دعاء الربيعي

مفاتيح السعادة

بقلم: دعاء فاضل الربيعي السعادة هي الفرح والسرور، وكل ما يُدخل الأُنس على الفرد، هي الفرحة التي تسكن القلب وتنعش الروح وتشرح الصدر، وتشعل فتيل البهجة في غياهب النفس الإنسانية، وهي من تغمر الجسد بالطاقة الإيجابية وتولد لديه سكينةً واطمئناناً، وتجعل الإنسان يرى الحياة بعين التفاؤل والأمل، والبشر بطبعهم يميلون إلى البحث عن السعادة وعن سبلها وطرق تحققها والحصول عليها؛ فمنهم من يرى السعادة مالاً، ومنهم من يراها الجاه والمركز والسلطة والصحة... نعم، يمكن أن تكون هذه إحدى الأمور المصاحبة للسعادة، لكنها ليست السعادة الحقيقة؛ لأن للسعادة الحقة أَمارات ودلائل إن وجدت تحققت السعادة وفاح شذى عطرها بين الأرجاء، وقد أشار إليها ديننا الحنيف، ومنها: دوام العبادة والإخلاص لله تعالى والإسراع الى الخيرات والمبادرة بالأعمال الطيبات الزاكيات، وذلك أسمى براهين السعادة الإنسانية، كما أن القناعة والرضا بما قسم الله تعالى والتعقل والتدبّر وترك لذائذ ومتع الحياة الفانية وإحراز الدين والعمل للآخرة يعتبر من موجبات السعادة... فهنيئاً لمن ترك لذة الدنيا الزائلة وتمسك باللذة الباقية المتمثلة بالجنة ونعيمها. ومن تجليات السعادة هي مودة واتّباع وحب الرسول محمد وآل بيته الكرام (صلى الله عليه وعليهم أجمعين)؛ فعن الإمام علي (عليه السلام): «أسعد الناس من عرف فضلنا، وتقرب إلى الله بنا، وأخلص حبنا، وعمل بما إليه ندبنا، وانتهى عما عنه نهينا، فذاك منا وهو في دار المقامة معنا» (١) فكمال سعادة المرء أن يكون مواليًا للعترة الطاهرة التي جعلها الله تعالى أمانًا للعباد. كما أن السعي في قضاء حوائج الناس ومداراتهم وإماطة الأذى عن طريقهم، وخلو الصدر من الحسد والغيرة والحقد والنفاق كل هذه الأمور مَجلبة للسعادة، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «من كمال السعادة السعي في صلاح الجمهور» (٢)، «خلو الصدر من الغل والحسد من سعادة العبد» (٣) ولا تتوقف سعادة الفرد على أفعاله وخصاله وأخلاقه وعلاقته بالله فحسب، بل تتعداها إلى من حوله من الأشخاص، فالزوجة الطيبة الصالحة والولد البار والأصحاب الصالحون من مكمّلات السعادة؛ فعن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) قال: «من سعادة المرء الخلطاء الصالحون، والولد البار، والمرأة المؤاتية، وأن تكون معيشته في بلده» (٤). فهنيئاً لمن سمَت روحه وتكاملت نفسه واطمأن قلبه وشق الإيمان والأمن والأمان طريقه وأينع بالحب جسده، وحييَ حياة سعيدة آمنة ملؤها رضا الله تعالى ومن كانت حياته الدنيا سعيدة بذكر الله فاز بالآخرة جنة الخلد: (وَأَمَّا الَّذينَ سُعِدوا فَفِي الجَنَّةِ خالِدينَ فيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرضُ إِلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيرَ مَجذوذٍ) (٥) ______________ 1- ميزان الحكمة ج2/ ص1305. 2- الغرر والدرر. 3- غرر الحكم: ٥٠٨٣، ٩٢٩٦. 4- الأنوار - العلامة المجلسي - ج ١٠٠ - الصفحة ٨٦ 5- هود/ 108

اخرى
منذ 5 أشهر
298

في حضرة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)

بقلم: دعاء الربيعي من بين جدران الزنزانات الهارونية التي كانت تفوح منها رائحة الحقد على محمد وعترته الطاهرة، كان هناك صوت حق ينبعث على وقع رنات القيود يخطف أسماع العالم أجمع، صوت يصدح بالحق ويجهر بحمد الله وذكره، حطم ذلك الصوت أسوار الباطل، وتحدى جدران القصور العباسية العالية، وقهر القلوب القاسية الجاحدة لفضل الرسول وآله، لقد شكّل صوت الصدق هذا خطرًا محدقًا على العرش الهاروني المتهاوي الذي بنى مجده وأسس دعائمه من دماء المظلومين المضطهدين، وكان لا بد أن تُكتم أنفاس هذا الصوت الشجي، وتُخمد صرخة الحقيقة التي أعلنت تصديها للباطل وأهله مهما كلف الثمن ومهما كانت النتائج، فتركت تلك النفس الأبية زخرف الدنيا وزبرجها ورضت بغياهب السجون وظلم هارون وبعدت عن الموالين المحبين، من أجل تثبيت أركان التوحيد وتنقية العقيدة من الشوائب والأفكار الضالة المنحرفة التي تطال مذهب التشيع، فتصدى لها الإمام موسى بن جعفر (سلام الله عليه) وحاور تيارات الإلحاد والزندقة ليثبت أركان التوحيد ويبطال زيف أهل البدع التي أخذت بالانتشار في ذلك الزمان، وبحواره وأدلته المقنعة اثبت للمجتمع أحقيته في التصدي للخلافة الإلهية، وأنه امتداد لرسول الإنسانية محمد وعترته الطاهرة الذين استخلفهم الله في أرضه وجعلهم حججًا على عباده. احتار هارون في هذه الشخصية العظيمة وأراد التخلص منها بأي شكل من الأشكال، فلم يجد غير السجون حلًا لهذه المشكلة، فراح ينقل الإمام من سجن لآخر كي يطفئ شعلته ويخمد نوره الوضاء الذي اجتاح العالم أجمع وأسر قلوب الملايين من المحبين المخلصين لهذا الإمام المعصوم. ولم يكد هارون يقر له قرار حتى نقل الإمام موسى بن جعفر من سجن البصرة إلى سجن بغداد ليضل تحت عينه ويشدد الرقابة عليه واختار له مجموعة من السجّانين ومنهم السندي بن شاهك هذه الشخصية التي توصف بأنها اسوأ عنصر في البلاط العباسي، وكان حريصًا على ظلم واستئصال معارضي النظام العباسي ولا سيما الموالين لمذهب محمد وآله، فقد تولى سجن الإمام (روحي فداه) في أحلك الظروف وأشدها قسوة على الشيعة، وقد نصب السندي العداء للإمام الكاظم (عليه السلام) وأظهر من الحقد والقساوة ما لم يظهره السجانون قبله. فيروي لنا التاريخ أن سجّاني الإمام الكاظم اظهروا تعاطفًا واحترامًا واضحًا لمنزلة الإمام ولجميل ما رأوا منه، أمثال عيسى بن أبي جعفر الذي طلب من هارون إعفاءه عن سجن الإمام وكان نص رسالته (أن خذه مني وسلمه إلى من شئت، وإلا خليت سبيله فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجة، فما أقدر على ذلك، حتى أني لأستمع عليه إذا دعا، لعله يدعوا عليّ أو عليك فما أسمعه يدعوا إلا لنفسه، يسال الرحمة والمغفرة). وكذلك فعل الفضل بن ربيع والفضل بن يحيى فقد اعتذروا من سجن الإمام وإلحاق الأذى به فقد طلب إليهم هارون قتله مرارًا وتكرارًا إلّا أنهم أبوا أن يقدموا على هذا الأمر. فكّر هارون (عليه لعائن الله) بسجان ذي قلب قاس يكره آل البيت ويحب الحاق الأذى بهم فاختار تلك الشخصية اللعينة التي أودت بحياة كاظم الغيظ (عليه سلام الله)، ومن الجدير بالذكر أن هناك الكثير من الشخصيات التي تعاطفت مع الإمام الكاظم وأذعنت لشخصه العظيم ومقامه الرفيع ومنزلته العالية لدى الباري (عز وجل) ومن تلك الشخصيات هي أخت السندي بن شاهك، هذه المرأة التي صدحت بصوت الحق وهتفت باسم الإنسانية قائلة: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل، فقد روى لنا المؤرخون أن أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) حُبس عند السندي، فسألته أخته أن تتولى حبسه وكانت تتدين ففعل، فكانت تلي خدمته فحكي أنها قالت: كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجّده ودعاه، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل، فإذا زال الليل قام يصلي الصبح ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة فكان هذا دأبه ، فكانت أخت السندي إذا نظرت إليه قالت: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل. كما أن زبيدة زوجة هارون العباسي التي كانت مطّلعة وعن قرب على حياة الإمام الكاظم وعلى زهده في الدنيا ورغبته في الآخرة فيروى أن لزبيدة مجموعة من الجواري والغلمان ينقلون لها سيرة الإمام وهو في سجن هارون فتأثرت بالإمام وأقتحم قلبها حبُّه واتضحت لها أحقيته في الإمامة وأنه خليفة الله على أرضه، وقال عنها الشيخ الصدوق في المجالس: (أنها-أي زبيدة - كانت من الشيعة). كذلك جارية هارون التي ادخلت على زنزانة موسى بن جعفر، فهي أيضًا ممن أُصبن بالذهول والتعجب من حال الإمام وعبادته، حيثه يروى أن هارون انفذ إلى الإمام موسى بن جعفر جارية خصيفه لها جمال لا يوصف لتخدمه في السجن، فقالت له: يا سيدي هل لك حاجة أعطيكها؟ قال: وما حاجتي إليكِ، وأراها روضة مزهرة ليس لها حد فيها مجالس مفروشة وحور لم ترَ مثلهم من قبل وفي أيديهم الأباريق والمناديل ومن كل الطعام، فلما رأت ذلك خرت ساجدة خاشعة ترتعد وترتجف من عظيم منزلة هذا السجين المظلوم المضطهد فأذعنت لخالقها وتابت لله وصارت من المؤمنات الطاهرات التي شهد لهن التاريخ بالحق فهن اهتدين للحق على يد الإمام موسى بن جعفر وقد تأثرن بحياة هذا الرجل العبادية فاعتنقن مذهب الشيعة الإمامية وصرن من المواليات المؤمنات بإمامة الأئمة الهداة من ذرية محمد (صلى الله عليه وآله)... وما جرى لتلك المؤمنات هو خير دليل على إن سيرة الإمام الكاظم وحياته المؤلمة هي محطة ضياء لكثير من الأحرار ومنها يستلهم الخلق والدروس والعبر وبهم يحصّنون أنفسهم من نيران جنهم ، فهنيئاً لمن اتخذت من سيرة الإمام الكاظم شعلة تنير بها دروب الحياة المدلهمة. فحري بنا نحن شيعة الإمام موسى (عليه السلام) ومحبيه أن نقتدي بهذه الشخصية العظيمة التي واجهت المحن والصعاب بكل قوة ورباطة جأش ولم تذعن وتستسلم للطغاة الذي يحاولون النيل من المقدسات والمعتقدات الدينية فعلينا أن نحتذي بمولانا الكاظم (عليه السلام) الذي اتخذ من قيوده وسلاسله مشعلًا ليتحرر من ظلم طاغوت عصره هارون العباسي، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

اخرى
منذ سنة
4368

أين الرجبيون؟

بقلم: دعاء الربيعي افتتحت زهراء حديثها من زميلتها صفاء بقولها: (خاب الوافدون على غيرك وخسر المتعرضون إلّا لك) غاليتي صفاء، تلتمسين العذر مني ولا تلتمسيه من الله ونحن في شهر الرحمة رجب؟! صفاء: أجل منك أطلب المعذرة لأنني أخطأت في حقك وأسأت الأدب معك. زهراء: سامحتك، ولكن اطلبي العفو من الله لأن الباري (جل وعلا) أحق بالرضا مني، وارجعي لنفسك وانظري إلى ما اقترفتِ من ذنوب وخطايا، حملتِ بها نفسك المسكينة وأثقلتِ عليها، وسوف يطول وقوفها بين يدي الله في عرصات القيامة، صدّقيني أُخيّتي، جُلُّ ما أطلبه هو رضا الباري عنك، فنحن في أيام شهر رجب، وليس من الجميل أن يكون العبد غارقًا في الموبقات والمحرمات بدل أن يشغل نفسه في طاعة الله ورضاه. صفاء: جميل ما تحدثتِ به، لكنه ليس سهلا أبدًا، فمن أين أبدأ ومن أي ذنب أتوب وكيف يلهج لساني بالاستغفار والدعاء وقد تعوّد على قول المنكر من الحديث؟ فشهر رجب هذا إنما هو للطائعين العابدين لله وليس للمذنبين امثالي! زهراء: ومن قال ذلك؟! بل العكس تمامًا، أمَا سمعتِ هذه الآية المباركة التي فيها بشرى لكل عبد موحد لله (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.) وكذلك أحاديث الرسول وآل بيته (صلوات الله عليهم) فقد روي عنه أنه قال في فضل شهر رجب هو الشهر الأصب: يصب فيه الرحمة على من عبده إلا عبدا مشركًا. (وفي حديث آخر عن أحد الصالحين أنه قال لأحد عباد الله المذنبين: يا عبد الله، رجب ليس للعرفاء... رجب للغرقى، أما العرفاء فكل عامهم رجب) صفاء: حسنًا، ولكن من أي الأعمال أبدأ وأي المستحبات أؤدي؟ وكما تعلمين أن وقتي محدود ولدي التزامات كثيرة. زهراء: أولًا هناك الكثير من المستحبات الرجبية الخفيفة فعلاً والكثيرة أجراً، وثانيًا لابد لك عزيزتي أن تهيئي بعضًا من الوقت لكسب مرضاة الله وطلب مغفرته، فمشاغل الحياة لا تنتهي، لكن العمر ينقضي وساعات الحياة في نقصان، كما يقول الإمام الحسين (عليه السلام) (يا ابن ادم إنما أنت أيام، كلما مضى يوم ذهب بعضك) وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى ضرورة أن يجِدَّ الإنسان ويجتهد لنيل الأجر الأخروي الباقي ويترك الأجر الدنيوي الفاني بجملة من الأحاديث منها: (أنك مخلوق للآخرة فاعمل لها، إنك لم تخلق للدنيا فازهد فيها، استفرغ جهدك لمعادك تصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، من جعل كل همه لآخرته ظفر بالمأمول). فعليك اختاه أن تلتزمي بذلك إذا أردتِ التوبة حقًا. أما سؤالك عن أعمال شهر رجب فهي كثيرة أهمها الاستغفار فعن الصادق (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رجب شهر الاستغفار لأمتي فأكثروا فيه من الاستغفار)، والاستغفار عزيزتي لا يحتاج إلى بذل جهد فباستطاعتك أن تلهجي به في كل الأحوال. والعمل الآخر هو الدعاء، فهناك الكثير من الأدعية في بطون الكتب المعتبرة المذكور فيها خصوصية الدعاء في شهر رجب، كذلك الصلاة والصيام، فلِأيام شهر رجب صلوات خاصة ولكل صلاة كيفية وأجر عظيم لامثيل له، وللصيام أجر يفوق كل الأجور، فعن رسولنا محمد (صلى الله عليه وآله) قال: (ألا فمن صام يومًا من رجب استوجب رضوان الله الأكبر وابتعد عنه غضب الله، وأغلق عنه باب من أبواب النار) كما أن للصدقة ثوابًا جزيلًا في هذا الشهر المبارك، وهناك الكثير من الأعمال المندوبة في هذا الشهر يمكنك مراجعتها في الكتب الخاصة، اسأل الله أن يوفقك لمرضاته. صفاء: لا اعرف كيف اشكرك عزيزتي (زهراء) على كل ما قدمتيه لي من نصائح وتوجيهات تنقذني من بحور الغفلة التي كنت غارقة فيها، هنيئاً لك هذا الاخلاص لله، وهنيئاً لي هذه الصحبة، سبحان مسبب الأسباب، اليوم قرأت منشوراً عن الصحبة وكان فيه حديث لم افهم معناه ولم احط بمبتغاه وهو (خير إخوانك من دلّك على هدى وأكسبك تقى وصدك عن اتباع الهوى) وها أنا الآن فهمت المراد. زهراء: الشكر لله وحده، لأنه أتاح لي الفرصة للحديث معك وإرشادك إلى سبيل الحق، ما أجمل أن تكون صحبتنا لله وفي الله. اسأل الله أن يجعلنا ممن تُقبل تَوبتهم وتُستجاب دعوتهم وتُغفر خطيئتهم ويُنادى بهم يوم القيامة من بطنان العرش... أين الرجبيون؟

اخرى
منذ سنة
1124

أسميتهُ جعفرًا

بقلم: دعاء فاضل الربيعي صديحٌ نهُوك هَديد همام صبورٌ وقورٌ جَريء حسام هكذا كان جعفر فارسًا صنديدًا قويًا لازَم الحق وأصرّ على منازلة الباطل، لم تكن الشجاعة لدية مكتسبة بل فطرية ولدت معه وتشربت عروقه وانماثت في جسده كما ينماث الملح في الماء، وهكذا هم أخوته، ولا عجب في ذلك، فلو أن أباه ولد الناس كلهم لولدوا شجعانًا. هذا ما اخبرنا به الصادق الامين (صلى الله عليه وآله). كان لجعفر منزلة رفيعة وقدرًا جليلًا لدى الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) فهو أخوه وابن عمه وثقته كما قال: (إن علياً وجعفرًا ثقتي، عند مُلِمّ الخطوبِ والنُوبِ) ولطالما اشاد الرسول (صلى الله عليه وآله) به وبأخواته وبمواقفهم الرجولية والبطولية التي دافعوا بها عن الإسلام فقد رود عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال في حق جعفر: (علي أصلي وجعفر فرعي) (اما انت يا جعفر فأشبهت خَلقي وخلقي وانت من شجرتي التي انا منها). وها هو جعفر من الذوات الطاهرة النبيلة الطيبة التي ترفعت عن الرذائل وتسامت مع الفضائل وسلكت سبيل الصلاح والفلاح ودعت الى الإسلام الحق بكل ما اوتيت من قوة فها هو يرسل من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) الى معركة غير متكافئة العدد فجيش المسلمين لا يتجاوز الثلاثة آلاف مقاتل وجيش الروم الجرار يبلغ مئتي الف مقاتل مع ذلك أصرّ جعفر ومن معه على المواجهة وكلهم عزم وايمان بأن الله هو نعم المولى ونعم النصير، وقد رسم جعفر في هذه المعركة لوحات لا زالت مطبوعة في أذهان محبيه، يروي لنا التاريخ أن جعفرًا قطع عرقوب فرسه تشجيعًا منه لجيشه وإصرارًا منه على المنازلة وعدم الرجوع وأخذ يقاتل ويزحف بالمسلمين ويقطع اعناق الباطل حتى قطعت يداه ولم يترك القتال حتى أفل نجمه وكسفت شمسه وأصبح أثرًا بعد عين، فوجدوا في جسده تسعين جرحًا ما بين طعنة برمح وضربة بسيف كلها في مقدم بدنه، وهذا دليل على كونه كرارًا غير فرار. فقد واجه صفوف الموت وأبدى يوم مؤتة من الصمود الهائل والارادة الصلبة ما يفوق الوصف فكان عزمه غير مخلخل وشرفه غير مزلزل فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيًّا ومن هذه السمات الرفيعة والصفات الشريفة والهمة العالية نستلهم تلك المعاني السامية ونغرسها في نفوسنا أولاً ومن ثم نزرعها في أولادنا في أيام الطفولة حتى الكبر، فتارة نسمي أسماء أولادنا بأسمائهم تيمنًا بهم وتبركًا، وتارة نبين أدوارهم وما أفاضوا علينا من عقائد رصينة وإيمان راسخ وجهود مضنية في نصرة الحق ودحض الباطل، حيث أمل كل شيعي حقيقي وموالي بأن تتجسد تلك المعاني في أولاده شيئاً فشيئاً، فهكذا أريد ولدي الذي اسميته جعفرًا؛ تيمنًا بذاك الرجل الطاهر والصمصام القاهر والعفيف الصابر، الذي قل ما ولدت مثله النساء، حيث تناظرت الأسماء والصفات معًا واجتمعت في شخص جعفر، ولهذا أتضرع بالدعاء أن يكون لولدي الذي اسميته جعفرًا فرناسًا* أشوسًا مغوارًا ذائدًا عن دنيه ومناصرًا له، لا يبالي إن وقع على الموت أو وقع الموت عليه مادام على الحق... ما احوج وطني في هذه الأيام إلى أمثال جعفر ابن ابي طالب (عليه السلام) قادة خلصًا وأبطالًا في الميدان لا يُقهرون بالباطل ويدعون للحق ويثبتون جذوره في الأمة ويزلزلون عروش الطغاة ويرفعون راية النصرة لصاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف)... فيا ولدي الحبيب كن منتظرًا ممهدًا مناصرا لدولة الحق وحكومة الصدق ورئاسة العدل التي يعتلي عرشها ويقود زمام أمورها مولاي وإمامي الحجة ابن الحسن المهدي أرواحنا لتراب مقدمه الفداء. _________________ 1- آمالي الصدوق – المجلس 76 ص456 2- كنز العمال 6:153 3- المستدرك على الصحيحين 211: 3 • الفرناس من أسماء الأسود.

اخرى
منذ 8 أشهر
359

قد أفلح من زكاها

بقلم: دعاء فاضل الربيعي التزكية مفهوم عام يشمل نواحٍ متعددة من حياة الإنسان، ولا يقتصر على المال فقط، بل يشمل جميع ما أفاض الله على خلقه من بدن وعقل وعلم وشجاعة وجمال وصحة إلى أخره، فقد ورد في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (كل ما أديت زكاته فهو مأمون السلب) ومن هذا الحديث المبارك يتبين لنا اهمية التزكية وضرورتها للحفاظ على النعم الإلهية من النقص أو الزوال. وتعرف الزكاة على أنها إخراج جزء من عين الشيء المراد تزكيته وإعطاؤه لمستحقيه. وقد ذكر آل البيت (عليهم السلام) في أحاديثهم جملة من الأمور التي تقع عليها التزكية واهمها البدن، فعن الصادق (عليه السلام) قال: (العلل زكاة البدن) وعن الباقر (عليه السلام) قال: "ان رسول الله (صلى الله عليه واله) قال: لأصحابه يومًا: ملعون كل مال لا يزكى، ملعون كل جسد لا يزكى ولو في كل أربعين يومًا مرة، فقيل: يا رسول الله أما زكاة المال فقد عرفناها، فما زكاة الأجساد؟ قال لهم: أن تصاب بآفة" ويتضح من الحديث ان العلل التي تصيب بدن الإنسان ما هي إلّا زكاة له وغاية الباري (عز وجل) هي صيانة ذلك البدن ودفع الأدران المعنوية عنه وعلى العبد ان يحمد الله ويشكره عند المرض وعند العافية. أما الأمر الآخر مما تقع عليه التزكية فهو العقل، قال أمير البلغاء: (زكاة العقل احتمال الجهال). العقل نعمة ومنّة إلهية، فهو ينبوع الخير وهو دليل المؤمن ومحل للتفاضل بين الناس إذ يتفاضل الناس بالعلوم والعقول، وحري بذوي العقول أن يزكوها ويحافظوا عليها من الزوال وذلك باحتمال الجهال وعدم مواجهتهم والخوض معهم في جدالات عقيمة والاكتفاء بقول الباري (عز وجل): (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا). وبعد العقل يأتي العلم فهو محل للتزكية لما له من آثار ايجابية على حياة الإنسان الدنيوية والأخروية، لذا يتوجب على صاحب العلم أن يزكي علمه، وذلك بأن يوظف شيئاً من قدراته وإمكاناته المختلفة لصالح الشأن العام وخدمة أبناء جنسه ومجتمعه، كما قال سادتنا (عليهم السلام): (زكاة العلم بذله لمستحقه واجهاد النفس في العمل). (زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه). (لكل شيء زكاة وزكاة العلم أن يعلّمه أهله) (والعلـم يزكـو على الإنفاق) فمن أراد أن يبارك الله في علمه عليه أن يعلم الناس ويرشدهم إلى ما تعلم وإذا أراد العالم ان يشكر ربه عليه ان يبذل علمه لمن يستحقه. والشجاعة أيضًا نعمة إلهية تستحق الشكر والتزكية، فالشجاعة أمضى سلاح في مواجهة المخاطر والتحديات، والشجاع أقرب إلى الفوز والنجاة، بينما الجبان أقرب إلى الهلاك والخسران، وتزكى الشجاعة بالجهاد في سبيل الله من أجل نصرة الحق واعلاء كلمته كما قال المعصوم (عليهم السلام): (زكاة الشجاعة الجهاد في سبيل الله)… ويجدر الإشارة هنا إلى موضوع غاية في الاهمية وهو تجنب مهلكات وآفات الشجاعة وهي البغي واضاعة الحزم والتهور، فعلى الشجاع القوي أن يتحلى بالصبر؛ لأن (الشجاعة صبر ساعة) كما قال الإمام الحسن (عليه السلام). كما يتوجب على الشجاع الغيور أن يضع حدًا لشجاعته كي لا تعد تهورًا كما قال الإمام العسكري (عليه السلام): (إن للشجاعة مقداراً، فإن زاد عليه فهو تهوُّر). والأمر الآخر الذي تقع عليه التزكية هي الصحة، التي تعتبر من أفضل النعم وأهنأ اللّذتين، والصحة لا يستشعرها إلّا الفاقدون لها، فيا ترى كيف نحافظ على صحتنا ونزكيها مما يتلفها؟ الجواب في قول الإمام علي (عليه السلام): (زكاة الصحة السعي في طاعة الله) فتأدية حق الصحة يكمن في طاعة الله واجتناب معاصيه، وعلى المؤمن أن يغتنم أيام العمر بطاعة الله سبحانه وإقامة عبوديته وشكره، والعمل بما فيه صلاح الدنيا والآخرة. أمّا المورد الآخر الذي يعتبر محلًا للتزكية فهو الجمال، فالجمال صفة تلحظ في الأشياء وتبعث في النُّفوس سرورًا أو إحساسًا بالانتظام والتّناغم، وهي هبة ومنّة إلهية يتوجب أداء حقها وتزكيتها لتبقى وتدوم، وخير تزكية للجمال هو التحلي بالعفة، فبالعفة يصان الجمال ويُحفظ كما قال الإمام علي (عليه السلام): (زكاة الجمال العفاف) فعلى النساء والرجال ان يتصفوا بالعفة ويتزينوا بها حتى يصونوا جمالهم الظاهري والباطني. كما أن العين من الأمور المهمة الواجب تزكيتها وصيانتها مما يرديها ويفتك بها، فالعين هي نعمة إلهية كبرى على الإنسان أن يُحسن استخدامها وتوظيفها فيما يرضي الله تعالى، وقد تكون نقمة ووبالاً على صاحبها إذا لم يحسن استخدامها ضمن الحدود التي وضعها الله تعالى لها، فعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): "كم من نظرة جلبت حسرة" وتزكية العين كما قال الصادق (عليه السلام): (زكاة العين النظر بالعبرة والغض عن الشهوات). فالواجب على المؤمن أن يغض بصره ويتجنب النظرة الحرام ويبتعد عما يسخط الله تعالى كي يحافظ على سلامة بصره وبصيرته. ومن الأمور الأُخرى الواجب تزكيتها هو الظفر، وزكاته العفو، ففي حديث عن الإمام علي أنه قال: (العفو زكاة الظفر) فمن يظفر بمن هو أضعف منه ممن تجاوز على حقوقه مثلاً إن أراد أن يُزكي هذا الظفر والقدرة، فعليه أن يؤدي حقه بالعفو والتجاوز والصفح عن الأخرين (فظفر الكرام عفو واحسان وظفر اللئام تجبر وطغيان) لأن الكريم إذا ظفر بشيء عفا، اما اللئيم إذا ظفر تجبر وتغطرس وطغى. والجاه أيضاً يجب تزكيته بالشفاعة، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (الشفاعة زكاة الجاه) والجاه هبة من الله (جل وعلا) امتن بها على صاحبها ليقوم بخدمة العباد فيما هو صالح لهم في معاشهم ومعادهم، فبها يستطيع صاحب الجاه أن يفعل الخيرات ويكتسب المكرمات (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها) وللنعم عموماً زكاة أيضاً، فعن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: (زكاة النعم اصطناع المعروف) وقد قال (عليه السلام): (تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله، فإن للجنة باباً يقال له المعروف، لا يدخله إلا من اصطنع المعروف في الحياة الدنيا فإن العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكّل اللَّه به ملكين، واحداً عن يمينه وآخر عن شماله، يستغفران له ربّه ويدعوان بقضاء حاجته) فهنيئاً لمن زكا نعم الله الظاهرية والباطنية وصانها من آفاتها وحافظ عليها من الزوال (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها).

اخرى
منذ 6 أشهر
648

أَعْلَالٌ قَاتِلَاتٌ

بقلم: دعاء فاضل الربيعي أَعلال جمع علة، والعلة هي المرض، وصاحبه معتل، يقال: اعتل فلان إذا حال عن الصحة إلى السقم. قاتلات مفرد قاتلة وهي من قَتَل يَقتُل، قَتْلًا، فهو قاتِل، والمفعول مَقْتول وقَتيل، يقال: قتل الشخص أي أماته ذبحه ازهق روحه فتك به*. هناك نوعان من العلل: علة مادية: وهي الأمراض البدنية التي تصيب بني البشر، وهناك الكثير من الطرق والوصفات العلاجية التي تذهب بهذه العلة وتشفي المعتل. والعلة الأخرى: معنوية وهي مرض الروح والنفس وهي كثيرة منها سوء الخلق والكذب ونكران الجميل أو الرياء وسوء الظن… إلخ. لكن أشدها فتكًا وقتلًا للإنسان هي الشهوات كما أشار الإمام علي (عليه السلام): (الشهوات أعلال قاتلات، وأفضل دوائها اقتناء الصبر عنها) وقال أيضًا: (من لم يداو شهوته بالترك لم يزل عليلًا) والشهوة هي الرغبة الشديدة وهي القوة النفسانية الراغبة فيما يشتهي والشهوة ما يُشتهى من اللذات المادية والجمع شهوات. إنّ وجود الشهوات في نفس المرء يُعد محركًا مهمًا لنشاطه وفاعليته في هذه الدنيا، ولولا وجود الغرائز والشهوات لما تحرك الإنسان وواجه المخاطر، فحب الإنسان لذاته وسعيه للتملك، وتطلعه للتطور والتقدم، ووجود الرغبة والشهوة لديه، هو ما يدفعه لهذه الفاعلية والنشاط الذي يقوم به في هذه الدنيا. الشهوات هي سلاح ذو حدين، فمرة تكون نقمة ومرة تكون رحمة، فهي محل ابتلاء لبني البشر، وفيها يُعرف معدن المرء، فإما أن يوظف غرائزه وشهواته لاستحصال طاعه الله وإما أن يطلق لها العنان فيخرج عن حدود الإنسانية وينحرف عن جادة الح. وقد أشار آل البيت (عليهم السلام) إلى أهمية ضبط الشهوات وتوظيفها بشكل يضمن سلامة الفرد الدنيوية والأخروية، وذلك من خلال جملة من الأحاديث أهمها (لَا فِتْنَةَ أَعْظَمُ مِنَ الشَّهْوَةِ و مَا شَيْءٌ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ يَأْتِي إِلَّا فِي شَهْوَةٍ والشَّهْوَةُ حَرَبٌ)… وغيره من الأحاديث التي تبين لنا خطورة الشهوة ومضارها، فهي مصيدة إبليس وفخه الذي يقع فيه العاصون، ويعلق بين شباكه الضالون، وهي أضر أعداء بني آدم، ومن غلبت حكمته ودرايته على شهوته استكملت له الحكمة وكان سويًا، وأول الشهوة طرب ولعب وآخرها ندامة وحسرة وتعب، وهي سبب الشر كله، وباب من أبواب جهنم. من آثر شهوته على دينه هلك ومن قدم دينه على شهوته نجا، ومن لم يملك شهوته لم يملك عقله. فهنيئاً لمن نجا من شراك الشهوة وقاد زمام نفسه وحكم عقله وقاد شهوته ووضع لها حدًا. واعلم أيّها المؤمن أن لذة الشهوة لا تدوم وهي زائلة وسرعان ما يستشعر المذنب مرارة ما فعله، كما قال الإمام علي (عليه السلام): (حلاوة الشهوة ينغصها عار الفضيحة) وقال: (إياكم وغلبة الشهوات على قلوبكم، فإن بدايتها ملكة، ونهايتها هلكة). ومن أراد ان يصل إلى رضى الباري وجنته فعليه أن يخلع ثوب الشهوة: (عباد الله! إن من أحب عباد الله إليه عبدا أعانه الله على نفسه... قد خلع سرابيل الشهوات، وتخلى من الهموم إلا هما واحدا انفرد به، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى) فيا رب حبب الينا طاعتك وجنبنا معصيتك يا أرحم الراحمين. _____________________ *ميزان الحكمة للري شهري *المعجم الوسيط

اخرى
منذ 6 أشهر
287

سيدة النور

بقلم: دعاء الربيعي فاطمة سيدة النور وأميرة الحور... التي كانت دائمًا ما تزهر وتفوح بعبقها على من حولها، رغم كل المتاعب والمثالب لتثبت للعالم أجمع أنّ الذبول أكذوبة لا تصدقها القلوب المنيرة ولا العقول البصيرة التي تتجلى أمامها أفاق الحق والحقيقة. فكلماتها كانت جلية حفية بالمكارم، حروفها تخرج من فيها الطيب، لتزيد المعاني رفعة ووضوحًا، وتكسبها جمالًا وفضلًا، وتكسوها شرفًا ونُبلًا... فكم أصاب كلامها كبد الحقيقة، وساهم في إيقاظ ضمير الأمة النائم، وقلب العصاة الهائم، وعقلهم الظالم! فبين منطوق لم يقصد، ومقصود لم ينطق؛ تضيع الكثير من الحقائق وتمحى وتختفي أمور جمة، نعم إنها حجر الزاوية في الحياة، إنها النور الوضاء، والمصدر المعطاء؛ الذي ينير دروب الحياة المظلمة السوداء. لقد كانت لأمة أبيها كقطرة غيث لأرض قاحلة... وكنجمة متلألئة، في ليلة موحشة داكنة... كان طيف وجودها يمنح الحياة والسكينة لمن حولها، فكم ارتاحت بحديثها نفوس بائسة، وكم تركت أثرًا في قلوب يائسة… وكم كانت مفزعًا للسائل، والمعتر وملجئاً للعائل والمعسر... لكن للأسف! لا جميل يبقى ولا ماضٍ يعود… فقد وقف التاريخ متحيرًا وأخذ يقول صادحًا ويصرخ نادبًا لقوم ارتحلوا وما ارتحلت مآثرهم ومناقبهم! وراح يضج عاتبًا لقوم بقوا وهم لا يوصفون سوى بالمثالب والمعايب… آه وألف آه لمن انهارت من بعد رحيلها الأكوان… وتحزنت بفراقها الأوطانْ… وثارت على ظلمها الأزمانْ… فسلامٌ على ضلعِها حينَ أنكسرْ سلامٌ على خدرِها حينَ أنسترْ سلامٌ على طفلِها حينَ أنعصرْ سلامٌ على دمعِها يومَ أنمهرْ سلامٌ على لحدِها يومَ انحفرْ سلامٌ على قبرِها يومَ أستُتر سلامٌ على قرة عين الرسول الزهراء البتول

اخرى
منذ 5 أشهر
258

أنفعُ المعرفتين

بقلم: دعاء الربيعي المعرفة: هي الإدراك والوعي وفهم الحقائق، وضدها الجهل، والمعارف أنواع وأفضلها وأجلها معرفة الإنسان نفسه التي بين جنبيه فهي انفع المعارف وأكرمها وأجلها وهي منتهى المعرفة وغايتها، وهنيئًا لمن ظفر بمعرفة نفسه ووقف على حقيقتها وأدرك ماهيتها وظفر بالفوز الأكبر… إنّ لمعرفة النفس أهمية كبرى في حياة الفرد المؤمن؛ لأن بها يعرف الإنسان ربه، فمن عرف نفسه عرف ربه، ومن عرف ربه عمل بالواجبات وانتهى عن المحذورات واستشعر العبودية لله تعالى، وهذا ما تصبو إليه النفس المؤمنة.. وهناك ارتباط وثيق بين النفس والحق، وإنّ الطريق الوحيد المؤدي للحق هو ضبط النفس، وهذا ما أشار إليه الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله) وآل بيته الأطهار (عليهم السلام) في أحاديثهم ورواياتهم، فإنّ المتتبع لها يجد أنهم قد أكدّوا وبيّنوا أنّ السبيل المؤدي والموصل لمعرفة الحق وبيان أمره، هو معرفة النفس، وأنّ مخالفتها تؤدي إلى موافقة الحق، والطريق إلى رضا الحق يكمن في سخط النفس، والدليل على وصل الحق هو هجر النفس، وأنّ عصيان النفس يوصل إلى طاعة الحق، وذكر الحق يتحقق في نسيان النفس، وقرب الحق يكون في التباعد عنها، وأنس الحق والاستئناس به لا يشعر به إلا من استوحش من نفسه، ولا يمكن للإنسان المؤمن أنْ يستوحش من نفسه ويصل إلى هذه الدرجة الرفيعة إلا بالاستعانة بالحق على النفس. فكم هو جميل أنْ يعمل المؤمن على تحصين نفسه ويحاول كبح جماحها وضبطها حتى يصل إلى أعلى مراتب الحق ويفوز برضا الله تعالى وبجنانه الخالدة، وهذه هي الأشهر المباركة تمر علينا بأيامها وساعاتها المباركة، فحريٌ بنا كمؤمنين وكباحثين عن الخلود الأبدي والسعادة السرمدية أنْ نسعى وبكامل جهدنا وطاقتنا على استحصال الخيرات المعنوية والبركات الإلهية والرحمات الرجبية في أيامنا هذه، ونحاول ضبط أنفسنا والسيطرة على شهواتها وغرائزها وإبعادها عما يرديها ويفتك بها ويسوقها نحو ما لا تحمد عقباه، فيا ربِّ أعِنا على الاستعانة بالحق وأذقنا حلاوته ووفقنا لما تحب وترضى.

اخرى
منذ 4 أشهر
198

السجين المُمتحن

بقلم: دعاء الربيعي بين جدران السجون وظُلَم المطامير، كان هناك صوتُ تراتيل منبثقٌ ينحدرُ من بين القيود الحديدية، متسلقًا أسوار السجن المُدلهمة، ليُسمعَ العالم أجمع أنَّ حبيس هذه الجدران هو الإمام المظلوم موسى ابن جعفر (عليهما السلام)، الذي حطّم ساعاتِ السجونِ الطويلة بسجدةٍ خاشعةٍ وركعةٍ طائعةٍ وآيةٍ نافعة. إنَّ قضية هذا العابد القديس لم تزل حبيسةَ التاريخ، فهناك من يجهل الكثير مما جرى على شهيد بغداد، فهارون اللعين لم يجد سوى حيلة السجون الاحترازية ليُخفي وهج الإمام عن مُحبيه، فاستعان بتلك الغرف المُظلمة الباردة؛ ليشتت القوى الموالية ويُبعدها عن قواعد الإمام الثابتة، فراح ينقلُ الإمام الكاظم من سجنٍ لآخر هادفًا إلى تغييب الإمام في مصير مجهول لا يعرفه أحد حتى من خاصته. ينقل لنا التاريخ أنَّ هارون بعد أنْ لمس الولاء الشيعي للإمام سارع بإخراجه من مدينة جده سرًا، ويُروى أنَّه جعل قبتين إحداهما سيّرها إلى الكوفة وأخرى إلى البصرة؛ ليُخفي مكان وجود الإمام ويُحيِّر شيعته، فحُبِس (صلوات الله عليه) في سجن البصرة فترة من الزمن حتى علم موالوه أنَّ الإمامَ موجودٌ في البصرة، وعلم هارون أنَّ هناك حركةً شعبية تعمل على تخليص الإمام من السجن؛ لذا أسرع بنقل الإمام الكاظم (عليه السلام) من سجن البصرة إلى سجن بغداد ليؤكد بفعله الشنيع هذا مدى مبالغته في إظهار حقده وتنكيله وضغينته لمحمد وآله (صلوات الله عليهم). وهكذا نُقل الإمام لسجن عيسى ابن أبي جعفر الذي أظهر تعاطفًا مع الإمام لما رأى منه، فكتب إلى هارون كتابًا يطلب فيه أنْ يُعفى عن سجن الامام لتحرّجه من ذلك، فنقل هارون الإمام من سجن عيسى إلى سجن الفضل بن ربيع فبقي عنده مدةً طويلةً، ثم نقله إلى سجن الفضل بن يحيى وقد أمر هارون بقتل الإمام لكن السجانين لم يمتثلوا لأمره؛ وذلك تقديرًا واحترامًا للإمام الكاظم (عليه السلام)، مما أدى إلى سخط هارون على الفضل وأمر بجلده ونقل الإمام إلى سجن السندي بن شاهك. وكان سجن السندي هي الرحلة الأخيرة التي استشهد عندها الإمام وذاق جرعته من السم الزعاف الذي أنهى حياته، فسلامٌ على من تطوف الأرواح في حضرته قبل الأبدان لتُعلن للعالم أجمع أنَّ قيود السلاسل وظلمة السجون لن تُخفي نور الشمس مهما جرى وأنَّ صوت الحق الصادح لن يخمد ولن يأفل ابدًا.

اخرى
منذ 4 أشهر
210

أيها المسبب الأول؟

بقلم: دعاء الربيعي قد يتساءل البعض: أيها المسبب الأول في انحراف الفئة الشابة: ضعف الوازع الديني أو غياب الرقابة الأسرية أو الاستخدام الخاطئ لوسائل التواصل؟ الجواب: الشباب هم أساس قوة المجتمع، فبصلاحهم يصلح ويزدهر، وبفسادهم ينهار وينكسر، لذلك يتوجب الاهتمام بالفئة الشابة وتنشئتهم تنشئة سليمة خالية من كل المؤثرات السلبية، إذ للبيئة التي يعيش فيها الشباب الدور الكبير في تحديد سلوكياتهم ومما لا شك فيه أنّ هناك الكثير من العوامل والأسباب التي تعمل منفردة ومتظافرة في انحراف الشباب عن الخط المستقيم، لذلك أجريت استطلاعاً للرأي حول أهم الأسباب التي تؤدي إلى انحراف الفئة الشابة من كلا الجنسين، فتم سؤال شريحة من طلاب البكالوريوس والدكتوراه والماجستير وعدد من التدريسيين لكلا الجنسين عن أي من هذه الأمور هي الأكثر تأثيرًا في انحراف الشباب من الفئتين: ضعف الوازع الديني أو غياب الرقابة الأسرية أو الاستخدام الخاطئ لوسائل الاتصال المتنوعة. وقد كانت أغلب الإجابات تؤكد على أنّ غياب الرقابة الأُسرية هي أساس تكوين الفكر الخاطئ لدى الشباب، وجاء بعدها الاستخدام الخاطئ لوسائل الإعلام والتواصل، وجاء ضعف الوازع الديني في المرتبة الأخيرة. وقد عقبت (أ.د. هيفاء عبد النبي) الأستاذة في قسم الفيزياء: أنّ الرقابة الأسرية هي الأساس في الحفاظ على الشباب من خلال التربية الصحيحة في وسائل الإعلام والتواصل مع الآخرين بشكل الصحيح. كما أكد بعض الأساتذة على أنّ الأسرة هي أساس البناء الصحيح لأي فكرة، حيث قال (أ.م.د. علي قاسم): إنّ وسائل الإعلام الآن أصبحت بمتناول الجميع وبدون رقيب ولا يتعدى ذلك إلى فئة الشباب وحسب بل حتى الأطفال الآن أصبحوا يستخدمون وسائل الإعلام بدون هدف معين وكذلك في بعض الأحيان بدون رقيب. بينما أكدت مروة الباروني -إحدى موظفات دوائر الدولة- أن ضعف الوازع الديني هو الأشد تأثيرًا لأنه يؤدي إلى الاستخدام الخاطئ لوسائل التواصل والإعلام على حد سواء، والدور الأسري وحده ليس كافيًا للردع فمثلًا قد تجد شخصاً مقيداً برقابة أسرية شديدة ولكنه يبحث عن الانفلات من هذه القيود والتوجه نحو رغباته إذا لم يكن هناك التزام ديني ينبع من داخله. وأخيرًا أقول: إنه مهما تنوعت أسباب الانحراف فكلها تؤدي إلى نتيجة واحدة ألا وهي: انجراف الشاب المسلم إلى ما لا تحمد عقباه، وعلى الأبوين تدارك الأمر في أقرب وقت للحيلولة دون تفاقم الأمور وخروجها عن السيطرة.

اخرى
منذ 4 أشهر
161

أهمية نصرة الحسين (عليه السلام) وضرورة مشاركة المرأة فيها/ الجزء الأول

بقلم: دعاء الربيعي مفهوم النصرة وأهميتها إنّ النصرة هي موضوعة ذات أهمية بالغة على كافة الأصعدة، وقد اهتم ديننا الحنيف بها وأولاها اهتمامًا بالغًا، وللنصرة أوجهٌ وأشكالٌ متعددة، منها نصرة الحق، ونصرة المظلوم، وغيرهما. وقد أكدت الشريعة الإسلامية السمحاء على جسامة النصرة من خلال الآيات والروايات، فقد ورد عن سيد البلغاء (عليه السلام) أنَّه قال: (إذا رأيت مظلومًا فأعنه على الظالم)1 وعنه أيضًا في وصيته للحسنين (عليهما السلام): قولا بالحق، واعملا للأجر، وكونا للظالم خصمًا وللمظلوم عونًا)2، وفي هذه الأحاديث وغيرها إشارة جلية وواضحة إلى أهمية نصرة المظلوم والوقوف معه بوجه الظالم المستبد. وبما أنَّ هذا البحث يتمحور حول الإمام الحسين (عليه السلام) ونصرته، وجب التأكيد على أنَّ سيد الشهداء هو إمامٌ مظلوم ثائر للحق ونصرته واجبة وحتمية على كلِّ موالٍ وموالية، وبلا شك أنَّ كتب الشيعة زاخرة بالكثير من الروايات التي تؤكد ذلك، منها ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنَّ ابني هذا - يعني الحسين- يُقتل بأرضٍ يُقال لها كربلاء. فمن شهد ذلك منكم فلينصره)3، كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: (إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) صاحب كربلاء قُتِل مظلومًا مكروبًا عطشانًا)4، وعن الإمام الحجة (عجل الله فرجه) أنَّه قال في زيارة الناحية المقدسة: (السلامُ على القتيل المظلوم السلامُ على المظلوم بلا ناصر)5 ومن هذه الروايات المباركة تنكشف لنا مظلومية الإمام الحسين (عليه السلام)، وذلك يحتم علينا أنْ ننصره وبكلِّ ما أوتينا من طاقات وإمكانيات، فعلينا أنْ نقف مع هذا المظلوم لنواجه الظالم. والنصرةُ لها وجهان: الأول هو عدم ترك المظلوم وضرورة الوقوف معه وإلى جانبه. والوجه الثاني: هو خوض المعارك ورفع السلاح بوجه الظالم والنزول إلى ميادين القتال لمواجهة الظالمين وصد الهجمات الشرسة ضد المظلوم وضد ما جاء به. إنَّ مجرد التعاطف مع المظلوم والبكاء عليه لا يكفي ولا يغني ولا يعتبر نصرةً حقيقةً، لذا علينا أنْ نكون من أنصار الإمام الحسين (عليه السلام) قولًا وفعلًا؛ وذلك بأنْ نكون مساندين له ولمنهجه القويم، وحتى لو أننا لم نشهد حربه ضد الباطل، لكن ما زال بالإمكان نصرة مولانا والذبّ والدفاع عن كلِّ ما أرساه وما أمر به، وكلّ ما خرج من أجله. فيتوجب علينا نحن شيعة آل محمد أنْ نقف بوجه أعداء الإسلام وأن نساهم في دحرهم وإفشال مخططاتهم الخبيثة التي يريدون من خلالها طمس الحقائق الحسينية، والابتعاد عن شريعة الباري (جلَّ في علاه). فالواجب يُحتم علينا أنْ نكرس أقلامنا وعقولنا لصدِّ الباطل ونصرةِ الحق وأهله، وحتى نتمكن من ذلك علينا أنْ نتعرف على مفهوم النصرة. النصــرة لغـــةً (الاستعانة والعون، ونَصره أي حالفه وعاهده وقوّاه، والناصر والنصير واحد)6 وأما اصطلاحًا فقد عرف أهل الاختصاص النصرة بــ(الغيرة الإيمانية التي تدفع المسلم لرفع الظلم عن أخية المسلم المستضعف)7. وتعرف النصرة أيضًا على أنَّها من أهم المصاديق التي يَختبر ويَحمص بها العبد ولاءه لمن يوالي ويحب، ففي النصرة يثبت الموالي حبه وتعلقه ووده وانتماءه لمنهج الرسالة الحقة المتمثلة بالعترة الطاهرة الزاكية، والدليل على ذلك هو ما جاء في خطبة الغدير المباركة التي لا زال صدها يدوّي في أذهان وأسماع الموالين والمحبين والمتبعين للخط العلوي، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (اللهم والي من ولاه وعادي من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله)8. وقد وجه الرسول (صلى الله عليه وآله) خطابه القيم في ذلك اليوم المشهود ليثبت ويُرسي القواعد والأسس التي سوف تسير عليها الأمة من بعده، ألا وهي اتباع المعصوم ونصرته أينما حلَّ وحيثما وجد، كما بيّن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) في خطابه المبارك أنَّ خذلان الإمام وترك نصرته أمر غير ممدوح أبدًا بل هو مذمومٌ، ومن يقدم عليه فسوف يكون مخذولًا من قبل الباري (عز وجل) الذي نص في كتابه الكريم على الحق ونصرته قائلًا: (وكان حقًا علينا نصر المؤمنين)9. وقوله (تعالى): (والله يؤيد بنصره من يشاء)10، وقوله (تعالى): (يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله )11 _____________ 1/ غرر الحكم 4068 2/ ميزان الحكمة ج2ص1780 3/ فاجعة الطف ص25 4/المنتخب الحسني ص 429 5/ المصدر السابق ص 776 6/ تاج العروس للزبيدي 1/3538 7/ هذه اخلاقنا لمحمود الخزندار 57 8/ مفاتيح الجنان /559 9/ الروم -47 10/ال عمران -13 11/الصف – 14

اخرى
منذ 4 أشهر
168

أهمية نصرة الحسين (عليه السلام) وضرورة مشاركة المرأة فيها/ الجزء الثالث

بقلم: دعاء الربيعي لا زال الحديث متواصلاً حول أهمية نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) وصورها، وتحدثنا عن النصرة بالأموال والنصرة باللسان، ونتحدث الآن عن النوع الآخر وهو : ج/ النصرة بالنفس: وهي من أعظم وأجل وأرفع مصاديق النصرة فإن الذي يضحي بنفسه في سبيل نصرة الدين فهو صادق في إيمانه كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّه أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)) (1) وخير مثال على أولئك الصادقون المؤمنون هي السيدة أم وهب التي حباها وشرفها الله ورزقها الشهادة مع إمام زمانها فشاءت إرادة الباري (عز وجل) أن تكون بصحبة زوجها اثناء توجهه للقتال مع الإمام الحسين (عليه السلام) فكانت نِعمَ الزوجة التي تعين زوجها على أداء حقوق الله فشجعته وآزرته وقدمت له الدعم المعنوي الذي يساعده على قتال الأعداء فيروي لنا التاريخ أنها لما رأت زوجها قد أصيب في يده اليسرى أرادت أن تواسيه وتهون ما نزل به، فأخذت عمود خيمتها وصدحت قائلة: (فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمد (صلى الله عليه واله) فأقبل زوجها عبد الله يردها نحو النساء لكنها رفضت وقالت له: إني لن أدعك دون أن أموت معك. فتوجه نحوها الحسين (عليه السلام) فدعا لها وطلب منها الرجوع نحو النساء، لأنه ليس على النساء قتال، فانصاعت أم وهب لقوله ورجعت إلى الخيمة. ولما قتل زوجها خرجت نحوه وجلست عند رأسه تمسح عنه التراب وهي تقول له : هنيئا لك الجنة . وأسال الله أن يلحقني بك ، فقال الشمر لغلامه رستم : اضرب رأسها بالعمود ، فضرب رأسها فشدخه فماتت مكانها) (2) ومن احداث هذه الرواية نفهم ان تلك السيدة الجليلة ابت الا أن تكون ناصرة لإمام زمانها فهي لم تحزن ولم تقنط عندما شاهدت مصرع زوجها بل كانت تتمنى الشهادة معه حتى أنها دعت الله تعالى أن يرزقها الشهادة مع إمام زمانها فاستجاب الله تعالى لدعاء هذه السيدة ورفع الله روحها مع ارواح شهداء الطف الأبرار فهنيئاً لها هذا الموقف البطولي المشرف الذي خدمت به إمام زمانها... وحري بنا نحن النساء أن نحذو حذوها ونكون مستعدين لنصرة إمام زماننا بالنفس كما فعلت أم وهب (رضي الله عنها). والملفت للنظر أن أبا عبد الله (عليه السلام) استطاع أن يختار لنهضته الشريفة من أهل بيته وانصاره من لا يتراجع عنها بعد أن اقتنع بها ، وكان بوسعهم التراجع في أي وقت أرادوا. لكنهم آمنوا بقيادته، وسلّموا لما يقرره حتى النفس الأخير، مع قوة في البصيرة، ومزيد من السرور والشعور بالفوز والسعادة. وقد آمنوا بمشروعه كما آمن هو (عليه السلام) فسلام عليهم وعلى أرواحهم وأجسادهم الطاهرة. د/ نصرة الحسين بأحياء قيمة التي ثار من أجلها: إن حركات التاريخ تنقسم إلى قسمين: الأولى: الحركات التي ترتبط بأوضاع آنية محدودة مؤقتة. كأن تكون مشاكل سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية ومن أجلها تنهض حركة من الحركات وتحاول أن تغير الواقع القائم، ومن الطبيعي أن هذا النوع من الحركات ينقضي بانقضاء وقته وتتحول إلى حادثة من حوادث التاريخ. الثانية: الحركات التي ترتبط بقيم إنسانية عامة. فهنالك مجموعة من القيم الإنسانية العامة وهذه القيم لا ترتبط بمكان معين أو زمان معين أو ظرف خاص وإنما يحتاج اليها الإنسان دائما وأبدًا، مثل القيم الإنسانية المتمثلة بقيمة العدل، قيمة الحرية، قيمة الكرامة، قيمة الوفاء، قيمة التضحية، قيمة العبادة قيمة حب الله تعالى وحب عبادته تعالى، هذه القيم دائمة يحتاجها الإنسان في كل عصر. التاريخ البشري كله لم يشهد ولن يشهد حركة ثورية تاريخية كبرى مثلت القيم الإنسانية بأعلى دراجات التمثيل كحركة الإمام الحسين (عليه السلام) ففي هذه الحركة التاريخية نجد أنّ القيم الإنسانية والقيم الإلهية تمثلت، لذلك خلدت هذه الحركة وخلدت صاحبها إلى يومنا هذا، واحدى قيم عاشوراء المحورية هي قيمة الحرية، فالنظام الأموي كان يعامل الناس كعبيد وكصير من الناس للأسف قبلوا بهذا الوضع وخضعوا له وذلك لضعفهم وقوة السلطة آنذاك، لكن مولانا أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) أبى أن يسلم نفسه ودينه لهذه السلطة الجائرة ورفض العبودية لهم، وقدم بثورته المباركة دروسًا في الحرية لكل الأجيال، فالإمام الحسين (عليه السلام) خاطب ذلك الجيش في يوم عاشوراء وقال لهم: (ان لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا احرارا في ديناكم ) (3) هذه الحرية التي تمثلت في قضية عاشوراء وتمثلت في أصحاب سيد الشهداء الأوفياء، ونجد هذا الخط التاريخي لا زال عند الشيعة الموالين والمحبين والسائرين على خط سيد الشهداء (سلام الله عليه) وخط الحرية والتحرر من سلطة الظالمين وهذا أثر من آثار تلك النهضة المباركة. أما القيمة الثانية التي مثلتها ثورة الحسين (عليه السلام) فهي قيمة: المساواة، التي لم تستطع البشرية أن تحققها إلى يومنا هذا، فهي حلم الشعوب من الأزل، لكنها تجسدت في تلك النهضة المباركة وفي يوم عاشوراء، فالإمام الحسين (عليه السلام) مشى إلى سبعة أفراد بعد مصرعهم من بني هاشم وأربعة من الأصحاب واحد منهم العباس والثاني القاسم والثالث مسلم ابن عوسجة والرابع الحر بن يزيد الرياحي والخامس جون مولى أبي ذر هذا العبد الأسود أحد حواريي سيد الشهداء، وقف الإمام على مصرع جون ودعا له وقال: (اللهم بيض وجهه وطيب ريحه واحشره مع محمد (صلى الله عليه واله9 وعرف بينه وبينه وبين آل محمد (صلى الله عليه واله)) (4) والسادس علي الأكبر والسابع وهو واضح الغلام والعبد، حيث مشى إليه الإمام الحسين (عليه السلام) ووقف عند جسده واحتفى به بنفس الطريقة التي احتفى بها على جسد ابنه علي الأكبر، ويتضح لنا أن الإمام (عليه السلام) لم يفرق بين أصحابه وأهل بيته ساوى بينهم ولم يميز أحدهم عن الآخر ومثّل في ثورته أسمى صور المساواة والعدالة الإنسانية، ومن هنا علينا أن نسعى جاهدين لإحياء قيم الحسين (عليه السلام) التي ثار وخرج من أجلها فإذا استطعنا نحن النساء أن نرسي هذه القيم في أُسَرنا ومجتمعنا، فإننا نكون بذلك قد نصرنا الحسين (عليه السلام) وساهمنا في إحياء أمره وإعلاء كلمة الحق التي نهض من أجلها. وهناك الكثير من القيم العاشورائية التي يجب أن تحط رحالها بيننا وفي مجتمعنا حتى ننعم بحياة آمنة مطمئنة. _________________________ 1/ الحجرات / 15 2/ إبصار العين في أنصار الإمام الحسين / لمحمد السماوي /ص227 3/ بحار الانوار للمجلسي/ ج45. ص 51 4/ إبصار العين لمحمد السماوي / ص 176- 177

اخرى
منذ 4 أشهر
165