معهد تراث الانبياء عليهم السلام للدراسات الحوزوية الالكترونية

مدونة الكفيل للتدوين الالكتروني

جمرة فراق

بقلم: سراج الموسوي بشوق ولهفة اللقاء، تطبق أجفانها المحمرة لتبصر نورًا… تنادي: أخي أبا الفضل، حان موعد رحيلي يا كفيلي؛ فمن يحمل نعشي في غربتي؟ ومن يُنزلني في حفرتي يا قرة عيني؟ لا تكاد تُبصر والألم يعصر قلبها النقي... وإذا بالصوت: أنّا إلى جنبك أُخيتي… أخي! أأنت عباس؟! أم أن أُذنيَّ تكذبُ عليّ؟ هل حان موعد لقائنا؟ لقد كان فراقنا دهورًا ودهورًا… اقترب يا نور عيني المفقود... اقترب لأشم ريحك لعل بصري يرجع إلي؛ فأنا ما بصَرْتُ مذ فرّقني زماني عنك... اقترب لعل روحي تخرج بين يديك! دنا منها وطمْأنها، وبصوته الحنون أطرب سمعها قائلًا: قُري عينا يا أُختاه... فأنا ما جئت إلّا لأحمل روحك إلى أبي ...فهيا معي وكفاك حزنًا وجزعًا، فقد حان الآن اللقاء! سأحملك على جناحَي لجدك وأمك وأبيك، فهُم في شوق ولهفة للقائكِ، سأحملك لفخرك الحسن، وجرحك الطويل وحزنك البعيد بُعد السماء... عزيزك الحسين… كُفي بُكاءك... فالدموع اليوم عليكِِ تسيل؛ يا بطلة الزمان، وكفيلة الايتام، وصرخة العفاف؛ لقد آن لحزنكِِ أن ينقضي... هيا اركبي! وبقلبها الرقيق نطقت قبل لسانها الفصيح: مُدّ لي يدك يا أخي كما كنت تفعل دائمًا معي! سمع لهفة قلبها، وكلماتها التي لم تخرج من لسانها، لكنه أطرق خجلًا وهو يمد جناحه: يا روح أخيكِ، هاكِ جناحي وارتقي فإن يديَّ تركتهما في كربلاء...

منذ ساعتين

محورية التكليف عند السيدة زينب‘ في واقعة كربلاء (2)

بقلم: فريال ياسر الأسدي محورية التكليف وبطلة كربلاء ‘ مات معاوية وحل محله شاب فاسدٌ شريرٌ لا يصلح أنْ يقود أمةً حديثةَ عهدٍ، رفض الإمام أنْ يبايعه وقال عبارته الخالدة: "مثلي لا يبايع مثله" (ابن الأثير ، الكامل في التاريخ:3/263) وهذا الرفض لم يكن سرياً، بل أعلن الإمام رفضه للبيعة، وكذلك أعلن أنّه يريد الخروج إلى مكة، وقرر × اصطحاب النساء والأطفال معه، وهو × يعلم المصير الذي سوف يلاقيه في كربلاء وهذا العلم سواء كان من الغيب الذي أطلع الله عليه الإمام أم من إخبارات النبي’ مثل قوله:{إنَّ ابني هذا يعني الحسين يُقتل بأرض من العراق فمن أدركه فلينصره} ( مغنية، محمد جواد، الحسين وبطلة كربلاء:344، نقلاً عن أسد الغابة:1/ 146) فلماذا اصطحب الأطفال وهو يعلم بمصيره؟ كان جواب الإمام× عندما سأله محمد بن الحنفية عن أسباب اصطحابه النساء: " شاء الله أنْ يراهنَّ سبايا" (المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار:44/364) أي إن اصطحابه لأهل بيته أمر إلهي وتكليفٌ دينيٌ، وأنه إرادة الله تعالى ومشيئته، وقد أدركت السيدة زينب‘ هذا الأمر الإلهي والتكليف الديني فقالت لابن عباس عندما سمعت نصيحته للإمام الحسين × بأن لا يأخذ النساء معه إلى العراق ، فاعترضت عليه باكية وقالت:" يابن عباس تُشير على شيخنا وسيدنا أن يخلفنا ها هنا ويمضي وحده ؟! لا والله بل نحيى معه ونموت معه وما أبقى لنا الزمان غيره " (البحراني، هاشم، مدينة المعاجز: 3/ 485) إن رد السيدة زينب‘ فيه إشارة واضحة إلى التسليم الكامل لأمر الله تعالى ، وعملها بتكليفها الملقى على عاتقها وتقبلها لهذا التكليف الذي جعلت محوريته قضيتها الأولى في خروجها مع الإمام ×. قلنا: إنَّ المشيئة الإلهية اقتضت خروج السيدة زينب إلى كربلاء (وشاء الله أنْ يراهنَّ سبايا) والسؤال الذي تبادر إلى الذهن: لماذا شاء الله أنْ يراهنَّ سبايا هل في هذا مصلحة؟ ولمن تلك المصلحة، للإمام الحسين× والتعريف عن ثورته بعد مقتله بوصفه نوعاً من الإعلام الواسع لكشف العدو أمام المجتمع أم للسيدة زينب ومكانتها الشامخة المرموقة لتنال بذلك فضلاً لهداية الناس، أم لمن؟ "وهذا التعريف المتأخر عن ثورة الإمام الحسين× ليس لأجل مصلحة الحسين× نفسه ولا لمصلحة أصحابه المستشهدين معه، لأنّهم نالوا بالشهادة ما رزقهم الله جل جلاله من المقامات العالية في الدار الآخرة، وإنما هذا الإعلام إرادة الله سبحانه وتعالى لأجل هداية المجتمع، فما يقال من أنّه إكمال لثورة الحسين عليه السلام، يراد به الجانب الظاهري في الدنيا، لا الجانب الباطني في الآخرة " .( انظر: البغدادي، ابراهيم حسين، زينب بنت علي: 105) ولكن حتماً في البداية لم يدرك المصلحة في اصطحاب النساء والأطفال إلا الحسين× لأنّه شخّص تكليفه، ورفع شعاراً واعياً وتحدى كل من حاول أنْ يثنيه عن عزيمته، ثم بعد ذلك شخّص تكليف الجماعة فأمرهم بالذهاب معه وعندها حتما أدركت السيدة زينب‘ هذا الأمر بوعي فشخّصت تكليفها وسارت بخطىٍ واضحةً لتنفيذه، إنّ قرارها هذا جاء عن إيمانٍ وحكمةٍ وجاء عن منهاج تربوي راقٍ تلقته ‘ فكانت تملك الاستعداد وتملك سعة الروح فكلفها الله بما تطيقه، كل خصائصها التربوية وما يميزها عن غيرها من النساء برزت في لحطة اتخاذها القرار وهو ترجمة لمستوى إيمانها‘، لذلك جاء قرار الخروج عن قوة وإرادة وتشخيص صحيح مبني على أسس عقائدية صحيحة، وهذا القرار جعلته محوراً لأيامها القادمة. وفي كربلاء شخّصت ‘ تكليفها وأعطت ألواناً من الدروس والعبر وألواناً من الصبر والثبات لقد كانت مواقفها لا تقل صلابة وقوة عن مواقف الشهداء الذين بذلوا أنفسهم ودماءَهم في سبيل المبدأ الذي سار ومضى عليه الإمام. إنّها في كربلاء وفي كل المواقف التي عاشتها سطرت لنا أروع القيم والموازنة بين العزة والذل وبين الظلم والعنف وبين الانهزامية والتصدي من أجل إعلاء الحق، إنّها جسدت كل ما سمعته من كلمات إمام زمانها إذْ قال×:" ألا أنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنين: بين السلة، والذلة، وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك، ورسوله، والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام" . (ابن طاوس، اللهوف على قتلة الطفوف: 59) لقد كانت‘ بعد مقتل الإمام × كتلة من الفاعلية والنشاط، لأنّها أدركت تشخيصها الآني، وسعت لتكليفها راضية أولاً بقضاء الله وقدره وساعية لإدارة المسؤولية الملقاة على عاتقها فهي لم تكن مسؤولة عن تشخيص تكليفها فحسب بل هي في هذه اللحظة تقود الركب الحسيني ومسؤولة عن تشخيص التكليف على المستوى العام وأمام الجماعة، إنّها تقف مرة أخرى لترى في أرض كربلاء اجساداً طاهرة على الرمضاء، وخياماً تحترق، وأطفالًا تدور في متاهات الفاجعة، من هذا كله تدرك (عليها السلام) النور الذي يضم أرض كربلاء، والجمال الذي يحتضن تلك الأجساد الطاهرة، وصدى كلمات إمامها الشهيد×" يا أخية، لا يذهبن بحلمك الشيطان، يا أخية، اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأن أهل السماء لا يبقون، يا أخية إني أقسم عليك فأبري قسمي، لا تشقّي علي جيبا، ولا تخمّشي عليَّ وجها، ولا تدعي بالويل والثبور إذا أنا هلكت" . (المصدر السابق:49 ) محورية التكليف النصر الحقيقي للمشروع الزينبي إنَّ التكليف مخطط له من الله ورسوله وأولي الأمر، وعندما يجعل الله التكليف فلا يمكن أن نخضعه لأفكارنا البشرية المحدودة في مسألة الهزيمة والنصر لأنَّ المشروع الإلهي دائما خارج الأبعاد المقيدة وله استراتيجية بعيدة المدى ليس على المستوى الدنيوي فحسب بل تعبر الى العالم الأخروي الذي هو المصير الحقيقي لمشاريعنا، إنَّ للنصر في المفهوم الإلهي معنى آخر مختلفاً عن كل الموازين العالمية المعروفة، فنصر الفرد المسلم هو في طاعة الله سبحانه وتعالى وعبوديته فأداء التكليف بحد ذاته هو نصر في المنظور الإلهي بغض النظر عن المكاسب التي قد تتحقق وقد لا تتحقق يقول الإمام الخميني:" نحن مكلفون، نعمل بتكليفنا، فإذا عملنا بتكليفنا فقد انتصرنا، سواء أثمرت الثورة أم لم تثمر." (قصار الكلمات، للإمام الخميني) وفي عاشوراء يتقابل طرفان، طرف يقوده ابن بنت رسول الله’ والصفوة الصافية من أهل بيته و أصحابه، والطرف الآخر رؤوس الاجرام والنفاق يقودهم يزيد وأعوانه، وهناك فرق شاسع بين الطرفين، يقول الشيخ محمد مهدي الآصفي (قدس سره): "إن التقابل العجيب بين هاتين الفئتين اللتين تقاتلتا في كربلاء وبين أهدافهما يعتبر واحداً من أغرب نماذج الصراع...لقد كان أحد الطرفين حقاً امتداداً لإبراهيم وموسى وعيسى ورسول الله’ ويحمل معه ميراث هؤلاء الصديقين وهمومهم وطموحاتهم ويعد الآخر حقاً امتداداً لقابيل وفرعون ونمرود والقتلة في التاريخ، وعلى نتائج هذا الصراع يتوقف مصير هذا الخط أو ذاك." (الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء:2/23) وما حدث في عاشوراء وبحسب الظاهر أنَّ بني أمية قد انتصروا على الحسين×، ولكن لو تعمقنا بالرؤية وتركنا خلفنا أصول المعركة والأبعاد العسكرية والسياسية ومنطور الهزيمة والنصر التي عادة يتخذها أرباب التحليل السياسي لوجدنا أنّ المعسكر الحسيني هو المنتصر، فهذا المعسكر هو الذي يملك القيمة والمبدأ فحتما تكون له العاقبة المحمودة والنصر، فالحسين× انتصر بتحقيق تكليفه أمام الله ورسوله والمسلمين وكذلك انتصرت السيدة زينب‘ عندما قادت النهضة الحسينية وأكملت ما أبتدأهُ الإمام× وتجلت محورية التكليف في وجدانها وأدارت كل المواقف التي مرت بها بعلمٍ وحكمة في القول والعمل وقدمت لنا إرثاً تربوياً راقياً فكانت بحق المربية التي تركّز وتجلّى التكليف بعد تشخيصه في حياتها، فالتكليف له وزنٌ عاليٌ وقيمة تتمحور على أساسه مواقفها‘ إذْ برزت بوصفها شخصية قيادية نهضت بقوة بأثقل تكليف كُلِّفتْ به امرأة فقد ترجمت من خلال كل المواقف التي مرت بها، ترجمت أطروحة الإمام الحسين× الإصلاحية عندما قال: "وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله’ أريد أنْ أمر بالمعروف وأنهي عن المنكر وأسير بسيرة جدي’ وأبي علي× فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومَنْ رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين . " (الأمين، محسن، المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية:1/53) لقد نهضت‘ بقوة وإرادة متسلحة بمحورية التكليف لتبين للمسلمين حقيقة النهضة الحسينية والوجه الحقيقي ليزيد ذلك الذي ادعى أنه أمير المؤمنين ومدى فساده العقائدي، إذْ سجلت‘ في رحلة سبيها سطوراً جديدة في معركة الحق ضد الباطل وأعطت معاني أخرى للنصر وفق المنظور الإلهي، فالنصر بحسب رؤيتها‘ عبارة عن تحقيق عبودية الله سبحانه وتعالى وتحصيل مرضاته ولا نحصل على ذلك ألا من خلال لزوم أوامره وطاعته لذلك تقول‘:" إلهي تقبل منا هذا القربان" . (البحراني، عبدالله بن نور، عوالم العلوم:11/958) هذه الفلسفة الإلهية للنصر هي في الواقع جوهر النهضة الحسينية، لأنَّ منطلق تلك النهضة هو تحقيق الرضا الإلهي حتى لو أدى ذلك بحسب الظاهر الى عدم النصر الظاهري.

منذ يوم

محورية التكليف عند السيدة زينب‘ في واقعة كربلاء (1)

بقلم: فريال ياسر الأسدي المقدمة عندما نذكر السيدة زينب‘ هذا يعني أننا نذكر كربلاء وتطوف قلوبنا حول تلك السيرة العطرة، سيرة ابنة الوحي ومربية الأجيال، وهذا يعني أننا نسمع صدىً في أعماق شعورنا {ما رأيتُ إلّا جميلاً}، وفي هذه العبارة تتلخص كل شخصية زينب‘ وكل معرفتها بتكليفها ومحوريته في حياتها، فأي جمال هذا الذي يتجلى لربيبة الوحي ولا تراه العيون المحجوبة عن الجمال الحقيقي في هذا الكون ، وأي جمال تستشعره تلك العارفة بالله ولا تُحسِهُ القلوب القابعة في أكنة الآثام والرذائل. السيدة زينب علیها السلام من سیاقات البحث العلمی: الکشف عن الشخصیة التی یٌراد البحث عنها على فرض أنَّ هناك مَنْ لا يعرفها بالرغم من أنَّ المعروف لا يُعرّف، إلا أن ذلك من مقتضيات البحث العلمي تتطلب ذلك، فضلا عن ضرورة التعرف على نشأة السيدة زينب‘ ، وأُسس تكوين شخصيتها ، ففي الیوم الخامس من شهر جمادي الأولى ، سنة(6 هـ ) ولِدَت السيدة زينب× في بيت علي بن أبي طالب × ابن عم الرسول’ ، وأمها فاطمة الزهراء بنت الرسول’. (زينب الكبرى للنقدي ص17) وقد ذُكِرَت لها القاب عِدّة منها "العقيلة" وهذا وصفٌ للسيدة زينب وليس اسمًا (مقاتل الطالبين، الأصفهاني ، ابو فرج:60) ،وهذا الوصف بحقها جرى على الالسن وله في كتب اللغة معاني عدة منها:" المرأة الكريمة والنَفيسَة و المُخدّرة" . (لسان العرب لابن منظور، العين للفراهيدي في مادة عقيلة) "وهي الوليد الثالث في البيت العلوي بعد الحسن والحسين‘,، قضت السيدة زينب × ما يقارب خمس سنوات من عمرها مع جدها الأكرم رسول الله ’ فكانت تحت الرعاية المباركة لجدها رسول الله ’ وأمها الزهراء ، ونمت وترعرت ونشأت في مدرسة أبيها إمام المتقين واكتسبت منه أعلى مقامات العلوم الإسلامية والإنسانية والمعنوية". (البغدادي، إيراهيم حسين، زينب فيض النبوة وعطاء الإمامة: 22) وهذا تعريف موجز للسيدة زينب: {اللهم تقّبل منا هذا القربان}. مفهوم محورية التكليف محورية من الحور، "والحور: الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، حارَ إلى الشيء وعنه حوراً ومنه المحور: الحديدة التي تجمع بين الخُطَافِ والبكرة، والحديدة التي تدور عليها البكرة يقال لها محور" (ابن منظور، لسان العرب:3/ 383ـ 387) المحورية: "اسم مؤنث منسوب إلى محِوَر وهو مصدر صناعي من محور بمعنى مركزية" .( مجمع المعاني الجامع،www.almaany.com) التكليف لغة من كلف : يدل على إيلاع بالشيء وتعلق به ، والكلفةُ: ما تكلفه على مشقة، والتكاليف المشاق أيضا والواحد تَكلِفة. والتكليف تفعيل من الكُلفة، وهو جعل شخص ذا كلفة بتوجيه أمر إليه يجعله في مشقة ومحدودية . (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم:10/109ـ111) ويعرّف السيد الشهيد محمد باقر الصدر التكليف على أنه تشريف من لله سبحانه وتعالى للإنسان فيقول : "التكليف هو تشريف من الله سبحانه وتعالى للإنسان وتكريم له ؛لأنه يرمز إلى ما ميّز لله به الإنسان من عقل ، وقدرة على بناء نفسه ، والتحكم في غرائزه ، وقابليةٍ لتحمل المسؤولية خلافا لغيره من أصناف الحيوانات ومختلف الكائنات على الأرض". (الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة:39) ويقول المحقق الطوسي في وصف التكليف: "التكليف حسنٌ لاشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه. (الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:437) ويعلق العلامة الحلي في شرح تجريد الاعتقاد :التكليف حسنٌ لأنَّ الله تعالى فعله ، والله تعالى لا يفعل القبيح، ووجه حسنه اشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه وهي التعريض لمنافع عظمية لا تحصل بدون التكليف". (المصدر السابق:438) ومن تعريف مفردة المحورية ، و مفردة التكليف، وبعد الاطلاع على مفهوم التكليف أستطيع القول: إنَّ تعريف محورية التكليف اصطلاحا، هو تجلي التكليف بعد تشخيصه في حياة الفرد الُمكلَّف. أي بعد أنْ يشخّص التكليف تكون كل المحورية له... وعرفنا المحورية بأنّها المركزية، أي إنّ التكليف يكون له وزنٌ عالٍ وقيمةٌ تتمحور على أساسه حياة الفرد، وليس في نفسه محورية أخرى غير محورية التكليف، وهذه المحورية تكون خالصة لله سبحانه وتعالى ولا نجد ذلك إلا في شخصية المعصوم الذي تتجلى محورية التكليف في وجدانه بكل صدق في القول والعمل على أساس الاخلاص والنية لله تعالى، ثم تأتي بعد المعصوم مستويات تتحدد قرباً وبعداً من المعصوم بحسب فاعلية التكليف في حياتهم، ومن سيرة المعصومين العطرة سلام الله عليهم نرى أنَّ محورية التكليف في حياتهم لها وزناً عالياً تتركز وتتجلى في مواقفهم السياسية، الإمام الحسن ‘ صالح وكل من حوله كان يناديه بالاستمرار في المواجهة، والإمام الحسين‘ تحرك وواجه وكل مَنْ حوله يناديه بالتراجع وعدم المواجهة، فالتكليف إذا تشخّص عندهم في السكون سكنوا ولم تحركهم العواصف التي تحيط بهم المتمثلة بالرأي العام، وإذا ثبت أن التكليف في الحركة تحركوا ولم توقفهم القوى الأخرى، وهذه صورة رائعة لمحورية التكليف. محورية التكليف وبطلة كربلاء ‘ يتبع إن شاء الله تعالى.

منذ يوم

جذوة نصر

بقلم: سماهر الخزرجي مرت سنة... وهذه الدموع تأبى الانقطاع من مجراها، كأنه رافد يجري في ذلك الوجه المتعب الذي ترك الزمن عليه آثاره. ولمَ لا ؟ فوحدها الدموع على أخيها تحدَّ النظر. موجوعة هي وجسمها النحيل غائر في الفراش لا يقوى على الحراك... من رأسها المتعب انطلقت قافلة الذكريات تنسلُ من سرداب الماضي، تقطع الليالي المظلمة. غادر القمر ليلها وغارت نجومه، لا نجم تهتدي به في هذا الليل الأدهم، والصحراء مترامية... وشوك الذكرى يدمي قلبها. رائحة خيام محروقة، صراخ صبية يستنجدون بها ويتجاذبون أطراف عباءة سترت الدين وما أبلاها الدهر... خيول ثائرة، وخرير ماء يجري تبرقع بالحزن السرمدي حياءً منها. سهام طائشة تحلق في الفضاء... سهم يصيب عين القمر، وآخر يخرق كبد القربة لتنزف دمعًا كغيث السماء. مازالت تتخطى الجثث لاهثة وراء ذلك النسيم الذي ينساب إلى مشامها من بعيد، المسافات بينهما بعيدة كلما تقدمت خطوة زادت المسافة بعدًا. جُدد الأرض اكتحلت بالدماء تصطبغ به، تمرّغ وجهها وسيل المنايا تتزاحم عليها... تهج آونة ... وروحها المتوجعة تراوح بين كربلاء والشام. تجيل نظرها في أرجاء الدار، يقع على ظرف ماء وضع بالقرب منها، تشتهيه فلسانها كخشبة يابسة، ترمق إليه، يأتيها نداء من بعيد (وحق جدي أنا عطشان) وصورة شخص تتشابك النبال في صدره لتتوضأ من قدس دمه لتتلوَ آيات الشهادة. تغمض عينيها... يتراءى لها نعشها وهو يقترب منها... يتقدمه شقيقها الأكبر ويتخلف عنه الشمس والقمر، شمس بلا رأس وقمر بلا كفين... أغلقت باب الذكريات لتحلق روحها مع الحاضر... واُمنيات دفنت في صدرها لم يمهلها الزمن لتحقيقها... إنها زينب، إنها شعلة تنير النفوس المظلمة... وها هو الزمن عاد ليرتمي على أقدامها...

منذ يوم

منتهى الثبات...

بقلم: كاردينيا ياس كم لك أن تصبر... وتصبر... ثم تصبر لكن يأتي اليك موقف مع صغرِهِ... إلّا أنه كإبرة تضرب بالونًا... فإذا بك تنفجر... وتفقد كل ما دَأبتَ على أن لا تفقده... لكن... مولاتي... تجرعت من الغصص ما تجرعتِ... و على خريطة المصاب كانت... تخطو بثباتٍ فما تسرَعت... ورأت بأيامها... ما لو أُخذ منه يوماً... وعلى الجبال الراسيات وضِع لتصدّعت... ومع هذا... كان لها ما كان... و عند دخولها... على يزيد وحوله الأعوان... خَطَت بخطىً فاطمية... وعليها الإباء والنصر بأن... إلى هنا هي على خيرٍ وقد يتشارك معها إنسان... لكن... حين جاءت إبرة الطاغية على هيأة سؤال شمتان: (كيف رأيتِ صُنعَ الله فيكِ..؟) قالها وانتظر منها ضعفاً وهوانا... هنا كانت مطاولة الصبر... مزيةٌ تفردتْ عندها بِإتقان... حين أجابت من فِيهِ المصطفى والمرتضى... مؤيداً من لَدُن الحنّان المنّان... (ما رأيتُ إلاّ جميلا) فَتجلّى بِصرحِ الطُغاة المظلمِ... نورُ الثبات... وحلاوةُ الإيمان... لتكون َ مولاتي روحي لها الفداء أنموذجاً... لا للثبات فحسب... بل لِمنتهى الثبات.

منذ يومين

السلاسل الحزينة

بقلم: ريحانة المهدي بكاء وأنين... صراخ وعويل أجساد مطروحة... رؤوس مقطوعة قلوب مفجوعة... عيون باكية... أجسام منهكة... جائعة... أتعبها العطش... نساء مخدرات تلوذ إحداهن بالأخرى من شدة الحياء.... إمامٌ... بقي النور يسطع من وجنتيه... بجسم نحيل وعيون دامعة...قد أخذ المرض والألم منه مأخذه... فبالكاد يستطيع الوقوف... سيدة جليلة ذات وقار وخمار... لم تتخل عن حجابها حتى وهي وسط تلك النار .... نار الحرب الدامية، نار عاشوراء التي كانت تشبه النار التي أشعلوها في دار أمها… قطعوا قلبها بقتل إخوتها وأولادها وأبناء عمومتها وعشيرتها… أحرقوا خيامها… ضربوها بالسياط… ولكنها... كانت كالجبل الشامخ، رغم حالها وما جرى عليها... تجمع الأطفال من بين الخيام والنار... تلوذ النساء بها... لأنها الحامي من بعد أخوتها ... معينة لابن أخيها السجاد (عليه السلام) تسانده وتؤازره... ورغم كل مصابها كانت تقول "اللهم تقبل منا هذا القربان" سيدةٌ... وهل بالوجود مثلها... بعزها ومكانتها... تلك هي.... زينب... رأت بأُم عينها كيف أن الشمر قد حز رأس الحسين وقطع الأوداج من الوتين... وبعد سويعة انتهى كل شيْ... بقيت وحيدة... تجمع العيال والأطفال بقلب مفجوع وعيون أتعب جفونها الأنين... قد جعلوا الرؤوس أمامها تسير، ليقطعوا نياط قلبها الحزين هذا ما رأيت –أنا تلك السلسلة- في يوم عاشوراء... كنت مذهولًا وحزينًا... رغم أني ليس لي ذنب بما جرى... تمنيت أن لم أكن موجودًا في ذلك الزمان… لقد شاركتُ أعداءهم... يا ويلي... ربطوني بأيدي سادتي فأقرحتها... وسالت الدماء من أرجلهم، فليتها أذابتني كما أذابت قلبي... كنت متألمًا... وحزينًا... وما كان يؤلمني أكثر هو دموع سيدة الصبر والشموخ، التي كانت تتساقط بصمت ، وزفرات وحنين... حزنت وتمنيت أني لم اُخلق، وليتني كنت نسيًا منسيًا... عن أن أسير وثقلي معهم يسير... عذّبتُهم... وما عذّبتُ إلا نفسي... سرت معهم... وليتني لم أسر إلى ذلك المجلس الذي ما فارق اللهو والخمرا... فعذرًا منكم يا آل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) فأنا من حديد ولم يبق لي تاريخ مجيد فحريٌ بمن يراني أن يتذكر زينب الصبر والخلود ... تلك التي... وقف الزمان أمامها متحيرًا... والصبر من صبر العقيلة يعجبُ هي سيدة الوجود بعد أمها الزهراء (عليها السلام) تلك هي زينب...

منذ 4 ساعات

زينب (عليها السلام) آيات للعابرين

بقلم: منتهى محسن لم تكن كبيرة لتتحمل ألم الفراق، ولم تكن ناضجة لترتق شق الفقدان، فما زالت غضة تسبقها دموعها كلما اشتاقت لأمها، وهالة الفقد ترتسم على سيماء وجهها الطفولي الجميل، جُل ما كانت تستطيع فعله أن تجلس بحجر أبيها، تتلمس بقايا لمسات أمها البتول، او تتصفح وجهي أخويها لعلها تروي ضمأها الشديد نحو تلك الطلة النورانية الراحلة . _ اشتقت لعطرك الملكوتي أمي، ودفء حجرك، وتناسيم صوتك في الدعاء، وهمهمتك وتهجدك في الصلاة، وأنفاسك الزكية العبقة بعطر الجنان. _ أماه.. هل تسمعينني، أنا بنيتك "زينب"، أطارح الليل الطويل ودموعي تملأ وسادتي حنينًا اليك . _ بالله عليك، هلا أخبرتني من سرقك مني؟ ومن أوجعني على صغري بحرماني وفقدي إياك ؟! هكذا غُيبت شمس النهار واستحال الكون ظلامًا في حياة تلك الطفلة الصغيرة التي أذاقتها الدنيا طعم المر على نعومة أظفارها، ولم تكن تلك المأساة أول الصدمات وآخرها، فلطالما توجع قلبها مرارا وتكرارا . _ أبتاه يا سندي، كلما اشتقت لوجه أمي النوراني حدّقت بوجهك فيصلني قبس نورك، فمالي أراك تنعى نفسك في هذه الليلة؟ وتجيبني : "يا بنية قد قرب الأجل وانقطع الأمل".. فهل ينفع البكاء والعويل ؟! _ أبتاه .. حتى الإوزة أبت رحيلك فخرجت وراءك تستبقيك، ورفرفت بجناحيها تناديك، وصاحت بوجهك تثنيك! _ حتى الباب شد وثاقك وهاله خروجك الأخير، فأَمسك بمئزرك لا يود فراقك، كأنه هو الآخر يحاول ثنيك عن الخروج هذه الساعة ويخشى ابتعادك، ورحت ترفعه وتشده من جديد وأنت تردد : أشـدد حيازيمك للموت *** فإن المـوت لا قيكـا ولا تجـزع من الموت *** إذا حــل بنـاديكـا كما أضحكـك الـدهر *** كذاك الدهـر يبكيكـا _ أبتاه ..لما فقدتُ أمي البتول، كنتَ أنت عكازي الذي اتكأ عليه، ومرفأي الذي ألوذ اليه، والظل الذي احتمي فيه، فمن لي بعد انطفاء نورك ورحيلك؟ لقد آن لذلك القلب أن يتجرع الحزن مرات طوالًا، وأن تنهال عليه الهموم باستمرار ، ليتجلد ويتقوى ويتهيأ لفاجعة مهولة قادمة بمشيئة الله، وبصدور حرى، وقلوب عبرى، جرى القدر وفاضت روح الأب المغوار، وصار الفقد عظيمًا والمصاب جسيمًا، والحزن عميقًا، فلم يبق قربها الا أخواها الحسنان (عليهما السلام) يؤنسانها ويكفكفان دموعها ويخففان عنها ألم الحرمان . _ أخي حسن، يا أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله ) خلقاً وخُلقاً وهدياً وسؤدداً، هل ستغادرني أنت أيضًا وتتركني أقاسي فراقك الموجع؟، يا لِلوعة قلبي المنفطر وقد تقطع كبدك اثر ذلك السم اللعين، ويا لحنانك الأخّاذ وأنت تأمر بإخفاء الطشت الذي تلفظت به كبدك رحمة بي وإشفاقا! واغربتي بعدك يا ابن الأكرمين ؟! وتستمر المواجع تنهال على ذلك القلب الصبور، وكل محنة تهدّ الجبال الراسيات، وتظل تلك الروح تتجرع الآهات والصدمات كل حين، والضربات تتوالى دون توقف أو نفاد. ومضت السنين تخطف الأحباب واحدًا تلوى الأخر، تاركة الندبات في شغاف القلوب الذابلات، لترتمي زهرة الحياة مياسة تتدلى ذابلة بعد ان أدمتها النوائب والفاجعات ، وأشدها وقعًا ومصابًا فاجعة كربلاء. فلقد ذوى قمر بني هاشم على رمضاء كربلاء بعدما استبسل لجلب الماء لعيال الحسين، وقد قطع الأوغاد كلتا يديه بكل لؤم وخبث، فلما سقط صريعا انهارت اخر محطات الوفاء والإخلاص. _ الآن انكسر ظهري وشمت عدوي وقلة حيلتي . _ « وأخاه ، وا عباساه ، وا ضيعتنا بعدك » تشظى صراخ العقيلة في صحراء كربلاء، وقد رمتها الدنيا بسهم الغدر من جديد، وهذه المرة بأخيها قمر بني هاشم، فتلظت تحترق على جمر الصبر والاحتساب . ولم يبق لها في الوجود الا ذلك المصدر الوهاج، عشقها الوحيد وملاذها الفريد، وتوأم روحها وشقيق فكرها ومهجة قلبها، فلقد كانت تبصر من عينيه شجاعة أبيها، وصبر أمها، وحلم أخيها، وبهاء جدها رسول الأنام (صلى الله عليه وآله) . _ ألا من ناصر ينصرنا ، ألا من موحد يخاف الله فينا؟! تعالت داعية الحسين على رمضاء كربلاء نذيرًا حزينًا، بعد أن تساقط الأصحاب والإخوان وفلذات الأكباد صرعى على وجه الثرى، وزينب (عليها السلام) تتجرع كأس المنون . _ أي أخت تقدم لأخيها جواد المنية؟ وا غربتنا بعدك يا أخي ؟ وا ضيعتنا بعدك يا عزيز أمي الزهراء ؟ _ وا أخاه ، واسيداه، وا أهل بيتاه، ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل. _ يا عدو الله ويلك! أما علمت أنّ هذا الصدر تربى على صدر رسول الله، وصدر فاطمة الزهراء؟! ويحك ! هذا الذي ناغاه جبرئيل ، وهز مهده ميكائيل!! لم تقف الحكاية الى هذا الحد من الظلم والإقصاء، ولم يكتفِ حفنة الأوغاد من شن همجيتهم على اشرف بيوت الإسلام، بل تمادوا أكثر وسجلوا أبشع المواقف وأخزى الأحداث؛ أحداث يندى لها جبين الإسلام . حتى أهالوا الأطفال والنساء ومارسوا عنجهيتهم بكل إتقان، وأمروا بحرق الخيام وروعوا حرائر بيت رسول الله، فتعالى الصراخ وزاد الهلع والخوف ببنات الرسالة أمام لهب النيران، فلم يبق يومئذ من الأشراف إلا زين العباد (عليه السلام) _ يا ابن أخي : ما لي أرى الكون قد تغير؟ والشمس انكسفت ؟ والأرض ترجف ؟! _ لقد قتل أبي الحسين ، قُتل أسد الله الباسل ، قتل ابن سيد الأوصياء ، قتل ابن فاطمة الزهراء . سقط أرضا باقي العترة الاطهار وقد غشي عليه مكبوباً على وجهه، تلقفته سليلة المجد والفخر بارتجاف يديها وبقلبها الكبير ومحبتها الفائقة، لتنظّم سيناريوهات الحقد وقعاتها المدوية على ذلك القلب الصابر المجاهد بأشد ما يكون. _ يا بقية الماضين وثمال الباقين، واغربتاه ! وا أخاه ! وا حسيناه ! وا عباساه ! وا رجالاه ! وا ضيعتاه بعدك يا أبا عبد الله. عزفت السماء سمفونية العزاء وشاركت ملائكة السماء ذلك الرثاء، وشارك الكون النوح والبكاء، فأي فقد بعد فقد سيد الشهداء، وأي خطب حل بالأرض والسماء ، وأي ظليمة لحقت بالآل الأطهار؟! وكل تلك السلسلة من الأحداث المريرة والفقد العظيم حواه قلب واحد أبصر مختلف المحن والانتهاكات، وبهذا ذابت شمعتها بعد عام واحد من تلك الأحداث، ورحلت الى بارئها تشكو جور الظالمين القساة، رحلت بجسدها الفاني وخلدت بروحها السامية ومواقفها البطولية الرائدة التي أبهرت بها العدو قبل الصديق . رحلت مودعة أفق الحياة التي لم تُذِقها سوى الويلات، رحلت إلى جنة عالية قطوفها دانية حيث الروح والريحان ، لتجتمع في الفردوس الأعلى مع جدها رسول الله وأبيها حيدر الكرار وأمها سيدة النساء وأخوتها البواسل أجمعين، واولادها الذين تساقطوا نجوما على ارض كرب وبلاء، رحلت وظل حراكها وصبرها آيات للعابرين ابد الزمان .

منذ 4 أيام

زينة أبيها...

بقلم: فاطمة الركابي إن من المعاني التي شُرح بها اسمها الشريف، والذي يُشير الى عمق وجمالية العلاقة بينها وبين الإمام علي (عليه السلام) كأب هو إن اسمها الشريف مشتق من: (زَين) و( أب) (١). وهو ما يعرف كلقب لها وهو "زينة أبيها". ولو بحثنا عن بعض مصاديق الزينة كثقافة قرآنية لوجدنا أن من مصاديقها: (البنون) كما في قوله تعالى:{...وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (الكهف:46)، وهي الزينة الظاهرية التي يَحصل عليها الإنسان. فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ...، إلى أن قال: أو ولد صالح يدعو له" (٢). بالنتيجة فإن البنين إن كانوا من أهل الصلاح والبِر، فهم زينة ظاهرية لكن باقية لا تزول بزوال الدنيا التي نُسبوا إليها كما في الآية. وعليه، فإن السيدة زينب (عليها السلام) وفق هذا المصداق هي ليست بقية صالحة وحسب، بل من أعلى مصاديق الباقيات الصالحات التي تركها أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما لها من الشأن والعظمة عند الله سبحانه. وهناك مصداق قرآني آخر وهو: (الإيمان) كما في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}(الحجرات:7)، حيث تُبين هذه الآية أن هناك زينة حقيقية للإنسان، فالإيمان الذي يَحمله قلب العبد، هو الصبغة الإلهية التي تلون وجوده وتُنير قلبه، والنبي الأكرم (صل الله عليه وآله) وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الخندق بأنه الأيمان كله، حيث قال عنه: "برز الإيمان كله إلى الكفر كله" (٣). وفي هذا إشارة عظيمة لو حاولنا أن نربط بين ما يحمله الإمام من زينة وهي الإيمان الكامل، وبَين وصف السيدة (عليها السلام) بأنها "زينة أبيها"، فأي درجة من الإيمان تحمل السيدة؟ تعالى وحده يعلم! إن الإيمان - كما يقولون - "كالعشق تماماً، ينجذب الإنسان أمامه ثم يستوعب كل وجوده" نعم! هذه العبارة قد تلخص لنا حقيقة الإيمان ومراتب كماله، ولكن تخفي في طياتها تفاصيل كثيرة، وإنما لها أهلها، وهم النبي (صلى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام)، فأهل البيت (عليهم السلام) بكلماتهم قد بينوا لنا أكمل درجات الإيمان وتجلى ذلك في سلوكهم وعملهم، فكما في الحديث "إن الايمان عمل كله" (٤) والسيدة زينب (عليها السلام) كسيدة علوية هاشمية مخدرة، عُرفت وتجلت أمامنا حقيقة كمال إيمانها من خلال مواقفها في مسيرها مع الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطف. فعن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنه قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى في الله فقد كمل إيمانه" (٥). حيث إن أعظم مصاديق الحب في الله تعالى هو حب أولياء الله تعالى ومعاداة أعدائه، والسيدة بكل مواقفها وخطواتها وخطاباتها كانت مُظهرةً لحبها لولي أمرها وإمام زمانها سواء كان الإمام الحسين (عليه السلام)، أو الامام السجاد (عليه السلام) بعد استشهاد أبيه سيد الشهداء. أما في خصوص العطاء في الله سبحانه المذكور في الحديث، فهي (عليها السلام) أعطت أبناءها في كربلاء حتى قِيل إنه لم يذكر التاريخ أنها كانت تسأل عنهم أو تتفقدهم، بل سخرت كل وجودها في سبيل الله سبحانه. وورد أيضًا عنهم (صلوات الله عليهم): "ثلاثة من كُن فيه استكمل إيمانه: لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للأخرة آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا" (٦). وهي (سلام الله عليها) قد كانت مصداقًا حقيقيًا لمن لا يخاف في الله تعالى لومة لائم، ومِمَن يقول الحق وإن عز، وإن كان به قد تُفقد النفس، فقد صرحت بالحق حتى زلزلة عروش الظالمين حتى قيام يوم الدين، وللمتأمل في خطبها يجد أن العبارات كلها تشير إلى هذه الحقيقة. وبخصوص الصفة الثانية بهذا الحديث فهو متحقق بها أيضًا، فهي كانت في كنف زوجها عبد الله تعيش حياة كريمة مرفهة، فهو -كما ينقل التاريخ- كان ثريا جدًا، لكنها أعرضت عن زينة الدنيا ولازمت الإمام الحسين (عليه السلام)، ملبية دعوته كما قال: "من لحق بي منكم استشهد معي، ومن تخلّف لم يبلغ الفتح، والسلام" (٧)، فهي وإن لم تستشهد إلا أنها بلغت الفتح. وفي حديث آخر: "إن الله (عز وجل) وضع الإيمان على سبعة أسهم، على البر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم، ثم قسم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الاسهم فهو الكامل" (٨). والسيدة (عليها السلام) قد جمعت هذه الأسهم السبع: السهم الأول: البِر. ومن مصادقه هو الانفاق المادي كالمال لأهل الاستحقاق، حيث كانت من ألقاب السيدة أنها تلقب "المرأة الكريمة" (٩)، وأم العواجز (١٠) حيث كانت تأوي وترعى وتنفق على العجزة وكبار السن والفقراء والمعوزين - وكما يُنقل- كانت تبني لهم دورًا بقرب دارها ليسهل عليها تفقدهم ورعايتهم. ومن مصاديقه هو الإنفاق المعنوي كالاهتمام بتعليم النسوة وحل مشكلاتهن الدينية والدنيوية. السهم الثاني: الصدق. فقد كانت (عليها السلام) من أهل الصدق، بل هي الصديقة الكبرى على كل النساء بعد أمها الزهراء (عليها السلام) فهي بالقياس بأمها فقط "صديقة صغرى"(١٠). السهم الثالث: اليقين. فالسيدة (عليها السلام) لما فقدت صاحب النهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وحامل اللواء وكفيلها العباس (عليه السلام)، ولما تعرضت لسبي مع كونها فخر المخدرات، سارت في طرقات الكوفة والشام، ودخلت قصر أهل الجور والظلم، بقيت هي... هي زينب بنت علي (عليما السلام) لأنها لم تفقد رب السماء الذي بعين قلبها كانت تراه، فهي كانت ترى جميل صنعه، لا قبيح صنع خلقه فثبتت وواصلت. السهم الرابع: الرضا. هي (عليها السلام) لم تَكن من أهل الصبر فقط، بل من أهل الرضا بمكروه القضاء، فبلغت مرتبة الصبر الجميل حيث لما قيل لها "كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ ؟ فَقَالَتْ : مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا،..."(١١)، وقولها: "اللهم تقبل منا هذا القربان"(١٢)، وكأنها تقول لنا: إنها ترتجي من كل ما أصابها بلوغ وتحقق القرب من مولاها، فكيف لا تكن راضية به؟! السهم الخامس: الوفاء. فمن القابها "أمينة الله" (١٢)، فهي الوفية بعهدها والأمينة على رسالتها ودورها الذي كلفت به من قبل إمام زمانها سيد الشهداء، فهي لم تنكسر بفقده بل واصلت المسير، وأدت رسالتها، فكانت لسفينة النجاة الشراع الذي أوصل نهضته إلى بر الأمان. فمن يرتبط بالله تعالى ويَكن تابعاً لدعاة الحق المرسلين من قبل الله تعالى، فإنه لا يتوقف بفقدهم عن مسعاه، بل تبقى رسالته حية في داخله، لأن رب الرسالة حي لا يموت. السهم الخامس والسادس: العلم والحلم. حيث قالوا في كلماتهم الطاهرة: "وعلما في حلم" (١٣)، فقد قرن الحلم بالعلم، فمن ثمار تحقق وجود العلم الإلهي في القلب هو وجود الحلم في حامله، والسيدة كانت من أهل الحلم لأنها من أهل العلم، كما وصفها إمامنا زين العابدين (عليه السلام) بأنها "عالمة غير معلمة" (١٤). فهذه محاولة واشارات عابرة حول تحقق كمال الإيمان في السيدة زينب (عليها السلام) التي كانت زينة لأبيها علي (عليه السلام). _____________________________ (١) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٦، نقلا عن كتاب القاموس. (٢) بحار الأنوار: ج٢، ص٢٣. (٣) بحار الأنوار: ج ٣٩، ص ١. (٤) الكافي للكليني: ج٢، ص٣٣. (٥) أصول الكافي: ج٢، ص٥١٠، ح١. (٦) تنبيه الخواطر: ج١، ص٥٦٢. (٧) كامل الزيارات، ابن قولويه: ص ١٥٧. (٨) اصول الكافي: ج٢، ص٤٥٢، ح١. (٩) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٧، نقلا عن كتاب لسان العرب. (١٠) المناقب لابن شهرآشوب: ج٤، ص١١٥. (١١) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٢٣. (١٢) مقتل المقرم: ص307. (١٣)بحار الأنوار: ج ٧٥، ص ٣٠. (١٤)بحار الأنوار:ج٤٥، ص١٦٢.

منذ 3 أيام

لآلئ من نهج البلاغة (2)

بقلم: يا مهدي أدركني ثالثًا: بيان معنى الانتظار ان الإنتظار هو عمل مستمر دؤوب نحو هدف سامٍ وغاية عظمى، هو حماس في عمل ونشاط في دوام واستمرار في جهاد(14). فهو لا يعني الركود والخمول والانكسار إطلاقًا، فالمنتظر الحقيقي له غاية عظمى وهي التمهيد لإمام منتظر والاستعداد التام لمناصرته، فالانتظار في الحقيقة هو اعتقاد وعمل وسلوك وتغيير على مستوى النفس والمجتمع. فكيف يكون المؤمن منتظرًا حقيقيًا بهذا المعنى وفي نفس الوقت كابن اللبون في مواجهة الفتن التي ستشتد عليه كلما إقترب زمن الظهور؟ بالتأكيد ان اهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) لم يتركونا في حيرةٍ من أمرنا من دون اي توجيه، بل هناك خطوات رسموها لنا، إن اتّبعناها سنتمكن من التوفيق بين الأمرين بتحقيق الانتظار الحقيقي مع التجنب من الوقوع في الفتن، ومنها التالي: الأول: إن من شروط تحقق الإنتظار هو توفر المعرفة العقائدية والفقهية لدى المنتظر، وهذا يعني تأسيس قاعدة علمية محاطة بأنوار المعرفة الإلهية التي يتمكن من خلالها المنتظر أن تكون له القابلية والقدرة العقلية على تمييز الحق من الباطل. الثاني: معرفة بعض الخطوط العريضة عن شخصية الإمام المنتظر (سلام الله عليه) والتي تتضمن معرفة اسمه الكامل وحسبه وبعض المعلومات التي تساعده على معرفة شخصه في وقت الظهور، وذلك من خلال الروايات التي وصلتنا من أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم. الثالث: السعي والعمل -كل حسب مكانته وموقعه في المجتمع- من أجل التغيير وإكمال العدد الذي سيكون جيشًا ولو في المستقبل عبر الأجيال مناصرًا للإمام (صلوات الله وسلامه عليه). الرابع: وهو حلقة الوصل بين العمل الدائم المستمر كمنتظر وبين ان يكون المنتظر كابن اللبون، وذلك من خلال النقاط التالية: اولًا: معرفة علامات الظهور الحتمية ولو بالإجمال. ثانيًا: تثقيف النفس ومن يرتبط بها على مستوى حلقات تتوسع الواحدة تلو الأخرى لتوعية الأهل والأصدقاء والمجتمع. ثالثًا: الإحاطة بالفتن التي سيتعرض لها من خلال مطالعة الروايات التي صرحت بها، وكيف يتم التعامل معها باللجوء الى اهل العلم والمختصين الذين وكَّل الأئمة سلام الله عليهم أمور الأمة اليهم. ومن هذا يتبين أن ما قاله أمير المؤمنين سلام الله عليه لا يعني الاستسلام لهذه الفتن والاختباء منها لو وقعت، ولكن يجب علينا أن تتعامل معها بحذر وفطنة بحيث لو تعرضنا لها نعرفها ويمكن لنا ان نميزها وكيف نتعامل معها ونقي أنفسنا وأهلينا من الوقوع فيها. رابعًا: فتن زمن الغيبة والظهور: سنعرض هنا بعض الفتن التي ذكرتها الروايات الشريفة وكيف يمكننا التعرف عليها وتشخيصها كي لا نقع في شراكها وبالتالي تكبل الفرد من أن يكون عنصرًا فعالًا في مشروع التمهيد المبارك، وهي مستوحاة من كتاب (شذرات مهدوية)(15) ، وسنذكر منها التالي إجمالًا: أولًا: فتن الغيبة الكبرى: عن عبد الله بن المفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (صلوات الله وسلامه عليهما) يقول: "إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها، يرتاب فيها كل مبطل"(16). إن في زمن الغيبة الكبرى لا بد من وقوع الفتن والإبتلاءات التي بها يتغربل الناس فيثبت المؤمن ويرتاب المبطل، ومن هذه الفتن: الفتنة الأولى: طول الغيبة: إن من يعتقد بوجود الله تعالى وبصفاته الكمالية فهو مسلم بلا ريب بحكمته جل وعلا وإن كل أفعاله لا تخلو من حكمة، فإن العلة الحقيقية وراء غيبة الإمام (سلام الله عليه) وطولها غير مكشوفة لنا ولكن حتمًا ان وراء ذلك حكمة، وعليه يجب على المؤمن ان يقبل تعبدًا ويسلم لهذا الأمر، ويثبت ويرابط على الانتظار حتى وان خشيَّ من عدم إدراكه لعصر الظهور في حياته، فإن هذا لا ينفي وجود الإمام (عليه السلام) كي لا يقع في فتنة التشكيك في أصل ولادته، فإن الإنسان بطبعه عجولًا فقد قال تعالى في محكم كتابه الكريم {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ}(17). الفتنة الثانية: ادعاء المشاهدة: والمراد من المشاهدة هنا هو ادعاء السفارة الخاصة، وهذه من أخطر الفتن التي تمر بها الشيعة الآن فكم وكم ممن ادعى السفارة الخاصة للإمام (عليه السلام) بل وحتى تجرأ على كونه من ذراري الإمام (سلام الله عليه) وانه من ولده وتجب الطاعة التامة له، وللأسف الشديد نجد العديد ممن انخرط تحت رايته ليكون من اتباعه ناشرين الدعاوى الباطلة سعيًا لتشتيت وحدة الشيعة وتمزيقها، وقد حذر الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من هذه الفتنة ووصف كل من يدعي ذلك بالكذب، فقد خرج التوقيع إلى أبي الحسن السمري: "يا علي بن محمد السمري اسمع! أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"(18) على أن هذا لا ينفي رؤية الإمام (عليه السلام) من دون ادعاء السفارة، فقد يراه شيعته ولكن لا يعرفونه، فعن إسحاق بن محمد، عن يحيى بن المثنى، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة قال: "سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: يفقد الناس إمامهم فيشهدهم الموسم فيراهم ولا يرونه"(19). الفتنة الثالثة: تعجيل الظهور بنشر الفساد: وهذه الفتنة هي من احد اساليب التضليل التي تكمن وراءها أيدٍ خفية تعلن أنها تنادي بتعجيل الظهور وشوقها لإمام مستور ولكن في الحقيقة هي تسعى للفساد، وقد برر بعضهم فعلهم هذا بقول الرسول الله صلى الله عليه وآله: "لا يقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا وقسطا وكما ملئت ظلما وجورا"(20)، فادّعوا ان الإمام (عجل الله تعالى فرجه) لا يخرج إلا بعد ان تمتلأ الأرض ظلمًا وجورًا فهم بذلك يسرعون في عملية الظهور، وهذا الكلام وجدانًا باطل وذلك لأن الله تعالى لا يطاع من حيث يعصى فإن هذه القاعدة ثابتة ولا يمكن تزييفها، فحذار من الوقوع في هذه الفتنة. فتن عصر الظهور: الأولى: فتنة صيحة إبليس: إن من أهم العلامات الحتمية التي تحدث قبيل الظهور المبارك هي صيحة في شهر رمضان الكريم تصدر من السماء تخرق الأسماع والعقول وتذهل النساء والرجال والأطفال والشيوخ معلنة قرب ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولكن إبليس اللعين الذي آلى على نفسه إلا أن يضل الناس ينادي في آخر الليل، ويشكك الناس ليوقعهم في الفتنة، فعن هشام بن سالم عن زرارة عن أبي عبد الله (عيه السلام) قال : "ينادي منادٍ باسم القائم (عليه السلام)"، قلت: خاص ام عام؟ قال (عليه السلام): "عام كل قوم بلسانهم"، قلت: فمن يخالف القائم (عليه السلام) وقد مودي باسمه؟ قال (عليه السلام): "لا يدعهم إبليس حتى ينادي في آخر الليل ويُشكَّك الناس"(21). الفتنة الثانية: فتنة خروجه شابًا: إن طول الغيبة وإمتدادها لسنين يوحي للإنسان بأن الإمام (سلام الله عليه) سيخرج بهيأة شيخ كبير أشيب، متناسين او غافلين عن قدرة الله عز وجل وإمكان إجراء المعجزة في أوليائه وحججه على ارضه، فخروج الإمام (سلام الله عليه) بصورة شاب عمره أقل من أربعين سنة قد توقع البعض في شباك الريب والشك، لذا فإن أئمتنا (صلوات الله وسلامه عليهم) لم يفُتْهم هذا الأمر وقد ذكروه في روايات عديدة ليجنبوا شيعتهم من الوقوع في الفتن وليكونوا على بينةٍ من أمرهم، فقد ورد عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال: "وإنَّ من أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شابَّاً وهم يحسبونه شيخًا كبيرًا"(22). الفتنة الثالثة: قرآن المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إن البعض ادعى بان للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قرآنًا خاصًا به، وهو مختلف عن القرآن الذي نزل على جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) وحيث ان القرآن الكريم يمثل أهم مصادر التشريع، فهذا يعني بأن الإمام المهدي (عليه السلام) سيأتي بدين جديد وتشريعات جديدة، ومن هذا الباب حاولوا ضرب التشيع وإشعال نار هذه الفتنة. في الحقيقة ان وجود قرآن لدى الإمام (سلام الله عليه) هذا أمر واقع ولا يمكن إنكاره، حيث إنه بعد ارتحال النبي الأعظم (صلى الله عليه واله) الى الرفيق الأعلى جلس أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) حبيس داره ستة أشهر يجمع القرآن الكريم حسب ترتيب النزول ولما أكمله خرج الى المسجد وعرضه على الناس لكنهم رفضوه فأخفاه عنهم (عليه السلام) وقال لهم : " لن تروه حتى يظهر ولدي آخر الزمان"(23). ولكنه ليس قرآنًا آخر، إنما هو القرآن نفسه، كتب معه أمير المؤمنين (عليه السلام) التفسير الصحيح له الذي أخذه مباشرة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأيضًا كان قد رتّبه حسب النزول. ختامها مسك وخير ما نختم به المقال قول الله عز وجل في كتابه الكريم {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(24). وتطبيقًا لقول أمير المؤمنين وسيد الوصيين (صلوات الله وسلامه عليه) إن الفتنة التي يجب ان نكون فيها (كابن اللبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيركب) هي فتن الضلال التي تصيب الظالمين، واذا لم نحذر منها فلربما وقعنا في شراكها، فعلى المؤمن ان يستعين بذكائه الذي اودعه الله تعالى فيه ليحذر منها ويقي نفسه وذلك بالعمل الدؤوب والحماس والسعي في طلب المعرفة ليقشع برياح علمه سحب الظلام لينير قلبه بشمس المعرفة. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ابي القاسم محمد واله الطيبين الطاهرين _______________________________ (14) منقول من تعريف الانتظار من كتاب (على ضفاف الانتظار للشيخ حسين عبد الرضا الأسدي، ص11. (15) كتاب شذرات مهدوية للشيخ حسين الأسدي، الشذرة 18، ص 226. (16) الغيبة للنعماني: 212/باب12/ح6. (17) سورة الأنبياء: آية [37]. (18) بحار الأنوار للعلامة المجلسي، ج52,باب من ادعى الرؤية في الغيبة الكبرى وانه يشهد ويرى، ص151. (19) نفس المصدر السابق. (20) بحار الأنوار للعلامة المجلسي، ج51، ص81. (21) منقول من كتاب شذرات مهدوية للشيخ حسين الأسدي، الإمامة والتبصرة: 129 و130/ح133. (22) كتاب الغيبة للنعماني: باب 10/فصل 4/ح43/ ص(194-195). (23) منقول من كتاب على ضفاف الانتظار للشيخ حسين الأسدي، نور البراهين للسيد نعمة الله الجزائري2: شرح ص459. (24) سورة الأنفال: آية [25].

منذ 5 أيام

يتصدر الان

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

منذ 9 أشهر
4620

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

منذ 8 أشهر
3172

صوت العقل وصدى الإرادة

برغم مانشهده من بريق التقدم التكنلوجي الذي يأخذ بالألباب ويخطف الأبصار إلا أننا نلاحظ اليوم وجود أزمة اخلاقية رهيبة، خصوصاً فيما يتعلق بانتشار المحرمات وتفكّك المجتمعات وتمزقها، وذلك لأن هذا التقدم يتحرك بشكل قد لايوافق فطرة الإنسان. إن الله سبحانه قد زوّد الإنسان بالعقل والغريزة والإرادة، على أن الروح والنفس من المتفرعات، فالروح مثلاً تعود في النهاية إلى قوة العقل التي وقف العلم أمامها حائراً عن معرفة كنهها. إن في الإنسان عقلاً وغريزة وإرادة، وهي في صراع دائم، والغالب منها يحدّد سلوك الإنسان. فإذا غلبت الغريزة على العقل والإرادة انحدر الإنسان إلى مرتبة الحيوان وإذا كانت الغلبة للعقل ترقى الإنسان إلى مراتب الإنسانية السامية. وهنا قد يطرح سائل سؤال: لماذا خلق الله سبحانه الغرائز في الإنسان وماهي الغاية من ذلك؟ الجواب: إن الغرائز التي غرسها الله سبحانه في أعماقنا وإن كانت متضادة ومتجاذبة إلا أنها هادفة لأن الله سبحانه حكيم في تدبيره لايخلق الأشياء عبثاً، فكل شئ في هذا الكون خاضع لحكمته وتدبيره وهذا الصراع الذي يحدث هو من أجل التكامل، إذ لاتقدم إلا من خلال هذا الصراع، إن الله قد حشّد هذه الغرائز في داخل الإنسان من أجل التكامل والكمال فقد شاء سبحانه أن يخلق هذا الكائن ليكون مميزاً عن الحيوان وعن الملائكة فلو كان عقلاً فقط لأصبح ملاكاً ولو كان غريزة فقط لكان حيواناً، وبذلك ينتفي وجود كائن حي اسمه الإنسان . إن العقل يُصدر الأحكام ولكن لاتتنفذ تلك الأحكام إذا كانت الإرادة ضعيفة، فلاقيمة لتلك الأحكام بدون إرادة قوية تنفّذها فيخلو الميدان للغرائز التي تُسيِّر الإنسان وترسم له خط سلوكه، لأن العقل عُرضة لهجوم دائم تشنّه الغرائز عليه وهو يحاول أن يدافع عن نفسه وينفّذ أحكامه. فإذا كانت الإرادة قوية فإنها تحمي العقل وتدافع عنه ليصبح قابلاً للتنفيذ . إذن ما هي الإرادة؟ وكيف نقوّي الإرادة؟ الإرادة: هي القدرة والسيطرة على الذات، فهناك قدرات جسمانية وهناك قدرات ذاتية، فتحقّق المراد يكون على قدر على ما أراد تحقيقه وخطّط له بشكل صحيح. إن مايحدث في داخل النفس هو شبه مجلس تخطيط، فالعقل يخطّط ويصدر الأحكام أما التنفيذ متوقف على قوة إرادة الإنسان. إن الهدف من وجود الإنسان لن يتم بدون مزج العقل مع الغرائز. ولكي يكون سيره في محيط الإنسانية عليه أن يتحكم بهذه الغرائر بالاتجاه الإيجابي وهو ماحدّده له الله عز وجل فقط، فلو شذ عنها انحدر من مستواه الإنساني إلى المستوى البهيمي. ولهذا كان لقوة الإرادة والتوجُّه الصائب للعقل الحكم الفصل في تنفيذ ذلك... إن الإرادة تلعب دوراً مهماً في عملية تنفيذ الأحكام التي يصدرها العقل أو في إلغائها. فكيف يمكن أن نقوّي هذه الإرادة من أجل انتصار العقل على طغيان الغرائز وجبروتها؟ نجد الجواب المناسب لهذا السؤال عند سيد البلغاء أمير المؤمنين علي بن ابي طالب( عليه السلام) عندما يقول :(وأيم الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً وتقبل بالملح مأدوماً ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها ،مستفرغة دموعها ،أتمتلئ السائمة من عشبها فتبرك وتشبع الربيضة من رعينها فتهدأ ويأكل علي من زاده فيهجع. ......) نهج البلاغه ج٣ص٧٥ من هذه الكلمة يتبين العلاج لتقوية الإرادة حسب ماذكر سيدنا ومولانا الامام امير المؤمنين( عليه السلام ) وهو :- الترويض للنفس لتقوية الإرادة. لو سألنا الإمام (عليه السلام) وكيف تروضها يا امير المؤمنين؟ فالإجابة عنده موجودة (إنما نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الاكبر). إذن الوسيلة هي التقوى التي تسيطر على الغرائز وتهذّبها والغاية هي الاطمئنان والأمان يوم الفزع الاكبر. إن الغرائز تلح على الإنسان بدليل ماجاء في القرآن الكريم (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)) سورة يوسف. يقع الذنب عندما يقوم الإنسان بفعلٍ بسبب شهواته وميوله خلافاً لما يحكم به عقله وإيمانه وتقابلها نفس لوامة تلح على صاحبها بالدافع الإخلاقي لكي تصبح مطمئنة وهنا يحدث النزاع بين العقل والغرائز. والإرادة القوية النابعة من تقوى الله تستطيع الانتصار، فكل إرادة لاتتغلب على العاطفة والشهوات تنهار وتفشل بسبب ضعفها وقلة إيمانها لأن حالة الذنب هي حالة عدم تملك النفس لذا قال (عليه السلام) في خطبته (ألا وان للتقوى مطايا ذلل )نهج البلاغه الخطبه ١٦ أي أنه يأمر والمطايا تطيع تسير إينما يوجهها دون أن تركل أو تعترض، وعلى هذه القاعدة نستطيع أن نقول إنّ لكل غريزة وظيفتها وهدفها، لاسيما إذا ربط الإنسان نفسه بالتعاليم الآلهيه التي وصلتنا إذ أن هذه التعاليم توجّه الغرائز بطريقها الصحيح الذي رسمه الله لها .

منذ 10 أشهر
2855

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

منذ سنة
2676

الطفل في المهد هو مشروع رجل المستقبل

إذا كان فلاسفة التربية الحديثة يجعلون الطفل ورقة بيضاء فإن الامام علي (عليه السلام) يجعله كالأرض ولاريب أن الامام كان أكثر عمقاً. ذلك لأن الورقة البيضاء تفتقر إلى عناصر البناء في حين أن الأرض تختزن عناصر الحياة فالطفل عندما يولد تكون فيه مثل هذه العناصر الحياتية ويكون لديه استعداد طيب للتفاعل مع محيطه، وبما أن محيطه الأول هو الأسرة لذلك يبدأ الإسلام على مستوى هذه الأسرة التي يتسلم زمامها بالدرجة الأولى الرجل على أساس أن القيمومة بيده شرط أن لا تكون صلاحيته مطلقة بل تكون مقيدة بما يفرضه عليه الشرع من حسن المعاشرة والعدالة والإحسان والرأفة والرحمة في عالم الاسرة، ومنه نعلم أن القيمومة للرجل ليس فيها انتقاص من دور المرأة. ولعل دور المرأة في الأسرة أخطر وأهم من دور الرجل؛ نظراً لضخامة المسؤوليات التي ينبغي لها أن تنهض بها، لا سيما أنها في بيتها ملكة غير متوجة لهذه الخلية. إن أول موضوع تربوي يهتم به الإسلام في باب تكوين الأسرة، بل ويعطيه الأولوية من حيث الأهمية هو اختيار الزوجة الصالحة التي سوف تصبح أماً وحاضنة لأولاد المستقبل. فيشير عليك ب(إذا أردت أن تخطب لنفسك فانظر أين تضع نفسك) حتى تكون الذرية صالحة، لأن المرأة التي تهز المهد بيمينها هي تهز العالم بشمالها… إن هذا الموجود الذي تراه طفلاً هو في حقيقته مرآة المستقبل. قد يتبوأ مناصب عالية يقود مجتمع واجيال، فإذا كان طيباً شمل خيره كل الناس. وإذا كان خبيثاً نشر الدمار والخراب في مجتمعه. لذلك يجب أن نعطي مسألة التربية كل اهتمامنا وأولوياتنا؛ باعتبار أن الطفل ليس مجرد ولد صغير أنت تقوم على تربيته كيفما دارت الأحوال. وإنما هو جرم صغير انطوى فيه عالم كبير من النظريات التي ستكون يوماً ما واقعاً ملموساً. وعلى هذا الأساس تكون مسؤوليتنا جسيمة أمام الله وأمام المجتمع. فانظر أين تضع نفسك. الإسلام والتربية: كل من طالع تاريخ الإسلام يجد أنه وخلال قرون قليلة استطاع أن يقدم إنجازاً حضارياً من الطراز الأول في بناء الإنسان… وبالتالي في بناء المجتمع وإقامة الحضارة الإنسانية الإسلامية… التي أنارت للبشرية دروبها ومسالكها ومعالم حياتها في شتى مجالات الحياة ولقرون متمادية، قبل أن يصاب بالانتكاسة السياسية والاخلاقية لأسباب ليس هذا محل ذكرها… وبتأمل قليل نجد أن الفضل في تقدمه وتطوره ذلك يعود إلى أسباب عديدة من أهمها مناهجه التربوية الصحيحة والخلاقة… إن الإسلام يرى أن المجتمع يتكون من أفراد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) سورة الحجرات. ويتم التكاثر تحت ظل قانون سماوي هو الزواج الشرعي. ويرى أن السلوكيات الخارجية تمثل أرضية للمستقبل… فإذا زرعت فيها ورداً فسوف تجني منها الورد… وإذا غرست شوكاً فلن تحصل منها على الليمون… والطفل يمثل الحلقة الأولى في تلك السلوكيات… لذلك لابد من النظر إليه على هذا الاساس، وعلى المجتمع أن يعي هذه الحقيقة…. فالدين الإسلامي يعطي للتربية أولوية قصوى... وله في ذلك منهج اعتمده الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام) . ولخّص ذلك الموقف بقوله: صلى الله عليه واله :(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) إن جوهر الرسالة المحمدية هي التربية والأخلاق بما يتضمن ذلك من بناء الإنسان نفسياً وروحياً واجتماعياً. ومن الواضح أنه يترتب على هذا المنهج إمكانية الأمر والنهي والأحكام والفصل في أمور الحياة... مما فرضه الإسلام على اتباعه. ومن خلال البحث نجد أن أولوية التربية مرتبطة بموقف فلسفي يتلخص بأن للرسالات والتشريعات والعلوم محوراً اساسياً هو الإنسان. فالإسلام يتوجه للإنسان من دون المخلوقات الأخرى لأن له دوراً في الحياة والعلوم والتشريعات والقوانين، فكل هذه المفاهيم مرتبطة دائماً بالإنسان ولا شيء غيره. فلا تنحصر مسؤولية الآباء في توفير المعيشة المادية للأطفال، بل إن مسؤوليتهم تبدأ بتربيتهم تربية إيمانية صالحة؛ فأن تاديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الاهتمام باحتياجاتهم الجسدية رغم أهميتها. يقول الإمام عليه السلام (ما نحل والد ولداً نحلاً أفضل من أدب حسن) (1) وعنه (عليه السلام): (لاميراث كالأدب) (2) إن فطرة الإنسان من منظار قرآني وروائي تتقبل الإسلام وكل مايتعلق به من تشريعات. ومعنى ذلك أن الإسلام وتفصيلاته وقوانينه هي اشياء مقبولة في أصل وفطرة وأعماق الإنسان. وهذا يعني أن انحراف الإنسان عن تلك الفطرة لا بد أن يكون له أسبابه الواقعية الخارجة عن ذات الإنسان. ومن تلك الأسباب تقصير أبويه في الطفولة وسوء تعامل أساتذته في الصبا ورداءة المحيط الاجتماعي الذي يعيشه. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) )سورة الروم وهو ما يشير إليه الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطره حتى يكون ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه) إن كل طفل يولد على أساس الفطرة الاسلامية، أي أنه يولد طيب النفس طاهر الروح نقي القلب محباً لعبادة الله تعالى، فإذا انحرف فيما بعد عرفنا أن ثمة أسباباً كانت وراء انحرافه، كأن يكون أبواه قصّرا في طهارة نطفته التي تكوّن منها بتناول الزاد الحرام، أو ممارسة الفعل الحرام وبما غذّياه الحرام أو سقياه الحرام بعد الولادة او رآهمها يفعلان ما لا يحسن أن يراه منهما عند بداية إدراكه فتأثر بهما واقتفى ما ليس له به علم من فعلهما، وكأن يكون قد رافق رفقاء سوء فأوحوا إليه من الأفعال ما جعل منه بعيداً عن تلك الفطرة. من هنا، تتبين أهمية ما نبهنا (عليه الإسلام) في تربوياته من أهمية دور الأبوين والمحيط الأسري والاجتماعي في تربية الطفل ورسم سلوكه المستقبلي. وأن كل من يُقَصِّر في دوره الملقى عليه في التربية، فإنه سيلاقي نتيجة تقصيره في عاجل الدنيا أو آجلها. لقد ذكر العلامة المجلسي في كتاب(حلية المتقين) بعضاً من الروايات التي تتطرق إلى هذه المواضيع ومنها، قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)(الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه) إن الإسلام وضع نُظُماً وحدوداً وقوانين تقف حائلاً دون ظهور نسل فاسد وناقص جسمياً ونفسياً. وإذا طبقت هذه القوانين قَلّتْ هذه الانحرافات والخلافات الشرعية والأخطاء. فإذا أحسن الأبوان التربية قلّ ظهور الأولاد المنحرفين... وكذا لو توفّرت الظروف الاجتماعية والثقافية التي تتناسب مع الفطرة الإنسانية. عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) (3) فليست تربية الأطفال واجباً وطنياً وإنسانياً فحسب، بل إنها فريضة روحية مقدسة وواجب شرعي لايمكن الافلات منه. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسوؤلية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشأة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) (ويجب للولد على والده ثلاث خصال : اختياره لوالدته وتحسين اسمه والمبالغة في تاديبه) (4) ويمكن أن نفهم من هذا الحديث أن تأديب الولد حق وواجب في عاتق أبيه. ولذلك تجد أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يُعلِّمنا أن ندعو الله عز وجل ليعيننا على أداء هذه المهمة. لكن ومع الأسف أن الواقع في كثير من الأحيان يختلف عن هذه التعاليم، ما أكثر الأمهات اللاتي يُعلّمنَ أطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الأهوج منذ الصغر. فيظل الأطفال مأسورين لتلك الأخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم . وما أكثر الآباء المجرمين اللذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية ويصطحبون أطفالهم إلى مجالس اللهو والعبث، ويرتكبون الأفعال القبيحة أمام عيونهم. وعلى أية حال فشقاوة وسعادة الأبناء ترتبط ارتباطا كبيراً بالأب والأم… التربية بعد الولادة: تؤثر على السعادة البشرية عدة عوامل يسميها بعض العلماء بمثلث مؤثرات الشخصية، وهي الوراثة والتربية والمجتمع. ولكن الملاحظة المهمة هنا هي أن أهمية التربية قد تتجاوز أهمية الوراثة والمجتمع إلى درجة أن بإمكانها أن توقف قانون الوراثة وتأثير المجتمع إلى حد ما فتتغلب عليهما إلّا في الموارد التي تكون الصفات الوراثية ذات طابع حتمي (أي لايمكن أن تتغير في الطفل مهما كانت العوامل الأخرى قوية أو كان ضغط المجتمع يتجاوز الحدود الطبيعية) وفي الحقيقة فإن معاملة الأبناء فن يستعصي على كثير من الآباء والأمهات في فترة من فترات الحياة، وكثيراً ما يتسائل الآباء عن السبل الناجعة للتعامل مع أبنائهم. إن أطفالنا جواهر، ويمكننا تربيتهم والحفاظ عليهم حسب ما رفدنا به الإسلام من نظم وقوانين، ولكن المفارقة هنا هي أن الكثير من الآباء هم الذين يحتاجون إلى توجيه قبل الأبناء. ولذلك يمكن أن نتجرأ ونقول بأن هناك الكثير من الأولاد إنما جاء فسادهم من خطأ الأباء في تربيتهم وإهمالهم وترك تعليمهم الطريق الصحيح. لقد أثبت الباحثون بشكل قاطع تأثير السنين الأولى من العمر على حياة الإنسان المستقبلية، فإحساس الولد بنفسه يأتي من خلال معاملتك له. فإن أنت أشعرته أنه ولد طيب وأحسسته بمحبتك فإنه سيكون عن نفسه فكرة أنه إنسان طيب مكرم، أما إذا كنت قليل الصبر معه وتنهال عليه باللوم والتوبيخ ليل نهار فإنك ستشعره بأنه (ولد غير طيب ) وربما ينتهي الأمر به إلى أمراض نفسية كالكآبة والإحباط أو التمرد والعصيان. لا بد أن نعرف أن هناك فرقاً بين ذات الإنسان وسلوكه، فذاته مكرّمة وعظية، أما السلوك فقد ينحرف عما رسمه الشرع والعقل له، وعلينا أن نوصل هذه الفكرة للطفل، ونوحي له بأن حسابنا معه حساب سلوك لا ذات. روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): قال داود (عليه السلام): إلهي، كن لابني كما كنت لي. فأوحى الله اليه: ياداود قل لابنك: يكن لي كما كنت لي، أكن له كما كنتُ لك. وصايا ملكوتية: عليك أيها الأب أن تأخذ بيد أبنائك لطريق الله عز وجل، وأن تعلمهم أن يبتعدوا عن غيره من الطرق الملتوية. اغرس في قلوبهم تقوى الله وساعدهم على أن يبرّوك عندما تكبر وتشيخ. تذكر دوماً أن أولادك أمانة عندك وأنهم سيغادرون منزلك بعد وقت قصير فاحرص على تربيتهم وتوجيهم، أعطهم وقتك وانتباهك، ادرس نفسياتهم وشخصياتهم، فأن ذلك يساعدك في تربيتهم، وإذا مررت بظرف عسير فأعلم أن ذلك عابر. من المهم أن يعرف الأبوان كيف يتجاوبان برفق في وقت الرفق وبحزم في وقت الحزم، كما ينبغي أن تكون معاملة الوالدين وفق مبادى ثابتة. وأن يحرصوا على حب أطفالهم ولكن بحكمة. ينبغي على الأم أن لاتعتمد على سلطة الأب وهيمنته في تهديد أولادها وعقابهم، فيصبح الأب كما قال بعض أخصائيي التربية (في نظر ابنه كالشرطي للمجرم لا صلة بينهما إلا عند الاختلاف في الرغبات) ينبغي أن لا يظهر الزوجان خلافاتهم أمام أبنائهم، فأن ذلك قد يضعف نفوذهما أمام أولادهما وقد يستثمره الولد لمصلحته فيتمادى في أخطائه. يجب أن تترسخ لدى الطفل فكرة أن سلطة أبويه هي سلطة واحدة تتبادل الأدوار حسب الظرف الموضوعي. إن من أهم القضايا التي تثير اهتمام العاملين بالمنهج الإسلامي هي قضية الطفل المسلم في منهجك التربوي، يجب أن تضع نصب عينيك أحدث الطرق التربوية التي تنسجم مع النظرة الإسلامية للإنسان في بناء شخصيته الفكرية والروحية والعملية، وفي الأجواء التي يجب أن تثيرها من حوله من أجل أن يتغذّى سلوكه بجو علمي تربوي خاص. كما يتغذى بالكلمة وبالصورة. فكل هذا الوسائل لها تأثيرها في خلق أجواء مناسبة تساعد في تربية الطفل وتسهل الأمر على الوالدين، وعلى الشخص الذي يمارس عملية التربية أن يتحرك في موقع مناسب لصنع الجو المناسب للطفل. ونحتاج في سبيل الوصول إلى تربية نموذجية إسلامية إلى دراسة ودراية واطلاع واستفادة مما ينصح به أصحاب الخبرة في هذا المجال، كل ذلك من أجل صنع جيل إسلامي يعيش في خدمة الحياة والإنسان على أساس كلمة الله والسير على تأدية ما أراد الله منه. إن الدين الإسلامي يعلمنا كيف نربي أبناءنا ليكونوا مواطنين سعداء في دنياهم، ليس هذا فحسب، بل لكي نكسب ويكسبوا بنا الآخرة أيضاً. لأن الولد الذي يكون سبباً في إيذا الناس وإيذاء نفسه فهذا يتحمل بعض ذنبه الآباء إذا لم يكونوا قد قاموا بتربيته التربية الصالحة، كما حدث في إحدى المدن العربية أن لصاً محترفاً بعد أن سرق العديد من المنازل وأحدث الرعب في قلوب الناس، لأنه لم يكن يسرق فقط بل كان يهددهم بالقتل لو شعر بالخطر، وبعد أن وقع في يدي رجال الشرطة وحكم عليه القضاء بإصدار حكم الموت شنقاً طلب السارق من رجال الشرطة قلماً وورقة فأحضروا له ذلك وعكف على كتابة بعض السطور وقد جاء فيها: (هذا ما دفعني إليه والدي.. الذي تركني منذ طفولتي ولم يحسن أدبي وتربيتي) إن الأب هو المسوؤل الأول عما يفعله الابن، ولايعني ذلك بالطبع تبرأة الابن، إنما الذي نريد قوله أن الآباء يتحملون قسماً كبيراً من المسؤولية لمكان ولايتهم على أبنائهم قال الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق عن حق الولد على الوالد: (فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ) والوجدان شاهد على انه إن عمل ابنك عملاً حسناً قال له الناس: رحم الله والديك. وإن عمل سوءاً ألقى الناس اللوم على أبيه. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه. قال أحد الخبراء في علم التربية: إن الخطورة تكمن ليس في أن الآباء يجهلون مسؤوليتهم تجاه الأبناء فقط وإنما في غفلتهم. ولربما يحدث ذلك لانشغالهم في أمور المعيشة، وبالتالي فإنهم لايقومون بتأدية واجبهم على أحسن ما يرام. وخاصة إذا كان الأبوان كلاهما يعمل ويرجع في آخر النهار متعباً مرهقاً… فهذا يؤدي بالتأكيد إلى التقصير في حق الأبناء في التربية… ويغدو الابن ضحية… وسيتعلم أخلاق وسلوكيات الشخص الذي يعتني به سواء بالحضانة أو الروضة أو المدرسة، طبعاً لانقصد من هذا أنه يجب على الأم والأب الجلوس وعدم العمل… ولكن يجب عليهم الموازنة بين حق العمل وحق الولد… هناك أمور عديدة يجهلها الآباء في التربية منها: - تشوّش الرؤية وغياب الهدف الواضح للتربية. -عدم الإلمام الكامل بمعرفة الأسس الفنية في معاملة الأبناء والتأثير فيهم. -غياب المقياس والمثل العليا للتربية المطلوبة أو الشعور بإيفاء حق التربية والواقع يكون عكس ذلك. -إهمال دور الأم وعدم إعدادها. -ضحالة ثقافة الوالدين وقصور وعيهما وتحاربهما. ومنه، نعلم أنه يلزم على ألآباء اعطاء فرصة للأولاد لتكوين شخصيتهم ومساعدتهم في ذلك. وخير مثال على ذلك عند امير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث كان يسأل أولاده بحضور الناس بعض المسائل العلمية، وربما كان يحيل الجواب عن أسئلة الناس إليهم. وهذا الشي يعطي نتائج مهمة في التربية أهمها احترام الأولاد وإحياء شخصيتهم وتكوين ذاتهم. فمثلما يجب احترام حق الكبار، يجب احترام حق الصغار. بينما الواقع الذي نعيشه في معاملة الأبناء عكس ذلك تماما عند البعض..... إن بعض الآباء يعيشون خارج دائرة التربية، ففي سبيل راحتهم أو رغباتهم أو في سبيل عملهم قد يهملون تربية أولادهم ولايفكرون بأنهم بهذا الأسلوب سوف يسيرون بأولادهم نحو الشقاء وتدمير مستقبلهم وأخلاقهم وخاصة في مجتمعاتنا التي تكون أكثر العوائل في بدايتها يعيشون مع أهاليهم، فضيق المكان يجعلهم يقسون على أطفالهم من أجل راحتهم أو أن يتحكم اكثر من فرد داخل الأسرة في تربية الطفل واستعمال الأسلوب الخاطئ أو الضرب أو العقوبة بدون سبب فكل هذا يتسبب بتكوين شخصية مهزوزة وضعيفة لدى الأطفال. إن التربية الواعية هي التربية المبنية على الأسس الأخلاقية التي ترشد الإنسان أن لوجوده قيمة جوهرية لا يمكنه أن يتغافل عنها في حياته وهي الطريق لتخريج أفراد لا يضيّعون حياتهم في التوافه، وإنما يتعاملون مع وجودهم بالطريقة التي تتحقق فيها أهداف حياتهم البنّاءة وبالتالي يمكننا أن نتحدث عن المجتمع الذي يصبح قابلاً للحياة لإدراكه ويعرف لماذا يعيش وكيف يعيش. وتربية الفرد تبدأ منذ نعومة أظفاره بالتدريج السليم المطابق للأصول التربوية والعقائدية والأخلاقية، ومن هنا علينا أن نهتم بتربية أطفالنا على هذا النحو والأسلوب الذي يحقق الآمال المعلقة على الأجيال القادمة في الوصول إلى إرساء قواعد جديدة للتعامل على مستوى الفرد أو الأمة، فلا يعود الفرد ولا تعود الأمة فريسة بيد العابثين المستهترين بمصائر الناس من أجل تحقيق المصالح الشخصية أو الفئوية على حساب جهل الناس لقيمة الحياة. هناك آثار سلبية كثيرة تترتب على عدم احترام شخصية الولد، ومن أهمها تلك التي تتعلق في نفوس الأطفال، مثل عقدة الحقارة واهتزاز الشخصية وما شابه ذلك من صفات نفسية خطيرة تهدد كيان الطفل وتلاحقه حتى خريف عمره. بينما تستطيع أنت أيها الاب وأنتِ أيتها الام أن تكونا بمعزل عن كل تلك الآثار السيئة والنتائج السلبية بفعل شيء واحد وهو: الاحترام ولايعتقد أحد بأن احترامه لولده يلحق به ضرراً أو يسئ إلى سمعته. ترى ماذا سيحدث لو اصطحب الأب ولده إلى المجالس التي يحضرها الكبار؟ وماذا يحدث لو تعامل الوالد مع ولده على أساس من الاحترام والتقدير؟ وماذا يحدث لو احترم الكبار الصغار؟ هل يحدث غير النتائج الحميدة والطيبة التي تترك أثراً سحرياً في نفوس الأبناء وتسير بهم إلى مدارج العظمة والكمال؟ يجدر بنا أن نسجل هذه الفكرة التي تقول: إن قيمة الاحترام تظهر ويبرز أثرها النفسي حينما يتمثل الكبار باحترام الصغار. وإلّا فإن احترام الصغار للكبار أمر طبيعي مفروغ منه. فإن عظمة التواضع تبرز حينما يتواضع العظيم للداني والكبير للصغير، فلو احترم الصغير الكبير وزهد الفقير وتواضع الحقير حينئذ لا يكون قد صدر منهم أي فعل ذي بال يشار إليه بالتقدير والتعظيم، ولا أقل عند سواد الناس. ولكن العظمة حينما يحترم الإنسان من هو أصغر منه، ويتواضع لمن هو أدنى منه منزلة، وقد ورد في سيرة أعظم رجل عرفته الإنسانية وهو النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) أنه كان يصافح الغني والفقير والصغير والكبير، ويسلم مبتدءاً على كل من لقيه من صغير أو كبير أسود أو أحمر، حراً أو عبداً، وكان يقول في ذلك: ليكون سنة من بعدي. إن لاحترام الأبناء نتائج ايجابية كثيرة، وباستطاعة أي أب أن يجرب ذلك، فلو كنت تريد من ابنك خدمة ما، فاطلب ذلك منه باحترام...وأومئ إليه بالثقة ثم اطلب منه ما تريد وانظر كيف ستكون النتيجة. هذا بالإضافة إلى أن الأبناء سيبادلون الآباء ذلك الإحساس، وسيعاملون آبائهم كما تعلموا وتعودوا عليه. لذلك فالأب حر في اختيار الطريقة التي يرغب أن يعامله بها ابناؤه في صغرهم وعند الكبر، تماماً كما أنك لاتستطيع أن تسحب مقداراً معيناً من المال من البنك إلا إذا كان لديك رصيد سابق قد أودعته فلا تستطيع أن تطالب أبناءك أو أي إنسان آخر بالاحترام وأنت لم تودع الاحترام في بنوكهم ولم تمنحهم الاهتمام. وهو مفاد ما ورد من الأمر بمعونة الأبناء على تعليمهم بر الآباء فاهتم بهم يهتموا بك، واحترمهم يحترموك، يقول الامام علي (عليه السلام ): (إجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب) إن هذه حقيقة حتمية وسنة كونية لايمكن تبديلها. (فمن جد وجد ومن زرع حصد) الأطفال هم فلذات الأكباد وريحانة الحياة وزهور الربيع وبلسم الجروح، وهم ذخر الإنسانية لغدها المشرق، وهم الذين سيحملون مسؤوليات العالم بعد أن ينتهي دور الجيل الذي سبقهم، لأن الإنسانية تسير بطريق تكاملي وبالتالي لابد أن تستمر. وهم ضمان استمراريتها وبقائها. وبما أنهم كنز الإنسانية ومستقبلها فعلينا أن نعمل على إعدادهم إعداداً مناسباً يتناسب مع حجم المسؤوليات المستقبلية التي ستلقى على عاتقهم، وذلك يكون عن طريق تربيتهم التربية الصالحة المبنية على الفهم المتكامل والصحيح للحياة، وعلى المربي عموماً أن يدرك أهمية هولاء الأطفال وأنهم سيكونون أهلاً للحياة ولمواجهة مسوولياتها. إن فهم هذه الخصوصية وترتيب الأثر المناسب عليها يساعدنا على إيجاد المجتمع الإنساني الفاضل الذي يتحلى بالأخلاق الكريمة، ذلك المجتمع الذي يقدس المثل العليا للإنسانية باعتبارها صمام أمان للحياة نظراً لما تحويه من مباديء سامية وخصال حميدة توصل أفراد المجتمع الإنساني إلى أهدافه النبيلة باعتناقها والتمسك بأهدافها… الطفولة عالم البراءة: عالم الصفاء والنقاء والتخيلات والأحلام الرائعة الجميلة هو عالم الطفولة، فهو العالم الملكوتي الذي ينطلق منه الإنسان في بداية سيرته الحياتية. فالطفل في سِنيّ حياته الأولى ينظر إلى الحياة بمنظار عالمه الطفولي البريء البعيد عن كل مايعكر صفوها فيتخيلها بمنظاره هذا عالماً تسوده المشاعر المرهفة الحساسة، وبعيداً عن كل الاشياء التي تجعل من الحياة حياة شر وخداع ونفاق. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل للحياة قبل أن يبدأ صراعه معها، وما أروعه من تصور وما أجمله من حلم، وكم يتمنى كل فرد إنساني أن يعود لطفولته البريئة ليسرح في أرجاء عالمها الذي كان يصور له الحياة كأنها ربيع مليء بالرياحين التي تشد الإنسان إليها بعطرها الساحر وشذاها الفواح، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلاينفذ إلى سره ولا يدري كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. فهو عالم بعيد كل البعد عن الشرور والآثام والحقد والكراهية، هو عالم غني بالمشاعر الجياشة التي تصور الحياة بستاناً عامراً بالاطاليب، حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. تعتبر مرحلة الطفولة من أهم المراحل في حياة الفرد: فالاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. فالطفل هو الثروة الحقيقية وأمل الغد، وليكن معلوماً أن ما نراه من حولنا المشاكل التي يتعرض لها الطفل في العالم من نبذ وقهر واضطهاد واستغلال وما يترتب على هذه المشاكل من اضطرابات نفسية وانحراف وجريمة وادمان. وما نرى من حالات العنف والعدوان في المدارس وحالات اختطاف وانحرافات سلوكية وخاصة في العالم الغربي، ومانشاهده من تعرض الطفل العربي إلى القهر والعدوان وخاصة في دول الحرب وبعض الظواهر الأخرى مثل ظاهرة أطفال الشوارع، والمتسولين والأحداث، كل ذلك له أسبابه الخاصة والتي تكون التربية واحدة من أهمها، وفي مقدمتها. يؤكد علماء النفس دائماً على أن أسباب الاضطرابات النفسية لدى الاطفال هو غالباً تنشأ من خلل في المعاملة من قبل الأهل. وأن الأطفال الذين تساء معاملتهم هم دائماً ضحايا للاضطرابات النفسية والانحرافات. وهذه الاضطرابات لاينتهي أثرها عند الطفولة فقط، وإنما قد تبقى آثارها لمرحلة الشباب والكهولة، ذلك لأنها تنطبع في شخصية الطفل وتوثر على حياته المستقبلية. فيصبح بالتالي شخصاً يعاني من عقد بداخله ولربما يصبح شخصاً ظالماً لمن حوله أو مجرماً حتى مع أقرب الناس إليه كإخوته وأطفاله وزوجته وأصدقائه. فلينتبه الأبوان لهذه المسوولية الملقاة على عاتقهما لأنهم لا يظلمون طفلهم فقط، إنما يظلمون مجتمعاً كاملاً. ومن هنا تعتبر الأسرة النواة الأولى لتنمية الطفل، والقالب الاجتماعي الأول الذي يصوغ شخصية الطفل في المجتمع، وهي المؤسسة التربوية الأم التي تساعده على تشكيل شخصيته بصفة عامة، وهذا ينعكس سلباً على شخصية الطفل، فيما لو اضطربت الأسرة وتفككت. لقد ثبت لدى الباحثين تأثير السنوات الثمان الأولى من العمر في باقي حياة الإنسان، وقد وجد انه إذا ما لبيت حاجات ورغبات الطفل في الأشهر الأولى من الطعام والراحة والمحبة وغير ذلك، فإن الطفل سيكون حظه في الحياة أوفر وأعظم… إن الأنماط السلوكية الأسرية تحدد ماسوف يفعله الطفل في مقتبل حياته أو مايستطيع أن يفعله. ولكي يحصل على الإشباع والرضا فعلى الأسرة أن تعمل على تنمية شخصيته. إن أهم عوامل نجاح وتكوين شخصية الطفل إنما هي مستمدة من العلاقة الحارة الوثيقة الدائمة التي تربط الطفل بأمه أو من يقوم مقامها بصفة دائمة وإن أي حرمان من حنان الإم تظهر آثاره في تعطيل النمو الجسمي والذهني والاجتماعي وفي اضطراب النمو النفسي للطفل. _______________________________ (1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2ص625 (2) غرر الحكم ودرر الكلم للامدي ص831 (3) مكارم الاخلاق للطبرسي ص 232 (4) بحار الانوار ج 75 ص 236

منذ سنة
2525

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

منذ 8 أشهر
2518

تواصل معنا

  • موبايل : 0773188800