آراءٌ ووجهاتُ نظر/ الجزء العاشر القدوةُ بينَ الصناعةِ والتزييف

بقلم: دعاء الربيعي تُعدُّ القدوةُ من أهمِّ مقوماتِ التربيةِ المُجتمعية، ويُقالُ إنّ القدوةَ هي بمثابةِ شمسٍ يُستضاءُ بخيطِها الوضّاء، وكما أنَّ وجودَ القدوةِ يُعدُّ عاملًا مهمًا في بناءِ المُجتمعِ، فإنَّ غيابَها يُساعدُ على خرابِ المُجتمعِ وسقوطِه. وكما يُقالُ: إذا أردتَ أنْ تهدمَ حضارةَ أُمّةٍ ما فابدأ بتهديمِ الأُسرةِ ثم التعليمِ ثم تسقيطِ القدواتِ والرموز. فيا تُرى ما أهميةُ صناعةِ القدوة؟ وكيفَ لنا أنْ نغرسَ روحَ الاقتداءِ بينَ الأفراد؟ وما الآثارُ المُترتبةُ على تسقيطِها؟ وكيفَ يواجِهُ الإنسانُ الواعي مفهومَ التسقيطِ ويتصدّى له ويحدّ من ذروةِ انتشاره؟ هل نجحَ الغربُ في إسقاطِ وتشويهِ القدواتِ السياسيةِ والدينيةِ لدى الشعوبِ الإسلامية؟ وهل أجادَ الغربُ صناعةَ القدواتِ الزائفةِ وتصديرَها للشعوبِ للنيلِ منها والإطاحةِ برموزها؟ كُلُّ هذه الأسئلةِ وأكثرُ نطرحُها على جُملةٍ من المُهتمّين بموضوع ِ التربيةِ والمُجتمعِ في هذا الاستطلاع الذي يُناقِشُ موضوعَ القدواتِ وموقعَها بينَ الصناعةِ والتزييف. بدايةُ الحديثِ كانتْ مع أ.م.د عبير عبد الرسول التميمي/ تدريسيةٌ في جامعةِ كربلاء، إذ سألناها عن بوادرِ ظهورِ القدوةِ بقسميها الإيجابي والسلبي فبيّنت مُتفضِّلةً: اِمتازَ الدينُ الإسلامي بقيامِه على أركانٍ متينةٍ وراسخةٍ كانتْ سببًا في قيامِ الحضارةِ الإسلاميةِ الكُبرى تمثّلتْ في وجودِ الدستورِ الشاملِ، والقائدِ الكاملِ، والقضاءِ العادل المنجز، والرقابةِ المُستمرة. وكانَ من عواملِ قوّةِ وازدهارِ الحياةِ الاجتماعيةِ الدينيةِ والسياسيةِ والاقتصاديةِ والثقافيةِ هو تقديمُ القدوةِ الحسنةِ للبشريةِ جمعاء. وقد ساعدَ هذا الأمرُ على اِنجازِ وصناعةِ الأبطالِ، والقادةِ، والعُلماءِ، والفقهاء، والمُفكرين، والفلاسفة بصورةٍ مستمرةٍ وطبيعيةٍ على امتدادِ التاريخِ الإسلامي. وعلى إثرِ تلك الانجازاتِ الكُبرى للدولِ الإسلاميةِ ظهر لها الأعداءُ مُحاولين مُحاربةَ الدينِ وإسقاط قِيَمهِ وتغييرِ مُثُلِه العُليا وقدواتِه الحقّة. وبعدَ فشلِهم عسكريًا لجأوا إلى المواجهةِ الفكريةِ المُتمثِّلةِ بتقديمِ نماذجَ سلبيةٍ بمظهرٍ إيجابي، ومحاولةِ زجِّها في المُجتمعاتِ الإسلاميةِ وتزيينِ صورتِها وجعلِها نموذجًا كاملًا جديرًا بالاقتداء. وعن مفهومِ القدوةِ وأهميتِها في المُجتمع، قال أ.د سعيد غني نوري الدراجي/ أُستاذ التعلُّمِ والسلوك في مجالِ علمِ النفسِ في جامعةِ ميسا: إنّ مفهومَ القدوةِ بشكلٍ عامٍ هي التأثُرُ بشخصيةٍ مُعينةٍ بارزةٍ فيها بعضُ المواصفاتِ ومُتابعتها وتقليدها والتأسّي بها، ويحتاجُ الجميعُ في حياتِهم إلى وجودِ شخصيّةٍ إيجابيةٍ مُميّزةٍ وناجحةٍ لمُحاولةِ الاستفادةِ من تجربتِها في الحياةِ، بهدفِ تطويرِ الذاتِ والقُدُراتِ وتحديدِ الرغباتِ والاتجاهاتِ منذُ بدايةِ الطريق وطيلةِ حياتهم. وتُعدُّ القدوةُ ذات أهميةٍ كبيرةٍ في سبيلِ تغييرِ وتطويرِ السلوكِ، وقد توفِّرُ القدوةُ الكثيرَ من الوقتِ والجُهدِ على الوالدين في تربيةِ أبنائهم، ومُحاولةِ غرسِ السلوكياتِ الجيّدةِ فيهم. فعندما يختارُ الطفلُ القدوةَ الجيدةَ الصالحةَ والمثاليةَ فإنّه يُقلِّدُها في سلوكياتِها، وبهذا سوفَ ينتجُ أفراد يتسمونَ بالسلوكياتِ والصفاتِ الجيّدةِ مثل المُثابرةِ على العملِ والنجاحِ بعيدًا عن الصفاتِ السلبيةِ وغيرِ الجيدة، وبناءِ مُجتمعٍ مُتماسكٍ وقوي يستطيعُ مواجهةَ التهديداتِ الخارجيةِ والداخليةِ للإنسان. وعن الآثارِ السلبيةِ التي تكمنُ وراءَ تسقيطِ القدوةِ، قال سماحةِ الشيخِ حسين عبد الرضا الأسدي/ رئيسُ تحريرِ مُدوّنةِ الكفيلِ (عليه السلام): الآثارُ المُترتبةُ على تسقيطِ القدوةِ الدينيةِ الاجتماعيةِ للفردِ تعرفُها من خِلالِ معرفةِ أهميةِ القدوةِ، ويُمكِنُ صياغةُ هذا المعنى من خِلالِ أنّ الإنسانَ بطبعِه يحتاجُ إلى منافذَ عديدةٍ وحوافزَ تجعلُه يسيرُ نحوَ الهدفِ. والحوافزُ كثيرةٌ منها الثوابُ والعقابُ، منها الدافعُ الداخلي والقوةُ الذاتيةُ، ومنها القدوةُ، والإنسانُ يميلُ بطبعِه إلى الشخصِ النموذجِ، إلى الشخصِ الكاملِ وهذا الشخصُ يُسمّى بالقدوة أو الأسوة في الاصطلاحِ القرآني. وبالتالي فإنَّ للقدوةِ تأثيرًا مباشرًا على من يُحبِّهُ ويقتدي به؛ لذا عُدَّ النبيُّ (صلى الله عليه وآله) والأئمةُ (صلوات الله عليهم أجمعين) قدوةً وأسوةً بصريحِ القرآنِ الكريم، وتسقيطُ هذه القدوةِ تُفقِدُ الإنسانَ أحدَ وأهمَّ الحوافزِ المُهمة والدوافع الضرورية في السيرِ نحوَ الهدفِ الأسمى وهو رضا اللهِ (تعالى). ويزدادُ الوضعُ سوءًا إذا استُبدِلتِ القدوةُ الحسنةُ بالقدوةِ السيئةِ، وهذا ممّا يدفعُ الإنسان إلى أنْ يتّبِعَ تلك القدوةَ السيئةَ، وبالتالي يسيرُ نحوَ الطريقِ الخاطئ، ويبتعدُ عن الطريقِ الصحيح. وبعدَ ما تقدَّمَ من حديثٍ حولَ القدوةِ والاقتداءِ، ربما يسألُ سائلٌ: هل نجحَ الغربُ في إسقاطِ وتشويهِ القدواتِ السياسيةِ والدينيةِ لدى الشعوبِ الإسلامية؟ وما الأساليبُ التي اعتمدوها؟ وقد أجابا مُتفضّلينِ عن هذينِ السؤالين كُلٌّ من التربوي جعفر نوري العبادي والشيخ جاسم الوائلي/ أُستاذُ الفقهِ والأصولِ في الحوزةِ العلميةِ/ النجف الاشرف إذْ بيّنَ الأولُ: نعم، ربما تمكّنَ الغربُ من إسقاطِ وتشويهِ بعضِ الزعاماتِ والقدواتِ السياسية، لكنّه لم ولن يستطيعَ إسقاطَ الزعاماتِ الدينيةِ؛ بسببِ مُعادلةٍ سهلةٍ، وهي أنَّ من يؤمِنْ بالزعاماتِ الدينيةِ يتحصّنْ بها من كُلِّ ما يُخالِفُ نهجَها، ولذا فإنَّ دعواتِ الغربِ تولَدُ عندَ هؤلاءِ وهي ميتة. وأما منْ لا يؤمِن بهذه الزعامات الدينيةِ فلا فرقَ عندَه بينَ سقوطِها في نظرِه وعدمِ سقوطِها. وأوضحَ الشيخُ أساليبَ الغربِ قائلًا: انتهجَ الغربُ جُملةً من الأساليبِ في معركةِ تسقيطِ القدواتِ الإسلاميةِ والاجتماعيةِ عندَ العربِ. ومن أبرزِ تلك الأساليبِ افتعالُ الأكاذيبِ وخلقُ الافتراءات، واستغلالُ نقصِ الخدمات، وتحميلُ القدواتِ المسؤوليةَ، وتجهيلُ الناسِ بالمسؤولِ الأول، والعملُ على دسِّ الشخصيّاتِ الباطلةِ بعناوينَ أهلِ الحقِّ، واستغلالُ عناوينِ الوطنيةِ بتُهمةِ المُخلصين، والعملُ على إبرازِ الطُغاةِ بعناوينِ الشجاعةِ والقانون، وإظهارُ الحوارِ والحُريةِ بعناوينِ الجُبنِ والانبطاح. وبعدَ تتمّةِ الحديثِ عن القدوةِ بشكلٍ عامٍ انتقلنا إلى القدوةِ النسويةِ التي تُعدُّ محورًا وعاملًا مُهمًّا من عواملِ نهوضِ المُجتمعِ ودوامِ عطائه، فتوجّهنا بسؤالِ أ‌. م. د. حنان عزيز البغدادي/ جامعة بغداد عن أهميةِ القيادةِ بالنسبةِ للعُنصرِ النسوي، ومتى تكونُ القيادةُ النسويةُ نافعةً للمجتمع؟ فبيّنتْ مُتفضِّلةً: تكمُنُ أهميةُ القدوةِ النسويةِ للأسرةِ والمُجتمع بإعدادِ جيلِ المُستقبلِ إعدادًا تنمويًا وعقائديًا واجتماعيًا. واستحداثِ أساليبَ في التعامُلِ مع مُتغيّراتِ الحياةِ وتجاوزِ صعوباتِها، وترسيخِ ركائزِ العلاقةِ بينَ القدوةِ والمجموعةِ في خِدمةِ الدينِ والمُجتمع، والتأثيرِ في المُجتمعِ وتوجيه أفراده لإنجازِ الأهداف، وتفهُمِ سلوكِ التابعين ودوافعِهم وشخصياتِهم واحتياجاتِهم والعواملِ المؤثرةِ في سلوكِهم وحلِّ مشاكلِهم وإشباعِ حاجاتِهم وتحقيقِ أهدافِهم، واستعمالِ آلياتٍ تتفقُ مع رغباتِهم وأعمارِهم ومستوى تفكيرهم. وإنّ الحديثَ عن القدوةِ وأهميتِها في المُجتمعِ بحاجةٍ إلى مُمارساتٍ حيّةٍ ونموذجيةٍ تعتمدُ على مساراتٍ ومنافذَ تُنافِسُ ما تستعملهُ أدواتُ تخريبِ المجتمع. وذلك من خلالِ الإعلامِ المرئي والتجمُعاتِ الثقافيةِ وغيرها. وتكونُ القدوةُ نافعةً إذا توفرتْ فيها مجموعةٌ من العناصرِ والسماتِ الأساسيةِ المُتمثِّلةِ بالذكاء، اليقظة، البصيرة، الثقةِ بالنفس، المسؤولية، المُبادرة، النزعة الاجتماعية، المُثابرة المُستمرة في تحقيقِ الأهدافِ، الجرأة والأصالة في حلِّ المُشكلات. ختامًا يُمكِنُ القولُ: إنَّ وجودَ القدوةِ الحَسَنةِ في المُجتمعِ يُعدُّ عاملًا أساسيًا في تقدُّمِه وازدهارِه، وإنّ غيابَها يؤدّي إلى دمارِ الفردِ ومن حولَه، وشياعِ المُنكراتِ واستفحالِها، وإفشاءِ الجهلِ بينَ الناس؛ لذا من الضروري أنْ نصنعَ القدواتِ الصالحةَ ونقوّي دعائمَها، ونُثبِّتَ جذورَها. وعلينا أنْ نحاربَ ونتصدّى لكُلِّ من يُحاوِلُ تزييفَ القدواتِ أو النيلَ منها والإطاحةَ بها. ويبقى السؤالُ باحثًا عن جوابٍ شافٍ: هل ساهمْنا بدعمِ القدواتِ الاجتماعيةِ والدينيةِ الموجودةِ بيننا؟ أم إنّنا نُساهمُ ومن حيثُ لا ندري بتشويهِها وتزييفِها؟

اخرى
منذ ساعة
16

عندما تتساقطُ حروفُك

عندما تتساقطُ حروفُك على ورقةٍ صمّاء ... وتجدُ من يقرأُ تلك الحروف يحسُّ بألمِك يشعرُ بحالِك وإنْ لم يرَك! تشكرُ اللهَ (تعالى) على نعمةِ التواصلِ فالحياةُ مشاعرُ رغمَ بُعدِ المسافات قد تكونُ الأيامُ باعدتْني عنكم إلا أنّ؛ سؤالكم ... إحساسكم بما أُعاني ... هو الحياة ... #أم_وأبي

اخرى
منذ 16 ساعة
42

آثار ٌراحلة

بقلم: نورا گاصد العبودي تزهرُ أمّي في جميعِ المواسم.. حتّى عندما تذبُلُ أوراقُها، كانتْ تورقُ وتخضرُّ وتنمو من جديدٍ؛ فهي جوريةٌ بجدارة.. كانتْ تجمعُ الأشياءَ اللطيفةَ وتُخبِئها للانهاية.. تكوّنتْ صفاتُها من شجرةِ اللطافةِ.. رقيقةٌ كنسمةِ الصباحِ على نافذةٍ يصدأ زجاجُها من الخُذلان.. شديدةٌ أمامَ الظروفِ .. رحيمةٌ علينا بكُلِّ الأوقات.. تدّخِرُ في صندوقِها كُلَّ شيءٍ ثمين.. منديلًا قديمًا جدًا لكنّه ناصعُ البياضِ كقلبِها، وقدحَ شاي نقيٍ كسريرتِها خُدِشتْ إحدى أركانه بسببِ طولِ عمره.. وإطارَ صورةٍ مُهترئ.. وأزرارَ قميص.. تجمعُ العطورَ من ثيابِ أبي وتضعُها في قارورةٍ وتركُنُها في ذاتِ الصندوق .. غالبًا ما كُنتُ أشعرُ أنّها تدفنُها في ذاتِها؛ لأنّ ذلك العطرَ ملأ كيانَ أُمّي! في كُلِّ صباحٍ كانتْ أُمّي تُخرِجُ ذكرياتِها من ذلك الصندوقِ المُعلّقِ على رفِّ الأيامِ العسيرةِ، وتُطلِقُ تنهيدةً عميقةً بعُمقِ صعوبةِ الليالي الماضية.. كانتْ تُرى ابتسامتُها وهي تُغادِرُها بخِلسةٍ على طُرُقِ الحياةِ المفروشةِ بالأشواك.. تجمعُ آثارَ أقدامِهم المُتجمِّدة على عَتَبةِ دارِها.. راحلةٌ هي ومُخلِّفةٌ داخلها حيرةً ويأسًا شديدين! تزفرُ غبارَ الأمسِ وتعودُ لقوقعتِها وتغلقُ البابَ جيدًا .. وتجلسُ أمامَ الرف! تَعدُّ الليالي المُقفرة والأرواحُ المُرهقة التي صادفتْها .. تُغمِضُ عينيها بكلتا يديها وتُطلِقُ صوتًا مهزوزًا.. لم يُجمِدْ بردُ ديسمبر أوتارَ حُنجرتِها .. حتى عندما جلستِ الوحدةُ أمامَ ألمِها تقصُّ عليها مُنجزاتِها وما فعلتْها بالوحيدين.. اعتادتْ أُمّي على السيرِ بالأنفاقِ المُظلمةِ بثقةِ رجلٍ شجاع فقدَ كُلَّ شيء؛ لأنّ الفاقدَ برأي أُمّي شجاعٌ فهو ما عادَ يملكُ شيئًا ليخسره .. تتكأ على عُكازِ الصبر.. ترمقُ الفشلَ من بعيدٍ يتكأ على حُطامِ المُنهزمين ويبتسمُ كأنّه يُناديها تهزُّ برأسِها وترفعُه عاليًا وتسيرُ بأملِ أنَّ الغدَ الذي يُعيدُ الراحلين سيُطرِقُ بابَها مؤكدًا..

القصص
منذ 18 ساعة
26

الأخلاقُ لا تتجزّأ

بقلم: صفاء الندى لا شكَّ ولا ريبَ أنَّنا نُعاصِرُ ذروةَ الانحدارِ الأخلاقي، فلم تعُدِ الموبقاتُ والذنوبُ تُرتكبُ سرًا، بل جهرًا أيضًا وبتعنُتٍ ومُكابرة. وكُلُّ من يجترحْ خطيئةً أخلاقيةً يُقايسْ نفسَه بالأسوأِ منه.. أو يبتكر له ذريعةً بشتّى الطُرُقِ ليجدَ نصًا دينيًا يُسعِفُه فيطبقُّ قاعدةَ الضروراتِ تُبيحُ المحظورات] بأغلبِ الظروفِ. ومنّا من إذا أذنبَ انتبهَ إلى أنّه إنسانٌ مـُعَرضٌ للزللِ وغيرُ معصوم! ولو ذكّرناه بإنسانيتِه بعدَ أيامٍ وقلنا له تصدّقْ بدنانيرَ قليلةٍ لذلك الفقير، أو قُمْ بعملٍ تطوّعي لجهةٍ خيريةٍ تذمَّرَ وتأفّفَ قائلًا: لمَ عليّ أنْ أفعلَ ذلك؟! إنَّ الفعلَ الأخلاقي السيء يختلفُ نوعُه باختلافِ الصفةِ المذمومة المُرتكبة، وإنَّ الكذبَ والخيانةَ والرياءَ والبخلَ وبذاءةَ اللسان والعلاقاتِ المحرمةَ بينَ الجنسين والجُبنَ وغيرها كُلَّها خصالٌ سيئةٌ يُطالب الفرد باجتنابها. ولا تقتصر على جانب معين، فالبعضُ يظنُّ أنَّ الفعلَ غير الأخلاقي والمشين المقصود منه هو العلاقةُ غير الشرعية بين الجنسين فقط. كلا... فكما يسعى الشخصُ إلى أنْ يكونَ عفيفًا في علاقاتِه مع الجنسِ الآخر فليكنْ أيضًا عفيفًا في تعاملاتِه مع الناسِ أجمع صادقًا لا يكذب ، وأمينًا لا يسرق، ومخلصًا لا يشي بصاحبه، وشجاعًا لا يتنازل عن معتقداته، وكريمًا لا يبخل، فلا تجزئةَ بالالتزامِ الأخلاقي.. وهذا لا يتطلّبُ عصمةً بمفهومِها الأوّلي حتى يستشكلَ أحدُهم: الدينُ يُسرٌ وليس عسرًا.. بل يتطلّبُ الاعترافَ بالخللِ الحاصلِ ونيةً وعزمًا على التوبة يستمدُّهما الشخصُ من إيمانه وقناعته الداخلية التي يستشعرُ بها ومن خلالِها جمالَ الأخلاقِ الحَسَنةِ التي ستفيءُ بجمالها على صاحبِها لا محالة، وقبح الأخلاقِ السيئةِ التي ستُشوِّهُ شخصيةََ كُلِّ من تلبّسَ بها.

اخرى
منذ 22 ساعة
44

خاطرة

دافئةٌ جدًا جلساتُها حانيةٌ، رؤوفةٌ، ودودةٌ! لم يمُرّ اسمُها بحديثٍ إلّا ووزّعَتِ البسمة ُخطوطَها على وجهه.. لا ينفكُّ عن مُسمّاها اسمُها! عطوفٌ بِلا خُنُوع قويٌ بلا قسوة.. يحتوي المواقفَ بجدارة.. يصِفُّ الأولوياتِ بِدِقّة.. لا يَشكلُ عليه الحديثُ مع ألفٍ وتمريرُ جُلّ اهتمامِه بِها! #كاردينيا_ياس #مودة_رحمة

الخواطر
منذ 23 ساعة
36

رجلٌ في زمنِ الغربة

بقلم: وفاء لدماء الشهداء آتاهُ اللهُ (تعالى) من جمالِ البيانِ وفصاحةِ اللسانِ ما لم يؤتِ غيرَه، ومنَّ عليه بالحكمةِ والإيمانِ حتى استقامَ على الحقِّ وثبَّتَ فؤادَه فسما قدرُه. لم يصده طوفانُ الفتنِ المُضلّاتِ عن الصمودِ والثبات، ولم تخدعه حيلُ الطُغاةِ فأبدى بسالةً في مواجهةِ التحدّيات، ولم يُثنِه عن المُضي في طريقِ الهُدى والنورِ تقريعُ حُكّامِ الضلالةِ والجور. عاشَ في ظِلِّ الإسلامِ عمرًا، وشربَ الولاءَ لأهلِ البيت (عليهم السلام) حتى نطقَ بحُبِّهم سرًا وجهرًا، وبقيَ على عهدِه ووفائه حتى ارتحلَ إلى ربِّه غريبًا أبيًا حرًا. تهديدٌ ووعيدٌ وإغراءٌ، وسياسةُ مكرٍ ودهاءٍ، وتوسُّلٌ بأساليبِ الطغاة ِاللعناء، قابلَها بصبرٍ وفطنةٍ وذكاء، وثباتٍ وصلابةٍ وولاء، حتى أسقطَ ما في يدِ الأعداء، فلم يجدوا بدًا من تنحيته وطردِه فكانَ نصيبُه التهجيرَ والإقصاءَ.. إنّه بطلُ صفّين والجمل والنهروان، ومن كانَ مع الأميرِ علي (عليه السلام) في كُلِّ الأحوالِ والأزمان، صعصعةُ بن صوحان (عليه رضوان المنان)، سليلُ المجدِ والكرم، ومن نقشَ اسمَه في سجّلِ الثابتين في زمنِ الغُربةِ والألمِ.. خطيبٌ فصيحٌ بليغٌ فاضلٌ، لم يفتأ عن بيانِ حقِّ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) وذكرِ المناقبِ والفضائل.. من الشيعةِ الأوائل، الذين نالوا وسامَ النُصرة، وتحدّثَ عن فضلِهم صادقُ العترة (عليه السلام) فقال: "ما كان مع أميرِ المؤمنين (عليه السلام) من يعرفُ حقَّه إلا صعصعة وأصحابه"! كانَ خفيف المؤونةِ، كثير المعونة، عظيم القدر، شريف المنزلةِ، عميق الفِكر، عاشَ كريمًا عزيزًا، ومضى بطلًا وفيًا، ولا عجبَ؛ فهو سليلُ أسرةٍ عُرِفتْ بولائها، وتميّزتْ بحُبِّها وفدائها.. فقد استشهدَ يومَ الجملِ أخواه زيدٌ وسيحان، فحملَ الرايةَ بعدهما مُدافعًا عن الحقِّ وأهلِه ضدّ الظلمِ والطغيان؛ لأنه كان قويَ الجنان، صلبَ الإيمان، يعرفُ أنَّ القرآنَ مع علي وعليٌ مع القرآن، لا يفترقانِ مهما طالَ الزمان، وكيفَ لا يكونُ كذلك وهو القائلُ يومَ بيعةِ الإمامِ علي (عليه السلام): " يا أميرَ المؤمنين لقد زِنتَ الخلافةَ وما زانتْكَ ورفعتَها وما رفعتْكَ، وهي إليك أحوجُ منك إليها". واستمرَّ في إبداءِ الولاءِ وإظهارِ البراء، ونُصرةِ الحقِّ ومُقارعةِ الأعداء، من خِلال لسانِه الذي كانَ بمنزلةِ السلاحِ في وجهِ الظُلمِ والاضطهادِ، وبيانِ موقفِ أهلِ الحقِّ أمامَ أئمةِ الجور ِوالفساد؛ لذا فقد تحمّلَ كثيرًا في طريقِ ذات الشوكةِ هذا، ولكنّه استعلى على الضغوطِ والتحدّياتِ، واستعصى على لُغةِ المُساومةِ والاستدراج ِوالتهديدات، ووجدَ معاويةُ ومن لفَّ لفَّه، ممّن دخلَ معهم في حواراتٍ ساخنةٍ أنْ لا طريقَ إلى إقناعِه وحرفِه، ولا سبيلَ إلى إسكاتِه إلا بإرساله إلى حيثُ يُلاقي حتفه، كما فعلَ سابقًا بأبي ذر؛ فالسياسةُ واحدةٌ والمنهجُ قاسٍ مُرّ، إذ لا خيارَ آخر فإمّا أنْ تكونَ مع الخيرِ أو الشر. نُفيَ ابنُ صوحان (عليه الرحمة والرضوان)، من قبلِ المُغيرة بن شعبة والي ابن أبي سفيان إلى جزيرةِ أوال، ففاز َبرضا الربِّ المُتعال، وبقيَ اسمُه ضياءً في سِفرِ الأبطالِ، الذين لا تطويهم الفِتنُ عندَ وقوعِها، والمحنُ عند اشتدادِها، فيتُرجمونَ الحُبَّ بالأفعالِ بعدَ الأقوالِ، ويثبتون عندَ السلم وفي حالاتِ النزال، فطوبى لهم حُسن المآل. فما أحوجَنا اليومَ إلى استلهامِ الدرسِ من حياةِ هذا الرمز، في بناءِ أمّةٍ لا ترضى بالذلِ وتتطلّعُ إلى السؤددِ والعِزّ، فلطالما كانَ الحقُّ غريبًا وأهلُه غرباء، ولا يبقى معه عندَ اشتدادِ المحنةِ إلا الأوفياء، الذين يعلمونَ أنَّ النُصرةَ لا تكونُ بالشعارات، بل بالصبرِ والتحمُّلِ والثبات، وفهمِ العدو وأساليب مكره الخبيثة التي تدسُ السمَّ في أوساطِ الأمّةِ لتمزيقها، وحرفِها عن طريقِها، وإقناعِها بتغييرِ مسارِها، والانتفاضةِ على ثوابتِها، وإسقاطِ رموزِها، والاستهزاءِ بقدواتِها، وتهوينِ المُنكرِ في عينها، وحثِّها على صمِّ السمعِ عن سماعِ مواعظِ العقلاء فيها، أو الإصغاءِ إلى أهلِ العلمِ عندما تشتبكُ خيوطُ الضلالةِ أبانَ وقوعِها. إنَّ صعصعةَ بن صوحان (رضي الله عنه) قدوةٌ للثابتين في زمنِ المحنةِ، وأسوةٌ لمن يُريدُ نُصرةَ إمامِ زمانِه والفوزَ بالجنة، لا يزالُ ينطقُ فينا كُلّما مرَرْنا على ذكره: أنِ أثبتوا وكونوا للحقِّ أوفياءً، وإيّاكم والتخاذُل أمامَ الأعداء، أو التزلزُل عندَ وقوعِ الفِتنِ العمياء، التي يضِلُّ فيها كُلُّ مُبتعِدٍ عن مصادرِ النورِ والنقاء، فما ثبَّتَ أقدامي سابقًا على طريقِ الحقِّ هو حُبّي لسيّدِ الأوصياء، ذلك الحُبٌّ المُتغلغلُ إلى عُمقِ الروحِ المُمتزجِ بالوعي وفهمِ حقيقةِ الولاء والبراء، فمتى انفتحَ القلبُ على ينابيعِ النور، أمِنَ الفِتنةَ واجتازَ المِحنةَ ووصلَ إلى رياضِ الأُنسِ والحبور، فالحُبُّ مصباحٌ، والرجوعُ إلى أهلِ الحقِّ عين الفلاح... إنَّ ابنَ صوحان (رضوان الله عليه) يُنادينا اليومَ من عليائه، أنْ كونوا مع الحقِّ وأهلِه ضدّ أعدائه، وإيّاكم والسقوط في حبائلِ مكره ودهائه، وإنِ اشتدّ عليكم الظلامُ، وفقدتُم القدرةَ على تشخيصِ الموقفِ للخروجِ من المِحنةِ بسلام، فما عليكم إلا الرجوع إلى الحكماء والعلماء والفقهاء، فهم صمّامُ الأمانِ من كُلِّ فتنةٍ طخياء عمياء، وبهم تقتلون الفتنةَ في مهدِها، وتجتازون المِحنةَ قبلَ أنْ تأكلَكم نيرانها، ويُكتَبُ لكم عمرٌ جديدٌ بعدها، تسيرون فيه مطمئنين، وتقضون أيامه هانئين، على بصيرةٍ ويقين، بأنَّ الأرضَ لله (تعالى) يورثُها عبادَه الصالحين، ولو بعد حين.

اخرى
منذ يوم
58

ومضة

رضيعٌ التقمَ النُبلَ؛ اعشوشبَ القبرُ.

الخواطر
منذ يوم
34

شايٌ، وَردٌ، ودِماء

بقلم: منار المهدي بينما هُوَ يصُبُّ الشّاي في كوبِ البلاستك للزبون المادِّ يدَه من نافِذةِ السيّارةِ سمعَها تُثرثِرُ عمّا عرضتْه في خِطبةِ ولدِها وانبرَتْ تستعرِضُ عضَلاتِه المادّية من وظيفةٍ وجاهٍ وشهادة، تكوّرَ بعضُهُ علىٰ بعضِه، وتراءىٰ له وجهَ والدتِه وهو يصفَرُّ كُلّما سألَها أحدُهم عن سببِ تأخيرِ زواجِ ولدِها الوحيد، هو لا يملكُ شيئًا عدا شهادتَه التي علّقَها على الجدارِ وقد أصبحتْ "إكسپاير"! هل يقولُ إنّه يملكُ الخُلُقَ والدّينَ فيكفيانِه ليُكمِلَ نصفَ دينه؟ هل بقيَ من يقنعُ بهذا الكلام؟ ابتلَعَ همَّه السّاخن كشاي الصّباحِ وهَمَّ بعبورِ الشارعِ بعدَما رأى تلويحةً تطلبُ الشاي في الجِهة المُقابلة. بالقُربِ منه وبينَ السّياراتِ العالقةِ في الازدحام، كانَ يقفُ صاحبُه، يحتضِنُ مجموعةً من الوردِ الأحمر يُنادي عليه بصوتهِ الأجشّ: "تبقى نظِرةً لأربَعين يومًا...بألف دينار فقط". عندما رأى صاحِبَ الشّاي من بعيدٍ، تمنّى حالَه فهو يعيش مع أمه فقط، ، لا زوجةً تُريدُ مصروفًا، ولا ثلاثةَ أولادٍ يكِدُّ لسدِّ رمقِهم. عندما رأى طفلةً تؤشِّرُ نحو الورد مضىٰ نحوها، وفي مُنتصف منطقةِ العبور التقىٰ بائِعُ الشّاي ببائِع الوَرد في الهواء، كُلُّ دونَ بِضاعتِه، شاهدَ بائعُ الشّاي إبريقَه يتمدّدُ مع جسدِه على الأرضِ، وأكوابَهُ تتناثرُ كما أحلامه، وأما صاحبُ الورد فلا تزالُ وردةٌ وفيّةٌ نجَتْ من بينَ الباقةِ المُتفحِّمةِ عالقةً بكفِّه. انتشىٰ الملِكُ وهو يُسلِّمُ ورقةَ تقريرِه اليوميّ إلى الشَّيطان، حصيلةٌ جيّدةٌ من أكوابِ الشّاي، ومجموعةٌ من وردٍ أحمر، وكمّيةٌ وافِرةٌ من دماءٍ ودموعٍ. الغريبُ أنّ الدماءَ هيّ التي بقيَتْ نضِرةً.. وليسَ لأربعينَ يومًا فحسب، بل إلى الأبد.

اخرى
منذ يومين
65

طريقُ الوصولِ لأحلامك

بقلم: بنت الزهراء اللامي كُلُّ حلمٍ في هذه الحياةِ.. أيّ حلمٍ.. لا يهمُّ كونُه مُستحيلًا أو لا.. المُهمُّ أنّه حلمٌ.. لكي يتحقّقَ فإنّه يحتاجُ إلى الإيمان.. لكن الإيمانُ بماذا؟! أولًا: الإيمانُ بقدرةِ الله (تعالى) على تهيئةِ الأسبابِ لتحقيقِ أحلامك مهما كانَ واقعُك.. والآن سَلْ نفسَك هذا السؤال: بماذا تؤمنُ أكثر، بقُدرةِ الله (تعالى)، أو بواقعِك الذي يُخبِرُك أنَّ حلمَك صعبُ التحقُّقِ بل هو مستحيلٌ؟ كما لو كان هناك رجلٌ رياضيٌ يُعاني من كسرٍ في قدمِه، ويرغبُ بأنْ يُشاركَ في سباقٍ للركض، فمن المؤكّدِ أنّ حلمَه هذا صعبٌ جدًا، بل هو مُحالٌ لكنّه كانَ يمتلكُ إيمانًا بالله (تعالى) على أن يشفيَه قبلَ موعدِ السباقِ، فذهبَ وقدَّمَ على المشاركةِ في السباقِ بكُلِّ ثقةٍ ويقينٍ برحمةِ الله (تعالى) الواسعة.. فلا تنسَ الحديثَ القدسيّ المروي عن الإمامِ الرضا (عليه السلام): أحسِنِ الظنَّ بالله، فإنّ اللهَ (عزَّ وجل) يقولُ: أنا عندَ ظنِّ عبدي المؤمن بي، إنْ خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا. والحديثُ واضحٌ لا يحتاجُ إلى تفسيرٍ أو شرح.. وما يتعارضُ مع الإيمانِ بقُدرتِه (سبحانه وتعالى) هو تفكيرُنا بالواقعِ الذي نعيشُه، والذي يُخبِرُنا أنْ كفّوا عن حلمكم هذا؛ فهو مستحيلُ الحدوثِ.. لذلك يتوجّبُ علينا إنْ أردنا أن نتمتّعَ بلذّةِ تحقيقِ أحلامِنا أنْ نثقَ ثقةً مُطلقةً بربِّنا الواحدِ الأحدِ، مُسبِّبِ الأسبابِ وحاشاه أنْ يُخيّبَ ظنّنا بعطفِه ورحمتِه. ثانيًا: الإيمانُ بنفسِك وبقُدُراتِك الهائلةِ لتحقيقِ أيّ شيءٍ تُريدُه سواء كان هدفًا، حلمًا، أو أيَّ شيءٍ آخر، مهما كانتْ صعوبتُه أو مهما واجهتكَ من تحدّياتٍ أو كلامٍ قد تسمعُه ممّن حولك نحو: أنت لا تستطيع تحقيقَ ذلك، ما تريدُ فعلَه مستحيلٌ...وما شابه هذه العبارات المُحبطة.. فعلينا أحبتي عندَ سماعِنا لأمثالِ هذهِ العباراتِ أن لا نؤيدها وأنْ لا نفكِّرَ بها على أنّها صحيحةٌ، فنـتسبّب بإحباطِ أنفسنا بأنفسنا، ونُصيبُ عزيمتَنا بالفتورِ لا إراديًا، بل علينا أنْ نأخذَ كُلَّ تلك العباراتِ مصدرَ تحدٍّ لنا وإنْ كثُرَتْ نزدادُ إصرارًا وقوّةً ونفرحُ؛ لأنّ التحدّي سيكونُ أقوى ونحنُ حتمًا أهل لأيّ تحدّي.. فتعالَ وتخيّلْ معي أنّك ورغمَ كُلّ ما سمعتَه ممّن حولك من التشكيك بقُدرتِك على تحقيقِ ما تُريد تُفاجئُهم جميعًا بأنّك قد حقّقَته.. ولِمَ لا...؟! ألستَ تتمتّعُ بهذه القوة؟! أو لستَ أهلًا لذلك؟! اسأل نفسكَ هذا السؤال. وأيضًا لا تنسَ أنْ تؤمنَ إيمانًا مُطلقًا بأحلامِك مادامَ تحقيقُها لا يُغضِبُ ربًا فإذا كُنتَ أنتَ صاحب الحلمِ أو الهدفِ لا تؤمنُ به، فكيفَ تُريدُ تحقيقه؟!

اخرى
منذ يومين
53

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
71267

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
53572

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
42397

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
35371

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
32076

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31468