ومضةُ محبّة

دينُ الإسلامِ دينُ الحُبِّ والتآخي والسلام.. روي عن سماعة بن مهران: قال لي أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): يا سماعة، كيفَ حُبّك لإخوانك؟ قلتُ: جُعِلتُ فداكَ، واللهِ إنّي أُحِبُّهم وأودّهم قالَ: "يا سماعة، إذا رأيتَ الرجلَ شديدَ الحُبِّ لإخوانه، فهكذا هو في دينِه"* *القاضي النعمان، شرح الأخبار، تحقيق محمد حسين الجلالي.

اخرى
منذ 9 ساعات
20

الحسد

إيّاك أنْ تتمنّى زوالَ نعمةِ الغيرِ؛ إنّه الحسدُ فاحذره.. روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): "الحسدُ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ"* *مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي الشاهرودي - ج 2 - الصفحة 228.

اخرى
منذ 12 ساعة
25

من سعادةِ المرءِ..

من سعادةِ المرءِ.. أنْ يجدَ مثيلَه في الإيمانِ فيأنسَ به وبمُحادثتِه

اخرى
منذ 15 ساعة
38

من أرضِ البقيع

بقلم: يا مهدي أدركني لم يكنْ يومًا كسائرِ الأيامِ على الرغمِ من أنَّ أشعةَ الشمسِ كانتْ دافئةً ذهبيةً كالعادةِ تتخلَّلُ ذرّاتُ التُرابِ بمحبةٍ وكأنّها تهبُها الحياةَ فتجعلها لامعةً مُشرقة... وأما أجنحةُ الحمامِ هذا اليومَ فكانتْ أكثرَ نشاطًا؛ فهي تُرفرِفُ بسعادةٍ ترتفعُ قليلًا لتعودَ وتهبطَ مُجدّدًا وكأنّها لا ترغبُ بمُغادرةِ هذه البقعةِ أبدًا؛ فإنّ هناك رائحةً عبقةً تفوحُ من هذهِ الأرضِ الطاهرةِ، لكنّها ليستْ من عالمِ الدُنيا، بل إنّ شذاها يختلفُ هذه المرة وكأنّها طيبٌ من الجنةِ شدَّ ذلك الحمامَ لينزلَ هُنا ويُداعبَ بريشِ أجنحتِه الناعمِ ذرّاتِ التُرابِ تلك... ومن ثم ارتفعَ الحمامُ وبدأَ بالرحيلِ وكُلُّ واحدةٍ منها اتخذتْ اتجاهًا مُختلفًا وكأنّها تحملُ مراسيل... نعم، فبعضُها كانَ يحملُ ذرّةً من ذلك الترابِ الزكيّ، وبعضٌ يحملُ شذى تلك الأرض؛ لتوصلَ كُلّ واحدةٍ منها تلك الأمانةَ إلى من طرَقَ الشوقُ والسرورُ قلبَه، من كانَ مواليًا لصاحبِ تلك البقعةِ المُباركةِ في يومِ مولدِه.. فتوجّه للبحثِ عن مُناجاةٍ تشفي غليلَ قلبِه أو دُعاءٍ يُصلِحُ به علاقتَه بخالقِه أو بحثٍ عن حقوقِ معبودِه ليُجدِّدَ العهدَ على إيفاءِ الحقوقِ في دستورٍ منظوم... فكانتْ تلك المراسيلُ هدايا تصلُ في يومِ ميلادِ زينِ العِباد (صلوات الله وسلامه عليه) من أرضِ البقيعِ حيثُ لا زائرَ يقفُ تحتَ قبةٍ ولا ملهوفَ يطرقُ بابًا، سوى ذرّاتِ الترابِ التي كانتْ تحتفي بيومِ مولدِه المُبارك وقلوبِ شيعتِه التي تهلَّلتْ فرحًا وأرسلتْ نبضاتِ قلبِها مع نسائمِ الهواءِ لتصلَ ساجدةً على تلك الأرضِ الطيبة.

اخرى
منذ 17 ساعة
36

الكذب

احذرِ الكذبَ؛ فإنّه خرابُ الإيمانِ ومفتاحُ كُلِّ شرٍ. روي عن الإمامِ الحسن العسكري (عليه السلام): "جُعِلَتِ الْخَبَائِثُ فِي بَيْتٍ، وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ الْكَذِبَ‌‏"* *نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 145

اخرى
منذ 18 ساعة
47

التفاؤلُ.. منهجٌ لحياةٍ أجمل

بقلم: حنان الزيرجاوي لطالما كانتْ خواتيمُ الأعمالِ ونتائجُها تعتمدُ -فيما تعتمدُ عليه من عوامل- على الأمل بتحقُّقِها توسُلًا بالتوكُلِ حيثُ اليقين بأنّ لها مُدبّراً. لم يكنِ التطيّرُ والتشاؤمُ يومًا سمةَ المؤمنين، بل لم تردْ في قواميسِ حياتِهم مثلُ هذه المُفرداتِ ولا في منهجهم مثلُ هذا السلوك. وكم من مُتطيّرٍ نالَه الخُذلانُ بفعلِ طيرته حينَ تعطّلتْ بصيرتُه عندَ عقباتٍ اصطنعَها له ذهنُه، فلم يُنجِزْ ما بدأ به، بل إنَّ البعضَ لم يُقدِمْ على البدءِ من الأساس! ولو لم يكنِ التفاؤلُ المُقترنُ باليقينِ والتوكُلِ لما ألقى الزُرّاعُ ببذورِهم في الأرضِ وهم يرجون الغيثَ من ربٍّ رؤوفٍ رحيم، فالزرّاعُ أنموذجُ التفاؤلِ على وجهِ الأرض، وفي غيرِهم شواهدُ كثيرة. وقد رويَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "سألتُ جبرائيل: ما التوكُل؟ قال: العلمُ بأنَّ المخلوقَ لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يُعطي ولا يمنع، واستعمالُ اليأسِ من الخلق، فإذا كانَ العبدُ كذلك، لم يعملْ لأحدٍ سوى الله تعالى، ولم يرجُ ولم يخفْ سوى الله تعالى، ولم يطمعْ في أحدٍ سوى الله تعالى، فهذا هو التوكُّل"(1) عندما يعتنقُ الإنسانُ اليقينَ ويتوكلُ، حتمًا سيغمرُ قلبَه نورٌ وصفاء، لتُشرِقَ منه شمسُ الأملِ والتفاؤل، وتُمزِّقَ بنورِها حُجُبَ الظلمةِ والتشاؤمِ والقنوط، وتُزيلَ غُبارَ اليأسِ عن روحِ الإنسان، وتُجدِّدَ بإشراقِها في نفسِ الإنسانِ القوةَ والإرادة؛ لكن هذا لا يعني أنْ يُسوِّفَ الإنسانُ ليأخذَه التمنّي وطولُ الأملِ المذموم، فيكون حائلًا دونَ وصولِه للرُقي والتكامُلِ، وهذا ما أشارتْ له رواياتُ أهلِ بيتِ العصمة (صلوات الله وسلامه عليهم) حينما نهتْ عن طولِ الأملِ؛ لما له من آثارٍ سلبية. ولو أردنا أنْ نقفَ عندَ حقيقةِ التفاؤلِ، سنجدُه اليقينَ والتوكُلَ على اللهِ (جل وعلا) في السرّاءِ والضرّاء، والقبولَ والرضا بمشيئةِ اللهِ (تعالى)، والانقطاعَ عن غيرِه، فلو فهمَ الإنسانُ حقيقةَ التوكُلِ فسوف يأتيه المددُ الإلهي والتسديدُ وسيرى بركاتِ توكُلِه. وقد أشارَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) إلى هذا المعنى بقوله: "انقطعْ إلى اللهِ (سبحانه)، فإنّه يقول: "وعزّتي وجلالي، لأقطعنَ أملَ كُلِّ من يؤمِّلُ غيري باليأس"(2) فالأملُ باللهِ (تعالى) يبقى وضاءً بإيمانِ الإنسان، أمّا من ينحرف عن جادةِ تلك الحقيقة ويتمسّك بأمله، فإنَّ اليأسَ لا محالةَ نهايةُ طريقه. من جهة أخرى، فإنّ للأملِ والتفاؤلِ أثرًا واضحًا على حياةِ الإنسانِ وصِحّتِه النفسيةِ والاجتماعيةِ والبدنية، فالتفاؤلُ والأملُ في علمِ النفس، هما بمنزلةِ مُنشِّطٍ صحيّ قوي للإنسان، فهما يؤثِّران بشكلٍ كبيرٍ على مستوى صحتِه الجسديةِ التي يتمتّعُ بها الشخصُ المُتفائل، فنراه يتمتّعُ بصحةٍ جيدةٍ، بل وحياتُه تكونُ خاليةً من الأمراضِ خاصّةً الأمراض المُزمنة مثل تصلُّبِ الشرايين وضغطِ الدم وغيرها من الأمراض، مثلما يساهمان في تقويةِ جهازِ المناعةِ ليكونَ قادرًا على مُحاربةِ الأمراضِ والفيروسات. أما من ناحيةِ انعكاسِهما على حياةِ الإنسانِ العمليةِ، فهما يمنحان الشخصَ المُتفائلَ القدرةَ العاليةَ على التعامُلِ مع المشاكلِ وإيجادِ طريقةٍ ما للوصولِ إلى الحلولِ السليمة، بكُلِّ ثقةٍ بالنفسِ وهدوءٍ في الأعصاب. ويمتازُ الشخصُ المُتفائلُ بالقُدرةِ والكفاءةِ العاليةِ على إدارةِ الأمورِ، فيكون قويَّ العزيمة في مواجهةِ أيّ معضلةٍ أو مشكلة، ويسعى جاهدًا للوصولِ إلى الحلّ، فنراه يتمتّعُ بالصبرِ والقُدرةِ على التحمُّلِ، فلا يفقدُ الأملَ ولو كانَ في أصعبِ الظروفِ وأقساها؛ لأنّه على يقينٍ بأنّ هذا الوقتَ سيمضي، فيتعامل معه بحكمةٍ ورويةٍ ونظرةٍ إيجابية للمُستقبل؛ لذا فإنَّ أغلبَ المتفائلين ينجحون في حياتِهم ويُسيطرون على مشاعرهم. دائمًا ما يسعى الإنسانُ إلى تحقيقِ سعادتِه في الحياةِ؛ ليَسعدَ ويُسِعدَ من حولَه، وهذا الدافعُ يخلقُ لديه استراتيجياتٍ قد تنبعُ من داخلِه، وقد يُطوِّرُها من خِلالِ بحثِه وتثقيفِ نفسِه وتطويرِ أدائه، وربما من خلالِ التجاربِ التي شهدَها خِلالَ وجوده في المُجتمعِ واحتكاكِه بالعديدِ من النماذج. في هذا المِضمار لا يسعُنا إلّا أنْ نقولَ: "تفاءلوا بالخير تجدوه"، وإنّنا إنْ لم نبحثْ عن التفاؤلِ والأملِ والسعادةِ فهي لن تبحثَ عنّا.. ‏من العباراتِ القُرآنية: "لا تقنطوا"، "لا تحزنوا"، "لا تهنوا"، "لا تيأسوا".. فالقرآنُ يدعوك للرضا والتفاؤلِ ويبعثُ فيك الأملَ دائمًا فاتّخذه عونًا.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- بحار الأنوار، ج‏69 2- الشاهرودي، علي النمازي، مستدرك سفينة البحار، ج1، ص107.

اخرى
منذ 22 ساعة
43

رسالةٌ من نور (1)

بقلم: نورا كاصد العبودي اِسعَ نحوَها نحو تلك الأحلامِ المُعلّقةِ على خيطِ السراب.. والأماني المدفونةِ في دهاليزِ الدهر.. ناضلْ! كافحْ! اِصنعْ! ستصلُ بنجاحٍ نحوَ هدفك..

اخرى
منذ 22 ساعة
30

شَهرُ اللهِ قَد أقبَل...

بقلم: أمّ باقر الربيعي ما هو استعدادُنا لهذا الشهرِ الفضيل؟ وكيفَ نستقبله؟ وهل هيّأنا أنفسَنا لقدومه؟ يقولُ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): "طوبى لمن ظمئ أو جاعَ للهِ، أولئك الذين يشبعونَ يومَ القيامة"(1). يومٌ أو يومان، ويأتي شهرُ رمضان المبارك، الذي هو أفضلُ الشهورِ وايامُه أفضلُ الأيام ولياليه أفضلُ الليالي وساعاتُه أفضلُ الساعات.. شهرٌ تتنزلُ فيه الرحماتُ، وتُغفَرُ الذنوب، وتُقبلُ التوبات، وتُعتقُ الرقاب.. شهرُ الغنائمِ والجوائزِ والعطايا والمواهب، شهرُ الإقبالِ على اللهِ (تعالى) والنزولِ في ساحةِ قُدسِه وجودِه وكرمِه، والمغبوطُ من حاز رضا اللهِ (تعالى) ففرَّ من نارِه وسخطِه وفازَ بجنتِه.. وقد تقدّمتْ عدّةُ اسئلةٍ نُجيبُ عنها تباعًا إنْ شاءَ اللهُ (تعالى). السؤال الأول: ما هو استعدادُنا لهذا الشهرِ الفضيل؟ على الإنسانِ الواعي الذي يُدرِكُ حقيقةَ الجنّةِ والنار والحساب والجزاء، والثوابِ المُترتبِ على الأعمالِ الصالحةِ والآثارِ المُترتبةِ على الأمور؛ التي توجِبُ عقابَ اللهِ (سبحانه) أنْ يسعى جاهدًا ويبذلَ كُلَّ ما بوسعِه لتطهيرِ النفسِ من رذائلِ الصفات، ولتكتسبَ الصفاءَ والنقاءَ، وتكونَ محلًا آمنًا للقلبِ الذي هو حرمُ اللهِ (تعالى) مُطمئنةً بوجودِ نوره، فيُضفي على النفسِ الخوفَ والخشيةَ والتلذُّذَ بالعباداتِ والطاعات، والاشتياقِ لذكرِ اللهِ (تعالى) ومُناجاته والخلوةَ بمحبوبه.. فلا بُدّ من الاستعدادِ الروحي المعنوي والتهيؤ للطاعاتِ في شهرِ الله (تعالى)، والاستغفارِ والتوبةِ من الذنوبِ وطلبِ العونِ منه (سبحانه)؛ للأخذِ بأيدينا نحوَ ساحلِ النجاةِ وسبيلِ الفوزِ والفلاح، إلا أنّ البعضَ لا يعتني بالجانبِ الروحي المعنوي بقدر اهتمامهِ بالجانبِ المادي من اقتناءِ الأواني وإعدادِ الأطعمةِ المُتنوّعة لتمتدَّ السفرةُ وقتَ الإفطارِ بما تشتهيه الأنفس، في الوقتِ الذي نجدُ البعضَ منهم لا يملكُ إلا رغيفَ خبزٍ وحساءً وبعضَ تُميرات. وقد بيّنَ أهلُ البيت (عليهم السلام) أنّ الحكمة من الصيامِ هو تساوي الغني مع الفقير، ولنا أسوةٌ حسنةٌ بأميرِ المؤمنين علي (عليه السلام)، الذي كانَ يُقدَّمُ له قرصانِ من خبزِ الشعير وقصعةٌ فيها لبنٌ وملحٌ جريش فيأكل قرصًا ويترك الآخر، ولا بأس بالنسبةِ للعوامِ من الناسِ بالحالةِ الوسطية. السؤال الثاني: كيف نستقبلُه؟ فكما نستقبلُ ضيفًا عزيزًا علينا، يحلُّ أيامًا معدودةً ثم يرحل، كذلك يكونُ استقبالُنا لشهرِ رمضان المُبارك بالدُعاءِ وقراءةِ القرآنِ والصلاة، وطلبِ التوبةِ والتوفيقِ للعباداتِ وصالحِ الأعمالِ؛ لأنّ أيامَه أيضًا معدودةٌ؛ فلنغتنمِ الفُرصة، فأبوابُ الجنانِ مُفتّحةٌ وأبوابُ النيرانِ مُغلقةٌ والدُعاءُ مُستجابٌ والتوبةُ فيه مقبولة، والشقيُّ من حُرِمَ غفرانَ اللهِ (تعالى) في هذا الشهرِ المبارك. السؤال الثالث: هل هيّأنا أنفسَنا لقدومه؟ بعد الاستعدادِ المعنوي الروحي لاستقبالِ شهرِ رمضان، وتطهيرِ الباطنِ من الخصالِ السيئة التي تُسبِّبُ ظلمةَ القلبِ وزيادةَ الحُجُبِ المانعةِ من وصولِ النور، نهيّئ أنفسَنا بأنْ نجعلَ الصدقَ ملكةً لأقوالنا وأفعالنا، وغضَّ البصرِ ملكةً عن النظرِ الحرام، والاستماعَ لذكرِ اللهِ ملكةً عن سماعِ الغناء والغيبة، يقولُ الرسولُ الأعظم (صلى الله عليه وآله): "كم من صائمٍ ليسَ له من صيامِه إلا الجوعُ والعطش"(2). فإذا كفَفْنا ألسنتَنا عن الغيبةِ والكذبِ، وأسماعَنا ونظرَنا عن الحرام، واستغفرنا اللهَ (تعالى) من ذنوبِنا التي مضتْ وسألناه التوبةَ وعدمَ الرجوعِ لموبقاتِ الآثام والذنوب، نلنا رضا اللهِ (سبحانه) وكُنّا مصداقًا لقولِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) الذي تقدّمَ في أولِ المقالِ، ومن ثَمّ نكونُ قد هيّأنا أنفسَنا لطاعتِه وعبادتِه، فنعيشَ الراحةَ النفسيةَ ونستشعرَ لذّةَ الطاعةِ والمناجاة، وبذا نكونُ أقربَ للفوزِ في هذا الشهر بالفلاحِ والعتقِ من النار؛ لأنّ للهِ (تعالى) في كُلِّ ليلةٍ من ليالي شهرِ رمضان عُتقاء من النار. يقولُ الإمامُ علي بن الحسين (عليه السلام): "إنّ لله (عزّ وجل) في كُلِّ ليلةٍ من شهرِ رمضان عندَ الإفطار سبعين ألف ألف عتيقٍ من النار، كُلٌّ قد استوجبَ النار، فإذا كانَ آخر ليلةٍ من شهرِ رمضان أعتِقَ فيها مثل ما أعتِق في جميعه"(3). نسألُ اللهَ (تعالى) أنْ يجعلَنا من المقبولين في هذا الشهر الكريم بحُرمةِ مُحمّدٍ وآله الطاهرين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- وسائل الشيعة، ج7، ص 299، ح 20. 2- مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي الشاهرودي - ج6 - الصفحة 411. 3- إقبال الأعمال: 260. ينشر

اخرى
منذ 11 ساعة
32

ماذا لو؟(27)

الصوم المستحب بقلم: وفاء لدماء الشهداء. ماذا لو سألك الإمامُ (عجّل الله فرجه): متى كانتْ آخر مرةٍ صمتَ فيها صومًا مُستحبًا لم يفرضْه اللهُ (تعالى) عليك؟ ........................... عظيمٌ قدرُه، جليلٌ أثرُه، كثيرٌ نفعُه، ولا يُعرفُ أجرُه! عبادةٌ محوريةٌ، لها دورٌ في تهذيبِ النفسِ الإنسانية؛ لأنّها أحدُ السُبُلِ المُهمّةِ للوصولِ إلى التقوى الحقيقية... إنّها عبادةُ الصيام. شُعاعٌ من رحمةِ اللهِ (عز وجل)، وهبةٌ من هِباتِ عطائه الأكمل، بابٌ فتحَه لعبادِه المؤمنين، يتزوّدون من خِلالِه بزادِ المُتقين، ويشعرون بمُعاناةِ إخوتِهم المُحتاجين، ويُزكّون أنفسَهم لتُشرِقَ أرواحُهم بضياءِ الحُبّ، فتصفوَ النفسُ ويتألّقَ القلب، وتتسامى الروحُ فتهتديَ إلى عالمِ السموِّ والكمالِ الرحِب، وتزدادُ القدمُ ثباتًا على الدرب، وتتحدّى في سبيلِ رضا المحبوبِ كُلَّ طريقٍ وعرٍ وكُلَّ أمرٍ صعب. وإنْ كانَ أغلبُ المؤمنين يلتزمونَ بصيامِ شهرِ اللهِ الكريم، ويقتصرون على الثلاثين يومًا، فإنَّ من ذاقَ طعمَ القُربِ من المؤمنين لا يُطيقُ البُعد، ومن لمسَ الآثارَ لن يدّخِرَ جُهدًا في نثرِ البذورِ لجني الثمار؛ لذا فإنّه يتحيّنُ الأوقات، ويقتنصُ المناسبات، ويغتنمُ البركات، فيصومُ المُستحبات، ويتعرّضُ للنفحات. فمن كرمِ اللهِ الأعظم، أنّه جعلَ لنا إلى جنبِ شهرِه المُعظّم، أيامًا فاضلةً مباركةً عظّمَها وكرّمَها، وأعلى على الأيامِ منزلتَها وقدرَها، وحبَّبَ لعبادِه صيامَها والتقرُّبَ له فيها، فصارتْ مضمارًا للمُتسابقين، وميدانًا للمُتنافسين، بها يقطعون الطريقَ إلى رضوانِه، ويفوزون بنِعَمِه وإحسانِه، فيحيون دهرَهم بأرواحٍ مُطمئنة، ويُخيّبون للشيطانِ سعيَه وظنَّه، بعبادةٍ هي دون العباداتِ حصنٌ وجُنّة. فهنيئًا لمن واظبَ على صيامِ الأيامِ المُستحبات، وتعهّدَ بالرعايةِ والاهتمامِ تلك الأوقات، فكانَ له ثلاثةُ أيامٍ في الشهر، يتزوَّدُ فيها من هِباتِ الصومِ المندوبِ وعطائه الثرّ، فيكون ذلك سببًا لكُلِّ سعادةٍ وخير. هنيئًا لمن راقبَ الأشهرَ الكريمةَ رجب وشعبان، فصامَ ما بدا له حتى يأتيَه شهرُ رمضان، فقد وردَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): "ألا فمن صامَ من رجب يومًا إيمانًا واحتسابًا استوجبَ رضوانَ اللهِ الأكبر، وأطفأ صومُه في ذلك اليوم غضبَ الله، وأغلقَ عنه بابًا من أبوابِ النار، ولو أُعطيَ ملءَ الأرضِ ذهبًا ما كانَ بأفضلِ من صومِه، ولا يستكملُ أجرَه بشيءٍ من الدنيا دونَ الحسنات إذا أخلصَه لله، وله إذا أمسى عشرَ دعواتٍ مُستجاباتٍ إنْ دعا بشيءٍ من عاجلِ الدُنيا أعطاه الله، وإلا ادخرَ له من الخيرِ أفضلَ ما دعا به داعٍ من أوليائه وأحبّائه وأصفيائه"(1) وقال (صلى الله عليه وآله) عن صيام شعبان: "شعبان شهري، ورمضان شهر الله، فمن صام من شهري يوما كنت شفيعه يوم القيامة"(2) وقال (صلى الله عليه وآله) وهو يتحدّثُ عن الصومِ المُستحبِ الذي يكتبُ لمن صامَه صيامَ العمر: "من صامَ ثلاثةَ أيامٍ في الشهرِ فقيل له: أنتَ صائمٌ الشهرَ كُلّه؟ فقال: نعم، فقد صدق، لأن اللهَ (تعالى) يقول: من جاءَ بالحسنةِ فله عشر أمثالها"(3). والأحاديثُ الشريفةُ والرواياتُ المُباركةُ في هذا الشأنِ كثيرة. فهنيئًا لمن يتخذُ من الصيامِ وسيلةً للاستعدادِ لنُصرةِ إمامِ العصر، إذ يتعوّدُ من خلالِه على المُجاهدةِ والقوّةِ والصبر، يتحرّرُ من أسرِ الشهوات، ويرقى به أعلى الدرجات، مؤملًا نفسه بإدراكِ عصرِ قيامِ الإمامِ (عليه السلام)، الذي سيدعو إلى دينِ اللهِ وتعاليمِ الإسلام، والسيرِ على هدي أئمةِ الهدى الكرام (عليهم جميعًا أزكى الثناء والسلام). هيا تعالوا نُعاهِد المولى (تبارك وتعالى) على أنْ نجعلَ للصيامِ المُستحبِّ نصيبًا من أيامِنا، وحصةً من اعمارِنا، نتخلّصُ به من رواسبِ غفلتِنا، ونُكفِّرُ به عن سيئاتِ أعمالِنا، ونُعيدُ من خلالِه ترتيبَ أوراقِ حياتِنا، ونسعى لتغييرِ أنفسِنا؛ استعدادًا لنُصرةِ إمامِ زمانِنا، الذي يرانا فيُسعِده سعيُنا ويُبهجه إصرارُنا، ولعلّه بكريمِ دعائه يُكرِمُنا، وفي ليالي تهجُدِه يشملُنا، فنُسعَدُ في دنيانا وآخرتنا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) فضائل الأشهر الثلاثة، ج1، ص24 (2) جامع أحاديث الشيعة، ج9، ص458 (3) تفسير العياشي: مخطوط، نقلًا عن: وسائل الشيعة، ج7، ص312

اخرى
منذ يوم
46

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
82943

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
79426

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
45564

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
42534

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنتين
40273

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
39770