دعاء الربيعي

في حضرة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)

بقلم: دعاء الربيعي من بين جدران الزنزانات الهارونية التي كانت تفوح منها رائحة الحقد على محمد وعترته الطاهرة، كان هناك صوت حق ينبعث على وقع رنات القيود يخطف أسماع العالم أجمع، صوت يصدح بالحق ويجهر بحمد الله وذكره، حطم ذلك الصوت أسوار الباطل، وتحدى جدران القصور العباسية العالية، وقهر القلوب القاسية الجاحدة لفضل الرسول وآله، لقد شكّل صوت الصدق هذا خطرًا محدقًا على العرش الهاروني المتهاوي الذي بنى مجده وأسس دعائمه من دماء المظلومين المضطهدين، وكان لا بد أن تُكتم أنفاس هذا الصوت الشجي، وتُخمد صرخة الحقيقة التي أعلنت تصديها للباطل وأهله مهما كلف الثمن ومهما كانت النتائج، فتركت تلك النفس الأبية زخرف الدنيا وزبرجها ورضت بغياهب السجون وظلم هارون وبعدت عن الموالين المحبين، من أجل تثبيت أركان التوحيد وتنقية العقيدة من الشوائب والأفكار الضالة المنحرفة التي تطال مذهب التشيع، فتصدى لها الإمام موسى بن جعفر (سلام الله عليه) وحاور تيارات الإلحاد والزندقة ليثبت أركان التوحيد ويبطال زيف أهل البدع التي أخذت بالانتشار في ذلك الزمان، وبحواره وأدلته المقنعة اثبت للمجتمع أحقيته في التصدي للخلافة الإلهية، وأنه امتداد لرسول الإنسانية محمد وعترته الطاهرة الذين استخلفهم الله في أرضه وجعلهم حججًا على عباده. احتار هارون في هذه الشخصية العظيمة وأراد التخلص منها بأي شكل من الأشكال، فلم يجد غير السجون حلًا لهذه المشكلة، فراح ينقل الإمام من سجن لآخر كي يطفئ شعلته ويخمد نوره الوضاء الذي اجتاح العالم أجمع وأسر قلوب الملايين من المحبين المخلصين لهذا الإمام المعصوم. ولم يكد هارون يقر له قرار حتى نقل الإمام موسى بن جعفر من سجن البصرة إلى سجن بغداد ليضل تحت عينه ويشدد الرقابة عليه واختار له مجموعة من السجّانين ومنهم السندي بن شاهك هذه الشخصية التي توصف بأنها اسوأ عنصر في البلاط العباسي، وكان حريصًا على ظلم واستئصال معارضي النظام العباسي ولا سيما الموالين لمذهب محمد وآله، فقد تولى سجن الإمام (روحي فداه) في أحلك الظروف وأشدها قسوة على الشيعة، وقد نصب السندي العداء للإمام الكاظم (عليه السلام) وأظهر من الحقد والقساوة ما لم يظهره السجانون قبله. فيروي لنا التاريخ أن سجّاني الإمام الكاظم اظهروا تعاطفًا واحترامًا واضحًا لمنزلة الإمام ولجميل ما رأوا منه، أمثال عيسى بن أبي جعفر الذي طلب من هارون إعفاءه عن سجن الإمام وكان نص رسالته (أن خذه مني وسلمه إلى من شئت، وإلا خليت سبيله فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجة، فما أقدر على ذلك، حتى أني لأستمع عليه إذا دعا، لعله يدعوا عليّ أو عليك فما أسمعه يدعوا إلا لنفسه، يسال الرحمة والمغفرة). وكذلك فعل الفضل بن ربيع والفضل بن يحيى فقد اعتذروا من سجن الإمام وإلحاق الأذى به فقد طلب إليهم هارون قتله مرارًا وتكرارًا إلّا أنهم أبوا أن يقدموا على هذا الأمر. فكّر هارون (عليه لعائن الله) بسجان ذي قلب قاس يكره آل البيت ويحب الحاق الأذى بهم فاختار تلك الشخصية اللعينة التي أودت بحياة كاظم الغيظ (عليه سلام الله)، ومن الجدير بالذكر أن هناك الكثير من الشخصيات التي تعاطفت مع الإمام الكاظم وأذعنت لشخصه العظيم ومقامه الرفيع ومنزلته العالية لدى الباري (عز وجل) ومن تلك الشخصيات هي أخت السندي بن شاهك، هذه المرأة التي صدحت بصوت الحق وهتفت باسم الإنسانية قائلة: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل، فقد روى لنا المؤرخون أن أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) حُبس عند السندي، فسألته أخته أن تتولى حبسه وكانت تتدين ففعل، فكانت تلي خدمته فحكي أنها قالت: كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجّده ودعاه، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل، فإذا زال الليل قام يصلي الصبح ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة فكان هذا دأبه ، فكانت أخت السندي إذا نظرت إليه قالت: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل. كما أن زبيدة زوجة هارون العباسي التي كانت مطّلعة وعن قرب على حياة الإمام الكاظم وعلى زهده في الدنيا ورغبته في الآخرة فيروى أن لزبيدة مجموعة من الجواري والغلمان ينقلون لها سيرة الإمام وهو في سجن هارون فتأثرت بالإمام وأقتحم قلبها حبُّه واتضحت لها أحقيته في الإمامة وأنه خليفة الله على أرضه، وقال عنها الشيخ الصدوق في المجالس: (أنها-أي زبيدة - كانت من الشيعة). كذلك جارية هارون التي ادخلت على زنزانة موسى بن جعفر، فهي أيضًا ممن أُصبن بالذهول والتعجب من حال الإمام وعبادته، حيثه يروى أن هارون انفذ إلى الإمام موسى بن جعفر جارية خصيفه لها جمال لا يوصف لتخدمه في السجن، فقالت له: يا سيدي هل لك حاجة أعطيكها؟ قال: وما حاجتي إليكِ، وأراها روضة مزهرة ليس لها حد فيها مجالس مفروشة وحور لم ترَ مثلهم من قبل وفي أيديهم الأباريق والمناديل ومن كل الطعام، فلما رأت ذلك خرت ساجدة خاشعة ترتعد وترتجف من عظيم منزلة هذا السجين المظلوم المضطهد فأذعنت لخالقها وتابت لله وصارت من المؤمنات الطاهرات التي شهد لهن التاريخ بالحق فهن اهتدين للحق على يد الإمام موسى بن جعفر وقد تأثرن بحياة هذا الرجل العبادية فاعتنقن مذهب الشيعة الإمامية وصرن من المواليات المؤمنات بإمامة الأئمة الهداة من ذرية محمد (صلى الله عليه وآله)... وما جرى لتلك المؤمنات هو خير دليل على إن سيرة الإمام الكاظم وحياته المؤلمة هي محطة ضياء لكثير من الأحرار ومنها يستلهم الخلق والدروس والعبر وبهم يحصّنون أنفسهم من نيران جنهم ، فهنيئاً لمن اتخذت من سيرة الإمام الكاظم شعلة تنير بها دروب الحياة المدلهمة. فحري بنا نحن شيعة الإمام موسى (عليه السلام) ومحبيه أن نقتدي بهذه الشخصية العظيمة التي واجهت المحن والصعاب بكل قوة ورباطة جأش ولم تذعن وتستسلم للطغاة الذي يحاولون النيل من المقدسات والمعتقدات الدينية فعلينا أن نحتذي بمولانا الكاظم (عليه السلام) الذي اتخذ من قيوده وسلاسله مشعلًا ليتحرر من ظلم طاغوت عصره هارون العباسي، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

اخرى
منذ 5 أشهر
329

أين الرجبيون؟

بقلم: دعاء الربيعي افتتحت زهراء حديثها من زميلتها صفاء بقولها: (خاب الوافدون على غيرك وخسر المتعرضون إلّا لك) غاليتي صفاء، تلتمسين العذر مني ولا تلتمسيه من الله ونحن في شهر الرحمة رجب؟! صفاء: أجل منك أطلب المعذرة لأنني أخطأت في حقك وأسأت الأدب معك. زهراء: سامحتك، ولكن اطلبي العفو من الله لأن الباري (جل وعلا) أحق بالرضا مني، وارجعي لنفسك وانظري إلى ما اقترفتِ من ذنوب وخطايا، حملتِ بها نفسك المسكينة وأثقلتِ عليها، وسوف يطول وقوفها بين يدي الله في عرصات القيامة، صدّقيني أُخيّتي، جُلُّ ما أطلبه هو رضا الباري عنك، فنحن في أيام شهر رجب، وليس من الجميل أن يكون العبد غارقًا في الموبقات والمحرمات بدل أن يشغل نفسه في طاعة الله ورضاه. صفاء: جميل ما تحدثتِ به، لكنه ليس سهلا أبدًا، فمن أين أبدأ ومن أي ذنب أتوب وكيف يلهج لساني بالاستغفار والدعاء وقد تعوّد على قول المنكر من الحديث؟ فشهر رجب هذا إنما هو للطائعين العابدين لله وليس للمذنبين امثالي! زهراء: ومن قال ذلك؟! بل العكس تمامًا، أمَا سمعتِ هذه الآية المباركة التي فيها بشرى لكل عبد موحد لله (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.) وكذلك أحاديث الرسول وآل بيته (صلوات الله عليهم) فقد روي عنه أنه قال في فضل شهر رجب هو الشهر الأصب: يصب فيه الرحمة على من عبده إلا عبدا مشركًا. (وفي حديث آخر عن أحد الصالحين أنه قال لأحد عباد الله المذنبين: يا عبد الله، رجب ليس للعرفاء... رجب للغرقى، أما العرفاء فكل عامهم رجب) صفاء: حسنًا، ولكن من أي الأعمال أبدأ وأي المستحبات أؤدي؟ وكما تعلمين أن وقتي محدود ولدي التزامات كثيرة. زهراء: أولًا هناك الكثير من المستحبات الرجبية الخفيفة فعلاً والكثيرة أجراً، وثانيًا لابد لك عزيزتي أن تهيئي بعضًا من الوقت لكسب مرضاة الله وطلب مغفرته، فمشاغل الحياة لا تنتهي، لكن العمر ينقضي وساعات الحياة في نقصان، كما يقول الإمام الحسين (عليه السلام) (يا ابن ادم إنما أنت أيام، كلما مضى يوم ذهب بعضك) وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى ضرورة أن يجِدَّ الإنسان ويجتهد لنيل الأجر الأخروي الباقي ويترك الأجر الدنيوي الفاني بجملة من الأحاديث منها: (أنك مخلوق للآخرة فاعمل لها، إنك لم تخلق للدنيا فازهد فيها، استفرغ جهدك لمعادك تصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، من جعل كل همه لآخرته ظفر بالمأمول). فعليك اختاه أن تلتزمي بذلك إذا أردتِ التوبة حقًا. أما سؤالك عن أعمال شهر رجب فهي كثيرة أهمها الاستغفار فعن الصادق (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رجب شهر الاستغفار لأمتي فأكثروا فيه من الاستغفار)، والاستغفار عزيزتي لا يحتاج إلى بذل جهد فباستطاعتك أن تلهجي به في كل الأحوال. والعمل الآخر هو الدعاء، فهناك الكثير من الأدعية في بطون الكتب المعتبرة المذكور فيها خصوصية الدعاء في شهر رجب، كذلك الصلاة والصيام، فلِأيام شهر رجب صلوات خاصة ولكل صلاة كيفية وأجر عظيم لامثيل له، وللصيام أجر يفوق كل الأجور، فعن رسولنا محمد (صلى الله عليه وآله) قال: (ألا فمن صام يومًا من رجب استوجب رضوان الله الأكبر وابتعد عنه غضب الله، وأغلق عنه باب من أبواب النار) كما أن للصدقة ثوابًا جزيلًا في هذا الشهر المبارك، وهناك الكثير من الأعمال المندوبة في هذا الشهر يمكنك مراجعتها في الكتب الخاصة، اسأل الله أن يوفقك لمرضاته. صفاء: لا اعرف كيف اشكرك عزيزتي (زهراء) على كل ما قدمتيه لي من نصائح وتوجيهات تنقذني من بحور الغفلة التي كنت غارقة فيها، هنيئاً لك هذا الاخلاص لله، وهنيئاً لي هذه الصحبة، سبحان مسبب الأسباب، اليوم قرأت منشوراً عن الصحبة وكان فيه حديث لم افهم معناه ولم احط بمبتغاه وهو (خير إخوانك من دلّك على هدى وأكسبك تقى وصدك عن اتباع الهوى) وها أنا الآن فهمت المراد. زهراء: الشكر لله وحده، لأنه أتاح لي الفرصة للحديث معك وإرشادك إلى سبيل الحق، ما أجمل أن تكون صحبتنا لله وفي الله. اسأل الله أن يجعلنا ممن تُقبل تَوبتهم وتُستجاب دعوتهم وتُغفر خطيئتهم ويُنادى بهم يوم القيامة من بطنان العرش... أين الرجبيون؟

اخرى
منذ 6 أشهر
429