تشغيل الوضع الليلي

المبحث الثاني: الصيحة الإبليسية (١)

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 4918

بقلم: علوية الحسيني
عرفنا في الروايات الشريفة أنّ هناك خمس علاماتٍ حتمية, لابد من تحققها قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), ومنها: الصيحة.
وعرفنا هوية الصيحة الجبرائيلية, ولابد من معرفة هوية الصيحة التي تقابلها, وهي الصيحة الإبليسية, وبما أنّ الصيحة الأولى من العلامات الحتمية, كذلك العلامة الثانية كذلك, فلازم اللازم لازم.
ونظرًا لأهمية هذا الموضوع أُفرد في مبحثٍ مستقل, وسيتم بيان هوية هذه الصيحة, من مصدرها, ووقتها, ومضمونها, وهدفها, ونفي اعجازها, وذلك ضمن المطالب التالية:
▪️المطلب الأول: مَصدَر ومُصدِر الصيحة الإبليسية
إنّ مَصدر الصيحة الإبليسية هو الأرض, ولذا يُعبر عنها (بصيحة ابليس)؛ إشارةً إلى مُصدِرها وهو -ظاهرًا- ابليس اللعين الذي طرده الله تعالى من الجنة, فنزل من السماء, وسكن الأرض, هو وذريته.
وهذه الصيحة أرضية, لا دخالة للملائكة بها, بل هي من فعل ابليسي.
فبعد طرد ابليس من الجنة إلى الأرض, شكّل له أعوانًا وجنودًا, كما أخبرنا الله تعالى: {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُون} (18), فلا يستبعد أن ينفذ الصيحة أحد جنود ابليس, وهم الشياطين من الجن, بل لا يستبعد أن يكونوا من الإنس الكفرة؛ بدليل الآية الكريمة: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} (19), التي جاء في تفسيرها أنّ "الأزّ هو التحريك بشدة وإزعاج, والمراد تهييج الشياطين إياهم إلى الشر والفساد وتحريضهم على اتباع الباطل وإضلالهم بالتزلزل عن الثبات والاستقامة على الحق" (20).
وإرسال الشياطين على الكفرة وطلبهم فعل الشر والفساد "ليس جبرًا من الله تعالى؛ بل هم الذين جعلوا الشيطان عليهم ولهم وليًا, فهيمن عليهم, وجعلهم أداةً طيّعة" (21)
وبالتالي فكل إنسان يعصي الله تعالى فهو موالٍ للشياطين, وجنود ابليس, ويشكلون حزبًا خاصًا بهم, بقيادة شيطانهم الأكبر -الذي يحتمل أن يكون من الإنس أيضًا- أسماهم الله تعالى بحزب الشيطان؛ بقوله: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُون} (22).
إذًا مَصدَر الصيحة الإبليسية هو الأرض, ومُصدِرها هو إمّا ابليس, أو أحد شياطينه, أو أحد مواليهما من الإنس الكفرة.
وما طرق أسماعنا اليوم من وجود مشروع ماسوني, يسمى بمشروع (الشعاع الأزرق -الهيلوغرافيا-), الذي عملت الجهات الصهيوأمريكية على انشائه منذ أكثر من عشر سنوات تقريبًا, ممكن أن يكون أبرز مصداقٍ لهذه الصيحة.
وهذا المشروع "هو مشروع اصدار أصوات يسمعها جميع أهل الأرض, يخيّل للناس أنّه صادر من السماء, الهدف منه هو تشكيك الناس بعقائدهم, إلى أن يتخلوا عن أديانهم.
ولعلّ الغرض الأسمى لهم هو التمهيد لهيمنتهم الدولية بقيادة المسيح الدّجال, الذي يرجون له" (23)
▪️المطلب الثاني: وقت الصيحة الإبليسية
إنّ وقت هذه الصيحة هو آخر نهار اليوم الثالث والعشرون من شهر رمضان المبارك, الموافق يوم الجمعة.
وتأتي هذه الصيحة كردّة فعلٍ على الصيحة الجبرائيلية –المشار إليها في المبحث الأول- أولاً وبالذات.
وزمن الصيحة هذه يؤيد القول بأنّ مُصدِر الصيحة هم أناس كفرة, أتباع الشيطان؛ حيث إنّ الشياطين الجنيّة مغلولة الأيدي في شهر رمضان المبارك, فلا تستطيع الضر بالمؤمنين, لحكمةٍ من الله تعالى.
إذًا هذا المطلب يكون تأييدًا للمطلب السابق, ففاعل الصيحة الإبليسية هو من فعل فاعل إنسي, كافر, ذي طباع وغايات إبليسية.
▪️المطلب الثالث: مضمون الصيحة الإبليسية
إنّ مضمون الصيحة الكافرة هذه هو اتباع الخط المخالف لأهل البيت (عليهم السلام) المتمثل بالسفياني؛ حيث إنّه يخرج في شهر رجب, وتحصل الصيحة بعد شهرين من خروجه –في شهر رمضان كما علمنا في المطلب الثاني-.
ولو لاحظنا الروايات لوجدناها تدرجت بتعريفنا بشخصية الشخص الذي يُصاح باسمه, فكانت على ثلاثة أصناف:
1- روايات مطلقة, منها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: فِي آخِرِ النَّهَارِ صَوْتُ المَلْعُونِ إِبْلِيسَ يُنَادِي: أَلا إِنَّ فُـلاناً قُتِلَ مَظْلُوماً، لِيُشَكِّكَ النّاسَ وَيَفْتِنَهُمْ، فَكَمْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ مِنْ شَاكٍّ مُتَحَيِّرٍ قَدْ هَوى فِي النَّارِ... وَالصَّوْتُ الثَّانِي مِنَ الأَرْضِ، وَهُوَ صَوْتُ إِبْلِيسَ اللَعِينِ، يُنَادِي بِاسْمِ فُلانٍ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُوماً، يُرِيدُ بِذَلِكَ الفِتْنَةَ، فَاتَّبِعُوا الصَّوْتَ الأَوَّلَ [الصيحة الجبرائيلية]، وَإِيَّاكُمْ وَالأَخِيرَ أَنْ تُفْتَنُوا بِه" (24), فلعلّ جواب الإمام كان مناسبًا لإدراك الشخص السائل, فكان مطلقًا, دون أن يشخّص له المصداق.
2- روايات أخرى مصرّحة باسم ذلك الشخص, وهو عثمان؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قلت: وكيف يكون النداء؟ قال: ينادي مناد من السماء أول النهار يسمعه كل قوم بألسنتهم: ألا أنّ الحق في علي وشيعته. ثم ينادي إبليس في آخر النهار من الأرض: ألا أنّ الحق في عثـمان وشيعته فعند ذلك يرتاب المبطلون" (25).
ولو رجعنا إلى كتب اللغة لوجدنا معنى اسم عثمان هو "فرخ الثعبان، وقيل: فرخ الحية ما كانت، وكنية الثعبان أبو عثمان" (26), فمن خلال هذه الرواية نفهم أنّ عثمان المنادى باسمه هو عدو المنادى باسمه في الصيحة الجبرائيلية (قائم آل محمد عليه وعليهم السلام)
وقد يُفهم أنّه عثمان بن عفان باعتباره الخط المعارض, حيث كان عثمان خليفة جائرًا, ولم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) راضيًا على حكمه, فعندما قتل عثمان اتّهم أتباعه الإمام علي (عليه السلام), "فلعلّ الصيحة الإبليسية تريد اثارة الفتنة بين أتباع علي (عليه السلام) –ومن ضمنهم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ومن آمن بالصيحة الجبرائيلية وبين أتباع عثمان" (27)
3- روايات مصرّحة بنسب ذلك الشخص المصاح باسمه, وهو سفياني اللقب والمنهج, روي عن الصادق (عليه السلام): "...ثم ينادي ابليس في آخر النهار: ألا إن الحق مع الـسفياني وشيعته فيرتاب عند ذلك المبطلون." (28)
يذكر أنّ شخص السفياني قد أوضحه الإمام السجاد (عليه السلام) فقال: "هو من ولد عتبة بن أبي سفيان" (29), ولا يخفى عداء الأمويين للعلويين, وقد بيّن لنا الإمام الصادق (عليه السلام) جذور ذلك العداء بقوله: "إنّا وآل أبي سفيان أهلُ بيتين تعادينا في الله، قُلنا: صَدَق الله، وقالوا: كَذَب الله، قاتل أبو سفيان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقاتل معاوية عليَّ بن أبي طالب، وقاتل يزيدُ بنُ معاوية الحسين بن علي عليه السلام، والسفياني يقاتل القائم" (30), فثبت بذلك أنّ المصاح باسمه هو عدو قائم آل محمد (عليهم السلام)
والجمع بين الثانية والثالثة يكون بأن المقصود من هذه الأسماء هي الإشارة إلى الخط المخالف لأهل البيت (عليهم السلام) كما تقدم.
هدف الصيحة الإبليسية، ونفي إعجازها.
يأتي لاحقًا إن شاء الله تعالى.
________________
(18) سورة الشعراء: 95.
(19) سورة مريم: 83.
(20) الميزان في تفسير القرآن: للسيد محمد حسين الطباطبائي, ج14, ص109.
(21) ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج9, ص503.
(22) سورة المجادلة: 19.
(23) ظ: حقيقة مشروع الشعاع الأزرق ( الهيلوغرافيا ): للكاتب أحمد سيف الدين سكاف.
(24) الغيبة: للنعماني: ص262, ب14, ح13.
(25) الغيبة: للشيخ الطوسي, ص435.
(26) لسان العرب: لابن منظور, ح12, ص385.
(27) مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام), الأسئلة والأجوبة المهدوية, س127.
(28) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص206.
(29) الغيبة: للشيخ الطوسي, ص444. ح437.
(30) معاني الأخبار: للشيخ الصدوق, ص346, ح1.

اخترنا لكم

أنا دائمةُ الشجارِ مع زوجي

بقلم: أم قنوت سألتني سيدةٌ: أنا دائمة الشجار مع زوجي، فهل يعد هذا الأمر طبيعياً؟ فأجبتها: نعم، ولا! الخلاف أمرٌ طبيعي؛ فكلنا يعارضُ شريكَ حياته بين الحين والآخر، فعندما يعبّرُ كلا الشريكين عن أفكارهما ومشاعرهما الحقيقية ستطفو على السطح بعض الخلافات، إذن لنواجه الأمر ونقول: لا يهم كم من الحب والانسجام الذي تحمله لشخصٍ ما، فبالنهاية أنتما شخصان مختلفان يحملُ كلٌّ منكما أفكاره وآراءه الخاصة به؛ وفي الحقيقة هذا كان جزءًا أحببتماه في بداية علاقتكما، لذلك؛ نعم الخلاف والخصام الذي يحدث بين الحين والآخر هو أمرٌ طبيعي. ولكن لسوء الحظ قد تكثر خلافات بعض الأزواج بصورة تفوق خلافات الأزواج الآخرين، ولا يُفترض أن يصبح الأمرُ سيئاً عندما يتحول الخلاف إلى جدل، وإنما تكون المشكلة الحقيقية هي عندما يتحول الخلاف الى شجار، فأنت تقولين: أنا دائمة الشجار مع زوجي، وهذه مشكلة كبيرة؛ فمن الممكن أن يكون الشجار الدائم علامة على وجود مشاكل أكبر في العلاقة نفسها. لقد حضرت هذه السيدة مع زوجها لغرض الاستشارة الزوجية، رأيتهما يتشاجران على كل صغيرة وكبيرة في حياتهما عدا موضوع العمل، أما أي مجال آخر كتربية الأطفال، أو إدارة البيت والمال، أو الاحترام ... فقد كان شعلةً لبداية الجدال واستمراره حتى الموت فقط لإثبات من منهم المحق ومن المخطئ، لذا كان من المنطقي معرفة أن المشكلة التي بين يدي هي ليست إلّا مشكلة لإثبات عنوان "هذا على حق" ضد "هذا على باطل"، ولا عجب أبدًا بأن الزوجين تعيسان في هذا الزواج، فكلاهما -وبحسب كلماتهما- يحملان الكره الشديد لبعضهما البعض. يحطم الشجار الدائم بين الزوجين العلاقة الزوجية، لذا يعد من الضروري تعلّم كيفية إنهاء الشجار وإيقافه في مرحلة الخلاف، أو على الأكثر عند مرحلة الجدل؛ فهذا الأمر جوهري لاستمرار العلاقة الصحية، ويعد الغضب هو الشعور الأصلي ما وراء الجدل الذي يتحول إلى شجار، وهذه مشكلة بحد ذاتها؛ لأن الغضب سيكون هو المتحكم بالتفكير المنطقي وبطريقة المعاملة تجاه الآخر مما يؤدي إلى النطق بكلمات والقيام بأفعال شديدة الضرر على الطرف المقابل، فسيطرة الغضب على التفكير سيبعد الطرفين عن إيجاد حلٍّ للمشكلة، بل سيفتش الطرفان حينها عن أية طريقة يؤذي أحدهما بها الآخر، وتكرار الأمر بهذه الصورة سيحطم العلاقة الزوجية. ذكرتُ في منشورٍ سابقٍ: أن المفتاح لأي علاقة جيدة ليس هو في أن يتجنب الطرفان الخلاف، بل معرفة كيف يتعاملان معه؛ فالعلاقات الزوجية الصحية الناجحة لا تتجنب الصراع والخلاف والخصام المصاحب لهما، وإنما فيها يعلّم الشريكان أنفسهما كيفية التعامل مع الطرف الآخر ويبذلان الجهد بأن لا يتحول هذا الصراع إلى حرب منتجة لإساءاتٍ لفظية، كما يجب أن يعي الزوجان بأنه في حال حدوث ذلك يجب عليهما بذل الجهد لتقليل حدة الصراع، كأن يغادر أحدهما المكان، أو يلتمس بعض الوقت للتهدئة، كما توجد طرق أخرى لترويض الغضب، ويعرف كلا الطرفين في العلاقة الناجحة آلية التهدئة المناسبة لشريك حياته ويحترمان الحاجة لاستخدام هذه الآلية في علاقتهما. نوهّتُ في نفس المنشور المذكور بأنك ستفوز عندما تكون ناضجًا بالشكل الكافي لتختار العلاقة نفسها على أن تختار كونك على حق، ولكن يتخوف بعض الأزواج في حال التزامه بهذه الطريقة أن يظهر على باطل على الدوام، وستطفو معاناة السيطرة أو السلطة على السطح حيث إن كلًا من الزوجين يوّد إثبات كونه الطرف المتحكم. كان هذا التخوّف عقبةً في طريق الزوج المذكور في هذا المقال، حيث توّهم بأنه سيفقد سلطته إذا ما تبع الأسلوب المذكور، وهذا التخوف خاطئ، وسأذكر السر الذي لا يعلمه هذا الزوج: عندما تختار العلاقة نفسها على أن تظهر دائمًا على حق ستجد أن الخلافات ستصبح أقل وكنتيجة لذلك هناك احتمال أن يتبع شريك حياتك نفس الأسلوب ومن ثم ستصلان حال التعادل: فوز لفوز. يحدث الشجار بين الزوجين لأسباب أخرى غير المذكورة في هذا المقال، ولكن العلل النفسية المسببة لهذا الشجار ليست بأهمية معرفة كم يدمر شجاركما العلاقة الزوجية، وسيشعر الجميع بسعادة ورضى، وسيكون أنجح في مجالات أخرى إذا ما تمسك بالحقيقة التي تفرض أن الأشخاص غير الناضجين يختارون الاستبداد بآرائهم حتى لو كلفهم ذلك العلاقة نفسها، بينما يختار الناضجون أن يظهروا مخطئين في سبيل الحفاظ عليها. ماذا ستختار؟ هل ستختار أن تكون ذلك الشخص الناضج في شجارك القادم أو العكس؟ ستختار الفشل أو الفوز؟ جرّب طريق النضج وستفاجئك النتائج الإيجابية والتغييرات التي ستحدث في حياتك وفي علاقتك الزوجية. أصل المقال: https://www.guystuffcounseling.com/counseling-men-blog/bid/91711/i-m-fighting-with-my-husband-constantly _________________________ تقتضي الأمانة العلمية ذكر الآتي: ١- تم حذف أسماء أصحاب الاستشارة المذكورين في هذا المقال. ٢- الترجمة ليست حرفية وتم حذف كل مالا يتناسب مع الثقافة الشرقية وتعاليم الإسلام، وهو عبارة عن فقرة قصيرة وكلمة واحدة. ‏ Dr. kurt Smith, LMFT, LPCC, AFC

اخرى
منذ 7 سنوات
7982

الإمامُ الرّضا (عليه السلام) وسياسة المأمون العباسيّ

بقلم: نرجس إبراهيم صافي بعدَ اندراس الحكم الأموي واضمحلاله بين منافي التّأريخ، استطالَ عمود بني العباس بالدعوة إلى أنفسهم مستغلينَ اقترانَ نسبهم بنسبِ رسول الله (صلىٰ اللّٰه عليه وآلهِ) مدّعينَ أنهم الأقرب إليه حتى من آل علي وأن ذلك النسب يتيحُ لهم خلافتهُ، وما ذاك إلا لعقدة النقص التي رافقتهم جميعًا والتي حاولَ الإمام عليّ (صلواتُ اللهِ عَليه) جاهدًا سدّها. ولكنهم أبوا إلّا أن يستشعروا تلكَ الضحالة بسبب صعوبة الانفصال عن الفكر الجاهلي القائم علىٰ التمييز والتفرقة بين السادة والعبيد وبين الموالي والعرب، وحيثُ أنّ جدهم العباس بن عبد المطلب كانَ ابن جاريةٍ لزوجة أبيهم أم عبد الله وأبي طالب وقد أهدتها لزوجها عبد المطلب فولدَت له العباس، فكانوا دومًا يتحسسونَ من آل علي كونهم أبناءً لجارية أمهم، وظلَّت تلكَ العقدة ترافقهم حتىٰ في حكومة أمير المؤمنين (صلواتُ اللهِ عَليه) ومحاولةً منه لدثرها قَامَ بتولية بعض أبناء العباس على بعض الأمصار. ولكن يبدو أنها كانت عصيةً علىٰ الاخماد، وظلت مستعرة بينَ جوانحهم حتى دارت رحى الأيام لتردي عنفوان دولة بني أمية، ويتسلطَ آل العباس بحجة الدعوة إلىٰ (الرضا من آل محمد). ولم تختلف حكومة آل العباس عن سابقتها إلا أنها كانت أشد ضراوةً وتضييقًا علىٰ آل علي، وكأنها فجّرت كل تلك العقد ما إن استتبَ لها ذلك، فقد قامَ المنصور بقتل الآلآف منهم بأبشع الصور حتى قال يومًا: (قتلتُ من ذرية فاطمة ألفًا أو يزيدون وتركتُ سيدهم ومولاهم وإمامهم جعفر بن مُحمّد). (١) وكذلك خاطبَ الإمام الصادق (صلواتُ اللّٰهِ عَليه) بقولهِ: (لأقتلنك ولأقتلنَّ أهلك حتىٰ لا أبقي علىٰ الأرض منكم قامة سوط). (٢) والهادي العباسي الذي أشبعهم قتلًا وتنكيلا وقطع أرزاقهم وكتبَ إلىٰ الآفاق في طلبهم وعاشت الشيعة آنذاك أشد الرعب، وهو صاحبُ واقعة فخ تلك المجزرة المروّعة التي تشبه كربلاء بمأساتها حيث بلغت الرؤوس مائة ونيف. ولم يكن هارون بأقل فداحة منهم؛ ففي عصره لاقت الشيعة ما لاقت وهو القائل: (حتّى م أصبرُ علىٰ آل بني طالب، واللّٰه لأقتلنهم ولأقتلنَّ شيعتهم). (٣) هذا هو المنهج الذي اختطه بنو العباس، وهم مع ذلك ما برحوا يشمخون بدعوى انتسابهم للنبي (صلىٰ اللّٰه عليه وآلهِ) وهم الذين أقصوا آل بيته وشيعته ومزقوهم كل ممزق. حتى هلكَ هارون موصيًا بالخلافة بعده إلى ولده الأمين علىٰ مضض حيثُ كان ميلهُ لابنه المأمون لولا أمرين قد ذكرهما في وصيته: (ولولا أم جعفر وميل بني هاشم لقدمت عبد الله - يعني المأمون- عليه). (٤) فالأمين بالرغم من أنه كانَ ضعيف الرأي إلّا أنه كان ابن زبيدة حفيدة المنصور والسيدة الأولى في بلاط بني العباس، بعكس المأمون الذي كانَ ابن جارية فارسية ذميمة تدعى مراجل. وكثيرًا ما كان المأمون يُستفزُ ويُعيّر بها، ولم يهدأ له بال حتى أثار الفتن في عموم البلاد علىٰ أخيه الأمين، وتصاعدت حدة الصراع بين الفرس الذين كانوا يميلون للمأمون وبين العرب الذين كانوا يميلون للأمين، وانتهت تلك الحروب والصراعات بقتل الأمين وتسلط المأمون علىٰ دفة الحكم. الأمر الذي أدى إلى سخط الناس، وبغضهم له، خصوصًا وأنهم لاقوا ما لاقوا في خلافته فقامت الثورات ثانية في البلاد وتنوعت بين الثورات العلوية وغيرها، ولكن الثورات العلوية كانت أشد حساسية حيث أن قادتها كانوا ينتسبونَ للرسول (صلىٰ اللّٰه عليه وآلهِ). كان الشعبُ آنذاك يرزحُ تحت وطأة البؤس والحرمان، في حين أن خزائنَ ملوك بني العباس كانت تزخر بالملايين من أموال المسلمين، ولم ينفقوها في مصالح شعبهم بل جعلوا مال الله تعالى بينهم دولا وعباد الله خولا؛ حتىٰ نقمَ الناس عليهم أشد نقمة وتمنوا رجوعَ الحكم الأموي علىٰ ما فيه من الظلم والجور، وفي ذلك يقول أبو عطاء السندي: يا ليتَ جورَ بني مروان دامَ لنا وليتَ عدلَ بني العباس في النارِ (٥) وهذه هي استراتيجية الحُكّام الظلمة في التسلط علىٰ رقاب الناس، أليس هارون هو القائل لابنه المأمون: (... واللّٰهِ لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك؛ فإن الملك عقيم)؟!(٦) وهذا المأمون يصارعُ أخاه فيصرعهُ طلبًا للملك، فهل تراه حينما يُلح على الإمام الرضا (صلواتُ اللّٰهِ عَليه) في أمر الخلافة تارة وفي ولاية العهد أخرى حبًا بهِ وخيرًا له؟ وهو نفسه اعترفَ في الكتاب الذي أرسله للعباسيين حيث قال: (حتى قضى الله بالأمر إلينا فأخفناهم وضيّقنا عليهم وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم، ويحكم أنّ بني أمية قتلوا من سلّ سيفًا وإنّا معشر بني العباس قتلناهم جملاً، فلتسألن أعظم هاشمية بأي ذنب قتلت؟ ولتسألن نفوس ألقيت في دجلة والفرات ونفوس دفنت ببغداد والكوفة أحياء..). (٧) كانَ المأمون متطلعًا لرواجِ ملكهِ ورضا الناس عنه حينَ يدعمه الإمام بقبوله لولاية العهد، وأنه سيُلقم العلويين حجرًا حينَ يرونَ سيدهم يتطلعُ للخلافة والملك، وحينها سيقلل من شأنه حينَ يرى الناس إقبال الإمام علىٰ الدنيا وزخارفها.. تلك الاستراتيجية التي لم ترَ النور حينَ ارتطمَ المأمون بمفاجأة الإمام له واطلاعه علىٰ ما يُضمره، فراح يستعمل معه أسلوبَ التهديد، وأجبر الإمام علىٰ القبول بها ولكن بشروط؛ وكانت تلكَ الشروط كاشفةً عن عدم شرعية ملك المأمون أولًا، وعن عدم ميلهِ (صلواتُ اللّٰهِ عَليه) للملك والخلافة ثانيًا. بهذهِ السيرة أرسى آل العباس ملكهم، ولكن كُشفَ زيفهم فيما بعد ولم تدم هذه المظاهر علىٰ ما هي عليه، حيث كانت نسبة الوعي آنذاك عالية، ومما ساعدَ العلويين في فضح العباسيين هو بطشهم العلني. وهذا ما أدركه المأمون مؤخرًا كما يبدو من المعطيات التاريخية، فراح يشق طريقًا آخر غير الطريق الذي سلكه آباؤه والقائم علىٰ القتل والنفي، فقد أدرك خطورة ذلك على خلافته الفتية فأخذَ يستقطبُ الناس ويحدُ من غضبهم بإتاحة المناظرات الفكرية في بلاطه وتنوّعها، حتىٰ برزت فكرة الانعزال علىٰ الساحة آنذاك وتبناها هو. وعقدَ العديد من الندوات الفكرية والثقافية، وأحضر أشهر الملاحدة والنصارى واليهود ظنًا منهُ أنه سيُفحم الإمام (صلواتُ اللهِ عَليه) ويسقطهُ بينَ أعين الناس حتىٰ دعاهُ ذات يوم إلى مجلسٍ جمع فيه أصحاب المقالات مثل الجاثليق (كبير أساقفة النصارى) ورأس الجالوت (كبير أحبار اليهود)، ورؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر (شيخ المجوس)، وأصحاب زرداشت، وقسطاس الرومي (كبير علماء الطب) ، والمتكلّمين، يسمع كلامه وكلامهم.. وكانَ معه أحد العراقيين ويدعى (نوفل) فسأله الإمام عما يكون السبب وراء استدعاء المأمون له؛ فراح نوفل يحذر الإمامَ من مكيدة المأمون وأنه جمعَ ما جمعَ ليفحمه... فتبسّم (عليه السلام)، ثمّ قال: يا نوفليّ، أتَخافُ أنْ يقطعوا عليّ حجّتي؟ قال: لا والله ما خفتُ عليكَ قطّ، وإنّي لأرجو أن يظفرَك اللهُ بهم، إنْ شاء الله. فقال (عليه السلام): يا نوفليّ، أتحبُّ أنْ تعلمَ متى يندمُ المأمونُ؟ قال: نعم. قال (عليه السلام) : إذا سمعَ احتجاجي على أهلِ التوراة بِتوراتِهم، وعلى أهلِ الإنجيلِ بإنجيلِهم، وعلى أهلِ الزّبورِ بِزَبورِهم، وعلى الصّابِئينَ بِعبرانيّتِهم، وعلى الهرابِذَةِ بفارسيّتِهم، وعلى أهلِ الرّوم برومِيّتِهم، وعلى أصحابِ المقالاتِ بِلغاتِهم، فإذا قطعتُ كلَّ صنفٍ ودَحَضتُ حجّتَه، وتَرَكَ مقالتَه، ورجِعَ إلى قَولي، علِمَ المأمونُ أنّ المَوضِعَ الذي هو بِسبيلِه ليس هو بِمُستَحقٍّ له، فعندَ ذلك تكونُ الندامةُ منه، ولا حولَ ولا قوّةَ إلّا بالله العليِّ العظيمِ...»(٨) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١- الأدب في ظل التشيع، ص٦٨. ٢- مناقب آل أبي طالب، ج٣، ص٣٥٧. ٣- الأغاني، ج٥، ص٢٢٥. ٤- سمط النجوم، ج٣، ص ٤٤٠. ٥- الفتوح، ج٨، ص٣٣٨. ٦- عيون أخبار الرضا، ج٢، ص٨٦. ٧- بحار الأنوار، ج٤٩، ص ٢١٠-٢١١. ٨- توحيد الصدوق، ص٤١٧.

اخرى
منذ 6 سنوات
2602

أيُّ رجلٍ خسرناه؟

بقلم: نجلاء المياحي كان رجلًا ينام الناس ويبقى مستيقظًا يفكر فيما يمكنه أن يعمل لأجلهم... يتأمل وجوههم التي غيرتها الشمس وأيديهم التي أنهكها العمل يحدثهم كثيرًا ليخفف عنهم بعض تعب الحياة... يتفحص شؤونهم ليلًا ليعطيهم ما يحتاجونه من مال أو طعام خفية، ملثِّمًا وجهه لكي لا يعرفوه، لكن أنى وعطره يفوح أينما ذهب ونظرات عينيه لا تفارق مخيلتهم أبدًا... ما إن يخرج ملثِّمًا وجهه بإحكام وعلى ظهره الصرة التي يحمل بها طعامًا وشرابًا لهم، حتى يبادروه بالسلام قائلين: السلام عليك يا أبا الحسن، لكنه يصرّ على أن يبقي وجهه مخفيًا وهو يعطيهم الطعام والشراب كي لا يرى الحياء في عيونهم... وبعد عمله الليلي كسائر الأنبياء في الاستمتاع بالليالي الطويلة عبر زرع البسمة والفرحة في قلوب الآخرين، يكفكف دموعه ويذهب لخلوته بربه ليدعو للناس بالهداية ولنفسه بالمغفرة والرضوان ويبقى ما بين راكع وساجد... حتى إذا أسفر الصباح سقط مغشيًا عليه، حاولوا أن يوقظوه فسمعوا الزهراء (عليها السلام) تقول: إنه مع ربه لا تقلقوا عليه، إنها الخشية التي تعتريه حين يقف بين يدي الله... لسنوات طويلة وهو يبتسم إذا ما ضحكوا... ويبكي إذا ما حزنوا... يأكل قليلًا ويطعهم أكثر... وإذا صادف يومًا أن اشترى ثوبًا اعطاه لشاب منهم وبقي على ثوبه وهو فارس العرب والعجم... ذات يوم وبعد أن انهكته الجراح في المعارك أراد شراء درع... تراجع وهو يتذكر بكاء الأيتام وأوضاع الناس المتعبين من الجوع والحصار قائلًا في نفسه: يمكنني أن أتحمل ألم السيوف في الحروب لكن لا يمكنني أن أتحمل ألم الجياع... هذه النقود تطعم بعض الأيتام حتى حين... يزرع الأراضي طوال نهاره وما أن تثمر حتى يهبها للفقراء لتكون لهم مأوى وعملًا... وينتقلوا من حياة الفقر والبؤس إلى حياة الكفاف والوسطية... المبدأ الذي آمن به الإمام كثيرًا وحاول بكل ما أوتي من قوة أن يرسخه في المجتمع ويحارب به الأرستقراطيين الفاسدين من قريش، وهو يهيأ أرضًا ليعمرها لعباد الله، وإذا برياح الألم تعصف داره بوفاة أخيه وابن عمه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في حجره محملًا إياه بلاءً عظيمًا على فارس كبير أجمعت الأمم أن الهروب من سيفه شجاعة: (اسمه الصبر)... أصبر يا علي مهما حل بك من بعدي، أصبر ولا تقم حتى تجد معك أربعين رجلًا... أربعون فقط يا رسول الله؟ بعد عمر أفنيته لأجلهم، ألا أجد منهم أربعين ناصرًا؟! بكى النبي طويلًا لحزن الإمام على قلة الناصر، وصعدت روحه إلى السماء تاركةً الإمام في حيرة وهم عظيم. الآن أصبحت رئاسة أمور الدين والدنيا عليه ولكن أنى، والقوم لم تفارقهم الجاهلية بعد... أنى، والأرستقراطيون متربصون متى يتوفى النبي (صلى الله عليه وآله) كي ينقضوا على الخلافة... التفت محاولًا أن يجد معه من يساعده على دفن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فلم يجد إلا قليلًا من أصحابه وبعض بني هاشم... أين المسلمون؟ إنهم يكيدون أمرًا في السقيفة! وما الذي يكيدونه؟ يبدو أنهم سئموا من عدالة النبي (صلى الله عليه وآله) وحنّت دماؤهم الجاهلية ليعودوا إلى حياة أسلافهم. دعونا ندفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونرى أمرهم فيما بعد. وما أن انشغل بالدفن حتى جاء أبو سفيان ضاحكًا: يا علي لو شئت ملأتها عليك رجالًا! أدار الإمام وجهه عن أبي سفيان وقال وكأنه أراد أن يُفهِمه أني أعلم بقصدك يا أبا سفيان أنت تريد أن يتقاتل المسلمون ويبيد بعضهم بعضًا لتنتقم من النبي (صلى الله عليه وآله)، أجاهلية بعد الإسلام يا أبا سفيان؟! عاد الإمام علي (عليه السلام) إلى داره مكسور الظهر بأخيه ينتظر أن يطرق الناس بابه لمواساته، لكن أنى، والإنسان خُلق كفورا! تأمل الإمام مطولًا في الباب وقال في نفسه: كيف أمكن هؤلاء أن يتنكروا لي بعد كل هذه السنوات التي كنت فيها لهم الأب الشفيق؟ كيف أمكنهم أن يتنكروا لعهودهم وقسمهم لله ولرسوله بنصرتي وبيعتي؟ لحظات وإذا بسلمان يطرق الباب مع أبي ذر ومقداد الثلاثة الذين ما فارقوه أبدًا قائلين: انهض يا ابا الحسن إن القوم بايعوا كبيرهم! نهض الإمام علي (عليه السلام) وهو خائف على مصير الأمة والإسلام وغاضب من كل هذا الجهل والسفه الذي فيه الناس، كيف تؤول أمور المسلمين لمن لا يعرف شيئاً من أمور السياسة والإدارة والحكم؟ فصاح فيهم محاولًا إيقاظ عقولهم المخدرة بدماء الجاهلية: ألم تبايعوني في غدير خم أمام النبي (صلى الله عليه وآله)؟ ألم ينصبني رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليكم أميرًا من أول الرسالة؟ ألم تكونوا معي حين قال النبي (صلى الله عليه وآله): معاشر المسلمين ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قلتم: اللهم بلى. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره، وأخذل من خذله. قالوا: بلى، كنا معك يا أبا الحسن. قال: فما بالكم تبايعون أبا بكر؟ قالوا: إنها قريش أبت أن تكون لكم النبوة والخلافة! جر الإمام حسرة طويلة ونظر إليهم بعين تملؤها الشفقة والخيبة وهو يرى الخطأ الذي يرتكبونه بحق أنفسهم وكيف أنهم بأيديهم خربوا ما بناه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)من حضارة ودولة وتاريخ مشرق لهم. تلفّت الإمام حوله فلم يرَ إلا سلمان وأبا ذر ومقداد وبعض بني هاشم واقفين إلى جنبه وتذكر أمر النبي (صلى الله عليه وآله) له بالصبر حتى يجد أربعين رجلًا. ثم نظر إلى الجموع الغفيرة من الضالين الملتفين حول كبيرهم وتذكر أنه هارون الإسلام وهؤلاء كأصحاب موسى ما أن فارقهم نبيهم حتى استحبّوا الكفر على الإيمان فأدار بوجهه وذهب إلى قبر أخيه وقال: (يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) . وهكذا خسرنا الحاكم الذي لو تولى الحكم أول الأمر لصارت الجنة التي حُرمنا منها بأكلنا الشجرة على الأرض حلالًا طيبًا، خسرنا الرجل الذي تولى الحكم بعد ٢٥ سنة من الدمار والخراب فأدارها أربع سنوات بسياسة وحنكة وإدارة لم يكن لها نظير، حتى في حكم سليمان النبي وأبيه داوود. أربع سنوات شُنت فيها عليه أربع حروب طاحنة ومع كل هذا يدور بالزكاة في شوارع العاصمة ومدنها يطلب من الناس أن يأخذوها فيأبون ذلك قائلين لسنا بحاجة إليها يا أمير المؤمنين.

اخرى
منذ 7 سنوات
4667

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
88937

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80002

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
61218

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
51969

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
48905

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
45609