ أخذَ يرددها مَن جهلَ قضيّة إمام زمانه، فسمعَ أضاليلَ مِن ضُلاّل، حتى قالَ باطلًا: "فإنّهُ أوّل ما يبدأ بقتل الطلاب الحوزويين (طلبة العلم)". وجواب هذه الشبهة إجمالًا يكمن في بيان عدم صحة هذه الشبهة، وهل من المعقول أن يقتل الإمام أهل العلم؟ وإن أمكن ذلك فلماذا أهل العلم؟ وهل يقتلهم جميعًا -الصالح والطالح-؟ جواب تلك الأسئلة يتضح في المطالب التالية: ■المطلب الأول: معقولية قتل الإمام لجميع أهل العلم، على حدّ قولكم أيّتها القِيل الباطلة الناطقة بالشبهة إنْ قتَلَ الإمام لجميع أهل العلم، رغم أنّ الحوزات العلمية المباركة تسمى بيوتات الإمام الحُجّة؛ وفيها يُتدارس علوم محمّد وآل محمّد، ومَن يتدارس وينشر تلك العلوم هم (طلبة العلوم الدينية)... فهذا يلزم منه أن يكون الإمام معاديًا للعلم، داعيًا للجهل! والحالأنّه (عجّل الله فرجه الشريف) يسلك مسلك أجداده (عليهم السلام) بالترحم على مَن يُحيي أمرهم "رحم الله عبدًا أحيا أمرنا... يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا..." (1). وإلّا كيف كان أجداده يترحمون على مَن يتعلم علوم العترة المحمدية (عليهم السلام) ويأتي الإمام ويقتلهم! فهذا لازمه أن يكون الإمام ناكرًا لأحاديث أجداده (عليهم السلام)، وحاشاه من ذلك. إنّ الإمام المفترض الطاعة هو تجلي لرحمة الله تعالى للمؤمنين، داعٍ إلى الهدى والكمال -ومن الكمال طلب العلم-، ناهٍ عن الظلم والجهل. ■المطلب الثاني: منشأ هذه الشبهة وتحليلها ورد في كتاب الارشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)، ما مضمونه: "انّ الامام الحجة عجّل الله فرجه الشريف إذا وصل الكوفة يخرج إليه بضعة عشرة آلاف في أعناقهم المصاحف، يدعون البترية، يطلبون منه الرجوع عن الكوفة، ولعلّ عبارة (في أعناقهم المصاحف) كناية عن حملهم وحفظهم للقرآن الكريم، مما يوهم البعض أنّهم حملة العلم، لكنّهم كالحمار الذي يحمل اسفارًا، كما وصف الله تعالى مَن حمل التوراة ليضل الناس، محرّفًا فيها، حيث قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا} (2). إنّ صاحب الشبهة الذي جاء بها مرددًا مستبشرًا، لو تأمل في نص الرواية لكان قد بقي لعقله حياة، ولكان أبعد من الضلال أقرب إلى النجاة، ولم يكن سمعه أو نظره وعاءً للشبهات. الرواية رويت عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال فيها -كما هو مروي-: "إِذَا قَامَ القَائِمُ (عليه السلام) سَارَ إِلَى الكُوفَةِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا بَضْعَةَ عَشَرَ أَلْفاً يُدْعَوْنَ البَتْرِيَّةَ، عَلَيْهِمُ السِّلاحُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: ارْجَعْ مِن حَيْثُ جِئْتَ (فَلا حاجَةَ) لَنَا فِي بَنِي فَاطِمَةَ، فَيَضَعُ فِيهِمُ السَّيْفَ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ. ثُمَّ يَدْخُلُ الكُوفَةَ فَيَقْتُلُ بِهَا كُلَّ مُنَافِقٍ مُرْتَابٍ، وَيَهْدِمُ قُصُورَهَا، وَيَقْتُلُ مُقَاتِلَهَا حَتَّى يَرْضَى اللهُ (عَزَّ وَعَلا)" (3). ■المطلب الثالث: نقض الشبهة ممكن نقض الشبهة بكلمةٍ واحدة؛ بالطعن في سندها، بالقول: إنّ الرواية مرسلة. لكن على فرض الأخذ بها وفق المباني الرجالية، فنحتاج إلى الانتقال إلى مناقشة متن الرواية. فأول ما يستوقفنا في المتن هو تفسير مفردة (البترية)، حتى نعلم سبب قتل الإمام لهم. وبالرجوع إلى الكتب المعتبرة، التي كتبها أهل الاختصاص في القضية المهدوية، نجد أنّ البترية هي: "إحدى الفرق الزيدية التي تخرج على الإمام المهدي عليه السلام معترضين عليه بالمجيء إلى الكوفة وأنهم لا حاجة لهم بالإمام (عليه السلام) فيعمل الإمام على تصفيتهم وقتلهم لنفاقهم ولكونهم لم يكونوا صادقين في تدينهم ولا مؤمنين بالتزامهم وإنما جعلوا عبادتهم للدنيا فهم شر جماعة تُخذل الناس عن نصرة الإمام عليه السلام" (4). والزيدية: "هم من الفرق الشيعية التي آمنت بإمامة زيد بن علي بن الحسين بعد استشهاد والده الإمام السجاد (عليه السلام)" (5). وحيث أنّ فرق الشيعة عديدة، وجميعها ضالة، سوى فرقة الشيعة الإمامية الاثني عشرية (الجعفرية) الذين يعتقدون بإمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيتضح للقارئ أنّ البترية (الزيدية) عوامهم وعلماؤهم لا يعتقدون بإمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) فينصبون له العداء، ويحاولون شلّ دعوته إلى دين الله تعالى، وإلى المذهب والفرقة القويمين. وبغض النظر عن خروجهم على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالقتل، فإنّ نعتهم بالانحراف والكفر ثابت لهم من بادئ الأمر؛ حيث "أجمع أهل الإسلام قاطبة واتِّفقوا على مَرِّ الاعصار والأعوام على خروج المهديِّ المنتظر (عليه السلام)، حتى عُدَّ ذلك من ضروريات الدين، وهو اتفاقٌ قطعي منهم، لا يشوبه شك، ولا يعتريه ريب. اللهم إلا من شَذَّ، مِمَّن لا يُعتدُّ بخلافه، ولا يلتفت إليه، ولا تكون مخالفته قادحة في حُجِّيَّة الإجماع. مضافًا إلى تواتر أحاديث الإمام المهدي ( عليه السلام ) تواترًا قطعيًّا. وظاهر أنَّ من أنكر المتواتر من أُمور الشرع والغيب بعد ما ثبت عنده ثبوتًا يقينيًّا فإنّه ‏كافر، لردِّه ما قُطع بصـدوره، وتحقَّقَ ثبوته عـنه (صلى الله عليه وآله) . ولا شُبهَة في كفر من ارتكب ذلك بإجماع المسلمين؛ لأنّ الرادَّ عليه ( صلى الله عليه وآله ) كالرادُّ على الله تعالى، والرادُّ على الله كافر باتِّفاق أهل المِلَّة، وإجماع أهل القبلة" (6). إنّ علماء الزيدية علماء سوء؛ لضلالهم، ومن هنا يتضح للقارئ سبب قتل الإمام لهم. خصوصاً وأنهم يخرجون ضده حاملين السلاح، مما يُشير إلى أنهم خرجوا يُقاتلونه ويبغون تقويض حركته الهادية المهدية. ___________________ (1) حديث روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) في عيون أخبار الرضا: للشيخ الصدوق, ج2, ص275. (2) الجمعة: 5. (3) الإرشاد: للشيخ المفيد, ص٣٦٤. (4) موجز دائرة معارف الغيبة: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه, ٧٣/٤. (5) فرق الشيعة: للنوبختي، ص89. (6) الروض الفسيح في بيان الفوارق بين المهديّ والمسيح (عليهما السلام): للشيخ محمّد باقر الإلهيّ القمّي. اللهم وفقنا والمشتغلين للعلم والعمل الصالح، وأنلنا رضاك ووليّك، بحق محمد وآل محمد.

دراسات مهدوية
منذ سنة
5837

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
91638

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
90668

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
49271

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
47307

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
47295

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنتين
46993