Profile Image

نرجس مهدي

اللبوة الجريحة

بقلم: نرجس مهدي مصونة كلؤلؤة مكنونة... مجللة بأنوار القداسة... إنها في سنام العز والسؤدد... قديسة المعالم... ملكوتية الشمائل... نبراس أهل الأرض في المكارم من نساء الأرض بعد أمها الزهراء (عليها السلام). لها منطق الأقوياء... إنها عناية إلهية... ونسمة علوية تسكن لإيماءتها الأنفاس وتسكت الأجراس... إنها صرخة مدوية عبر الأجيال تنادي لتوقظ الضمائر الحرة... ويتردد صداها في فضاءات الأكوان البعيدة... فمذ رأت تلك الرؤيا المفزعة وقصتها على جدها المختار... سالت دموع المصطفى حزنًا لتلك الشجرة التي تكسرت اغصانها والتي لاذت بها... وبتلك الرؤيا بانت المصيبة ورُزْؤها.. لقد احتوتها أحزان الدنيا فجعلتها في بوتقة المآسي تصهرها شيئاً فشيئاً لتصوغ منها جوهرة نفيسة مصقولة المعالم واضحة الخطى... ليوم خُطّ بالقلم... تحملت أعباء دهرٍ علقم المذاق، فلقد رأت بأم عينيها كيف سُلبت ابنة الرسول إرثها، وكيف انحنى ظهرها وشاب رأسها ولم تبلغ العشرين من عمرها .. ومن أين لها تلك القوة التي رأت بها هامة سيدها ومولاها تُنتهك حرمتها في شهر الله وبيت الله ..وينهار عزها ويسقط عمود فخارها مثل حبات لؤلؤ تتناثر على أرض مصقولة... نعم يا ابنة الخيرتين... وأخت الحسنين وربيبة البيت العلوي الطاهر... آن لنشيجك أن يتفجر بعد رؤيتك مصيبة أخيك السبط الحسن (عليه السلام) وموقف جنازته في لوعة وغصة... تصل الجوهرة إلى قمة تلألؤها فكانت تُصقل في كنف القداسة والتقوى والفصاحة والشجاعة. وبعد أن توجهت قافلة الإباء الى كربلاء، كانت قد وصلت الأهوال إلى ذروة سنامها، بتلك المواقف التي تتفطر من هولها الجبال، وبقلب مكلوم وعيون غرقى بالدموع، فقد فقدت بها خيرة أهل الأرض وسادات السماء... وبالرغم من أن ليلها كان دامسًا ليس فيه قمر دنياها، ولكنها كانت مرفوعة الهامة شامخة يخاف من مشيتها أعتى الرجال، ترى ما جرى لها وما رأته عيناها جمالًا حقيقيًا... نعم... لقد رأت اللبوة الهاشمية جمالًا في امتثال أهل بيتها لمشيئة الله (جل وعلا)، تردد نشوة النصر بكلماتها، تخنق ظالميها بصوتها، تزيل ضباب الجهالة وتفتح عيون الحقيقة المغلقة، فبالرغم من المحن التي سارت بها إلّا أنها أوضحت جمال الطريق في عشق المعبود الحقيقي... إنها حفيدة إبراهيم الخليل (عليه السلام) إذ رفع البيت ليقيم أساسه وبنيانه... ورفعت جسد أخيها قربانًا لله لتشييد دينه وتجديد ما ثُلم من بنيانه. ولصولتها وحركة خطابها والتي حطمت بها هياكل الأوثان وأصنام الضلالة. نعم... وإن كانت فاجعة كربلاء قد وضعت أوزارها، إلا أن بطلتها لم تضع إزارها يومًا ولم تهدأ أبدًا... رحلت إلى مدينة جدها وعلى رأسها جلالة الفخار مرصع بجواهر التضحية والنصر، معلنة للعالم أجمع: أن قضية سيد الشهداء (عليه السلام) هي قضية أزلية سرمدية ضد الظلم والطاغوت. وبذر البذرة الطيبة في النفوس الأبية والتمرد على الظلم.. إنها رسالة إنسانية تحملتها بعد أخيها الشهيد... إنها زهرة النبوة... والأقحوانة الفواحة للبيت الطاهر... إنها زينب ابنة علي (عليهما السلام).... جعلت عطرها يملأ الآفاق.. إنها شجرة مثمرة... في حديقة النبوة غرستها يد القدرة... فآتت أكلها كل حين...

اخرى
منذ سنتين
2793

بحر الفضائل صارت بابًا للحوائج

بقلم: نرجس مهدي فرشت سجادة آهاتي بجنب تربك أيتها الطاهرة... وبقيت من ساعتي حيرى وأفكاري ظلت تدور في بحر الوفاء، فرأيت دموعي هي الحائرة تواسيك وتناجيك أيتها الوفية الصابرة... أواسي دمعًا سال لفقد الأحبة من تلك السنين الغابرة... ولكني أراها اليوم أمامي عيني حاضرة... قافلة شدت رحالها واتزرت بالتوكل تنوي التوجه لتوقظ ضمائر الأمة الجائرة... لتهز عروشًا وتحط أنوف عصاة غيرت سنن الله تعالى... عصاة جبابرة... وقفتِ وفي عينيك ألف دمعة تودعين أحبة هم والله قوت الفؤاد، وبهم النفس تهدأ وترتوي من أنفاسهم الطاهرة... تودعين حبيبًا تشرق الشمس لأجل وجوده، ولأجله كل هذه الدنيا وما فيها صائرة... بل هو الشمس الذي استمد الكون منها دفأه، وتنتشي الروح ويخضر عودها، وقمر مضيء مشرق أنار ليالٍ مظلمة... ونجوم رياحين كلهم من الكرار علامات زاهرة.. قافلة التوكل تنطلق نحو كربلاء في طريق الله سائرة... ولرايات العز والسؤدد فوق المحامل ناشرة... تودعين عزيزة الزهراء السيدة الخفرة.... وبنات الرسالة يسرْنَ إلى محطتهن التي رسمها الرحمن لتلك النخبة من تلك الشجرة.. أيتها العير أنيخي رحلك بكربلاء وسلمي على تربها وساكنيها من أحبتي أصحاب العيون الغائرة... وسلمي على نسوة هربت إلى البيداء من نار خبائها تلتفت خوفًا وعلى حجابها ذعرة... نظرت إلى رقية بعينيك الحزينة وهي تركض مع أطفال الحسين على تلك الرمال المستعرة... دار عليهم أعداء الله من كل صوب كدائرة... وعيونك ترى ما تراه عيونهم لأنك معهم تعانين آلامهم، فرفعت كفيك للرحمن تنادين: ربي وجهت همي وما نزل بي إليك فأنت العين الناظرة... أرجع إلي حسينًا سالمًا من كربلاء.. وأفديه روحي وأولادي كلهم وإن كانوا عشرة... هو مصباح قلبي ونور عيني ومن لي بعده في هذه الدنيا العابرة... لك يا أم البنين مواقف جمة ولسيد الشهداء لك وقفة نادرة... أرضعت ليوثًا لساحات الوغى أوفياء لسيدهم رغم الملمات ليوثًا كحيدرة... فنشرتُ شراع سفينة الأحزان في بحر صبرك وآهاتي مجاذيف علني أصل إلى ساحة وفائك أيتها المؤمنة الصابرة... وضلوعي انحنت لأجل مصابك ودموعي بركان أحزان متناثرة... أنحنى ظهرك كمثل الحسين، يوم نعاه بشرٌ فكانت كلماته على قلبك الحاني سكّينة غادرة... فواست لسيد الشهداء بظهره لما أنحى لفقد قمر الطفوف وصاحب الجود يوم الزمجرة... ففقدت الطف ميامين من الطهر انقى وأنفس من الجوهرة... فجاورت سادات في البقيع طاهرين من أولاد الحسين البررة... وبهذا أعطيت كل شيء لمولاك فصرت يا سيدة الوفاء ملاذًا وبابا لكل حاجة متعسرة... وها أنا لي عند بابك حاجة أبقيتها علني أبلغ مرادي، وإن كانت بأنفاسي المتأخرة... أن يعجل الله تعالى فرج مولانا صاحب الطلعة الغراء وأرى راياته الباهرة... فسلام الله على أم البنين وصبرها من أول الدنيا إلى الآخرة...

اخرى
منذ سنة
834

من سجنه إلى جنة المآوى...

بقلم: نرجس مهدي عندما تسمو الروح وتتحرر من سجن الجسد تسبح في عالم الخيال... تتصور أمامها طامورة تحت الأرض غطاها الغبار وأندرست تحت طيات السنين... فتسمعها تئن وتغلي أوداجها كالمرجل... اعبري حدود الزمان وتحدّثي بمنطق وبيان.. ماذا رأيتِ حتى تشققت جدرانك ألما؟ لـمَ أنت مثقلة وكأن سلاسل الدنيا فيك قيود؟ تحدّثي عن لوعة الأنين... وعن إمام قد قضى دهرًا سجينا... تنحنحت تلك الطامورة وهي تشرح حال إمامنا الرهين... - صوته الملكوتي ملأ أرجائي، وسجادة عروجه قد شغلته عن الدنيا وما فيها.. أراه يذوب ذوبان الجليد في حب مولاه.. ولسجدته الطويلة تحن ملائكة الجنان.. كانت روحه الطاهرة في عالم الفردوس تسبح... بالرغم من ثقل الحديد والسلاسل والقيود.. ظلمتي، غلظة سجانه وضيق المكان... إلّا أنّه كان يحمل هموم شيعته... غاب عنهم بشخصه لكنه لم يغب بفكره وإحساسه وتوجيهاته... نعم، إنه بذرة الرحمن زرعت في باطن الأرض لتنمو شجرة وارفة الظلال طيبة الثمر تتغذى منها النفوس الأبية... لم يتخلّ عنهم يوما.. فإجاباته الوافية عن رسائلهم ماهي إلّا موانئ آمنة ترسو عليها سفن حيرتهم في زمان كان الجور لباسًا والظلم شعارًا... تأوهت روحي ونادت إمامنا الكاظم (عليه السلام)... أودعوه سجنًا فاستثمر وجوده فيه، فحلّق في سماء الملكوت بعبادته، وتعلقت بأنامل الرحمن تقواه... فقرّبه الله تعالى وجذبه من سجنه إلى جنته.. ونحن نعيش في سجن الدنيا كم نحتاج أن نعمل للآخرة بالرغم من مطبات حياتنا... وطامورة رغباتنا وانشغالاتنا... فالروح يجب أن تسمو وترتفع عن عالم الماديات لتكسر السلاسل الدنيوية، ونفك قيودنا بعبادتنا المطلقة لله تعالى، لا لعبادة شهواتنا، وننتظر إمامنا الموعود، لعل ابن سويد هذه الأمة يطرق بابنا يومًا ليبشرنا بالفرج، لنكتحل بطلعته الغراء.

اخرى
منذ سنة
706

بوابــةُ المُراد

بقلم: نرجس مهدي " لم يولدْ مولودٌ أعظمُ بركةً منه" (1) ليس لأنّه ابنُ الرضا (عليهما السلام) الوحيد، الذي انتظره القريب والبعيد، بل لأنّه ثمرةٌ من الشجرةِ الطيبة المباركة التي جادت بكلِّ ما تملك، حتى وصلت إلى بذلِ النفس من أجلِ تقويمِ الدين وتوجيه الخُطى للطريق المستقيم. ولم تكنِ الدنيا قد أسَرَّتْ مولانا علي بن موسى الرضا (عليه السلام) كمثلِ ذلك اليوم السعيد، إذ ترقّبَه بعد الرشدِ من السنين، وكان بوعدِ ربه شديد اليقين. فأنارت ولادته أحداق مُحبيه ومواليه، ورسمت على وجنة الدنيا ابتسامةً عريضة، وضحكَ سنُّ الدهرِ لتلكَ الهيبة الملكوتية، التي تنسابُ إلى أعماقِ القلبِ فتجمعُ شُتات أركانه، حتى صار الفؤادُ مشغوفًا به، مولعًا بشمائله. إيهٍ يا أبا جعفر، هكذا كنّاك أبوك الرؤوف، ومن فرطِ حُبِّه صار مُلازمًا لمهدِك يُغذّيك، وبعلمه يُناغيك ويرويك، وعيناه تراقبك وتُفدّيك، وقد بلغتَ سبعًا من السنين، وجاء وقتُ الرحيل والأنين، ففارقك على مضض. ومذ فارقتْ عيناهُ عينيك، لم يَطِبْ مجلسُه إلا بذكراك، ثم لم يُمهلِوه أنْ يرتوي من مُحيّاك؛ فسهامُ غدرِهم أصابت عُرى الدين، وفصمتْ روحُه عن روحك فأتاه اليقين. لكنِ الورى اكتحلت بوجودك، بعد رمدِها بفقدِ أبيك، واستأنست باشتداد عودِك، وتفطّر فؤادك من الفراق في صغرك، فواسيت جدّك النبي (صلى الله عليه وآله) في يُتمِك. وقِدُّكَ الميّاسُ كالسيفِ الممشوق بوجه عدوك، صار رايةً جمعتْ تحتَ ظلِّها أنصارك ومحبيك، وخيمةً يلجؤون إليها ويستقون من ينابيع علمك المفتوق. وكنتَ بلسمًا لشيعتك، ونارًا تحرقُ قلوبَ أعدائك، فأصبحت يا قدوة الشباب نبراسًا يلوحُ في بطونِ الأفق. فمن كان يُدانيك؟ ويصلُ إلى مرافئ بحرك المترامي؟ عذّبَهم وجودُك، فلم يجدوا بدًا إلا بإزهاق روحك. أيُّ حطبٍ تحت مراجلِ حقدهم قد أوقدوا؟ أيُّ هوجِ أعاصير وزمجرةِ سحبٍ هدّدت حياتهم فارتعدوا؟ إيهٍ يا أبا جعفر، حسدوك لغزارةِ علمِك، ولبهاء طلعتك، ولنفاذِ بصيرتك، أم لطهارةِ روحِك، وصفاء سريرتك. صفاتٌ كانت عصيةً عليهم، لقد قلعتَ بابَ حصونِ جهلهم؛ فلن يتقبلوك وتشاوروا في جلسةِ غدرٍ أنْ يقتلوك، وبسمِّهم يسقوك، وأنت للدينِ كالقلبِ من الجسد، وكما العين للحدقة؛ فلم تعالجْ شأنًا إلا أسبرتَ فيه غورًا وسلّطتَ عليه من نورِك نورًا. وها هي المنيةُ قد سدّدت في كبدِ قوسِها سهمًا أصابت به قلبَ الإمامة، والليلُ أمامَ الفجر يرمي آخر ذيلٍ من ذيول ظلامه. آهٍ لأنفاسِك التي تفورُ كالحِممِ كأنّها في الكوّةِ الضيقة، تتصعّدُ جمرًا فتكوي قلوبنا حزنًا وكمدًا. وزهورُ عمرِك قد آنَ قطافُها، يا باب المراد! فوسّدوك خلفَ جدِّك أسد بغداد. تشتكي إليه ظُلامتك، فيواسيك بآثارِ قيدِ يديهِ، ويمسحُ دمعةَ مهجتِك. يا أيُّها الإمامُ الذي أبوا إلا أنْ يوتروه، يا أيُّها السرُّ المستودع، امضِ إلى سنا ربِّك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- الكافي : الجزء 1..ص 321

اخرى
منذ سنة
738

ثقتي من أهل بيتي

بقلم: نرجس مهدي قلةٌ أولئك الذين تعطّرت بهم الدنيا قبلَ الجنان، تنهّدت بهم الحياة، ورست على كواهلهم أثقالها وهمومها، اُبتِلوا بأُناسٍ لم يرعوا لهم حرمةً ولا مقامًا. ومن هؤلاء، هذه النسمة الهاشمية والشمائل المحمدية، كانت هالةَ السفارة تُؤطرُه جمالًا، فقد فاضت عليه انسجامًا وكمالًا. ولقد احتواها واحتوته مضمونًا وإطارًا، مشرقًا كالبدر، يعلوه جلالٌ وفخار. نشأ صلب اليقين، قدوته عمُّه إمامُ المتقين، فارسٌ همام، كثيرُ الصلاةِ والصيام، السيفُ وُلِدَ في كفه، وحمائلُه يشدُّه على وسطِه كأنها نياط قلبه، اختاره مولاه ليكون للكوفةِ سفيراً. فقد خَبَرَ معدنَه وكنهَ ما انطوى عليه ضميره، فوجدَه أهلَه وثقته، فوكل إليه ثقلَ سفارتِه؛ ليرتج من دعوته غربان قصر الإمارة .. كان لائقًا لها، فلبسها فبان جمالُه عليها، وقد أتاها وكأنّه أتى بها. والله يا بن عقيل، إنّه لعصيٌّ على الحرف أنْ يقوم بتصويرك، أو يلمَّ معانيك ويترجم ما أنت ويبين مخابيك. وأنت حفيدُ أبي طالب سيّد بني هاشم، أشجع العرب ومن بالنسب يدانيك، بطلٌ مغوارٌ، كأنّك حيدر الكرار. ناداك سيّدك ومولاك، فالتقت عينيه عيناك، واحتضن قلبك قلبه، فاتحدت النبضات، ودقت على وترٍ واحدٍ حتى اغرورقت عيناه.. ماذا رأى سبط الرسول؟ هل رأى غدرًا وحيرةً وحبالًا؟ وما رأت عيناك يا بن عقيل في عين مولاك؟ هل رأيتَ صهيلَ خيلٍ، نارًا ودخانًا، ورماحًا رفعوا فوقها القرآن؟ وبعدما انتهى لقاء العيون، أوصاك وجزاك، أيُّها الثقة الأمين، توكّل على الله، وتوجّه لكوفان، وليحفظك الرب المنان. ودّع اطفاله وأهل بيته فداروا عليه يتمسكون بأطراف ردائه ..كل هذا والحيرة بادية على محياه ! كيف يفارق وجها تشرق الشمس لأجله ؟ وكيف يبتعد عنه ولا يراه ، والقلب مجبول بحب مولاه ؟ ودّع البيت الحرام، وقبّل جبين الشمس، وغاب في أُفُقِ السماء تطويه الإيام .. والكوفةُ بالرغم من تخمةِ فسحة أرضها، إلا أنّها غصّت وتشكو المجاعة بفقد إمامها، فكنتَ لها داءها ودواءها، فأجّجت نارَ حبِّ الحسين ( عليه السلام) في حشاها، محّصتَ النفوس وسبرت أغوارها. فتجمّعوا ولملموا أعدادهم .. وكثرت، فخاف من سطوتها أعداؤهم، لكنهم ما لبثوا أن بايعوك حتى خذلوك، وفي سكك الكوفة تركوك، وللمنايا أسلموك. وتلك الدروب التي مشيتها تشهدُ لك بثقل خطاك، وبطول نجواك.. لم تستطعِ الدنيا أنْ تُقدّر ارتفاع قمتك وعلو همتك .. أو تقطع خيطًا واحدًا من متانة نسيجك .. فجُلتَ وحيدًا يعتصرُ قلبك لسيدك ومولاك، تخشى عليه أنْ يكون الغدر مصيره، كما رسموا مصيرك.. ومن فوقِ قصر الإمارة كان للسلام طعمٌ آخر، فأوصلَ النسيمُ سلامك، وعطر شذى هيامك.. فردَّ السبطُ السلام، وانكشف له البصر .. أنْ امضِ يا مسلم فنحن بالأثر..

اخرى
منذ سنة
793

نخلةٌ وتمّار

بقلم: نرجس مهدي روحٌ صافيةٌ، ونفسٌ طاهرةٌ، فارسيّ الأصل، عبدٌ لامرأةٍ أسدية، اشتراك أميرُ المؤمنين (عليه السلام)، فأعتقك، فأصبحت حرًا، لكنّك صرتَ بحبه مكبلًا، ولتراب قدميه عاشقًا. كنتَ تمارًا تبيعُ التمر في الكوفة، ظاهرًا كان ذاك، إلا أنّك لأسرارِ إمامكَ كنتَ كاتمًا، ولفيضِ علمهِ موضعًا.. اصطحبك إلى الصحراء كثيرًا، غذّاك من طيبِ كلامه، وروّاك من عسلِ بيانِه، فتنوّرَ قلبك بعلومِ القرآن تنزيلًا وتأويلًا. وهبكَ اللهُ (تعالى) إيمانًا راسخًا صلبًا، لا تخاف الظالمين، وقد عرف إمامك مكنونَ ما انطوى عليه فؤادك.. وعندها سألك: كيف أنت يا ميثم إذا دُعيتَ للبراءةِ مني؟ فأجبته بثباتِ اليقين: واللهِ لا أبرأُ منك يا أميرَ المؤمنين.. لأنّك تعلمُ علمَ اليقين أنّ البراءةَ من علي (عليه السلام) هي البراءةُ من الإسلام وهو الكفر بعينه. فكان جوابه (عليه السلام): إذن واللهِ تُقتَل وتُصلب. فأجبته: أصبر؛ فإنَّ هذا في الله قليل. فأتاك الجوابُ الشافي: يا ميثم، ستكونُ معي في الجنة. إيهٍ يا ميثم؛ هنيئًا لك هذه المعيّة، وقد استبشرتْ أساريرك، وتهلّل وجهك.. فكنتَ تتعاهدُ نخلتك، تمرُّ عليها وتسقيها، وتتحدثُ إليها وتُناجيها، لكِ خُلقتُ ولي غُذيتِ، فعرفتْك كما عرفتْها، وسمعت صوتَ مناجاتِك وصلاتك. أيُّها الزاهدُ العابدُ، يا من يبسَ جلدك على عظمك من فرط تقواك وزهدك، كنتَ كثيرَ الثقةِ بما قاله لك إمامُ الموحدين، فواللهِ ما نبتت تلك النخلةُ إلا لأجلك، ولا غذيت إلا لك.. وكم ابتهجَ قلبُك حين أدركتَ أنّ نهايتَك قد قرُبتْ، وأنّك ستلتحقُ بحبيبِ فؤادك، عندما أخبرك الدعيُّ بن الدعيّ أنّه سيقتلك.. فأجبته بمنطق الأقوياء، وشمم النبلاء: أعلمُ ذلك؛ فقد أخبرني حبيبي أميرُ المؤمنين (عليه السلام) بمقتلي، وقطع يدي، ورجلي، ولساني، وبصلبي. ولأنك شيعيٌّ موالي اضطهدوك، ولأنّك ناديتَ بصوتِ الحقِّ صمّوا آذانهم ولم يسمعوك، وبوحشيتهم عاملوك، وإلى نخلتِك أوثقوك، وللمنيةِ أسندوك.. أرادوا أنْ يُكبّلوا صوتَ الحقِّ، فصدعتَ به بقوةِ بيانك، وذكرتَ مناقبَ إمامك، تترجمُ شهدَ كلماته بلسانك. فكنت في الإسلامِ أولَ من ألجموه، وطعنوك بحربةٍ فابتدر فوك دمًا، فاح منه عطر ولائك.. تخضبتْ شيبتُك، وانتُهِكتْ حُرمتك، وأنت عاشرُ عشرةٍ، أقصرهم خشبة، قريبٌ من المطهرة. يا صاحبَ الكراماتِ، وعالمًا بالحوادث والمغيبات.. وقبل أن تلفظَ الأنفاس كم كنتَ تنادي: أيُّها الناس سلوني، فلقد غذّاني أمير المؤمنين (عليه السلام) علمًا، وأتحفني فهمًا، والله لأخبرنكم بعلمِ ما يكون إلى يوم القيامة. لم يرغبوا بكلامك، وزهدوا في روحك، وثقُلَت عليهم حجتك، وفي كُناسةِ الكوفةِ كانت آخر أنفاسك، حيث صارت مثواك.. فسلامُ الله عليك يا حواري أمير المؤمنين (عليه السلام)، عشت برفقته سعيدًا، والتحقت به ورحلت إلى ربك شهيدًا..

اخرى
منذ سنة
480

قلمٌ وقرطاسٌ وسم

بقلم: نرجس مهدي بين ظُلُماتِ دهاليزِ السنين جلس القرطاسُ يندبُ آهاتِ يومٍ فجّرَ الكونَ أنينًا.. أتذكُرُ أيُّها القرطاسُ ما جرى له في مجالسِ الطاغيةِ ابنِ زيادٍ، والزنيمُ يستنطقُه: من أنت؟! تأوّهَ القلمُ ونادى بصوتِ الجراح: إنّها حقًا تجلياتُ العنايةِ الإلهيةِ التي حفظتْ لنا مولانا زينَ العابدين (عليه السلام) من أيدي المنية.. لقد كانتْ حواريةٌ بين غذي البيتِ الطاهر وبينَ ركاكةِ العقلِ ومُنتهى الغلظةِ والفسوق.. ولقد صانَ رسالةَ أبيه وحملَها بين أضلاعِه كما كانَ يحملُ قلبًا توأمًا لقلبِ أبيه الذي شقَّه السهمُ نصفين.. وبالرغمِ من كُلِّ النوائبِ ضحّى ليربحَ الإسلامُ مجدَه.. وبدأ ضبابُ الظلامِ ينقشعُ وبالرغمِ من كُلِّ الأعاصيرِ التي كانتْ تُحيطه وتحاولُ أن تثني عنفوانَه، مضى بقدمٍ ثابتٍ مع عمّته زينب (عليها السلام) في طريق الحقِّ الذي لا يتزحزح.. سأكتبُ أيُّها القرطاسُ حقيقةَ الألمِ الذي نطقتْ به الجامعةُ وهي تستغيثُ برقبةِ العزِّ والشمم، وتحزُّ منحرَ الدينِ لتنال من زينِ العابدين (عليه السلام)، ولكن هيهاتَ أنْ ينالوا ممَن سَنام المجد رداؤه، وتلك الكلماتُ وبحروفِها الدامية ألتي نطقت بها شفاهُ العليل.. "ما ظنك برسول الله لو رآنا على هذه الحال؟!"(1) هنا كانَ للضجيجِ صدى حتى جدران القصرِ وأعوادها نشجتْ نشيجَ المُتأوهين.. وزادَ دمعُ الحنين، وعلا شجونُ القرطاسِ وصارَ يلوي أطرافَه ليبينَ مشاهدَ الأحزان.. وهناك كانتِ التفاتةُ القرطاسِ إلى العصا التي اتكأت على أحزانِها ولبستْ السكونَ جلبابًا لمرارتها: تحدّثي أيّتُها العصا، ما بالكِ قد وجمتْ أوصالكِ! ماذا تقولين؟ أراكِ في السرِّ تندبين! أجابتِ العصا: ماذا أقولُ وقد تأجّجَتْ نيرانُ أعوادي؟ ليتني أحترقُ بنارِ فراقِ سيّدي ولا يبقى لي من أثر.. اختنقَ صوتُ العصا بدُخانِ تلك الخيام، وتجرّعِتِ الحسراتِ لمنظر الأيتام.. في ذلك اليوم الذي قد خطَّ بالقلم، لم يكنْ لي خيارٌ سوى أنْ أرتمىَ بيدِ سيدي العليل حتى يتكِئُ عليّ، وبالأخرى أرادَ أنْ يحملَ السيفَ ليُدافعَ عن الدين والعقيدةِ ضدَّ الطاغوت. ومنذُ ذلك اليومِ كنتُ لا أفارقه، لقد انحنى مولاي، يوم انحنى ظهرُ سيِّد الشهداء (عليه السلام) بعد رجوعِه من نهرِ العلقمي، فهو في ركوعٍ دائم! ثم سكتتِ العصا ونادتْ: اتركوني أنعَ سيّدي وأحرق ما بقيّ من عودي. استكملَ القرطاسُ الحديثَ: وهل كتبتَ كُلَّ ما قيلَ أيُّها القلم؟ أجابَ والكلماتُ تميلُ وتميلُ تريدُ أنْ تصلَ إلى نهايةِ القرطاسِ؛ لتهدأ نبضاتُ قلبِه... تحدّثَ القرطاسُ: لا يا أيُّها القلم، انتظر لا تُلملِمْ أطرافَ الحديث، دعْنا نسألُ تلك القراطيس التي تتكئُ على بعضها، وأراهنُّ مكلوماتٍ، وأسمعُ من إحداهِن آهاتٍ ودموعها مداد! التفتَ القرطاسُ إلى تلك التي تنوحُ وبدموعِ العينِ خطّت كلماتِها بتناسقٍ وإتقانٍ: تحدّثي أيتُها الباكيةُ جزعًا.. فأجابت: نحنُ قراطيسُ، كُنّا نأنسُ بيدِ سيّدي ومولاي علي ابنِ الحسين (عليه السلام)، فكان عندما يجنُّ عليه الليلُ كان يدأبُ في الكتابة، مناجاة بعد مناجاة، دعاء يتبعُه دعاءٌ، وحق يتبعُه حقٌّ، وكُنّا نتألمُ لدموعِ عينيه وآهاتِ قلبِه وشجونه.. فتلك العبراتُ مُتكسرةٌ في صدورِنا نحتفظُ بها ليقرأها المؤمنون.. التفتَ القرطاسُ مرةً أخرى فرأى قارورةَ الغدرِ هناك تُغطّي وجهها بقناعٍ أصفر فقال: تعالَ يا قلم، فلنسالْ تلكَ القارورةَ التي حوتْ خنجرَ الغدرِ، ورمتْ به كبد الإمام... تحدّثْ أيُّها السمُ، وقُلْ ما بالكَ وقلب مولاي ومهجته؟ ألا يكفيكَ ما لاقاهُ من سيِّدِك الزنيم ؟! أيُّها القلمُ: سجِّلْ ما يقولُه الملعون.. تلعثمَ السمُّ وفاضَ من قارورتِه وصارَ ينزفُ ندمَ مرارتِه وكادتْ أن تخنقه: لقد دخلَ جزءٌ مني في ذلكَ الجسدِ الطاهر، فرأيتُ عالمَ الملكوتِ يسبحُ في قلبِه الشريف! وأنوارُ ربّي تسطعُ من جبينِه إلى مشاشِ قدميه! لم يكُ يأبهُ بي! ولم يكُ يتألمُ من تفتيتِ قلبِه وكبده! لقد رأيتُ كبدَه وقلبَه قد تصدّعا من يومِ عاشوراء، يومَ رأى قلبَ السبطِ الطاهرِ قد اخترقهَ ذلك السهمُ المُثلثُ المسموم.. ماذا عساي أنْ أقول؟ وأيُّ عذرٍ أقدِّم؟ لقد جنيتُ جنايةً عظمى. قاطعه القرطاسُ أن أسكُتْ أيُّها الملعون؛ لقد مزّقتَ أركاني وأنا أتخيّلُ ذلك الجسد النحيل قد سكنتْ حركاتُه وسكتتْ أنفاسُه، وصعدتْ روحُه الطاهرةُ مُجلّلَةً بالقداسةِ والنور، ترجعُ إلى ربِّها راضيةً مرضيةً، تلتحقُ بأحبتِها وأعزتِها لتستريحَ من دُنياكم الغرور. انطوى القرطاسُ ألمًا وتلوّى، فكانتْ صفحة للأحزانِ روتْ مصيبةَ زينِ العبادِ، السجاد (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الاحتجاج للطبرسي (24..25)

اخرى
منذ سنة
576

عزاءُ الرمال!

بقلم: نرجس مهدي بين آهاتي ودمعاتي فتحتُ أوراقي لأحكي ما جرى يوم المواراة، بأيّ جرحٍ أبدأ؟ وعن أيّ هولٍ أتحدث؟ فغصَّ قلمي بدمعِ الألمِ، واختنقَ بعبرتي؛ ليحكيَ ما جرى في عرصةٍ تحوّلتْ من أرضٍ قاحلةٍ إلى جنةٍ عامرة.. ها هي الرمالُ الحارقةُ، لم تَعُدْ حارقةً بعد الآن، وعند لمسها تراها نديةً بالرغمِ من حرارةِ الشمس! قد تفجّرتْ عيونُها حزنًا لما جرى يومَ الطفوفِ، امتزجتْ بعطرٍ ملكوتي تنتشي منه الأرواحُ، يرتفعُ ليُعانقَ نورَ السماء، فتحنُّ ملائكةُ الرحمنِ لذلك الأريج الملكوتي، وتستأذنُ لتنزلَ وتتعطرَ، وبتلك الرمال تتعفر.. سألتُكِ يا رمال: أيّ نورٍ للسماءِ السابعةِ تعكسين، فتنوحُ لرؤيتِه سكانُ السماوات قبل الأرضين ترتشفُ منكِ ملائكةُ الجنان عبيرًا يُنعِشُ الضمير..؟ أيّتُها الرمالُ حدثيني عن سرِّكِ المكنون، وأيّ كنزٍ تحوين؟ أيّ جسدٍ تضمّين؟ ولأجلهم تنوحين؟ أيؤلمُكِ نواحُ الباكين والمُحبين؟! عن ذلك اليومِ الحزينِ، حدّثيني، وداوي جراحَ قلبي التي لا تبرء.. حدّثتني رمالُ كربلاءَ بصوتٍ شجي، بكتْ عيونُها دمًا عبيطًا: ماذا أقولُ؟ فبعدَ أنْ غادرَ الجميعُ، تركوا الجُثثَ الطواهر مُثخنةً بالجراح، ودماؤهم تنسابُ خلالي، فاحترقتُ حُزنًا، وأنيني أيقظ وحوشَ الفلوات، وناحت نواح الثاكلات، فارتجَّ المكانُ، وأمطرتِ السماء دمًا قانيًا؛ حزنًا لسيدِ الشهداء، وتفجّرت عيونُ رمالي بالدماء، سالتِ الدماءُ أنهارًا لتسقيَ أرضًا مشى عليها أشباهُ الرجال الذين شحّوا بدمائهم لنصرةِ الحقِّ، ورضوا أنْ يكونوا مع الباطل متآزرين.. في تلك الأثناء، نزلَ هودجُ النورِ من السماء، مُكلّلًا بتاجِ الكرامة، تحفُّ به ملائكةُ الرحمن، له عمودُ نورٍ يشقُّ الظلام، نزلتْ منه جوهرةٌ سماويةٌ، حوريةٌ بهيئةٍ إنسية، مُكلّلةً بالسواد، محنيةَ الظهرِ، ناحلةَ الجسدِ. إنّها أمُّ الحسنين سيّدةُ نساء العالمين، جلست بالقربِ من جسدٍ سجدتْ عليه سيوفٌ، ورماحٌ؛ لتمسحَ حبّاتِ رملي التي تعلّقت بجسده الطاهر، متمنيةً أنْ تنالَ شفاعةَ سيّدِ الشهداء.. نعم، ثلاثُ ليالٍ من النواح، البكاء، والعويل، جفّتِ الدموع ولم تستطعْ أنْ ترى بعيونها شيئًا، إلا أنّها لمحت –أنا الرمال- قادماً من بعيدٍ حَسِبتْهُ سرابًا مُلثمًا قد أحنتِ الأحزانُ ظهره، وتكسّرتِ الآهاتُ في صدره، وأثرُ حديدِ الجامعةِ في عنقه، وأنهارُ الدموعِ محفورةٌ في خديه، وسهامُ المصيبةِ نابتةٌ في عينيه، وقوسُ البلايا قد أحنى قامته وأدمى رجليه.. ما عرفناه! لكنّ أنفاسَه الحارقةَ وعيونَه الغارقة بالدموع، لوعةَ أنينه، صوتَ نشيجه، علاماتٌ عرّفتنا أنّه إمامُ الخلائق، عليل كربلاء، إمامنا السجاد (عليه السلام).. تجمعتْ حشودُ بني أسدٍ حولَه؛ ليُقدّموا له العون في أمره، سمحَ لهم بكُلِّ المواقفِ إلا في واحد، عندما توجّهَ إلى جسدِ الشهيدِ، وقد كادتْ روحُه أنْ تصلَ التراقي من شدّةِ حزنه، فطلبَ حصيرًا ليجمعَ الأوصالَ الطاهرةَ، وقد كان هناك من يُعينه، إذ نزلت ملائكةُ السماء صفوفًا تعزي، على مُصابِ الشهيد تواسيه، تُعينُ الإمامَ وتلثمُ حبّاتِ الرمال، تحملُها في قوارير النور، تُهادي بها الحور، وسماءُ الدنيا بين نزولٍ وعروج.. أكمل الإمامُ (عليه السلام) المواراة، فاجتمعنا حولَ قبرِ أبيه الشريف (عليه السلام) نلطمُ وننوحُ وتُعزي إحدانا الأخرى.. رحلَ الإمامُ السجّادُ (عليه السلام) تاركًا دموعَه التي لم تجفْ يومًا على حبّاتي، ولا زالت تحكي هذه الفاجعةَ للأجيال، وتجدّدُ العزاءُ على مدى الدهور، حتى ظهورِ حبيبِ قلوبِنا الموعود؛ فيأخذَ بثأرِ جدِّه والبسمةُ لشفاه شيعتِه تعود..

اخرى
منذ سنة
598

وامحمداه الرحمةُ المُهداة

بقلم: نرجس مهدي أشرقتِ الدُنيا فرحًا، وفاضتْ عطرًا بولادةِ خاتمِ الأنبياءِ والمُرسلين، سيّدِ الأولين والآخرين. الكونُ عمَّتْه الأفراحُ واستبشرتِ الجنان، تزيّنت واخضرّتِ الأركان، كيف لا يكونُ كذلك، وهو حبيبُ اللهِ (جلّ جلالُه).. دعوةُ جدِّه إبراهيمَ الخليلِ، وبشارةُ عيسى روحُ الله (تعالى) الجليل، ومُخلِّصُ البشريةِ من ظلامِ الجهلِ والعبودية. بولادتِه انعطفتِ الدُنيا انعطافًا حقيقيًا، نقطةُ تحوّلٍ كُبرى تقودُ الإنسانيةَ نحوَ الخيرِ والصلاحِ والرضا والفلاح. فهو نورُ اللهِ الذي يُستضاءُ به، سراجٌ مُنيرٌ، سابقٌ إلى طاعةِ اللهِ (تعالى) مكينٌ أمينٌ.. أحمدُ الأوصافِ، المُحمّدُ لسائرِ الأشراف، غمسك اللهُ (تعالى) في بحرِ الفضيلة، وأودعَك تلكَ الأصلابَ الطاهرةَ الجليلة. بولادتِكَ كشفَ اللهُ (تعالى) ظلمَ الأستار، فتهلّلتِ الدُنيا بحُلَلِ الأنوار، حتّى بدأتَ في نشرِ دينِ اليقين، مُرابِطًا على طاعةِ اللهِ تعالى في أرجاءِ البرية، تجرّعْتَ منهم الغُصصُ، وأخفيتَ الزفرات، أسررْتَ الحسرات، ولبستَ ثوبَ البلوى امتثالًا لأمر الله (تعالى)، وإعزازًا لدينِه (سبحانه). صبرتَ وتحمّلتَ ثقلَ النبوةِ على قلبك كالجبالِ الراسياتِ؛ لتوصلَ الإنسانيةَ إلى مرافئ الأمنِ والنعيم برسالتك.. وبعدَ أنْ أتمَمْتَها على أكملِ وجهٍ، ورفعتَ عن كاهلِك تلكَ الأمانة، حانَ أذانُ الرحيل، والمَلكُ واقفٌ على بابك مُستأذنًا للدخولِ عليك. كواكبُ السماواتِ تتلألأُ نحيبًا، وتغيّرَ نسيمُ الجنان، ولا أدري لِمَ اختلطَ بدُخان؟! تملْمَلَ المَلكُ بين جنباتِ نفسِه، لا يعرفُ كيفَ سيُدبِّرُ أمره؛ فالمُهمةُ عظيمةٌ عليه، شاقةٌ على إدراكِه، تأجّجتِ المشاعرُ بأنفاسِ ابنتِه الزهراء (عليها السلام) الحارقة، حتى بكت لأجلِها ملائكةُ الرحمن.. حبيبُ اللهِ (تعالى) مُسجى على فراشِ المرض، تتلجْلَجُ أنفاسُه في صدره، تدورُ عيناه إلى أحبته.. كيفَ سيُودِّعُ هذه الأنفس النورانية التي تعلّقتْ بخيوطٍ مُتشابكةٍ بِشغافِ قلبِه؟ يفتحُ عينيه بين الحينِ والآخر يرى حبيبته تجودُ بنفسها مُغرورقةَ العينين، تتهادى بِحَملها، فتتحيّرَ عيناهُ... أيَّ كلماتٍ يتحدّثُ بها لِيُهدِّأَ روعَها.. يهمسُ إليها بكلماتٍ فيزدادُ وجعُها، ثم يهمسُ أخرى فيعلو وجهها بشرٌ، فيُسكِنُ أنينها.. يفتحُ ذراعيه ليضُمّ إلى صدرِه حَسَنيه، يتزوّدُ منهما ويتزودانِ منه عطرًا ودفئًا.. وبعبراتِه المُتكسّرةِ يوصي ابنَ عمِّه وصهرَه أميرَ المؤمنين (عليه السلام) بوصاياه، وأنْ يتحمّلَ الرزايا بعدَه ويستعدَّ للعزاء والفراق.. تناجيا طويلًا، اختلطَ الدمعُ بالدمع، وكشفَ (صلى الله عليه وآله) النقابَ عن الفتنةِ التي تُصيبُ المُسلمين بعده، وبأسماءِ المُنافقين من الأصحاب، يوصيه بالصبرِ وتحمُّلِ المشاق.. كانتْ حقًا لحظاتٍ عصيبة، اختنقَ بعبرتِه، وكأنّ دخانَ بابِ الزهراء (عليها السلام) قدِ استشعره في رئتيه.. وكان آخرُ اللقاءِ على صدرِ أمير المؤمنين، توشّحَ الكونُ سوادًا، وأعلِنَ في السماواتِ العُلى الحداد، أقبلتْ ملائكةُ الرحمن صفوفًا لحملِ روحِ الحبيبِ مُجلّلةً بأنوارِ القداسة، يزفّون روحَ الطُهرِ ومعنى الرحمةِ والإنسانيةِ ليوصلوها إلى الملك الديان. وجسدُه الطاهرُ مُسجى بلا حراك، وطِبقًا لِوصيته غسّله وكفّنه وصلّى عليه أميرُ المؤمنين (عليه السلام)(١)، فنزلتْ ملائكةُ الجنانِ صفوفًا مُتراصةً تُقيمُ الصلاةَ، دُفِنَ الطُهرُ في حُجرته، وأُهيلَ التُرابُ على قسماتِ وجهه.. قال الإمامُ الصادقُ (عليه السلام): "إنّ اللهَ لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) دخل على الزهراء (عليها السلام) من الحُزنِ مالا يعلمُه إلا اللهُ (عزَ وجل)(٢) فأيُّ حُزنٍ عليك لا يتصل؟ وأيُّ دمعةٍ لفراقك لا تنهمل؟ وأيُّ خطبٍ ألَمَّ بالدين؟ وأيُّ نازلةٍ وقعتْ على رؤوسِ المُسلمين، المحرابُ خلا من شخصه، والدُنيا حُرِمَتْ من فيضِ أنواره.. ما أعظمَ فقدُك سيّدي يا رسول الله.. فإنّا للهِ وإنّا إليه راجعون.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)الاحتجاج للطبرسي. (٢)بحار الأنوار ج ٢٢ ص ٥٧٠

اخرى
منذ سنة
464

وخبا نورُ السراج..

بقلم: نرجس مهدي لا زلتُ قابعًا في مكاني، شاهدًا على قسوةِ زماني.. سراجٌ أنا مُلتصِقٌ في جداره، مُعلَّقًا بمسمارِ عمري، عبثًا كُنتُ أُحاولُ أنْ أُضيئَ أركانَ داره، والدارُ تتجلّى بفيوضاتِ أنواره.. وكُلُّ الكونِ يشعُّ من سنا وجوده... جميلُ المُحيّا، حَسَنُ القامة، فريدٌ في نسيجه، وحيدُ عصرِه في تكوينه، رجُلٌ تزاحمتِ السجايا في شيَمِه جلالًا وهيبةً، صفاءَ سريرة.. اكتحلَ دينُ اللهِ تعالى بوجوده، بعدَ أنْ رَمدها بالهادي والده.. يا لبهاءِ طلعتِه، اقترنتْ بشمائلِ النبيين صفاتُه، فتعدَّدَتْ مواهبُه، تقطَّرَ بالندى يمينُه.. كثيرًا ماكُنتُ أسمعُ أنينَ صدرِه، يذكرُ بابًا... ضلعًا... مسمارًا... ينوحُ لعليلٍ... خيامٍ... نارٍ... مصابٍ وبلاء... يعيشُ أهوالَ كربلاء.. فأنوحُ لنوحِه، والحرفُ على شفتي يتحيّرُ، ودمعي بآهاتها يتعثر.. حبيسُ بيته، جليسُ داره، ممنوعٌ من لقاءِ شيعته، يُراقبونَ خطواتِه، يحسبونَ أنفاسَه.. غلّوا الحقَّ، وصفّدوا الكلمات، فزمجرتْ أعاصيرُ حقدِهم... ليقتلوك... وتحتَ مراجلِ غيّهم أوقدوا نار غِلَّهم، ولأنَّك سراجُ أهلِ الجنة؛ أبوا إلا أنْ يوتروك.. لم يمهلوه، ومن ذُعافِ سمِّهم سقوه، يلوكه الألم، تعتصرُ شغافَ قلبِه مخالبُ الفراق، يتنفّسُ ألمًا ويزفرُ حسرةً.. تأجَّجَتْ ناري ونزلتْ دمعةُ قلبي قبلَ جفني؛ أسفًا عليه، وتحنُنًا له.. ثاني شباب الأئمة بعدَ جدِّه الجواد (عليها السلام).. إيهٍ يا أبا مُحمّد.. تُقرِّبُ صغيرَك إليك، تودِعُه أسرارَ الإمامة.. يسقيك ماءً ليرويك، ونظراتُ عينك تُناديه: ولدي يا مهدي، أنتَ البقيّةُ من أهلِ بيتي.. تصدَّعَ كبدي، وحبيبُ القلوبِ يتوسَّدُ الفراشَ وعيناه في عيني ولده على مَضضٍ يودِّعه.. فكان الفراقُ كالعلقمِ في طعمه، فذبُلَتْ تويجاتُ روحِه، ونحُلَتْ بتلاتُ عمره... وكأنّي بمولاتي نرجس (عليها السلام) بلهفةٍ وتوجُّعٍ تحِنُّ إليه، تضمُّ مسبحتَه تُناجيها.. لا زالتْ تحتفظُ بدفءِ أناملِه... تاجُ الإمامةِ يشكو حاله، يذرفُ حسرتَه... محرابُه ظلَّ واجمًا لا يدري ما يقول... كأنّه في خفاءٍ يُناديني، أواسيه ويواسيني.. والصدى صار له ضجيج.. فيا روحُ ما أجفاكِ.. كيف تستقرّين وأنتِ بعيدةٌ عن مولاكِ؟! فقرَرتُ أنا السراجُ أنْ أُطفِئَ جذوتي؛ لِأُعلِنَ الحدادَ على مُصيبةِ مولاي الحسن العسكري (عليه السلام)..

اخرى
منذ سنة
490

من دُرَرِ الزهراء (عليها السلام)

بقلم: نرجس مهدي وقفتُ على مُحيطِ معرفتِك، فعقلتُ قاربَ قلبي بشراعِ ولائي؛ لأُبحِرَ في معنى جواهرِكِ العاليةِ المضامين.. إنّها الزهراءُ (عليها السلام).. التي جهلوها وهي بينَ ظهرانيهم! فأنَّى لمعرفتِها وقد غابَ شخصُها وعُفّيَ قبرُها؟! كيفَ للمُحاطِ أنْ يُدرِكَ المُحيط؟! وكيفَ للذرّةِ أنْ تستوعِبَ المجرّة؟! ولكنّنا نُقحِمُ أنفسَنا بينَ طيّاتِ عباراتِك، علّنا نفقهُ ونُترجِمُ آهاتِك التي بثثتِها، وانفجرتْ كالبراكين التي أخرجَتْ كنوزها؛ لكي نعرفَ المعادنَ النفيسةَ التي نطقتْ بها شفاهُ النبوّة.. فاسمحي لنا مولاتي أنْ نقتربَ من عطرِك الفوّاح؛ لنستنشِقَ بعضَ شذاه، وامنحينا هذا الشرفَ لمعرفةِ مكنوناتِ حروفِك المُضيئة في خُطبتِكِ ذات الحُجّةِ الواضحة والبراهين القاطعة، التي دلّت على عذوبةِ المنطقِ ومتانةِ الدليل. إليكم قبسًا من نورِ خُطبتِها المُباركةِ في فلسفةِ الأحكام: "فجعلَ اللهُ الإيمانَ تطهيرًا لكم من الشِركِ"(1) هل ينبغي تطهيرُ الباطنِ عنِ النوايا الخبيثة؟ الجواب: نعم، ينبغي للمؤمن ذلك، كما ينبغي تطهيرُه من المَلَكاتِ الرذيلةِ، ويجبُ تطهيرُه عن العقائدِ المنحرفةِ، فالقلبُ يتنجّسُ كما يتنجّسُ البدنُ.. لو تنجّسَ البدنُ بالقاذوراتِ الظاهرية، كانَ تطهيرُه بالماءِ وشَبَهِه، كما أنَّ بعضَ القاذوراتِ يكونُ تطهيرُها وتنظيفُها من الميكروباتِ بالمُعقِّماتِ المادية. أمّا القلبُ والباطنُ فتطهيرُه يتمُّ بشكلٍ آخر، فلو اغتسلَ من يحملُ قلبُه الحقدَ أو الحسدَ بكُلِّ مياهِ الدُنيا لم يطهُرْ، فلا بُدَّ من استخدامِ مُطهِّرٍ خاصٍ، ومن نمطٍ مُعين لكُلِّ واحدٍ من نجاساتِ الباطن؛ ولذا كانَ مرضُ القلبِ أعضل، وعلاجُه أعسر، ودواؤه أعزّ، وأطباؤه أقل. قال أميرُ المؤمنين (عليه السلام): "أشدُّ من مرضِ البدنِ مرضُ القلب)(2)؛ لذلك كانَ قولُ اللهِ (سبحانه وتعالى): "فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثان"[الحج 30] وقوله: "إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ"[التوبة 28] والظاهرُ أنّ المُرادَ بالإيمان: هو الإيمانُ بأصولِ الدين كُلِّها: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد؛ إذ كُلُّ من لم يؤمنْ بأحدِ هذه الأصولِ فإنه يكونُ نجسًا نفسًا أو نفسًا وجسمًا أيضًا. فمن لم يؤمنْ باللهِ يكنْ كافرًا، وكذا من لم يعتقدْ بالنبوة والمعاد. أما من لا يعتقد بالولاية، فلا يُقبَلُ الإيمانُ منه، إذ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين وقائد الغُرِّ المحجلين وإمام المسلمين: "لا يقبلُ اللهُ الإيمانَ إلا بطاعتِه وولايته"(3) وقالت (عليها السلام): "والصلاةَ تنزيهًا عن الكِبَرِ" فما معنى كلمة الصلاة؟ الجواب: للصلاةِ معنى اصطلاحي ومعنى عام. فالأولُ: هي الصلاةُ المفروضةُ ذاتُ الأركانِ الخمسةِ، والثاني: الدعاء وطلبُ نزولِ الرحمةِ الإلهية؛ فإنَّ الصلاةَ عطفٌ وميلٌ وتوجُّهٌ للهِ (تعالى). ما المقصودُ من تشريعِ الصلاة؟ إنَّ المقصودَ من تشريعِ الصلاة، هو القضاءُ على رذيلةِ الكِبَر؛ لأنّ الصلاةَ خضوعٌ وخشوعٌ للهِ (تعالى)، ركوعٌ وسجودٌ وتذلُّلٌ. ولعلك ترى أنّ أكثرَ المُصابين بداءِ الكِبَرِ هم تاركون للصلاة؛ فينبغي تنزيهُ النفسِ من الرذائل، وبعضُ مراتبِها التي لا تخفى. قال تعالى: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)"[الشمس: آية 7-10] أمّا الكِبَرُ فقد قال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): "إيّاكُم والكِبَر، فإنّ إبليسَ حملَه الكِبَرُ على أنْ لا يسجدَ لآدم)(4) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الأنوار، ج29:ص223. (2)غرر الحكم ودرر الكلم، ج67: ص61. (3)بشارة المصطفى لشيعة المرتضى، ج20:ص1. (4) ميزان الحكمة،ج ٣: ص2650.

اخرى
منذ سنة
394

أيقونةُ الحُريةِ بقيودِ سجين

قلم: نرجس مهدي يتعثَّرُ القلمُ بريقِ المِداد، ينتحِبُ القِرطاسُ ويختنقُ بالأسى، فتبكي السطورُ ويعلو منها صوتٌ شجي، تتحشرجُ روحُ الأناملِ وتقضي هامدةً بالردى.. هناك تسمو الروحُ وتتحرّرُ من سجنِ الجسدِ لتسبحَ في عالمِ الخيال، تتصوّرُ أمامَها طامورةً تحتَ الأرضِ قد غطّاها الغُبار، واندرستْ تحتَ طيّاتِ السنين تسمعُها تئنُّ وتغلي أوداجها كالمرجل.. اعبري حدودَ الزمانِ وتحدّثي.. ماذا رأيتِ حتى تشقّقتْ جُدرانُك ألمًا؟! لِمَ أنتِ مُثقلةٌ وكأنّ سلاسلَ الدُنيا فيك قيود.. تحدّثي عن لوعةِ الأنينِ وعن إمامٍ قد قضى دهرًا سجينًا.. تنحنحتْ طامورةُ الأحزانِ تلك وهي تشرحُ حالَ إمامِنا الرهين: صوتُه الملكوتي ملأ أرجائي، وسجّادةُ عروجِه قد شغلتْه عن الدُنيا وما فيها.. أراهُ يذوبُ ذوبانَ الجليدِ في حُبِّ مولاه، ولسجدتِه الطويلةِ تحِنُّ ملائكةُ الجنان.. روحُه الطاهرةُ كانتْ في عالمِ الفردوس تسبح بالرغمِ من ثقلِ الحديد، السلاسل، ظُلمتي، غِلظةِ سجّانِه وضيقِ المكان، إلا أنّه كانَ يحملُ همومَ شيعتِه.. غابَ عنهم بشخصِه لكنّه لم يغِبْ عنهم بفِكرِه وإحساسِه وتوجيهاتِه؛ فإجاباتُه الوافيةُ عن رسائلِهم ما هي إلا مرافئُ آمنةٌ ترسو عليها سُفُنُ حيرتهم، في زمانٍ كانَ الجورُ لباسًا والظلمُ شعارًا. جنّدَ أصحابَه ووكلاءه؛ ليرفعوا الحيرةَ عن مُحبّيه ومواليه.. إيهٍ يا أبا الرضا، لولا صحبُك ووكلاؤك لماتَ شيعتُك كمدًا وضيقًا؛ فقد طحنَهم فكُّ دنيا الجبابرةِ ومزّقتهم مخالبُ الأكاسرة. ربّيتَهم جهابذةً ملأوا أصقاعَ الأرضِ فصاروا ملاذًا للملهوفين وموئلًا للمنكوبين؛ فهم كالكوثر الذي شققتَه بأناملِ جودك ليرتويَ منه ظمأ أمتك، وقد سدَّدَ الدهرُ سهامَ غيّه وجعلَها في كبدِ الصبرِ الذي منه يتقوتون وإليه يستندون وإلى وصاياك يلتجئون، حملتَهم همًّا بينَ شِغافِ قلبِك، وحملوك نعشًا فوقَ أكتافِهم! إيهٍ أيُّها الغُصنُ اليافعُ من الدوحةِ النبويّةِ، والنسمةِ المُحمّدية، يا أيُّها الكنزُ الذي لا ينفدُ عطاؤه، والبحرُ الذي لا ينضبُ ماؤه؛ فأنتَ على الدوامِ منارٌ للمُتقين وبوصلةٌ للصالحين.. تأوّهتْ روحي بعدَ هذا الحديثِ ونادتْ: إمامُنا الكاظمُ (عليه السلام) أودعوه سجنًا فاستثمرَ وجودَه فيه، فحلّقَ في سماءِ الملكوتِ بعبادته، وتعلّقتْ بأناملِ الرحمنِ تقواه؛ فقرّبَه إليه وجذبَه من سجنِه إلى جنتِه. ونحنُ نعيشُ في سجنِ الدُنيا كم نحتاجُ أنْ نعملَ للآخرة، بالرغمِ من مطبّاتِ حياتِنا، وطامورةِ رغباتِنا، فأروحُنا لا بُدّ لها من أنْ تكسرَ تلك السلاسلَ الدُنيوية، وتفكَّ تلك القيودَ بعبادتِها المُطلقةِ للهِ (تعالى)، وتنتظر إمامَنا الموعود، لعلّ ابنَ سويدِ هذه الأُمّةِ يطرقُ بابَنا يومًا ليُبشِّرَنا بالفرجِ؛ لتكتحلَ النواظر بطلعتِه الغرّاء.

اخرى
منذ 10 أشهر
346