معهد تراث الانبياء عليهم السلام للدراسات الحوزوية الالكترونية

مدونة الكفيل للتدوين الالكتروني

احدث التدوينات

لماذا عليك أن تكون أنساناً؟

منذُ صِغَري أرى الشرور في العالم، وأتساءل: لماذا يجب على الأنسان أن يستقيم؟ لماذا عليه أن يتمسك بإنسانيَّته؟ منذ أن خُلِقَ الإنسان وقد أختارَ أَنْ يتركَ طريق الحق، وجدت الشرور في هذا العالم، من أنانية وكذب وانعِدام الرحمة.. وغيرها من الصفات التي من شأنها أن تجعل الفرد مجرَّداً من إنسانيته.. ولِدنا ورأينا بأعيننا إلى أي مدى يمكن أن يصل الفرد من انعدام الإنسانية في نفسه.. كل هذا يجعلني أتساءل في قبال ذلك: ما هو الدافع الذي يجعل الفرد ملتزماً بالأخلاق الحسنة؟ لماذا عليه أن يسمو بنفسه ليكون إنساناً؟ هل هو مجرد شعور فطري؟ أو هو بفعل التربية، أو قانون المجتمع، أو أمر السماء؟ وأثناء بحثي عن الإجابة، رأيت مشاهد ومواقف بينت لي ما كنت أريد.. حيثُ كنتُ أراها بوضوحٍ في أعينِ يتيم فقد أحد والديه أو كلاهما.. في دمعةِ أُمٍ فقدت ولدها.. في اشتياق زوجةٍ فقدت زوجها، لعله خرج ليعمل او يشتري طعاما لعائلته، لكن تلقفّتهُ يد الشر فلم يعد! وفي بيتِ فقير ليس فيه من الطعام، ولا من مقومات المعيشة من شيء، وترى فيه أماً مجاهدة تصبِّرُ أولادها، وأباً قد أخذَ منهُ الدهرُ مأخذاً حتى جلسَ في زاوية البيت متحيراً كيف يطعم أهله؟! رأيتُها في قلب أبٍ يحترقُ من حسراته على ولدهِ الذي ربّاه، سهر الليالي وعمل أياماً طويلة حتى يراه شاباً ليعينه في كِبرِ سِنّهِ، فإذا بهذا الولد يأخذُ بيد أبيه ليرميه في دار المسنين، ويتخلص من مسؤوليته، وقد نسيَ أن هذا الأب قد أفنى عمره في تربيته، وهذه اليد طالما مسحت على رأسه بعطف وهو نائم من دون أن يشعر.. عندما رأيتُ كل تلك المشاهد القاسية وغيرها مما لا يُعدُ ولا يُحصى.. علمتُ لماذا على كل فرد أن يكون إنساناً.. لأنك إذا ما اخترت أن تتجرد من إنسانيتك ولو بالقدر القليل، فستكون ظالماً لنفسك ولغيرك.. لأنك شئتَ أم أبيت، لديك روح متعطشة للشعور بالمحبة والخير، فما إن تنحرف عن مساركَ الطبيعي(تكرهُ أحداً او تظلمُ نفساً) فإنها ستحاربك من الداخل، ولن تعيش بسلام أبداً.. كما أنك ستجعل غيرك يعاني من ظلمك، وليس لك أي حق في ذلك!! فاعمل جاهداً أن تحافظ على إنسانيتك، وصلاحك.. وما أجملَ شعور الصلاح! لعلكَ رأيتَ الصالحين كيف تعلو وجوههم الابتسامة اللطيفة، فترتاحُ لهم الأنفس وتنجذب القلوب.. لأنهم اختاروا أن يكونوا في قمة الإنسانية. (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) نقاء

منذ 3 أيام
169

يتصدر الان

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

منذ 4 أشهر
3699

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

منذ 4 أشهر
2363

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

منذ 8 أشهر
2113

الطفل في المهد هو مشروع رجل المستقبل

إذا كان فلاسفة التربية الحديثة يجعلون الطفل ورقة بيضاء فإن الامام علي (عليه السلام) يجعله كالأرض ولاريب أن الامام كان أكثر عمقاً. ذلك لأن الورقة البيضاء تفتقر إلى عناصر البناء في حين أن الأرض تختزن عناصر الحياة فالطفل عندما يولد تكون فيه مثل هذه العناصر الحياتية ويكون لديه استعداد طيب للتفاعل مع محيطه، وبما أن محيطه الأول هو الأسرة لذلك يبدأ الإسلام على مستوى هذه الأسرة التي يتسلم زمامها بالدرجة الأولى الرجل على أساس أن القيمومة بيده شرط أن لا تكون صلاحيته مطلقة بل تكون مقيدة بما يفرضه عليه الشرع من حسن المعاشرة والعدالة والإحسان والرأفة والرحمة في عالم الاسرة، ومنه نعلم أن القيمومة للرجل ليس فيها انتقاص من دور المرأة. ولعل دور المرأة في الأسرة أخطر وأهم من دور الرجل؛ نظراً لضخامة المسؤوليات التي ينبغي لها أن تنهض بها، لا سيما أنها في بيتها ملكة غير متوجة لهذه الخلية. إن أول موضوع تربوي يهتم به الإسلام في باب تكوين الأسرة، بل ويعطيه الأولوية من حيث الأهمية هو اختيار الزوجة الصالحة التي سوف تصبح أماً وحاضنة لأولاد المستقبل. فيشير عليك ب(إذا أردت أن تخطب لنفسك فانظر أين تضع نفسك) حتى تكون الذرية صالحة، لأن المرأة التي تهز المهد بيمينها هي تهز العالم بشمالها… إن هذا الموجود الذي تراه طفلاً هو في حقيقته مرآة المستقبل. قد يتبوأ مناصب عالية يقود مجتمع واجيال، فإذا كان طيباً شمل خيره كل الناس. وإذا كان خبيثاً نشر الدمار والخراب في مجتمعه. لذلك يجب أن نعطي مسألة التربية كل اهتمامنا وأولوياتنا؛ باعتبار أن الطفل ليس مجرد ولد صغير أنت تقوم على تربيته كيفما دارت الأحوال. وإنما هو جرم صغير انطوى فيه عالم كبير من النظريات التي ستكون يوماً ما واقعاً ملموساً. وعلى هذا الأساس تكون مسؤوليتنا جسيمة أمام الله وأمام المجتمع. فانظر أين تضع نفسك. الإسلام والتربية: كل من طالع تاريخ الإسلام يجد أنه وخلال قرون قليلة استطاع أن يقدم إنجازاً حضارياً من الطراز الأول في بناء الإنسان… وبالتالي في بناء المجتمع وإقامة الحضارة الإنسانية الإسلامية… التي أنارت للبشرية دروبها ومسالكها ومعالم حياتها في شتى مجالات الحياة ولقرون متمادية، قبل أن يصاب بالانتكاسة السياسية والاخلاقية لأسباب ليس هذا محل ذكرها… وبتأمل قليل نجد أن الفضل في تقدمه وتطوره ذلك يعود إلى أسباب عديدة من أهمها مناهجه التربوية الصحيحة والخلاقة… إن الإسلام يرى أن المجتمع يتكون من أفراد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) سورة الحجرات. ويتم التكاثر تحت ظل قانون سماوي هو الزواج الشرعي. ويرى أن السلوكيات الخارجية تمثل أرضية للمستقبل… فإذا زرعت فيها ورداً فسوف تجني منها الورد… وإذا غرست شوكاً فلن تحصل منها على الليمون… والطفل يمثل الحلقة الأولى في تلك السلوكيات… لذلك لابد من النظر إليه على هذا الاساس، وعلى المجتمع أن يعي هذه الحقيقة…. فالدين الإسلامي يعطي للتربية أولوية قصوى... وله في ذلك منهج اعتمده الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام) . ولخّص ذلك الموقف بقوله: صلى الله عليه واله :(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) إن جوهر الرسالة المحمدية هي التربية والأخلاق بما يتضمن ذلك من بناء الإنسان نفسياً وروحياً واجتماعياً. ومن الواضح أنه يترتب على هذا المنهج إمكانية الأمر والنهي والأحكام والفصل في أمور الحياة... مما فرضه الإسلام على اتباعه. ومن خلال البحث نجد أن أولوية التربية مرتبطة بموقف فلسفي يتلخص بأن للرسالات والتشريعات والعلوم محوراً اساسياً هو الإنسان. فالإسلام يتوجه للإنسان من دون المخلوقات الأخرى لأن له دوراً في الحياة والعلوم والتشريعات والقوانين، فكل هذه المفاهيم مرتبطة دائماً بالإنسان ولا شيء غيره. فلا تنحصر مسؤولية الآباء في توفير المعيشة المادية للأطفال، بل إن مسؤوليتهم تبدأ بتربيتهم تربية إيمانية صالحة؛ فأن تاديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الاهتمام باحتياجاتهم الجسدية رغم أهميتها. يقول الإمام عليه السلام (ما نحل والد ولداً نحلاً أفضل من أدب حسن) (1) وعنه (عليه السلام): (لاميراث كالأدب) (2) إن فطرة الإنسان من منظار قرآني وروائي تتقبل الإسلام وكل مايتعلق به من تشريعات. ومعنى ذلك أن الإسلام وتفصيلاته وقوانينه هي اشياء مقبولة في أصل وفطرة وأعماق الإنسان. وهذا يعني أن انحراف الإنسان عن تلك الفطرة لا بد أن يكون له أسبابه الواقعية الخارجة عن ذات الإنسان. ومن تلك الأسباب تقصير أبويه في الطفولة وسوء تعامل أساتذته في الصبا ورداءة المحيط الاجتماعي الذي يعيشه. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) )سورة الروم وهو ما يشير إليه الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطره حتى يكون ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه) إن كل طفل يولد على أساس الفطرة الاسلامية، أي أنه يولد طيب النفس طاهر الروح نقي القلب محباً لعبادة الله تعالى، فإذا انحرف فيما بعد عرفنا أن ثمة أسباباً كانت وراء انحرافه، كأن يكون أبواه قصّرا في طهارة نطفته التي تكوّن منها بتناول الزاد الحرام، أو ممارسة الفعل الحرام وبما غذّياه الحرام أو سقياه الحرام بعد الولادة او رآهمها يفعلان ما لا يحسن أن يراه منهما عند بداية إدراكه فتأثر بهما واقتفى ما ليس له به علم من فعلهما، وكأن يكون قد رافق رفقاء سوء فأوحوا إليه من الأفعال ما جعل منه بعيداً عن تلك الفطرة. من هنا، تتبين أهمية ما نبهنا (عليه الإسلام) في تربوياته من أهمية دور الأبوين والمحيط الأسري والاجتماعي في تربية الطفل ورسم سلوكه المستقبلي. وأن كل من يُقَصِّر في دوره الملقى عليه في التربية، فإنه سيلاقي نتيجة تقصيره في عاجل الدنيا أو آجلها. لقد ذكر العلامة المجلسي في كتاب(حلية المتقين) بعضاً من الروايات التي تتطرق إلى هذه المواضيع ومنها، قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)(الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه) إن الإسلام وضع نُظُماً وحدوداً وقوانين تقف حائلاً دون ظهور نسل فاسد وناقص جسمياً ونفسياً. وإذا طبقت هذه القوانين قَلّتْ هذه الانحرافات والخلافات الشرعية والأخطاء. فإذا أحسن الأبوان التربية قلّ ظهور الأولاد المنحرفين... وكذا لو توفّرت الظروف الاجتماعية والثقافية التي تتناسب مع الفطرة الإنسانية. عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) (3) فليست تربية الأطفال واجباً وطنياً وإنسانياً فحسب، بل إنها فريضة روحية مقدسة وواجب شرعي لايمكن الافلات منه. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسوؤلية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشأة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) (ويجب للولد على والده ثلاث خصال : اختياره لوالدته وتحسين اسمه والمبالغة في تاديبه) (4) ويمكن أن نفهم من هذا الحديث أن تأديب الولد حق وواجب في عاتق أبيه. ولذلك تجد أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يُعلِّمنا أن ندعو الله عز وجل ليعيننا على أداء هذه المهمة. لكن ومع الأسف أن الواقع في كثير من الأحيان يختلف عن هذه التعاليم، ما أكثر الأمهات اللاتي يُعلّمنَ أطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الأهوج منذ الصغر. فيظل الأطفال مأسورين لتلك الأخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم . وما أكثر الآباء المجرمين اللذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية ويصطحبون أطفالهم إلى مجالس اللهو والعبث، ويرتكبون الأفعال القبيحة أمام عيونهم. وعلى أية حال فشقاوة وسعادة الأبناء ترتبط ارتباطا كبيراً بالأب والأم… التربية بعد الولادة: تؤثر على السعادة البشرية عدة عوامل يسميها بعض العلماء بمثلث مؤثرات الشخصية، وهي الوراثة والتربية والمجتمع. ولكن الملاحظة المهمة هنا هي أن أهمية التربية قد تتجاوز أهمية الوراثة والمجتمع إلى درجة أن بإمكانها أن توقف قانون الوراثة وتأثير المجتمع إلى حد ما فتتغلب عليهما إلّا في الموارد التي تكون الصفات الوراثية ذات طابع حتمي (أي لايمكن أن تتغير في الطفل مهما كانت العوامل الأخرى قوية أو كان ضغط المجتمع يتجاوز الحدود الطبيعية) وفي الحقيقة فإن معاملة الأبناء فن يستعصي على كثير من الآباء والأمهات في فترة من فترات الحياة، وكثيراً ما يتسائل الآباء عن السبل الناجعة للتعامل مع أبنائهم. إن أطفالنا جواهر، ويمكننا تربيتهم والحفاظ عليهم حسب ما رفدنا به الإسلام من نظم وقوانين، ولكن المفارقة هنا هي أن الكثير من الآباء هم الذين يحتاجون إلى توجيه قبل الأبناء. ولذلك يمكن أن نتجرأ ونقول بأن هناك الكثير من الأولاد إنما جاء فسادهم من خطأ الأباء في تربيتهم وإهمالهم وترك تعليمهم الطريق الصحيح. لقد أثبت الباحثون بشكل قاطع تأثير السنين الأولى من العمر على حياة الإنسان المستقبلية، فإحساس الولد بنفسه يأتي من خلال معاملتك له. فإن أنت أشعرته أنه ولد طيب وأحسسته بمحبتك فإنه سيكون عن نفسه فكرة أنه إنسان طيب مكرم، أما إذا كنت قليل الصبر معه وتنهال عليه باللوم والتوبيخ ليل نهار فإنك ستشعره بأنه (ولد غير طيب ) وربما ينتهي الأمر به إلى أمراض نفسية كالكآبة والإحباط أو التمرد والعصيان. لا بد أن نعرف أن هناك فرقاً بين ذات الإنسان وسلوكه، فذاته مكرّمة وعظية، أما السلوك فقد ينحرف عما رسمه الشرع والعقل له، وعلينا أن نوصل هذه الفكرة للطفل، ونوحي له بأن حسابنا معه حساب سلوك لا ذات. روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): قال داود (عليه السلام): إلهي، كن لابني كما كنت لي. فأوحى الله اليه: ياداود قل لابنك: يكن لي كما كنت لي، أكن له كما كنتُ لك. وصايا ملكوتية: عليك أيها الأب أن تأخذ بيد أبنائك لطريق الله عز وجل، وأن تعلمهم أن يبتعدوا عن غيره من الطرق الملتوية. اغرس في قلوبهم تقوى الله وساعدهم على أن يبرّوك عندما تكبر وتشيخ. تذكر دوماً أن أولادك أمانة عندك وأنهم سيغادرون منزلك بعد وقت قصير فاحرص على تربيتهم وتوجيهم، أعطهم وقتك وانتباهك، ادرس نفسياتهم وشخصياتهم، فأن ذلك يساعدك في تربيتهم، وإذا مررت بظرف عسير فأعلم أن ذلك عابر. من المهم أن يعرف الأبوان كيف يتجاوبان برفق في وقت الرفق وبحزم في وقت الحزم، كما ينبغي أن تكون معاملة الوالدين وفق مبادى ثابتة. وأن يحرصوا على حب أطفالهم ولكن بحكمة. ينبغي على الأم أن لاتعتمد على سلطة الأب وهيمنته في تهديد أولادها وعقابهم، فيصبح الأب كما قال بعض أخصائيي التربية (في نظر ابنه كالشرطي للمجرم لا صلة بينهما إلا عند الاختلاف في الرغبات) ينبغي أن لا يظهر الزوجان خلافاتهم أمام أبنائهم، فأن ذلك قد يضعف نفوذهما أمام أولادهما وقد يستثمره الولد لمصلحته فيتمادى في أخطائه. يجب أن تترسخ لدى الطفل فكرة أن سلطة أبويه هي سلطة واحدة تتبادل الأدوار حسب الظرف الموضوعي. إن من أهم القضايا التي تثير اهتمام العاملين بالمنهج الإسلامي هي قضية الطفل المسلم في منهجك التربوي، يجب أن تضع نصب عينيك أحدث الطرق التربوية التي تنسجم مع النظرة الإسلامية للإنسان في بناء شخصيته الفكرية والروحية والعملية، وفي الأجواء التي يجب أن تثيرها من حوله من أجل أن يتغذّى سلوكه بجو علمي تربوي خاص. كما يتغذى بالكلمة وبالصورة. فكل هذا الوسائل لها تأثيرها في خلق أجواء مناسبة تساعد في تربية الطفل وتسهل الأمر على الوالدين، وعلى الشخص الذي يمارس عملية التربية أن يتحرك في موقع مناسب لصنع الجو المناسب للطفل. ونحتاج في سبيل الوصول إلى تربية نموذجية إسلامية إلى دراسة ودراية واطلاع واستفادة مما ينصح به أصحاب الخبرة في هذا المجال، كل ذلك من أجل صنع جيل إسلامي يعيش في خدمة الحياة والإنسان على أساس كلمة الله والسير على تأدية ما أراد الله منه. إن الدين الإسلامي يعلمنا كيف نربي أبناءنا ليكونوا مواطنين سعداء في دنياهم، ليس هذا فحسب، بل لكي نكسب ويكسبوا بنا الآخرة أيضاً. لأن الولد الذي يكون سبباً في إيذا الناس وإيذاء نفسه فهذا يتحمل بعض ذنبه الآباء إذا لم يكونوا قد قاموا بتربيته التربية الصالحة، كما حدث في إحدى المدن العربية أن لصاً محترفاً بعد أن سرق العديد من المنازل وأحدث الرعب في قلوب الناس، لأنه لم يكن يسرق فقط بل كان يهددهم بالقتل لو شعر بالخطر، وبعد أن وقع في يدي رجال الشرطة وحكم عليه القضاء بإصدار حكم الموت شنقاً طلب السارق من رجال الشرطة قلماً وورقة فأحضروا له ذلك وعكف على كتابة بعض السطور وقد جاء فيها: (هذا ما دفعني إليه والدي.. الذي تركني منذ طفولتي ولم يحسن أدبي وتربيتي) إن الأب هو المسوؤل الأول عما يفعله الابن، ولايعني ذلك بالطبع تبرأة الابن، إنما الذي نريد قوله أن الآباء يتحملون قسماً كبيراً من المسؤولية لمكان ولايتهم على أبنائهم قال الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق عن حق الولد على الوالد: (فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ) والوجدان شاهد على انه إن عمل ابنك عملاً حسناً قال له الناس: رحم الله والديك. وإن عمل سوءاً ألقى الناس اللوم على أبيه. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه. قال أحد الخبراء في علم التربية: إن الخطورة تكمن ليس في أن الآباء يجهلون مسؤوليتهم تجاه الأبناء فقط وإنما في غفلتهم. ولربما يحدث ذلك لانشغالهم في أمور المعيشة، وبالتالي فإنهم لايقومون بتأدية واجبهم على أحسن ما يرام. وخاصة إذا كان الأبوان كلاهما يعمل ويرجع في آخر النهار متعباً مرهقاً… فهذا يؤدي بالتأكيد إلى التقصير في حق الأبناء في التربية… ويغدو الابن ضحية… وسيتعلم أخلاق وسلوكيات الشخص الذي يعتني به سواء بالحضانة أو الروضة أو المدرسة، طبعاً لانقصد من هذا أنه يجب على الأم والأب الجلوس وعدم العمل… ولكن يجب عليهم الموازنة بين حق العمل وحق الولد… هناك أمور عديدة يجهلها الآباء في التربية منها: - تشوّش الرؤية وغياب الهدف الواضح للتربية. -عدم الإلمام الكامل بمعرفة الأسس الفنية في معاملة الأبناء والتأثير فيهم. -غياب المقياس والمثل العليا للتربية المطلوبة أو الشعور بإيفاء حق التربية والواقع يكون عكس ذلك. -إهمال دور الأم وعدم إعدادها. -ضحالة ثقافة الوالدين وقصور وعيهما وتحاربهما. ومنه، نعلم أنه يلزم على ألآباء اعطاء فرصة للأولاد لتكوين شخصيتهم ومساعدتهم في ذلك. وخير مثال على ذلك عند امير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث كان يسأل أولاده بحضور الناس بعض المسائل العلمية، وربما كان يحيل الجواب عن أسئلة الناس إليهم. وهذا الشي يعطي نتائج مهمة في التربية أهمها احترام الأولاد وإحياء شخصيتهم وتكوين ذاتهم. فمثلما يجب احترام حق الكبار، يجب احترام حق الصغار. بينما الواقع الذي نعيشه في معاملة الأبناء عكس ذلك تماما عند البعض..... إن بعض الآباء يعيشون خارج دائرة التربية، ففي سبيل راحتهم أو رغباتهم أو في سبيل عملهم قد يهملون تربية أولادهم ولايفكرون بأنهم بهذا الأسلوب سوف يسيرون بأولادهم نحو الشقاء وتدمير مستقبلهم وأخلاقهم وخاصة في مجتمعاتنا التي تكون أكثر العوائل في بدايتها يعيشون مع أهاليهم، فضيق المكان يجعلهم يقسون على أطفالهم من أجل راحتهم أو أن يتحكم اكثر من فرد داخل الأسرة في تربية الطفل واستعمال الأسلوب الخاطئ أو الضرب أو العقوبة بدون سبب فكل هذا يتسبب بتكوين شخصية مهزوزة وضعيفة لدى الأطفال. إن التربية الواعية هي التربية المبنية على الأسس الأخلاقية التي ترشد الإنسان أن لوجوده قيمة جوهرية لا يمكنه أن يتغافل عنها في حياته وهي الطريق لتخريج أفراد لا يضيّعون حياتهم في التوافه، وإنما يتعاملون مع وجودهم بالطريقة التي تتحقق فيها أهداف حياتهم البنّاءة وبالتالي يمكننا أن نتحدث عن المجتمع الذي يصبح قابلاً للحياة لإدراكه ويعرف لماذا يعيش وكيف يعيش. وتربية الفرد تبدأ منذ نعومة أظفاره بالتدريج السليم المطابق للأصول التربوية والعقائدية والأخلاقية، ومن هنا علينا أن نهتم بتربية أطفالنا على هذا النحو والأسلوب الذي يحقق الآمال المعلقة على الأجيال القادمة في الوصول إلى إرساء قواعد جديدة للتعامل على مستوى الفرد أو الأمة، فلا يعود الفرد ولا تعود الأمة فريسة بيد العابثين المستهترين بمصائر الناس من أجل تحقيق المصالح الشخصية أو الفئوية على حساب جهل الناس لقيمة الحياة. هناك آثار سلبية كثيرة تترتب على عدم احترام شخصية الولد، ومن أهمها تلك التي تتعلق في نفوس الأطفال، مثل عقدة الحقارة واهتزاز الشخصية وما شابه ذلك من صفات نفسية خطيرة تهدد كيان الطفل وتلاحقه حتى خريف عمره. بينما تستطيع أنت أيها الاب وأنتِ أيتها الام أن تكونا بمعزل عن كل تلك الآثار السيئة والنتائج السلبية بفعل شيء واحد وهو: الاحترام ولايعتقد أحد بأن احترامه لولده يلحق به ضرراً أو يسئ إلى سمعته. ترى ماذا سيحدث لو اصطحب الأب ولده إلى المجالس التي يحضرها الكبار؟ وماذا يحدث لو تعامل الوالد مع ولده على أساس من الاحترام والتقدير؟ وماذا يحدث لو احترم الكبار الصغار؟ هل يحدث غير النتائج الحميدة والطيبة التي تترك أثراً سحرياً في نفوس الأبناء وتسير بهم إلى مدارج العظمة والكمال؟ يجدر بنا أن نسجل هذه الفكرة التي تقول: إن قيمة الاحترام تظهر ويبرز أثرها النفسي حينما يتمثل الكبار باحترام الصغار. وإلّا فإن احترام الصغار للكبار أمر طبيعي مفروغ منه. فإن عظمة التواضع تبرز حينما يتواضع العظيم للداني والكبير للصغير، فلو احترم الصغير الكبير وزهد الفقير وتواضع الحقير حينئذ لا يكون قد صدر منهم أي فعل ذي بال يشار إليه بالتقدير والتعظيم، ولا أقل عند سواد الناس. ولكن العظمة حينما يحترم الإنسان من هو أصغر منه، ويتواضع لمن هو أدنى منه منزلة، وقد ورد في سيرة أعظم رجل عرفته الإنسانية وهو النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) أنه كان يصافح الغني والفقير والصغير والكبير، ويسلم مبتدءاً على كل من لقيه من صغير أو كبير أسود أو أحمر، حراً أو عبداً، وكان يقول في ذلك: ليكون سنة من بعدي. إن لاحترام الأبناء نتائج ايجابية كثيرة، وباستطاعة أي أب أن يجرب ذلك، فلو كنت تريد من ابنك خدمة ما، فاطلب ذلك منه باحترام...وأومئ إليه بالثقة ثم اطلب منه ما تريد وانظر كيف ستكون النتيجة. هذا بالإضافة إلى أن الأبناء سيبادلون الآباء ذلك الإحساس، وسيعاملون آبائهم كما تعلموا وتعودوا عليه. لذلك فالأب حر في اختيار الطريقة التي يرغب أن يعامله بها ابناؤه في صغرهم وعند الكبر، تماماً كما أنك لاتستطيع أن تسحب مقداراً معيناً من المال من البنك إلا إذا كان لديك رصيد سابق قد أودعته فلا تستطيع أن تطالب أبناءك أو أي إنسان آخر بالاحترام وأنت لم تودع الاحترام في بنوكهم ولم تمنحهم الاهتمام. وهو مفاد ما ورد من الأمر بمعونة الأبناء على تعليمهم بر الآباء فاهتم بهم يهتموا بك، واحترمهم يحترموك، يقول الامام علي (عليه السلام ): (إجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب) إن هذه حقيقة حتمية وسنة كونية لايمكن تبديلها. (فمن جد وجد ومن زرع حصد) الأطفال هم فلذات الأكباد وريحانة الحياة وزهور الربيع وبلسم الجروح، وهم ذخر الإنسانية لغدها المشرق، وهم الذين سيحملون مسؤوليات العالم بعد أن ينتهي دور الجيل الذي سبقهم، لأن الإنسانية تسير بطريق تكاملي وبالتالي لابد أن تستمر. وهم ضمان استمراريتها وبقائها. وبما أنهم كنز الإنسانية ومستقبلها فعلينا أن نعمل على إعدادهم إعداداً مناسباً يتناسب مع حجم المسؤوليات المستقبلية التي ستلقى على عاتقهم، وذلك يكون عن طريق تربيتهم التربية الصالحة المبنية على الفهم المتكامل والصحيح للحياة، وعلى المربي عموماً أن يدرك أهمية هولاء الأطفال وأنهم سيكونون أهلاً للحياة ولمواجهة مسوولياتها. إن فهم هذه الخصوصية وترتيب الأثر المناسب عليها يساعدنا على إيجاد المجتمع الإنساني الفاضل الذي يتحلى بالأخلاق الكريمة، ذلك المجتمع الذي يقدس المثل العليا للإنسانية باعتبارها صمام أمان للحياة نظراً لما تحويه من مباديء سامية وخصال حميدة توصل أفراد المجتمع الإنساني إلى أهدافه النبيلة باعتناقها والتمسك بأهدافها… الطفولة عالم البراءة: عالم الصفاء والنقاء والتخيلات والأحلام الرائعة الجميلة هو عالم الطفولة، فهو العالم الملكوتي الذي ينطلق منه الإنسان في بداية سيرته الحياتية. فالطفل في سِنيّ حياته الأولى ينظر إلى الحياة بمنظار عالمه الطفولي البريء البعيد عن كل مايعكر صفوها فيتخيلها بمنظاره هذا عالماً تسوده المشاعر المرهفة الحساسة، وبعيداً عن كل الاشياء التي تجعل من الحياة حياة شر وخداع ونفاق. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل للحياة قبل أن يبدأ صراعه معها، وما أروعه من تصور وما أجمله من حلم، وكم يتمنى كل فرد إنساني أن يعود لطفولته البريئة ليسرح في أرجاء عالمها الذي كان يصور له الحياة كأنها ربيع مليء بالرياحين التي تشد الإنسان إليها بعطرها الساحر وشذاها الفواح، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلاينفذ إلى سره ولا يدري كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. فهو عالم بعيد كل البعد عن الشرور والآثام والحقد والكراهية، هو عالم غني بالمشاعر الجياشة التي تصور الحياة بستاناً عامراً بالاطاليب، حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. تعتبر مرحلة الطفولة من أهم المراحل في حياة الفرد: فالاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. فالطفل هو الثروة الحقيقية وأمل الغد، وليكن معلوماً أن ما نراه من حولنا المشاكل التي يتعرض لها الطفل في العالم من نبذ وقهر واضطهاد واستغلال وما يترتب على هذه المشاكل من اضطرابات نفسية وانحراف وجريمة وادمان. وما نرى من حالات العنف والعدوان في المدارس وحالات اختطاف وانحرافات سلوكية وخاصة في العالم الغربي، ومانشاهده من تعرض الطفل العربي إلى القهر والعدوان وخاصة في دول الحرب وبعض الظواهر الأخرى مثل ظاهرة أطفال الشوارع، والمتسولين والأحداث، كل ذلك له أسبابه الخاصة والتي تكون التربية واحدة من أهمها، وفي مقدمتها. يؤكد علماء النفس دائماً على أن أسباب الاضطرابات النفسية لدى الاطفال هو غالباً تنشأ من خلل في المعاملة من قبل الأهل. وأن الأطفال الذين تساء معاملتهم هم دائماً ضحايا للاضطرابات النفسية والانحرافات. وهذه الاضطرابات لاينتهي أثرها عند الطفولة فقط، وإنما قد تبقى آثارها لمرحلة الشباب والكهولة، ذلك لأنها تنطبع في شخصية الطفل وتوثر على حياته المستقبلية. فيصبح بالتالي شخصاً يعاني من عقد بداخله ولربما يصبح شخصاً ظالماً لمن حوله أو مجرماً حتى مع أقرب الناس إليه كإخوته وأطفاله وزوجته وأصدقائه. فلينتبه الأبوان لهذه المسوولية الملقاة على عاتقهما لأنهم لا يظلمون طفلهم فقط، إنما يظلمون مجتمعاً كاملاً. ومن هنا تعتبر الأسرة النواة الأولى لتنمية الطفل، والقالب الاجتماعي الأول الذي يصوغ شخصية الطفل في المجتمع، وهي المؤسسة التربوية الأم التي تساعده على تشكيل شخصيته بصفة عامة، وهذا ينعكس سلباً على شخصية الطفل، فيما لو اضطربت الأسرة وتفككت. لقد ثبت لدى الباحثين تأثير السنوات الثمان الأولى من العمر في باقي حياة الإنسان، وقد وجد انه إذا ما لبيت حاجات ورغبات الطفل في الأشهر الأولى من الطعام والراحة والمحبة وغير ذلك، فإن الطفل سيكون حظه في الحياة أوفر وأعظم… إن الأنماط السلوكية الأسرية تحدد ماسوف يفعله الطفل في مقتبل حياته أو مايستطيع أن يفعله. ولكي يحصل على الإشباع والرضا فعلى الأسرة أن تعمل على تنمية شخصيته. إن أهم عوامل نجاح وتكوين شخصية الطفل إنما هي مستمدة من العلاقة الحارة الوثيقة الدائمة التي تربط الطفل بأمه أو من يقوم مقامها بصفة دائمة وإن أي حرمان من حنان الإم تظهر آثاره في تعطيل النمو الجسمي والذهني والاجتماعي وفي اضطراب النمو النفسي للطفل. _______________________________ (1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2ص625 (2) غرر الحكم ودرر الكلم للامدي ص831 (3) مكارم الاخلاق للطبرسي ص 232 (4) بحار الانوار ج 75 ص 236

منذ 8 أشهر
2101

صوت العقل وصدى الإرادة

برغم مانشهده من بريق التقدم التكنلوجي الذي يأخذ بالألباب ويخطف الأبصار إلا أننا نلاحظ اليوم وجود أزمة اخلاقية رهيبة، خصوصاً فيما يتعلق بانتشار المحرمات وتفكّك المجتمعات وتمزقها، وذلك لأن هذا التقدم يتحرك بشكل قد لايوافق فطرة الإنسان. إن الله سبحانه قد زوّد الإنسان بالعقل والغريزة والإرادة، على أن الروح والنفس من المتفرعات، فالروح مثلاً تعود في النهاية إلى قوة العقل التي وقف العلم أمامها حائراً عن معرفة كنهها. إن في الإنسان عقلاً وغريزة وإرادة، وهي في صراع دائم، والغالب منها يحدّد سلوك الإنسان. فإذا غلبت الغريزة على العقل والإرادة انحدر الإنسان إلى مرتبة الحيوان وإذا كانت الغلبة للعقل ترقى الإنسان إلى مراتب الإنسانية السامية. وهنا قد يطرح سائل سؤال: لماذا خلق الله سبحانه الغرائز في الإنسان وماهي الغاية من ذلك؟ الجواب: إن الغرائز التي غرسها الله سبحانه في أعماقنا وإن كانت متضادة ومتجاذبة إلا أنها هادفة لأن الله سبحانه حكيم في تدبيره لايخلق الأشياء عبثاً، فكل شئ في هذا الكون خاضع لحكمته وتدبيره وهذا الصراع الذي يحدث هو من أجل التكامل، إذ لاتقدم إلا من خلال هذا الصراع، إن الله قد حشّد هذه الغرائز في داخل الإنسان من أجل التكامل والكمال فقد شاء سبحانه أن يخلق هذا الكائن ليكون مميزاً عن الحيوان وعن الملائكة فلو كان عقلاً فقط لأصبح ملاكاً ولو كان غريزة فقط لكان حيواناً، وبذلك ينتفي وجود كائن حي اسمه الإنسان . إن العقل يُصدر الأحكام ولكن لاتتنفذ تلك الأحكام إذا كانت الإرادة ضعيفة، فلاقيمة لتلك الأحكام بدون إرادة قوية تنفّذها فيخلو الميدان للغرائز التي تُسيِّر الإنسان وترسم له خط سلوكه، لأن العقل عُرضة لهجوم دائم تشنّه الغرائز عليه وهو يحاول أن يدافع عن نفسه وينفّذ أحكامه. فإذا كانت الإرادة قوية فإنها تحمي العقل وتدافع عنه ليصبح قابلاً للتنفيذ . إذن ما هي الإرادة؟ وكيف نقوّي الإرادة؟ الإرادة: هي القدرة والسيطرة على الذات، فهناك قدرات جسمانية وهناك قدرات ذاتية، فتحقّق المراد يكون على قدر على ما أراد تحقيقه وخطّط له بشكل صحيح. إن مايحدث في داخل النفس هو شبه مجلس تخطيط، فالعقل يخطّط ويصدر الأحكام أما التنفيذ متوقف على قوة إرادة الإنسان. إن الهدف من وجود الإنسان لن يتم بدون مزج العقل مع الغرائز. ولكي يكون سيره في محيط الإنسانية عليه أن يتحكم بهذه الغرائر بالاتجاه الإيجابي وهو ماحدّده له الله عز وجل فقط، فلو شذ عنها انحدر من مستواه الإنساني إلى المستوى البهيمي. ولهذا كان لقوة الإرادة والتوجُّه الصائب للعقل الحكم الفصل في تنفيذ ذلك... إن الإرادة تلعب دوراً مهماً في عملية تنفيذ الأحكام التي يصدرها العقل أو في إلغائها. فكيف يمكن أن نقوّي هذه الإرادة من أجل انتصار العقل على طغيان الغرائز وجبروتها؟ نجد الجواب المناسب لهذا السؤال عند سيد البلغاء أمير المؤمنين علي بن ابي طالب( عليه السلام) عندما يقول :(وأيم الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً وتقبل بالملح مأدوماً ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها ،مستفرغة دموعها ،أتمتلئ السائمة من عشبها فتبرك وتشبع الربيضة من رعينها فتهدأ ويأكل علي من زاده فيهجع. ......) نهج البلاغه ج٣ص٧٥ من هذه الكلمة يتبين العلاج لتقوية الإرادة حسب ماذكر سيدنا ومولانا الامام امير المؤمنين( عليه السلام ) وهو :- الترويض للنفس لتقوية الإرادة. لو سألنا الإمام (عليه السلام) وكيف تروضها يا امير المؤمنين؟ فالإجابة عنده موجودة (إنما نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الاكبر). إذن الوسيلة هي التقوى التي تسيطر على الغرائز وتهذّبها والغاية هي الاطمئنان والأمان يوم الفزع الاكبر. إن الغرائز تلح على الإنسان بدليل ماجاء في القرآن الكريم (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)) سورة يوسف. يقع الذنب عندما يقوم الإنسان بفعلٍ بسبب شهواته وميوله خلافاً لما يحكم به عقله وإيمانه وتقابلها نفس لوامة تلح على صاحبها بالدافع الإخلاقي لكي تصبح مطمئنة وهنا يحدث النزاع بين العقل والغرائز. والإرادة القوية النابعة من تقوى الله تستطيع الانتصار، فكل إرادة لاتتغلب على العاطفة والشهوات تنهار وتفشل بسبب ضعفها وقلة إيمانها لأن حالة الذنب هي حالة عدم تملك النفس لذا قال (عليه السلام) في خطبته (ألا وان للتقوى مطايا ذلل )نهج البلاغه الخطبه ١٦ أي أنه يأمر والمطايا تطيع تسير إينما يوجهها دون أن تركل أو تعترض، وعلى هذه القاعدة نستطيع أن نقول إنّ لكل غريزة وظيفتها وهدفها، لاسيما إذا ربط الإنسان نفسه بالتعاليم الآلهيه التي وصلتنا إذ أن هذه التعاليم توجّه الغرائز بطريقها الصحيح الذي رسمه الله لها .

منذ 6 أشهر
2100

تطوير الذات

كيف تستطيع ان تطور ذاتك؟ إذا بقيت متقوقعاً على نفسك فإن ذلك سيحرمك الكثير من الفرص. لن تصنع الهمسات منك شخصًا يُؤخذ برأيه، عليك أن تتعلم التحدث حتى يسمعك الآخرون، وقبل ذلك عليك أن تؤمن بنفسك قبل الآخرين، تطوير الذات يقصد به استخدام الشخص لقدراته ومهاراته لتحقيق أهدافه والحصول على ما يريد من نجاح وتفوق بالحياة، وهذا التطوير للمهارات لابد له أن يبدأ بشكل صحيح وفق نقاط محدده من قبل الشخص، منها: طريقة التفكير في تحديد الأهداف التي يريد الوصول إليها، ووضع طرق صحيحة للوصول للهدف المحدد... وهذا يحتاج إلى تفكير ومهارة وقدرة ذهنية للشخص وثقة بالنفس وقوة إرادة تعطي للشخص طاقة إيجابيه، وتمنحه القوة لتحقيق هدفه. كيف تطور نفسك وتسعى للنجاح الذي ترغب فيه؟ هناك الكثير من المقومات التي يجب على الإنسان أن يعرفها، والمهارات التي يجب أن يتعلمها لتطوير ذاته، فمنذ خلق الانسان وهو يسعى للتطوير، وهناك من ينجح بتطوير نفسه، والوصول لأعلى مراتب في الحياة، وهناك من يخفق عدة مرات وهو مستمر، وهناك من يئس من اول محاولة، وهناك من لم يتعب نفسه في محاولة إيجاد طريقه أو لم يفكر أصلاً في أي هدف أو تطور، فاكتفى أنه فقط يعيش. وهذا خلاف العقل وخلاف ما خلق الإنسان من أجله. إن تطوير الذات يساعد في حصولك على أكثر فرص نجاح في الحياة وتكون شخصاً ناجحاً في أغلب المجالات، وكذلك يساعدك في مواجهة المشاكل التي تتعرض لها في حياتك اليومية، فالإنسان يجب أن يحدد هدفه في الحياة من خلال معرفة مهاراته التي يستطيع أن يتفوق بها، فالهدف يجب أن يكون مناسباً لقدراته ومهاراته وإمكانياته، حتى يكون واقعاً، بما معناه أنه لا يفكر بأهداف وأحلام خيالية جداً فالنجاح بالتدريج، فليس من السهل الصعود من قاع الوادي مباشرةً إلى قمة الجبل، فيجب السير والصعود شيئاً فشيئاً، يجب على الشخص تحديد نقاط الضعف والقوة لديه لتقوية الضعف أو الخوف بالتدريج والإرادة والإصرار له تأثير قوي على ذلك، فكلما كانت الإرادة قوية والإصرار شديداً كلما كانت نسبة النجاح عالية. أبسط مثال لذلك: لو نلاحظ أضعف المخلوقات التي خلقها الله، جعل فيها أموراً تجعل الإنسان يفكر ويقول: هل هذا المخلوق الضعيف أفضل مني؟!لو نشاهد النملة الصغيرة ونرى إصرارها عندما تحمل الغذاء الذي تحصل عليه، رغم حجمها الصغير ولكنها تحاول وتحاول لنقله حتى أنها بعض الأحيان تتسلق الجدران وتسقط كم مرة، ولكنها لا تيأس ترجع وتكرر المحاولة عدة مرات إلى أن تنجح، هل أحد منا جرّب ذلك؟ إنه لو تكرر فشله في تحقيق هدف ما وأخفق بالوصول للنجاح ويكرر المحاولات لعدة مرات إلى أن يصل إلى النجاح بإصرار وثقة. كل إنسان يريد أن ينجح ويحقق أهدافه في الحياة يجب عليه أن يهيأ قاعدة أساس لذلك. فلكل شي بداية وبداية النجاح هي تقوية الثقة بالنفس، يجب أن تحاول تقوية ثقتك بنفسك في داخلك وأمام الناس. أنا قوي، أنا قادر على النجاح، قادر على تحقيق هدفي. هذا التعزيز بالثقة للنفس يمنحك طاقة إيجابية تحاكي عقلك الباطن لتكوين شخصية قوية ناجحة، وبالتفكير العقلي الصحيح لتحديد هدفك ودراسته دراسة موضوعية صحيحة تستطيع تحديد الطرق الصحيحة التي تسير بك نحو النجاح والتفوق، تحتاج بعد تعزيز ثقتك بنفسك أن تتخلص من الخوف الذي يراودك بالفشل فهذا الاحساس بالفشل يجعلك تفشل، والتفكير بالنجاح دوماً يجعلك تصل لقمة هرم النجاح. فكل شيء بدايته تحتاج صبراً وتانياً وبذل جهد وتفكيراً صحيحاً ومثابرة حتى الأهداف السهلة لا تأتي بسهولة إنما يجب السعي إليها بشكل صحيح وفق متطلبات صحيحة ومدروسة... وقبل كل هذا يجب عليك أن تحدد هدفك المناسب لقدراتك ومهاراتك، ففي كل إنسان مهارات وقدرات يستطيع أن يقويها أو يضعفها فحاول تحديد المهارات القوية والقدرات لتنميها وتتفوق بها... وتحديد المهارات الضعيفة لتقويتها. فالثقة بالنفس عامل مهم جداً في تحقيق طموحاتك واهدافك. إن كثيراً من الناس لا يعرف حقيقة قدراته التي وهبها الله عز وجل له فيضيع حياته وهو غارق في متاهات الغفلة ولا يعرف أين هو؟ وماذا هو؟ وماذا حقَّق من نجاح؟ فيضيع نفسه وحياته وأحياناً حياة مَن هم حوله وتحت مسؤوليته دون معرفة ماذا يريد... إن الله سبحانه وتعالى وضع بداخل كل إنسان قدراتاً وكنوزاً يستطيع الإنسان أن يظهرها ويستغلها في تحقيق نجاحات عن طريق الاستخدام الصحيح لها. لذلك لا تغفل عن القدرات التي رزقك الله بها لأن الغفلة تفقدك الكثير وهي مذمومة في كتاب الله وبصريح العبارة وقال الله في محكم كتابه (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (205) ) سورة الأعراف. انتبه واستيقظ من غفلتك! فكر من انت وماذا حقّقت؟ تقدّم نحو تحقيق النجاح بكل مكان انت فيه. ازرع بداخلك بذور القوة التي أرادها الله لك... لتصل لهدفك وغايتك فكل نجاح يبدأ بإرادة ورغبة بالنجاح في داخلك صوت يزرع فيك القوة للنجاح. إذا كنت واثق بنفسك وعندك ثقة بأنك شخص ناجح وقادر على تحقيق هدفك فستنجح. وكل فشل يبدأ بفقدان تلك الإرادة والرغبة، فالتفكير السلبي وإحساسك بأنك ضعيف أو غير قادر على تحقيق هدفك يجعل في داخلك ضعفاً أكثر وفشلاً... فالطاقات التي في داخلك والإمكانيات التي في الكون كلها رهن إشارتك فإن أردت منها أن تحملك للنجاح فسوف تفعل ذلك وإن لم ترد النجاح فسوف تحملك إلى الفشل. ما هي الإرادة الإرادة هي القدرة والفعل فمن أراد فعل بالإرادة، هي الحياة، وحياة للقلب فمن دون إرادة ورغبة يصبح الشخص عديم الإحساس بطعم الحياة. وإذا وجدت الإرادة وجد الطريق لتنفيذها، فمع الإرادة والرغبة تحقق ماتريد. لدى كل غنسان مخزون هائل من المواهب والطاقات ولكنها مقيدة ومكبوتة ومحبوسة تحت ركام من الخوف والتردد وانعدام الثقة بالنفس، فإذا تحرّرت فسوف تنهمر مثل الأعاصير والطوفانات بقوة لتدفعك لتحقيق أهدافك في الطريق الصحيح إذا كانت أهدافك صحيحة وموجهة بشكل صحيح واستخدمت الطرق الصحيحة للوصول لها. أنت بحاجة لتحرير عقلك من الخوف الذي يفرض سلطانه وقوته على طاقاتك، ليصل بك للفشل والإحباط، تحتاج إلى شحنات إيجابية للشعور بالثقة بالنفس والشجاعة تحتاج لحسن الظن بالله تعالى الذي منحك مواهب وطاقات وجعل أمرها بيدك، وهناك عوامل أخرى لها تأثير مباشر في تطوير الذات، وهي البيئة التي يعيش فيها الشخص من أهل وأقارب وأصدقاء ومدارس، فهولاء لهم تأثير مؤثر من خلال الدعم والتشجيع والوقوف بجانب الشخص أو العكس، فتكرار سماع كلمات الفشل والإحباط تجعل لدى الشخص عاملاً سلبياً للفشل وتولد لديه كثيراً من المشاكل التي تجعله إنساناً محبطاً وفاشلاً في تحقيق هدفه. وهذا من الأخطاء الشائعة لدى بعض العوائل في تربية أطفالهم وزرع روح الفشل في داخلهم من حيث لا يشعرون فأنتم من تصنعون وتساعدون في تكوين فشل أو نجاح أولادكم فانتبهوا لذلك. انتبه، عندما تخطو خطوة في مسيرك نحو تطوير ذاتك فمن البديهي أن تواجهك بعض العثرات والمعوقات، وربما تفشل مرة أو مرتين، هذا لا يعني أنك تتوقف، بالعكس الإنسان الناجح الذي يريد أن يطوّر نفسه يجعل من الشيء الصعب سهلاً فقد تصل بك الأمور إلى مرحلة تجد أمامك جميع الطرق مسدودة حينها لا تقف مكبّك اليدين، بل أعد النظر بالخطوات التي قمت بها، لعلك تكتشف الأخطاء التي أدت بك إلى الفشل وتعمل على تصحيحها بشكل ملائم لتحقق اهدافك. لا تجعل اليأس يسيطر عليك ويشلّ حركتك نحو النجاح... مرحله تطوير الذات مستمره ولاترتبط بعمر محدد. كن واثقاً أنك تستطيع تجاوز كل الصعوبات التي تواجهها بطريقك نحو النجاح وفي حياتك بشكل عام، فلا تجعل الفشل نهاية الطريق، بل اجعله الحافز الذي يحركك ويظهر مواهبك وابداعاتك ومهاراتك وقدراتك التي عملت على تطويرها منذ طفولتك، واستمرت بالتدريج بالنمو والتطور، فهذه الأزمات والعثرات مراحل تدريبية لكي تجعلك شخصاً قوياً وناجحاً تحقق أهدافك التي تجعلك تشعر بسعادة واطمئنان. هناك عدة طرق لتطوير الذات يجب على الشخص الذي يريد تحقيق النجاح في تطوير ذاته أن يتبعها، ومنها: ١-البحث عن المعرفة من مختلف المصادر المتنوعة واكتساب الخبرات والاستفادة من تجارب الناجحين في هذه المجالات، ٢-إدراك البيئة التي يتعلم فيها، والظروف المحيطة ومتطلبات تلك الظروف، لأن كل إنسان يعيش ظروف معينة. ٣-تجربة أنماط فكرية جديدة ومحاولة تغيير السلوك في عملية التعلم أو التطور لكسب نجاحات اكثر . ٤-تنمية روح المبادرة لدى الشخص الذي يريد تطوير ذاته، وعدم التردد والخوف في استقبال أو إرسال كل جديد من نقد أو تعلم. ٥-تبادل المعلومات وتطوير المهارات بكل الطرق المتوفرة لدى الشخص. ٦-تحديد الأمور المراد تطويرها في الذات حتى نتمكن من وضع خطط وأساليب مدروسة لكل جانب حسب مايحتاجه. ٧-تحديد فترة زمنية لتحقيق الأهداف، فذلك يعمل على تعزيز روح المبادرة وعدم التأجيل والتسويف الذي يعمل في أغلب الأحيان على فشل الخطة الموضوعة. ٨-مكافحة مشاعر القلق والخوف والتوتر من النتيجة وتهدئة الأعصاب والتحلي بالصبر خاصة أن النجاح يحتاج إلى هدوء واطمئنان وصبر، لكي ننال نتيجة افضل. ٩-تحفيز الذات بالطرق المختلفة وتنمية الرغبة الداخلية في النجاح فإن من الاساليب المهمة نحو التقدم هو التفكير بإيجابية: أنا ناجح، أنا أستطيع التقدّم، أنا لا أفشل فهذه القوة الإيجابية تدفعك نحو النجاح. ١٠-الاعتماد على النفس وعدم الأتكال على الآخرين وتعزيز الثقة بالنفس وتقويتها وترويض النفس على تقبّل النقد واحترام الرأي الآخر. ١١-استمثار كافة المواقف الإيجابية والسلبية وتحويلها إلى أسباب مهمة لنتعلم منها ونستنتج منها طرق جديدة تدفعنا للنجاح وتطبيق ما يتعلمه في حياته. ١٢-الانفتاح والتعبير عن الأفكار، سلوك يساعد في التعامل مع الآخرين بسهولة، وعدم الإفراط في تحليل ردود الأفعال والسلوكيات من الطرف الآخر يساعدك في تطوير ذاتك، وجعلك إنساناً ناجحاً ومميزاً. لتطوير الذات أنواع وأقسام مختلفة وهي: ١-التطوير النفسي: وذلك من خلال فهم كيفية التعامل مع الناس وكيفية غرس الثقة بالنفس وتكوين شخصية قوية قادرة على مواجهة الصعوبات والمشاكل وضبط المشاعر والعواطف والسيطرة على الغضب وغيرها من العوامل التي تساعد في تكوين شخص قوي ومتماسك وناجح. ٢-التطوير العقلي: وذلك من خلال تطوير القدرة العقلية عن طريق اكتساب مهارات وعلوم وأفكار، وتنوع مصادر التعلم لتصبح إنساناً قادراً في الدخول في حوارات ونقاشات علمية أو غيرها، لتستطيع أن ترد على من يناقشك في هدفك الذي تريد الوصول له والنجاح فيه. ٣-التطور الاخلاقي: اكتساب سلوكيات وأخلاق جيدة وتطبيقها وممارستها لتصبح إنساناً مميزاً بإخلاقك النبيلة التي أرادها الله منك. ٤-التطور الاجتماعي: وذلك من خلال الاهتمام بالروابط والعلاقات الاجتماعية والاختلاط مع الناس ومشاركتهم في مناسباتهم. ٥-التطور المادي: وذلك عن طريق السعي في اكتساب المعيشة والعمل في الطرق المشروعة للحصول على أموال وتحديد طرق صرفها وتدبير الأمور الاقتصادية بشكل صحيح.

منذ 8 أشهر
2085

أكرمكم أتقاكم

حرص الدين الإسلامي ومنذ بداية انتشاره على هدم كل الفوارق الطبقية التي اصطنعها البشر بين بعضهم البعض، فساوى بين العبد ومولاه، وبين العربي وغيره، وبين الأسود والأبيض، ولم يضع ميزاناً للتفاضل بينهم إلا التقوى كما ورد في قوله (تعالى): " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " (13) (1). ولذلك فقد رفع هذا الدين الحنيف البعيد عن الرسول نسباً وهو سلمان الفارسي لتقواه حيث روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه سئل عنه فقال : « من لكم بمثل لقمان الحكيم: ذاك امرئ منا وإلينا أهل البيت أدرك العلم الأول والعلم الاخر بحر لاينزف »(2) بينما وضع سيداً من سادة قريش العربي عم الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) وهو أبو لهب . فمن المؤسف جداً بعد كل ما أوضحه لنا الرسول الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام) أن نهجر أبجديات الدين الاسلامي فنحابي من نشترك معه في النسب وإن كان ظالماً على سواه وإن كان مظلوماً، ونصطفي الغني لغناه ونهجر الفقير لفقره وهو سلوك نهى عنه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وإن كان في أدنى درجاته، فقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: جاء رجل موسر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، نقي الثوب، فجلس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجاء رجل معسر، درن الثوب، فجلس إلى جنب الموسر، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أخفت أن يمسك من فقره شيء؟ قال: لا ، قال : فخفت أن يصيبه من غناك شيء؟ قال: لا، قال : فخفت أن يوسخ ثيابك؟ قال: لا، قال : فما حملك على ما صنعت ؟ فقال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن لي قريناً يزين لي كل قبيح، ويقبح لي كل حسن، وقد جعلت له نصف مالي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للمعسر : أتقبل ؟ قال: لا، فقال له الرجل : ولم؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك »(3). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) رسالة الاربعين ج1 ص436 (3) حلية الأبرار ج1 ص357

رضا الله غايتي

اللاهدفيـــة

اقتضت حكمة الله (تعالى) أن تكون أفعاله تعالى محكومة لمصلحة وهدف وغاية، ولذا قالوا في علم الكلام: إن أفعال الله تعالى معلّله بالغايات، فكيف بخلقه الإنسان الذي سخر له السموات والأرض! قال (تعالى): "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً"، ولذا فقد تكرر ذكر هدفية خلق الانسان في القرآن الكريم في مواضع عديدة منها قوله (تعالى): "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)" لم يقتصر القرآن الكريم على بيان هدفية خلق الإنسان بل بيّن ذلك الهدف أيضاً إذ قال (تعالى): " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)" . فالعبادة والطاعة إذن هما الهدف الأساسي والرئيسي من خلق الإنسان، وكل ما في الوجود وما يدور فيه من أحداث إنما رتبها الله (تعالى) على نسقٍ يحقق ذلك الهدف بما فيها المغريات والفتن والابتلاءات التي تغربل الناس جميعاً فتميز المطيع الحقيقي عمن سواه. ومن هنا وجب على كل إنسان الشعور بهدفية وجوده في الحياة، من خلال وضعه أهدافاً متوسطة وأخرى صغيرة، ومن ثم توظيف ما يتمتع به من إمكانيات وقدرات لأجل تحقيقها والذي يصب في النهاية في دائرة تحقيق هدفه الأسمى المتمثل بعبادة الله (تعالى) وطاعته والفوز برضوانه. إلا أن ما يؤسَف له حقاً أن يعيش البعض اللاهدفية المقيتة، فيعيش حياته بصورة عشوائية وكيفما اتفق دونما تخطيط أو شعور بالمسؤولية وبلا موبالاة بسنيِّ عمره التي يهدرها الواحدة تلو الأخرى دون تقدم ملحوظ في الجانب الروحاني أو الخُلُقي أو العبادي -أي في الجانب التكاملي عموماً-. إن من الناس من يحرق زهرة شبابه، ويهدر سنيَّ عمره، ويفوِّت على نفسه الانتفاع بما يمتلك من جهد وطاقات، مكتفياً بتدخين السكائر والأركيلة، أو مستريحاً لأن يجوب الشوارع والأسواق ذهاباً وإياباً دون ضرورة، أو متمتعاً بالمبالغة في التنزه في المتنزهات ومدن الألعاب. وهذه الأمور بحد ذاتها مضيعةً للوقت وخسارة للعمر الذي إن ذهبت منه لحظة واحدة لا يمكن استرجاعها بملئ الأرض ذهباً، فضلاً عما يكتنف كل ذلك من المحرمات كالنظر المحرم أو الاختلاط المحظور أو الخوض في أعراض الناس وهتك الحرمات، وننسبه على أن هذه الأمور وإن لم تكن محرمة في حدّ نفسها. لكنها على كل حال تُعبّر عن حالة من تضييع العمر بلا فائدة -وقد تدخل فيها الحرمة عرضاً- كما أشرنا إليه. ومنهم من تراه مهووساً في متابعة الأفلام والمسلسلات والبرامج غير الهادفة، فتراه يتنقل بين المحطات الفضائية ولا هم له سوى هذا البرنامج المضحك أو ذاك الفلم الغرامي أو ذلك المسلسل المتخم بالانحرافات الذي يستنزف من عمره مئات الساعات والساعات. ومنهم من يقضي ساعات عمره محدّقاً في شاشات الجوال أو الحاسوب لا لعلم يرتقي به ولا لعمل صالح يدعو إليه، وإنما جُلَ همَ بعضهم الترويج للإشاعات والشبهات من حيث يعلم أو لا يعلم، ومنهم من يعاكس الفتيات على مواقع التواصل الاجتماعي، فلا كبيرة السن تنجو منه ولا ذات البعل تسلم، ومنهم من همه المشاركة في تسقيط الشخصيات اتباعاً للظنون وتعويلاً على التوهم، ومنهم من يروق له أن تلتهم عيناه ما حرم الله (تعالى) النظر إليه إلتهاماً. بل إن البعض لا يكتفي بعبثية حياته وإنما يوظف طاقاته من أجل بثّ اللاهدفية في غيره وإضلال أفراد مجتمعه، ويشتري شقاء وبؤس دنياهم وآخرتهم، يقول الله (تعالى): "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله بغير علم ويتّخذها هزواً اُولئك لهم عذاب مقيم" في الوقت نفسه. نحن لا ننكر فيه أن النفس أحياناً قد تمل فيُستحسن علاجها بالطرائف، وتحسين مزاجها باللطائف، فلا مانع من بعض البرامج الترفيهية المنضبطة والأفلام الهادفة إذا ما روعيَ فيها جانب احترام الوقت بالإضافة إلى انتخاب الجيد والهادف منها، كما لا مانع من تصفح وسائل التواصل الاجتماعي بل قد يكون ضرورياً لصلة رحم أو لرد شبهة أو لدفع غيبة أو تسقيط أو تشويه لمؤمن أو مؤمنة وما إلى ذلك. إذن فلا بد في كل ما تقدم من مراعاة الانضباط في بعدي الكم والكيف؛ لأن عدم مراعاتهما هو المحذور، لأنه يقود الإنسان شيئاً فشيئاً إلى التقصير والجهل والقصور. ولو سألت أحدهم عن سبب العبثية الواضحة في أسلوب حياته، واللامبالاة في تضييع عمره وهدر الكثير دونما جدوى من ساعاته، والركون إلى اللهو وغياب الهدفية من سجل مصطلحاته، لأشار بأصابع الاتهام إلى الظروف الخارجية، مريحاً نفسه من همّ التفكير في تطوير ذاته وتنمية مواهبه وقدراته، أو مؤونة البحث عن مخرج ولو صغير يتنفس من خلاله المعنى الحقيقي للحياة. ولكن الحقيقة هي إن عدم مناسبة الظروف الخارجية لما نرغب وإن كان عائقاً كبيراً أمام طموحاتنا، وهو بلا شك حجر عثرة تتعثر فيه أهدافنا، وقد تحتضر فيه أحلامنا، إلا أن ذلك لا يعني نهاية الحياة، كما لا ينبغي لنا الاستسلام البتة، بل هناك ألف طريق وطريق لمن أراد الحياة، ولعل خير ما قرأت لهذه المشكلة علاجاً قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون" . فإن الحياة لا تخلو إما أن تكون كما نريد أو لا، وفي كلا الحالتين فإن الإنسان وحده هو المسؤول عن اختياراته، فعليه أن لا يتخلى عن أهدافه، وينبغي أن يكون طموحاً ومنتجاً بل وسعيداً؛ لأن الإنسان هو الذي يقود ذاته لا الظروف الخارجية. ومن أساليب القيادة السليمة للذات نحو النجاح والسعادة أيضاً هو البحث عن مخرج دائما وأبداً فعند الوصول إلى أبواب موصدة لا ينبغي هدر العمر بالتحديق فيها أو التحسر عليها؛ لأن الطرق الموصدة لا تعني نهاية الطريق، بل تعني سلوك الطريق الخطأ، وهي رسالة واضحة للبحث عن الطريق الصحيح، فيجب البحث دائماً وأبداً عن بدائل وذلك لا يتأتى إلا بالرضا أولاً بواقع الحال -لا بمعنى الخضوع والاستسلام وإنما بمعنى تقبّل الواقع والتوقّف عن التذمُّر منه- ولذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "إن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون" لأن الرضا بالواقع وتقبله يتيح فرصة فهمه والتعرف إلى ما فيه من نقاط إيجابية يمكن استثمارها بخلاف التذمر منه ومخاصمته. قد يثير هذا الكلام استغراب البعض لاسيما ونحن نعيش أجواءً اليوم قد تلبدت بغيوم البطالة، إلا أنه منطقي إلى حد قد لا يكون متوقعاً، فالمتخرج والمتخرجة في كلية الهندسة والتربية والعلوم وسواها اللذان يحلمان بإيجاد الوظيفة المناسبة التي بذلا لأجلها الجهد الجهيد لا تراهما بعد سنة أو أقل من التخرج إلا وهما مكتئبا الحال يعيشان الضياع ويكثران الشكوى؛ لعدم تحقق حلمهما، ولا نستنكر أصل الحزن والألم لأنهما مشروعان في هذه الحالة إذ إن كل من يغرس مجتهداً بغرسه يأمل بقطف الثمار اليانعة، إلا أنه من غير الصحيح تضييع العمر حسرات على حلم لم يتحقق أو هدف لم يُنَل. ولنتفق أن ما من غرس لا ينتج أثراً بصورة مطلقة، فبعض الأشجار قد لا تعطي ثمراً جنياً ولكنها تمنح ظلاً ظليلاً. وعليه فيمكن لهما أن ينظرا بعين الإيجابية رغم الظروف الحالكة ويستثمرا العلوم التي اختزلناها في ذهنهما طيلة أيام الدراسة في تدريس الطلبة الذين يعانون ضعفاً فيها ولكن بمبلغ يسير فيكونان قد أعانا غيرهما على النجاح، وحافظا على معلوماتهما من النسيان، بالإضافة الى النفع المادي وإن كان يسيراً، وقد تكون تلك التجربة بادرة احترافهما القاء دروس التقوية. هذا مثال بسيط جداً ومن يضع النجاح نصب عينيه هدفاً ستنقدح في ذهنه الأفكار التي توصل إليه تباعاً، وسيتمكن من اكتشاف مواهبه وإمكانياته وقدراته وينفض عنها غبار الإهمال وينميها شيئاً فشيئاً حتى تصبح عمله الذي يألفه ومصدر رزقه الذي يغنيه عن لئام النفوس. فعلى الإنسان أن لا يجمد إطلاقاً ولا يتوقف البتة في كل مجال من مجالات حياته وعلى جميع الأصعدة الروحاني منها والعلمي والنفسي والصحي والاجتماعي؛ لأن التوقف في الحياة تراجعٌ ليس إلا. ومن الجدير بالذكر أننا وإن ذكرنا مصاديق لما يشغل فئة الشباب من بعض الملهيات إلا أن ذلك لا يعني اقتصار اللاهدفية في الحياة والعبثية فيها عليهم، بل هناك فئات أخرى من الناس عاشوا هذه الصفة كبعض الذين بلغوا سن التقاعد من الجنسين، ففي الوقت الذي ينبغي أن تكون هذه المرحلة من العمر مرحلة الاهتمام بالذات بشكل أكبر ومن جميع النواحي الروحانية والخلقية والعبادية والصحية والنفسية والاجتماعية، وممارسة الهوايات وتنمية بعض القدرات، والمطالعة في مختلف المجالات، والشروع ببعض المشاريع الخيرية والتطوعية وما شابه؛ لما تتسم به من خفة المسؤولية عادةً حيث الأبناء قد كبروا واعتمدوا على أنفسهم غالباً، إلا أن البعض وللأسف الشديد يفضل أن يهدر وقته ضياعاً، فتجدهم قد ملؤوا مقاعد المقاهي يوقدون سكائرهم بساعات عمرهم، ويحتسون أكواب قهوتهم الواحد تلو الآخر منبهين أجسامهم على ضرورة اتخاذ الكسل عملاً والخمول منهجاً، قد أدى إحساسهم بانتهاء رسالتهم في الحياة وفراغهم من تحقيق أهدافهم إلى شعورهم برتابة ما تبقّى من حياتهم؛ ولذا لا يجد بعضهم عملاً سوى الانشغال بحياة غيره فيتدخل فيما لا يعنيه، ويجهد عقله وتفكيره فيما لا ينبغي عليه، وعندئذٍ لا يجني لنفسه إلا الهم والشقاء، ولا يحصد من الآخرين سوى النفور والجفاء، في حين أن من يستشعر الهدفية في حياته لا يتوقف عن تطوير ذاته مهما كانت ظروفه ومهما تقدم في السن أو تراجع في الصحة. وقد يتصور البعض أن الكلام عن اللاهدفية هو كلام مبالغ فيه إذ إن المعلوم أن الكثير من البشر لهم أهداف وأحلام وأمنيات وطموحات منذ نعومة أظفارهم وحتى يُقبروا، نجيب نعم إن ذلك صحيح إلا أن وجود الهدف عند الإنسان غير كافٍ ما لم يقترن بوضعه حيز التنفيذ، من خلال وضع خطط لأجل ذلك، ومن ثم السعي الجاد إلى تحقيقه على أرض الواقع من خلال البحث عن الوسائل المتاحة والأدوات الممكنة لذلك. فكم من أهدافٍ وأحلامٍ قد عاشت في الخيال وماتت وقُبِرت بموت أصحابها دون أن تتنشق هواء الواقع! وكم نسمع من الكثير أنه يحلم بأن يفعل كذا وكذا، ويبني قصورا فارهة وحياة منعمة في ليله على صفحة خياله ولكن ما إن يصحو حتى يُذهب سلوكه اليومي بكل تلك القصور كما يذهب ضوء الشمس لمعان النجوم. إذن فعلى الإنسان أن لا يكون هادفاً وحسب، بل وعاملاً على تنفيذ هدفه، ساعياً وبكل جد إلى تحقيقه. وإلى جانب هذا الصنف من الناس نجد صنفاً آخر تراه هادفاً في مقتبل عمره باذلاً كل جهده في سبيل تحقيق هدفه، ولكنه ما إن يتحقق حتى يسترخي فيما تبقّى من حياته مقتنعاً بما حققه، في حين أن الإنسان الناجح لا يحقق هدفاً إلا وفي ذهنه هدفٌ آخر يحثّ الخُطى إليه. وللأهداف أهمية كبيرة في حياة الإنسان لأسباب كثيرة أهمها: أولاً: بالرغم من أن عمر الإنسان رأس ماله الذي لا يمكن تعويضه أبداً إلا أن الكثير من الناس يبعثره هنا وهناك دونما جدوى أو فائدة، ولذا فإن الالتزام بأهداف نحققها يجعلنا أكثر وعياً بـقيمة الزمن وأكثر حرصاً عليه، نستثمره لتغيير أوضاعنا نحو الأفضل، لا أن نبحث عمّا به يُقتَل. ثانياً: عدم استهداف هدف معين أو عدم التخطيط لتحقيقه هما السبب الأبرز في خسران الفرص في الحياة؛ لأن الفرص تمر مر السحاب، فما لم تكن واضحاً في أهدافك وطموحاتك، عارفاً بقدراتك وإمكانياتك قد لا تحسن استثمارها بالشكل الأمثل. ثالثاً: وضع الأهداف في الحياة ومن ثم العمل على تحقيقها ينقذان الإنسان من الإحساس بالتعاسة والحزن، ويقوده شيئاً فشيئاً نحو السعادة والنجاح؛ وذلك لأن الإنسان ــ كما يذكر علماء النفس ــ غالباً ما يشعر بالحزن عندما يكون غير مشغول فيسأل نفسه أهو سعيد أم لا؟ وأما في حال انشغاله فإنه قد لا تتاح له الفرصة ليسأل نفسه ذلك السؤال حتى. رابعاً: لابد من التأكيد على التنوع في الأهداف وتعددها قدر الإمكان لأن الحياة كثيرة التغير، دائمة التقلب، فقد يجتهد الإنسان ساعياً إلى هدف ما لكنه قد لا يتحقق لأمر خارج عن إرادته والمثال الأوضح هو هذا الكم الهائل من الخرّيجين الذين لم يحققوا هدفهم بالحصول على الوظيفة. وأخيراً فإن للأهداف سمات لابد أن تتسم بها وهــي: أولاً: المشروعية: أي لابد أن تكون الأهداف مشروعةً في الحياة، أي مباحة لا تشوبها حرمة ولا تكتنفها شبهة؛ لأن الأهداف غير المشروعة وإن كانت سريعة النمو وفيرة المكسب إلا أنها في الوقت ذاته تحيل حياة المرء إلى حياة مضطربة يشكو فيها من الضنك والتعاسة؛ لأن تلك الأهداف تحط من التوازن العام لشخصية الإنسان وتولد فيها صراعات عنيفة، الأمر الذي يُفقِده السلام الداخلي. ثانياً: انسجام الأهداف مع الهدف الأكبر: فلا يكفي أن تكون أهداف الإنسان مشروعة بل لابد أن تنسجم مع الهدف الأكبر ــ وهو عند المسلم تحقيق رضوان الله (تعالى) ــ وأن لا تتنافر معه في نتائجها وآثارها. فمثلاً عندما يكون هدف المرء الربح المادي فقط فهذا أمر مشروع ولا شبهة فيه فضلاً عن عدم الحرمة، ولكنه قد لا يكون منسجماً مع الهدف الأكبر والأسمى وهو رضوان الله (تعالى) فيما لو تعارض تحقيق هذا الهدف مع مدّ يد العون إلى يتيم ما أو معونة مسكين ما أو الانتصار لمظلوم ما، وعليه يُستحسن أن يكون هدف المسلم تحقيق الربح بمفهومه الأعم وعدم تقييده بخصوص الربح المادي فقط؛ ليكون أكثر انسجاماً مع هدفه الأكبر. ومما لاشك فيه أن مدى شعور المرء بأنه يحيا حياة طيبة ويعيش الانسجام والتناغم بين مطالبه الروحية والمادية يتوقف على مدى انسجام أهدافه مع الهدف الأكبر وما يقتضيه من قيم. ثالثاً: الملائمة: فلابد أن تكون أهدافنا ملائمة لما نملك من طاقات وموارد ولما نعيشه من ظروف، ولما نميل له ونتطلع إليه. ولا يُفهم من اشتراط كون الهدف ملائماً لابد أن يُتواضع فيه أو أنه الهدف الخالي من التحدي، بل على العكس هو الهدف الذي يتحدى المرء في سبيل تحقيقه الصعوبات، ويتغلب على المعوِّقات، من خلال تفجيره لما كمُن فيه من طاقات، واستخدامه لما أهمِل من موارد، ولا يعجز عن ذلك طالما كانت ضمن الحدود الممكنة. وأما الطموحات غير المتسمة بهذه السمة فإنها بلاشك إما أن تؤدي بالأفراد لأن يسلكوا طرقاً غير مشروعة لأجل تحقيقها، أو أن تؤدي بهم إلى الشعور بالعجز والانحسار، مسببةً لهم آلاماً نفسية وشعوراً بالتحطم والانهيار. ومن السبل التي يمكن من خلالها الجمع ببن الأهداف الكبيرة وإمكانية تحقيقها هو أن يضع المرء لتحقيقها أهدافاً صغيرة، فالهدف الكبير قد يمكن تحقيقه من خلال سلسلة من الأهداف الصغيرة التي يمكن أن تكون بعضها وسيلة للبعض الآخر، كالطريق الطويل تماماً الذي يمكن قطعه من خلال الخطوات الصغيرة. ولا يتحقق ذلك إلا بالصبر والأمل وتواصل العمل، وكما قيل: قليل دائم خيرٌ من كثير منقطع. رابعاً: المرونة: من الجميل أن نستشعر المتعة والراحة عند تحقيقنا لأهدافنا، إلا أن ذلك لا يكون إلا إذا أسبغنا عليها سمة المرونة، فالأهداف التي تفتقد تلك السمة تتحول إلى التزامات مقيدة لحرية الإنسان، حائلةً دون تحقيق رغباته. ومن سبل إضفاء المرونة على الهدف هو تحديده ضمن حدود دنيا وحدود عليا، فمثلاً من الأهداف الصغيرة التي تصب في هدف تطوير الذات هي المطالعة اليومية فمن المستحسن أن يكون مرناً بأن نحدد له من ساعة إلى ساعتين مثلاً، بدلاً من حصره بساعتين وحسب. خامساً: الوضوح: وهو من السمات المهمة جداً للهدف، إذ يمكن من خلالها معرفة نسبة ما أُُنجِز منه ونسبة ما لم يتم إنجازه بعد، كما يبين بوضوح المعوقات والعراقيل التي تعترض طريق تحقيق ذلك الهدف. بخلاف من لا يملك تلك السمة في أهدافه فتجده مضطرباً ضائعاً لا يعلم ما الذي أنجز؟ ولا يدري إلى أين وصل في تحقيقه لهدفه؟ كما يفتقر إلى تشخيص المعوقات بدقة. سادساً: تحديد توقيت لإنجازه: فالزمان ثروة هي في تناقصٍ دائمٍ أبداً شئنا ذلك أم أبينا، كما أن طاقاتنا قابلة للنفاد؛ لذا فمن الضروري تحديد سقف زمني معين لأهدافنا. ثم إن بعض الأهداف تفقد قيمتها الحقيقية إن لم تتحقق في الوقت المناسب، كالتفاهم بين الشركاء الذي لا يتحقق إلا بعد فشل المؤسسة مثلاً. كما أن بعضها لا ينتظر، فإما أن يُحقق في الوقت المناسب أو لا، فكم من مؤمن كان من أهدافه الزواج بفتاة مؤمنة تشاطره الرؤى والاهتمامات وتوافقه في الآمال والطموحات، إلا أنه لم يتحقق لإسدال ستار التواني عليه واللامبالاة. وختاماً فإننا كمؤمنين بأن لقاء الله (تعالى) أمرٌ لابد منه فحريٌ بكل منا أن لا يقتصر على ما يؤديه من عبادات، بل ويهيأ ما سيقدمه بين يدي خالقه من إنجازات، وفقنا الله وإياكم لذلك إنه سميع مجيب الدعوات.

رضا الرحمن غايتي

كذب مفترى

انتشر على الشبكة العنكبوتية مقولة نسبوها إلى أمير المؤمنين – عليه السلام- (لا تبك على وسادتك فلن تغيّر من الأمر شيئًا وابك على سجادتك وسيرزقك الله بعد العسر يسرًا). أن هذه المقولة ليست من الروايات أصلًا. فهو كذب نسب إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ). مضافاً إلى أن القرآن الكريم يقول (فإنّ مع العسر يسرًا) ولم يقل (بعد العسر). المقولة نفسها من حيث المعنى تهدف إلى اللجوء إلى الله والتضرع له بالصلاة والسجود والبكاء، بدل حالة اليأس التي تصيب الإنسان وقت وقوعه بمشكلة ما، وهذا أمر لا بأس به بلا أدنى شك. ولكن علينا أن نتذكر أن من آداب الدعاء هو أن يدعو العبد في الرخاء على نحو دعائه في الشدة ، لما في ذلك من الثقة بالله ، والانقطاع إليه ، ولفضله في دفع البلاء ، واستجابة الدعاء عند الشدة ، ولا ينتظر أن يقع في الشدة ليدعو الله تعالى. قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه : ( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ..) الزمر : ۸ وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( من سَرَّهُ أن يُستجابَ له في الشدة ، فليكثر الدعاء في الرخاء ).(١) وكان من دعاء الإمام السجاد ( عليه السلام ) : ( ولا تجعلني ممن يبطره الرخاء ، ويصرعه البلاء ، فلا يدعوك إلا عند حلول نازلة ، ولا يذكرك إلا عند وقوع جانحة ، فيضرع لك خدَّه ، وترفع بالمسألة إليك يده ) .(٢) إنها مسؤولية عظيمة أمام الله عز وجل، فلا ينبغي للإنسان أن ينشر كل ما يقرأ أو يسمع إلا بعد التحقق من صحة الحديث والرواية من حيث السند والدلالة. قال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء:36]، فالإنسان مسؤول عن سمعه وقلبه وبصره فالواجب عليه ألا يقول: سمعت كذا إلا عن بصيرة، ولا يقول: نظرت كذا إلا عن بصيرة ولا يحكي إلاعن بصيرة أو يعتقد بقلبه إلا عن بصيرة، لأنه لابد أن يكون مسؤول، فالواجب عليه أن يتثبت وأن يعتني؛ حتى لا يتكلم إلا عن علم ولا يفعل إلا عن علم ولا يعتقد إلا عن علم؛ ولهذا قال جل وعلا: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، قال أمير المؤمنين( عليه السلام )في وصيته لابنه محمد ابن الحنفية رضي الله عنه: يا بني لا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كلما تعلم فان الله تبارك وتعالى قد فرض على جوارحك كلها فرايض يحتج بها عليك يوم القيامة ويسألك عنها وذكرها ووعظها وحذرها و أدبها ولم يتركها سدى، فقال الله تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا " وقال الله عز وجل: " إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هنيئا وهو عند الله عظيم " (٣). وعليه فإننا مسؤولون أمام الله تعالى يوم القيامة عن أي حركة أو سكنة ومنها نشر الكلام المنسوب لأمير المؤمنين ( عليه السلام ). على أن نشر مثل هكذا احاديث وروايات منسوبة يفتح بوابة الابتداع ونشر الخرافات. وفي الختام نقول: إن المقولة المنسوبة للأمام علي عليه السلام هي مجرد كلام لغط واضح لا يمت بصلة لبلاغة و لا تحتضنه فصاحة فكيف يصدر عمن كانت البلاغة و الفصاحة دأبه وهو أمير البلغاء، ولا يوجد لها دليل في الكتب الحديثية. رغم إمكان قبول بعض من معناه كما تبين. ---------------------------- (١) -الكافي ج ٢ص ٤٧٢ (٢)- الصحيفة السجادية (٣)-جامع أحاديث الشيعة - السيد البروجردي - ج ١٤ - الصفحة ١٢٨ حنان الزيرجاوي

حنان الزيرجاوي

ابحث عن مفقود

قالت حواء… نشأتُ في بيئة ريفية، وتعلقتْ في ذاكرتي صور من الماضي، صور جميلة، صور تلونت بلون الطبيعة -زاهية ناصعة -لم يستطع الزمن رغم عواصف الهموم وأمطار الحزن ان يغير ألوانها. كلّما نظرتُ في جدران مخيلتي أقف أمام واحدة. كان أبي كل يوم يأخذني معه إلى البستان، كنت طفلة صغيرة ألعب وأمرح، فإذا سقطتُ في الوحل وابتلّت ملابسي يضربني، وبعد حين إذا غسلتُ وجهي وجفّت ملابسي يقبّلني ويحملني. كان البستان قريباً من الشارع المؤدي إلى قريتي. رأيتُ جدتي إذا مرت سيارة شيخ القرية تجلس وكأنها تبحث عن شيء وتغطي وجهها. رأيت نساء القرية عندما تمر إحداهن ويأتي رجل تتأخر حتى يتقدمها! لم أسال أمي ولا جدتي لماذا؟ ثم مرّت الأيام ومات والدي قبل بلوغي سن التكليف واخترت طريقي، قرّرتُ أن أكمل تعليمي. لبستُ العباءة في الصف الخامس كانت تحميني من برد الشتاء وحرارة الصيف ....كانت تجمّلتي وتزينني.... وحين وصلتُ إلى ماوصلت إليه وتوظفتُ في أحد مؤسسات الدولة وجدت نساءً غير تلك النساء وجدتُ المرأة تصافح الرجل عند اللقاء. وجدتُ الجميع يجلس ويتشاطر الحديث بل البعض أصدقاء. وجدت مجتمعاً يقلد الغرب. ولا أحد يحب عباءة جدتي. ثم عدتُ لأبحث عن مفقود في ذاكرتي .عدتُ لأقول لأختي وصديقتي: علّمي ابنتك أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يأخذ زينب (عليها السلام) ليلاً لزيارة أمها الزهراء (سلام الله عليها). عدتُ لأنصح كل أم أن تعلّم الحياء لابنتها. عدتُ لأبحث عن مفقود في مجتمعي. نجاة رزاق شمخي

نجاة رزاق شمخي جبر الكناني

شبهة نسبة ضلال النبي (محمد صلى الله واله) قال تعالى ((وَوَجدَكَ ضَالا فَهَدَى))

يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن الله تعالى يصف نبيه نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) في الآية التي ذكرناها بأنه كان على ضلال وأن الله من عليه بالهداية. نقول: ليس في العالم كله كتاب دقيق في التعبير والأداء كالقرآن الكريم، ولا عجب في أن يكون القرآن كذلك ليس كمثله شيء لأنه جاء من لدن خالق (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الشورى الآية ١١. فسبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه :(مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ) سورة النجم آية (٢). وهذه الآية تعد من الأدلة التي تنفي شبهة الضلال عن رسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله). وهنا للرد على هذه الشبهة المتقدمة نذكر بعض اجابات العلماء عليها: أولاً: الضلالة بمعنى العزلة أو التوحد. إن من المعاني اللغوية لكلمة (الضلالة) هي العزلة والتوحد . ومن هنا يُطلق على الشجرة المنفردة وسط الصحراء ((الشجرة الضالة)) ولما كان النبي (صلى الله عليه وآله) يعيش الوحدة واليتم والعزلة بين أبناء قومه ومجتمعه. بل قد جمع إلى اليتم من جهة الأب والأم اعتزل الناس وعدم مشاركتهم في عباداتهم الوثنية، فقد كان مثل الشجرة الوحيدة، يمضي حياته المتوحدة حتى شملته الألطاف الإلهية وأخرجته من هذه الحالة. ثانياً الضلالة بمعنى الشخص الضائع في قومه، وهذا المعنى اللغوي الثاني للضلالة، وهو بمعنى ضياع منزلة الفرد المرموق وشخصيته بين أفراد قومه، كأن يكون الفرد متصفاً بأعلى المراتب من الناحية العلمية والأخلاقية والروحية ومع ذلك لا يوليه قومه المكانة اللائقة به. بل ويتجاهلونه، من هنا فإن هذا الفرد سيعيش حالة من الضياع، وقد عدّ اللغويون هذا المعنى من المعاني الرئيسة لكلمة (ضل). وعليه يكون مراد الآية محل البحث: أن الله تعالى قد أعاد إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مكانته التي تجاهلها قومه وأضاعوها وبذلك يكون الله قد أعاد منزلة النبي إلى نصابها الصحيح. وعليه فيمكن القول: لما كانت هذه الآية المشتملة على كلمة (ضالاً) لم تكن مسبوقة بأي ذكر للمعاصي والذنوب، فلا تتناسب كلمة (ضالاً) هنا مع اقتراف المعاصي. وإنما هي تتحدث عن يتم النبي (صلى الله عليه وآله) وغربته في قومه، وعليه فهي تدل على الضلالة بمعنى (الضياع) أو (الغربة بين أبناء قومه). ثالثاً: ما ذهب إليه الفخر الرازي، من أن المعنى هو الابتعاد عن مقام النبوة: إن من بين معاني الضلال هو الانصراف عن الأمر، فالمراد من ضلال النبي (صلى الله عليه وآله) هو ابتعاده وانصرافه عن أمر النبوة، وإن الله سبحانه وتعالى هو الذي هداه إليها، وإلا فإن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يكن ملتفتاً إليها (١). وقد استدل الفخر الرازي لهذا المعنى بقوله تعالى: (ماكنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) سورة الشورى الآية ٥٢. ففي هذه الآية الكريمة تم افتراض النبي (صلى الله عليه وآله) بعيداً عن حقيقة الكتاب السماوي. وبعبارة أخرى بعيداً عن وثيقة النبوة. وكذلك عن ماهية الإيمان ، وإنه لم يلتفت إلى هذه الأمور إلا بتوفيق وهداية من الله سبحانه وتعالى. ولكن هذا المعنى لا يتوافق مع المباني الإيمانية لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) الذين يعتقدون بعصمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيماً، فلا يُعقل أنه كان جاهلاً بأمر الإيمان وحاشاه، وإنما ذكرنا هذا الجواب من باب الإلزام للآخر. رابعاً: عدم معرفة الدين والشريعة: إن من بين معاني الضلالة في اللغة العربية هو الجهل وعدم المعرفة. فلما كان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن يستطيع الاقتناع بما عليه المجتمع الجاهلي والوثني من الشرك، وكان بسبب فطرته الطاهرة تسوؤه عبادة الأصنام، ومن ناحية أخرى لم يكن هناك دين خالص، حيث كان العالم في تلك المرحلة يعيش ما يصطلح عليه بـ (عصر الفترة) حيث خلت تلك المدة الزمنية من بين ارتفاع عيسى بن مريم (عليه السلام) إلى السماء وظهور الإسلام من أي رسالة سماوية، فكان النبي (صلى الله عليه وآله) في تلك الفترة جاهلاً ومتحيراً في اختيار دينه . من هنا فإن هذه الآية تعبر عن تلك المرحلة بمرحلة الضلالة بمعنى الجهل بالشريعة، والارتباك في اختيار الدين، وإنه إنما اهتدى إلى المعبود الحقيقي بلطف وهداية من الله، وكان من نتائج ذلك تعبد النبي (صلى الله عليه وآله) في غار حراء، وقد تكلل واكتمل هذا اللطف والهداية الإلهية فيما بعد بمقام النبوة والرسالة. وهذا المعنى كسابقه نذكره من باب الإلزام للآخر لا من باب أننا نؤمن به. خامساً: الضلالة بمعنى عدم الهداية : ذهب البعض إلى القول بأن الضلالة المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ليس بمعنى الضلال الفعلي. وإنما بمعنى عدم الهداية، بمعنى أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن مهدياً قبل شمول اللطف الإلهي له، وبعبارة أخرى إن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وسائر الناس بالالتفات إلى ذات الوجود الإنسان الممتزج بعنصر النفس والمادة لا يمكنهم السير بمفردهم في طريق الهداية الحقيقية (العصمة) مائة بالمائة إلا إذا شملهم اللطف الإلهي. وفي الحقيقة فإن الإنسان بالالتفات إلى عنصره المادي والنفساني فهو كائن ضال بالقوة. وإنه يمتلك أرضية الضلال بالفعل. وإن النبي (صلى الله عليه وآله) غير مستثنى من هذه القاعدة، إلا أنه قد هدي إلى طريق الحق والعصمة بهداية ولطف من الله سبحانه وتعالى. وهذا المعنى يحتاج إلى العديد من المقدمات الكلامية والفلسفية العميقة، بحيث يمكن تصوير هذا المعنى بما لا يتعارض مع العصمة التي يعتقد بها شيعة أهل البيت (عليهم السلام). وهناك بعض الآراء الأخرى أعرضنا عنها بغية الاختصار. والكلام اطول من ذلك جدا والبحث أوسع من نحيط بشخصية النبي العظيم .. حنان الزيرجاوي

منذ إسبوعين
180

عطية العوفي .... أول من زار الحسين عليه السلام في العشرين من صفر بعد استشهاده مع جابر

احد ابطال زيارة الاربعين، صاحب وخادم الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الانصاري(رضي الله عنه ) بل هو وجابر أول من زار الحسين عليه السلام في العشرين من صفر بعد استشهاده. لكن مما لفت انتباهي وأثناء الكتابة عن زيارة الأربعين وفضلها هو ان هذا الرجل ليس خادماً فقط بل هو من كبار الشيعة مفسّرٌ، محدثٌ، فقيهٌ، شيعيٌ جَلدٌ؟!! فشمرت عن ساعدي للبحث عن سيرته الطيبة في هذه المقال البسيط تاركا تفصيل الكلام للأخوة القراء. اسمه ونسبه وولادته... هو عطية بن سعد ابن جنادة العوفي الكوفي الجدلي القيسي أبو الحسن من مشاهير التابعين ومن أهل القرآن والحديث وكان شيعيا وبسبب ذلك ضعّفه البعض.(١) الا أنّ أبن سعد في طبقاته قال: (وكان ثقة ان شاء الله وله أحاديث صالحة) (٢) وسيأتي في هذا المقال أسباب تضعيف أحاديثه . وللأسف يُغمط حقه عادة مع أهمية دوره وربما لا يذكر اسمه في المحافل إلا كونه غلاما أو خادما لجابر، ولم يكن غلاما فحسب، وإنما هو تلميذ نجيب لجابر وأبي سعيد الخدري(الكلبي) وراوٍ واعٍ لأحاديثهما وصاحب مواقف.. كان أبوه سعد بن جنادة وهو من بني جديل أول من أسلم من أهل الطائف، وصحب النبي ، وروى عنه عددا من الأحاديث، وبعد وفاة رسول الله كان ممن عرف أمير المؤمنين ، ووالاه وشارك معه في حروبه، وروى عنه بعض الأحاديث. وربما كان في أواخر خلافة أمير المؤمنين عندما ولد له ابن، جاء به إلى الإمام لكي يسميه، فقال هذه عطية الله، وسماه عطية. وقد نشأ عطية في الكوفة، ولذا لقب بالكوفي، إضافة إلى (العوفي) وتشرب التشيع من أجوائها. شيءٌ من سيرته... ولد في خلافة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام. روي أنّ عبد اللَّه بن الزبير دعا محمد بن الحنفية إلى بيعته فأبى ، فحصره ومن معه من بني هاشم في الشِّعب ، وتوعّدهم بالإحراق ، فبعث المختار أبا عبد اللَّه الجدلي في أربعة آلاف ، فسار القوم حتى أشرفوا على مكة ، فجاء المستغيث : اعجلوا فما أراكم تدركونهم ، فانتدب منهم ثمانمائة رأسهم عطية بن سعد العوفي ، حتى دخلوا مكة فكبّروا تكبيرة سمعها ابن الزبير فانطلق هارباً ، فأخرجوا ابن الحنفية ومن معه وأنزلوهم مِنى. كما أن عطية كان من جملة الثائرين على الحجاج الثقفي وظلمه زمن الحجاج في ثورة عرفت بثورة القراء فقد خرج عطية مع ابن الأشعث وسعيد بن جبير وغيرهم على الحجاج ، فلما انهزم جيش ابن الأشعث هرب عطية إلى فارس فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفي عامله فيها أن: ادعُ عطية فإن لعن علي بن أبي طالب ، وإلَّا فاضربه أربعمائة سوط ، واحلق رأسه ولحيته ، فأبى عطية أن يفعل ، فضربه ابن القاسم السّياط وحلق رأسه ولحيته ، واستقر بخراسان بقية أيام الحجاج ، فلما ولي العراق عمر بن هُبيرة أذن له في القدوم فعاد إلى الكوفة فلم يزل بها الى ان توفي عام ١١١ للهجرة وقيل ١٢٧ للهجرة . ما ورد من شعره نسب ابن شهر اشوب في المناقب ابياتا الى عطية تفيض عشقا وولاءً ومعرفة بأمير المؤمنين علي عليه السلام... رأيت عليا خير من وطأ الحصى واكرم خلق اللّه من بعد احمد وصي رسول اللّه وابن عمه وفارسه المشهور في كل مشهد تخيره الرحمن من خير أسرة لأطهرِ مولود واطيب مولد اذا نحن بايعنا عليا فحسبنا ببيعته بعد النبي محمد(٣) سمّاه الإمام علي عليه السلام عطية قال أبو جعفر الطبري في كتاب ذيل المذيَّل: عطية بن سعد بن جنادة العوفي من جديلة قيس يكنَّى أبا الحسن، قال ابن سعد أخبرنا سعد بن محمد بن الحسن بن عطية قال: جاء سعد بن جنادة( ابو عطية) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو بالكوفة فقال: يا أمير المؤمنين إنه قد ولد لي غلام فسمِّه فقال الامام: هذا عطية الله فسُمِّيَ عطية وكانت أمه رومية(٤) . مع القرآن الكريم قال المحقق القمي: (وحكي عن ملحقات الصراح قال: عطية العوفي ابن سعد له تفسير في خمسة أجزاء، قال عطية عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات على وجه التفسير وأما على وجه القراءة فقرأت عليه سبعين مرة). وهو مطبوع حاليا وموجود في المكتبات. مع الحديث قال المحقق القمي: إن عطية أحد رجال العلم والحديث يروي عنه الأعمش وغيره وروي عنه أخبار كثيرة في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو الذي تشَّرف بزيارة الحسين (عليه السلام) مع جابر الأنصاري الذي يُعدُّ من فضائله أنه كان أول من زاره (٥). وقد أخذ عنه أبان بن تغلب ، وخالد ابن طهمان ، وزياد بن المنذر ، كما ذكره النجاشي في تراجم هؤلاء . قال ابن قتيبة : كان عطية بن سعد فقيهاً في زمن الحجاج ، وكان يتشيع . وقد ضعّف عطية جماعة ، منهم : النسائي وأبو حاتم . قال السيد الخوئي : يظهر أنّ تضعيفه ، انّما هو من جهة المذهب ، فقد أكدوا أنّه كان يُعدّ من شيعة أهل الكوفة ، وأنّه كان يتشيع ، قال الساجي فيه : ليس بحجة وكان يقدّم علياً على الكل وقول الجوزجاني : مائل . وعليه فإنّ تضعيفهم إياه لا يُعبأ به ، فقد روى عنه جلَّة الناس ، كما قال البزار ، أو جماعة من الثقات في قول ابن عدي ، وروى له البخاري في( الأدب المفرد ) وأبو داود والترمذي وابن ماجة . ووثّقه ابن سعد وابن معين كما تقدم ، ثم إنّ الرجل معروف بجهاده وثباته، وقد نُكَّل به وعُذّب لحبّه وموالاته لأمير المؤمنين - عليه السّلام (٦). وقد وجدت أثناء بحثي هذا ان تضعيف هذا الرجل كان بسبب نوعية الأحاديث التي رواها فإنه احد رواة حديث الثقلين(٧)، وأن الأئمة اثنا عشر(٨)، وحديث سفينة نوح(٩)، وتفسير آية «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس» في أهل البيت(١٠)، وحديث الغدير، والمنزلة وسد الأبواب غير باب علي ، وحديث إعطاء النبي فدكا، وروى خطبة الزهراء الفدكية وروى عن رسول الله في المهدي أنه «رجل من أهل بيتي) رضي الله عنه من مؤمن صابر مجاهد ، ومفسر ومحدث وفقيه من فقهاء الشيعة وجمعنا وإياه مع محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ____________________________ (١) سير اعلام النبلاء، الذهبي. (٢) الطبقات الكبرى، ابن سعد . (٣) مناقب آل ابي طالب، ابن شهر آشوب. (٤) ذيل المذيل، الطبري. (٥) الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي . (٦) معجم رجال الحديث، للسيد ابو القاسم الخوئي. (٧) مسند أحمد بن حنبل ج٣ (عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله أني قد تركت فيكم الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). (٨) كفاية الأثر للخزاز القمي عن عطية العوفي، عن ابي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله يقول: الائمة بعدي تسعة من صلب الحسين والتاسع قائمهم، فطوبى لمن أحبهم والويل لمن أبغضهم. (٩) المعجم الصغير، الطبراني ج ٢ ص ٢٢ :عن عطية عن أبي سعيد الخدري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم يقول (إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق) و (إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له). (١٠) المعجم الأوسط، الطبراني ج ٢ ص ٢٢٩ في تفسير آية «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس» وأنها في أهل البيت: عن عطية العوفي قال سألت أبا سعيد الخدري من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فعدهم في يده خمسة رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين قال أبو سعيد في بيت أم سلمة أنزلت هذه الآية. علي جابر

منذ إسبوعين
71

فقدان الرغبة بالتعلم والمدرسة

يرغب الأهل بأن يشاهدوا أطفالهم متفوقين ومتميزين في الدراسة، ولكنهم يقعون في أخطاء كثيرة تؤدي إلى ابتعاد الطفل نفسياً عن المدرسة، ومن أجل أن ننهض بالواقع الدراسي للطفل توجّب علينا معرفة الأسباب التي تدفع بالطفل إلى فقدان الرغبة بالتعلم والانكفاء على الذات ومن هذه الأسباب: ١- إهمال الأبوين: يقع هذا الجانب في ثلاثة محاور: أ- عدم التواصل مع الطفل: إن التواصل المستمر مع الطفل يُعدّ من الأساسيات التي تدفع بالطفل إلى الاهتمام بدراسته وتجعله يرغب ويحب التعليم والتعلم لأن الطفل يشعر بالراحة النفسية إذا تواصل معه والداه وهذا التواصل له مظاهر عديدة منها الجلوس مع الطفل وسؤاله عن المدرسة والمعلمين وعن دروسه ومتعلقات المواد والبحث والمناقشة في مواضيع المواد المختلفة مما يجعل الطفل يشعر بأنه موضع تقدير وله مكانه في قلب الوالدين وهذا ما يدفعه إلى الاهتمام أكثر اتجاه دراسته. ب- عدم تشجيع الطفل: أي إن الطفل إذا حصل على علامات مقبولة مثلاً فإنه لا يحصل على التشجيع المناسب الذي يحفزه نحو الأفضل، والتشجيع له مظاهر أيضاً كالربت على الكتفين، والتقبيل، والاحتضان أو تقديم هدايا مادية كأصباغ التلوين أو لعبة جميلة... ج- عدم توفير المستلزمات المدرسية والاحتياجات الأخرى كالملابس اللائقة: فهذا الأمر يؤدي إلى شعور الطفل بأنه فاقد للقيمة في نفوس والديه ويسبب إحباطاً شديداً لديه، خصوصاً أنّ أغلب الأطفال يقارنون أنفسهم بأصدقائهم من النواحي المادية فهو ينظر إلى ما يرتديه أصدقاؤه من ملابس وهذا يؤثر أيضاً بتقدير الذات لدى الطفل، لذا يجب توفير هذه الاحتياجات قدر الاستطاعة من أجل رفع الدافعية لدى الابناء. 2- جفاف المنهج الدراسي: من الأسباب التي تدفع بالأطفال بجميع أعمارهم للابتعاد عن الجو الدراسي هو جفاف المنهج الدراسي وضخامته وعدم تناسبه مع عقلية الطفل، فكثرة المعلومات المطروحة في المواد الدراسية والتي تكون غالباً بعيدة عن الحياة المعاشة والواقعية تؤدي إلى عدم التفاعل معها مما تسبب الملل والإحباط في نفوسهم، فما فائدة كثرة التواريخ المذكورة في التاريخ مثلاً، يجب أن يكون هدف التعليم هو تعليم الطفل إلى اكتساب المهارات وضبط الذات في مراحله الأولى مما يطوّر لديه عملية التفكير، أما طريقة حفظ المعلومات وتكديسها فهي أحد أسباب الملل والاحباط الذي يشعر به غالبية التلاميذ! وللتخلص من جفاف المنهج يجب على المعلمين والتربويين اتخاذ ماي لي مادامت أغلب الحكومات مصرّة على عدم وضع منهج مناسب لتطوير عملية التفكير لدى التلاميذ، منها: أ- تلخيص المنهج والاقتصار على الأشياء المهمة والضرورية والابتعاد عن السرد الذي يسبّب الملل ويزيد شعور الطلاب بالإحباط. ب- أن نسمح للطفل بالتعبير عن الأفكار التي يفهمها من المنهج دون تقييده بالعبارات المذكورة بالمنهج ليشعر بالحرية في اختيار التعابير المناسبة والتي تعبّر عن نفس المفهوم المذكور في المنهج، وهذا ما يسهل عملية الحفظ ويزيد من رغبة الأطفال للدراسة. ج- تقليل الواجبات البيتية: كثرة اعطاء الطفل واجبات بيتية تزيد من الضغط النفسي لديه وتسبب له شعوراً بالاستياء مما يقلل الحافز والرغبة عنده اتجاه الدراسة. 3- أسلوب المعلمين والتربويين: ويعتبر من أهم الأشياء التي تدفع بالأطفال إلى الرغبة بالتعليم أو فقدانها والعزوف عنها ومن الاساليب الخاطئة والمنتشرة بكثرة في أغلب المدارس هي: عدم احترام الأطفال: ومن مظاهر ذلك هو استخدام التعنيف الجسدي واللفظي كالضرب واستخدام العبارات السلبية كالغبي والفاشل، والانتقاد والانتقاص والاستهزاء والتقريع، كل هذه الأساليب تؤدي الى فقدان الرغبة والابتعاد عن الدراسة، لأن مثل هكذا أساليب تسبب مشاعر سلبية للأطفال اتجاه الدراسة واتجاه أنفسهم مما يشعرهم بخيبة الأمل والإحباط لذلك تقل لديهم الدافعية مما يسبب في فشلهم الدراسي... 4- فقدان ثقة الطفل بنفسه: ويعتبر من العوامل الأساسية التي تؤدي إلى العزوف عن الدراسة والتعلم، وفقدان الثقة تؤدي إلى شعور الطفل بعدم قدرته على النجاح في الدراسة وهذه نتيجة طبيعية للأساليب الخاطئة المستخدمة معه فإذا كان كل ما يسمعه من أبويه أو معلميه هو كلمات سلبية (فاشل، غبي، فلان أفضل منك، توبيخ، صياح، ضرب) فإن مثل هكذا أساليب ستجعله يفقد الثقة بنفسه لأنه سيشكل تصوراً مشوهاً وسلبياً عن ذاته وهذا التصّور يحمل معاني عدم القدرة والاستطاعة في النجاح والاستمرار في الدراسة لذلك يفقد الحماس في مواصلة الدراسة نفسياً وذهنياً، وهذا ما يدفعه إلى الخمول وعدم الاهتمام بالتعليم، فالعامل الأول الذي يجعل أغلب الأطفال للاستمرار في عمل شيء ما هو الرغبة والحب، فإذا أحب الطفل شيئاً أو رغب فيه فإن ذلك يدفعه إلى إتقانه والنجاح فيه باستمرار، فإذا عملنا إلى إزالة كل العوائق والمسببات التي تقف في وجه الطفل فإننا نكون قد وفّرنا بذلك دافعاً إيجابياً يدفع الطفل إلى مواصلة مسيرته الدراسية بشكل إيجابي. بعد أن عرفنا قسماً من الأسباب الأساسية التي تقلل الرغبة في الدراسة، فإنه يجب على الأبوين وجميع التربويين أن يأخذوها بنظر الاعتبار من أجل النهوض بالواقع الدراسي للأبناء ومن أجل تحفيز الطفل نحو التعليم وترغيبه فيه. والله ولي التوفيق قاسم المشرفاوي

منذ إسبوعين
125

شبهة أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يُذنب بنص القرآن الكريم

كانت ولازالت الشبهات تلو الشبهات تُثار حول خاتم الرسل والأنبياء (صلى الله عليه وآله) ولأسبابٍ مختلفة ودوافع متعددة، ومن جملة تلك الشبهات دعوى بعض المغرضين: (أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ــ والعياذ بالله ــ يرتكب الذنوب ويقترف المعاصي بشهادة القرآن الكريم)، تشبثاً منهم بفهمهم الخاطئ لبعض الآيات المباركة، وجموداً منهم على ظاهر ألفاظها دون محاولة فهم مغزاها ومعناها، منها قوله (تعالى):" إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا" (1) وللرد على هذه الشبهة لا بد من توضيح مقدمة هامة مفادها: أن الله (تعالى) عندما يُرسل رسولاً ما إلى الناس، فإن الغرض من ذلك بلا أدنى شك هو إيصال تلك الرسالة إليهم لغرض انقيادهم الى توحيد وطاعة رب الارض والسموات، وامتثالهم لكل ما يرد فيها من أحكام وتشريعات، وذلك ما لا يمكن ان يتحقق مطلقاً فيما لو عُرفَ عن هذا الرسول ولو لمرة واحدة أنه ارتكب معصيةً أو قارف ذنباً أو صدرت منه خطيئة؛ لأن كل ذلك من شأنه أن يتسبب في سقوط محله من قلوب الناس ونفورهم منه وبالتالي عدم الوثوق به أو الاطمئنان إليه أو الانقياد إلى أفعاله أو التصديق بأقواله. وعليه لابد أن يكون الرسول معصوماً من الخطأ والنسيان فضلاً عن الخطيئة والعصيان. إذا اتضحت هذه المقدمة البسيطة، يتضح أيضاً أن لا بد أن يكون للذنب الذي أسنده الله (تعالى) إلى رسوله (عليه وآله أفضل التحايا وأزكى السلام) معنىً آخر سوى معصية الخالق (جل شانه)، ومن هنا يمكن الرد على هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: للذنب مراتب متباينة تتعدد تبعاً لتعدد أحوال الأشخاص ومقاماتهم، فمنها ما يكون مخالفةً للأحكام الشرعية ويُعدُّ حينئذٍ جُرماً ومعصيةً لله (تعالى) وهو المعنى الأوضح والأجلى، ومنها ما لا يكون كذلك، ولذا لا يمكن أن يعدُّ جرماً ومعصيةً كما في ترك الأولى؛ ولذا قيل: "حسنات الأبرار سيئات المقربين". إذ ربَّ طاعةٍ يُسر الأبرار بالإتيان بها كنوم الصائم في شهر رمضان المبارك مثلاً، فيما قد يعدُّها المقربون ذاتها معصيةً في حق الحبيب (جل جلاله) لتضمنها غفلةً عنه (سبحانه). ولا يقتصر هذا الأمر على علاقة الانسان بربه، بل هو واردٌ كثيراً حتى في العلاقات المتعارفة بين الناس، ولعل من أرقاها علاقة السيدة الرباب (رضوان الله عليها) بالإمام الحسين (عليه السلام)، فقد ورد أنها «[أقامت] المأتم عليه وبكت النساء معها حتى جفت دموعها. ولما أعلمتها بعض جواريها بأن السويق يسيل الدمعة أمرت أن يصنع السويق، وقالت: إنها تريد أن تقوى على البكاء، وقد خطبها بعد الحسين الأشراف، فأبت وقالت: ما كنت لأتخذ حماً ـ أي أقارب الزوج ـ وهكذا بقيت الرباب سنة بعد الحسين لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت »(2) فعلى الرغم من أن انقطاع الأرملة عن البكاء على زوجها المتوفى مهما كان عزيزاً والزواج بعده والاستظلال تحت سقف البيت ليس من الأمور المحرمة شرعاً ولكن الرباب (رضوان الله عليها) عدّتها ذنوباً لا يحسن الإتيان بها، ومن هنا قيل: أن للعقل أحكاماً وللحب أحكاماً. وعليه يكون الذنب الذي أسنده الله (تعالى) إلى حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وآله) ليس ذنباً بمعنى الجرم والمعصية لا في ساحة الشرع ولا القضاء، وإنما هو بمعنى آخر، وهذا المعنى هو المراد من قوله (عليه وآله الصلاة والسلام):"لَيُرَانُ ـ أو لَيُغَانُ ـ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً"(3)، وهذا الرَّين ـ أي الغبرة ـ هو الاشتغال بما هو في نظره (صلى الله عليه وآله) معصيةً بحق المحبوب (تعالى) من قبيل الانشغال الاضطراري بأمور الدنيا ولو كان يسيراً. كما ورد عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام):"أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان لا يقوم من مجلس وإن خف حتى يستغفر الله عز وجل خمسا وعشرين مرة"(4). وبالتالي (لا تتنافى هذه الآية الشريفة مع المقامات المعنوية من العصمة بل تؤكدها؛ لأن من لوازم السلوك الروحاني واجتياز المدارج والوصول إلى أوج الكمال الإنساني، هو غفران الذنوب. لأن كل موجود في هذا العالم نتاج هذه النشأة المُلكية والمادة الجسمية، وله كافة الشؤونات المُلكية الحيوانية والبشرية والإنسانية المتوفرة بعضها بالفعل وبعضها بالقوة. فإذا أراد السفر من هذا العالم إلى عالم آخر، ومنه إلى مقام القرب المطلق، لا بد من اجتياز هذه المدارج، والعبور من المنازل الواقعة في الطريق، وعندما يصل إلى مرتبة، تغفر له ذنوب المرتبة السابقة وهكذا حتى تغفر له جميع الذنوب في ظل التجليات الذاتية الأحدية، ويستتر الذنب الوجودي الذي هو منشأ كافة الذنوب في ظل الكبرياء الأحدي. وهذه هي غاية عروج كمال الموجود. ويحدث في هذا المقام الموت والفناء التام)(5) وبالرغم من أن هذا الوجه من الرد قد يكون مناسباً جداً للرد على شبهة نسبة الذنب اليه (صلى الله عليه وآله) بيدَ أنه قد لا يتفق تماماً للرد على الفهم الخاطئ للآية محل البحث؛ وذلك لعدم تقديمه تفسيراً للعلاقة السببية بين الفتح (أي فتح قلاع وحصون خيبر أو فتح بلد مكة المكرمة أو المصالحة والمهادنة مع قريش على اختلاف التفاسير) وبين ترتب غفران ذنبه (صلى الله عليه وآله) في الآية الكريمة؛ لأن جملة: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ" جملة شرطية وجزائية، لابد من أن تكون هناك رابطة عقلية أو اعتيادية تربط بينهما بحيث تكون إحداهما علة وسبباً لوقوع الأخرى، ولذا قد يكون الوجه الثاني هو الأسلم والأوفق.. الوجه الثاني: من المعلوم أنه ما من مذهب حق يظهر في عالم الوجود يدعو إلى الحق والعدل وتحكيم المنطق والعقل وهدم أصول الظلم وإماتة الخرافات حتى يتعرض إلى عدة محاولات لطمس دعوته واطفاء نوره من قبل كل من تتعرض مصالحه الشخصية بسببه الى الخطر، منها محاولة إغراء الداعي إليه للعدول عن دعواهم، فإن لم تفلح، عمدوا إلى محاولة تصفيته الجسدية، فإن أخفقوا في ذلك أيضاً شرعوا باغتيال شخصيته الفكرية. وهذا بالضبط ما حدث مع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) فقد حاولت قريش إغراءه، ولما لم تفلح حاولت قتله في عقر داره، ولم تفلح أيضاً فلم يتبقَ لديها إلا محاولة بث الشائعات ضده (صلى الله عليه وآله) حتى اتهموه بأنه طالبٌ للحرب، محبٌ للقتال، متعطش لسفك الدماء، مثيرٌ لنار الفتنة معتدٌّ بنفسه لا يؤمن بمبدأ الحوار ولا يقبل التفاهم وما إلى ذلك! لا سيما بعد استقراره في يثرب ودخوله في معارك طاحنة مع قريش افقدتها أشجع شجعانها. ولذا اشتد في نظرهم ذنب الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) في حقهم، فبعد إن لم يكونوا ليستسيغوا مجرد دعوته ورسالته ورفعوا شكواهم ضده إلى عمه قائلين: "إنّ ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامَنا وضلل آباءَنا"(6) فكيف تراهم يرون ذنبه في حقهم بعد أن قتل صناديدهم؟! فمما لا شك فيه أن قريش كانت تراه على ذنب عظيم وجرم جسيم لذا أخذت تصوره للناس بحسب تصورها الخاطئ .. فكان حينئذٍ لا بد من واقعة كبيرة ومهمة تستقطب الأنظار؛ لتبرئ ساحته المقدسة (صلى الله عليه وآله) مما أتهمه به المشركون الأشرار، لتظهر لهم حقيقته الملكوتية الراقية، وأخلاقه الملائكية الرفيعة، فكانت واقعة صلح الحديبية، حيث انكشف زيف كل تلك الاتهامات وكذب كل تلك الإشاعات، وأنّ مذهبه على خلاف ما زعم أعداؤه، إذ (تصالح مع قومه الذين قصدوا الفتك به وقتله في داره وأخرجوه من موطنه ومهاده بعطف ومرونة خاصة حتى أثار الحضّار من أصحابه ومخالفيه. وهذا العطف الذي أبداه النبي (صلى الله عليه وآله) في هذه الواقعة مع كونه من القدرة بمكان، وقريش في حالة الانحلال والضعف، صوّر النبي (صلى الله عليه وآله) عند قومه وأتباعه صورة إنسان مصلح يحب قومه ويطلب صلاحهم ولا تروقه الحب والدمار والجدال فوقفوا على حقيقة الحال وعضّوا الأنامل على ما افتعلوا عليه من النِسَب وندموا على ما فعلوا فصاروا يميلون الى الاسلام زرافات ووحدانا)(7) وقد ورد هذا التفسير عن الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد روي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الجَهْمِ قالَ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ المَأَمُونِ وَعِنْدَهُ الرِّضَا عليه السّلام فَقَالَ لَهُ المَأَمُونُ: يَا ابْنَ رَسُولِ الله أَلَيْسَ مِنْ قَوْلِكَ أَنَّ الأَنْبِياءَ مَعْصُومُونَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ الله: لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ الرِّضا عليه السّلام: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ عِنْدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَعْظَمَ ذَنْباً مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدونَ مِنْ دُونِ الله ثَلاَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَنَماً، فَلَمّا جَاءَهُمْ صلّى الله عليه وآله بِالدَّعْوَةِ إِلَى كَلِمَةِ الإِخْلاَصِ كَبُرَ ذلِكَ عَلَيْهِمْ وَعَظُمَ وَقَالُوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ}(8) فَلَمَّا فَتَحَ الله تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صلّى الله عليه وآله قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) عِنْدَ مُشْرِكِي أَهْلِ َمَّكَةَ ِبدَعاِئَكَ إِلَى تَوْحيِدِ الله فِيمَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؛ لأَنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ، وَخَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَكَّةَ؛ وَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَم يَقْدِرْ عَلَى إِنْكَارِ التَّوْحِيدِ عَلَيْهِ إِذَا دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ. فَصَارَ ذَنْبُهُ عِنْدَهُمْ فِي ذلِكَ مَغْفُوراً بِظُهُورِهِ عَلَيْهُمْ. فَقَالَ المَأمُونُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الحَسَنِ (9). وأما نسبة الله (تعالى) غفران الذنوب اليه فلأنه (جل جلاله) هو الذي جعل هذا الفتح من نصيبه (صلى الله عليه وآله)، ومن هنا أمكن أن يقال أن الله غفر للنبي (صلى الله عليه وآله) ذنوبه جميعاً؛ ولهذا كان ذلك الصلح فتحاً مبيناً. __________ (1) الفتح 1و2 (2) سكينة بنت الحسين للدكتورة بنت الشاطئ ص68 (3) صحيح مسلم، كتاب الذكر، ص41. وفي الحديث 22 من كتاب أربعين الشيخ البهائي " مَاءة مرة ". (4) الكافي ج2 ص691 (5) الأربعون حديثا ص378 (6) السيرة النبوية لإبن هشام ص285 (7) مفاهيم القرآن ج5 ص254و255 (8) ص 5 ـ 7 (9) مسند الإمام الرضا ج3 ص134 رضا الله غايتي

منذ إسبوعين
77

من أسئلتكم

من أسئلتكم السؤال: السلام عليكم ما هو علاج الوسواس في العبادات وفي العقيدة؟ الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يظهر الوسواس ويكثر غالباً في مناطق اهتمامات الإنسان، والأمور التي يحرص عليها، ولأنّ الإنسان المتدين يهمه الالتزام بالأحكام والقضايا الشرعية، ويحرص على أداء وظائفه وواجباته الدينية، فإنه قد يصاب بهذا الفيروس في هذه المنطقة. ويطلق علماء النفس على مرض الوسواس مصطلح: (العصاب القهري) أو (الاضطراب الوسواسي الجبري). إن النصوص والتعاليم الدينية تولي اهتماماً لمكافحة هذا المرض الخبيث، وتحذّر من الإصابة به، وتضخ المفاهيم والنصائح الوقائية منه. وسبل العلاج منه: 1- برنامج منع الاستجابة هومن أبرز أساليب العلاج المعتمدة حالياً في المراكز الرائدة في العلاج النفسي السلوكي في الولايات المتحدة، لمرض الاضطراب الوسواسي الجبري، والذي يعني منع المريض من ممارسة تصرفاته الوسواسية، لفترة معينة تحت رقابة وإشراف، داخل مستشفى العلاج، أو في بيته بواسطة المرافقين له. مع توفير أجواء مساعدة. وقد لوحظ نجاح هذا البرنامج مع كثير من المرضى الراغبين في العلاج. وإذا ما تأملنا التعاليم الإسلامية حول أحكام المصابين بالوسواس، وكثرة الشك في قضايا الطهارة والعبادات، فإنها تلزم المصاب باعتماد برنامج منع الاستجابة، وأن يباشر ذاتياً مع نفسه هذا البرنامج، فلا يعتني بحالة الشك والوسوسة، ولا يستجيب لها، وذلك هو تكليفه الشرعي، وهو الطريق الوحيد لتخلصه من هذا المرض. حيث روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: "لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه، فإن الشيطان خبيث يعتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرّن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك. قال زرارة: ثم قال : إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم"(1). 2- العلاج المعرفي: إنّ أهل البيت (عليهم السلام) وهم أكمل الخلق كانوا يؤدون الأعمال بسهولة ويسر ومن دون أي تعقيد أو تهويل. والعلاج المعرفي يعني إعادة بناء تفكير المريض وتصحيحه، لتبديل أفكاره الوسواسية، التي أخذت صفة الاستمرارية بعيدة عن التحكم بزمامها، ورغم أنّ أكثر الوسواسيين يعترفون بلا منطقية أعمالهم وممارساتهم، لكن تضخّم بعض التصورات في نفوسهم، والمبالغة والتطرف في بعض الأفكار، هو ما يشكل أرضية مناسبة لحالتهم المرضية. فعلى المبتلى أن يعرف الدّين ويسره, حيث قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾(2), وقال تعالى أيضاً :﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(3). ورويَ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرّهوا عبادة الله إلى عباد الله، فتكونوا كالراكب المنبّت الذي لا سفراً قطع، ولا ظهراً أبقى"(4) . وليعلم من الناحية الفقهية أنّ الأصل هي الطهارة، والإباحة، ورفع المسؤولية عن الجاهل والناسي، وأنّ كل عمل فرغ منه أو تجاوزه ثم شك فيه فلا قيمة ولا أثر لذلك الشك. 3- العلاج الأذكاري: ويعني به ترديد أذكار معيّنة نصّ عليها أهل البيت (عليهم السلام), ومنها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "ذكرنا أهل البيت شفاء من الوعك والأسقام ووسواس الريب وحبُّنا رضا الرب تبارك وتعالى"(5). وأمّا الوسواس في العقيدة وما يلحق به من الأفكار المـزعجة كالأفكار في ذات الله عز وجل والأفكـار في الدين والعقيدة والخوف من الكفر والردة وغيرها فهي ليست جديدة على المسلمين، بل هي بادئة منذ فجر الإسلام، وقد وقعت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله). ومن هنا يجب أن يعلم الإنسان الوسواسي أنّه ليس وحيداً في مشكلته. وأنّ حدوث هذا الأمر ليس دليلاً على ضلال الإنسان وكفره وفسقه وخبثه. بل يجب عليه إذا جاءته هذه الأفكار المزعجة أن يتوقف عنها مباشرة، ثم يلجأ إلى العلاجات التالية: 1- يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقول : (آمنت بالله ورسله) مرة واحدة على الأقل، فنكتفي بمرة واحدة في الجلسة فمثلا لو كنا في مجلس وبدأت الفكرة الوسواسية فيستعيذ بالله مرة واحدة ويتجاهل الأفكار ولا يكررها مادام أنه في نفس المجلس. 2- أن يهدأ ولا يفسِّق نفسه ولا يكفرها بل يتيقن أنّه مؤمن وهذه الوساوس لا تضره أبدا . ويتذكر أنّ غضبه وحزنه ومدافعته لهذه الأفكار إنّما هو صريح الإيمان، وأنّ هذه الوساوس غير مقصودة بل هي من الشيطان . 3- أن يعلم علما يقينا أنّه غير آثم وغير مؤاخذ بهذه الأفكار؛ لقوله تعالى : ( لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها)(6) حيث لم يكلّفه الله تعالى بالتفكر في ذات الله مثلاً أو ببعض الامور العقائدية الدقيقة الاخرى. 4- أن يقول: "أعوذ بالله القويّ من الشيطان الغوي وأعوذ بمحمّد (صلى الله عليه وآله) الرضي، من شرّ ما قُدِّر وقُضي وأعوذ بإله الناس من شرّ الجنّة والناس أجمعين"(7) فهو من احد وصايا الإمام علي (عليه السلام) إلى كميل. 5- روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) : "إذا خطر ببالك في عظمته وجبروته أو بعض صفاته شيء من الأشياء فقل : لا إله إلّا الله محمّد رسول الله عليّ أمير المؤمنين، فإذا قلت ذلك عدت إلى محض الإيمان"(8). 6- الأفضل له أن يقرأ بعض الكتب العقائديّة البسيطة مثل: عقائد الإماميّة، أصول الدين، أصل الشيعة وأصولها، ويحاول طرح أسئلته على المختصين؛ لئلا يبقى قامعاً في دوامة التفكير المشوب بالوسوسة فيرجع إلى انتكاسته. وكلما زاد من أدلته اليقينية على عقيدته، كلما ابتعدت عنه تلك الوساوس الشيطانية. _________________ (1) الكافي: ج3، ص358. (2) البقرة: 185. (3) الحج: 78. (4) بحار الأنوار: ج68، ص212. (5) المصدر السابق: ج26 ، ص227. (6) البقرة: 286. (7) بحار الأنوار: ج74، ص271. (8) فقه الرضا (عليه السلام): 385. علوية الحسيني.

منذ إسبوعين
86

شبهاتٌ عقائدية حول التشيع/ في الـنبوة(1) حـول عصمة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

انطلاقاً من الآية الكريمة (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَىٰ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَىٰ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) قال متزلزل العقيدة: إنّ هذه الآية تنفي عصمة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله). والإجابة على هذه الشبهة ستكون ضمن المطالب التالية: المطلب الأول: ما هي العصمة؟ المطلب الثاني: هل العصمة تجبر المعصوم على ترك المعصية؟ المطلب الثالث: ما هو زمن العصمة؟ المطلب الرابع: هل العصمة عن الكبائر فقط أم عن الصغائر أيضا؟ المطلب الخامس: ما هي مقامات العصمة؟ المطلب الأول: ما هي العصمة؟ لغةً: "عصمَ: أمسكَ ومنعَ، والعصمة أن يعصم الله عبده من سوءٍ يقع فيه، واعتصمَ بالله تعالى إذا تمنّع"(1). أو "هي الاستمساك بالشيء كقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}(2). أو "هي الاعتصام من شيء، كقوله تعالى: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّه}(3). أمّا اصطلاحاً: "هي قوة تمنع الإنسان عن اقتراف المعصية والوقوع في الخطأ"(4). وقد عبّرت عنها بعض كتب الكلام بأنّها أعلى منازل التقوى، "والتقوى: كيفية نفسانية تعصم صاحبها عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فهي إذا ترقت في مدارجها وعلت في مراتبها تبلغ بصاحبها درجة العصمة الكاملة والامتناع المطلق عن ارتكاب أي قبيح من الأعمال، بل يمنعه[تمنعه] حتى التفكير في خلاف أو معصية"(5). إذاً بإمكان النبي (صلى الله عليه وآله) أن يفعل المعصية إلاّ أنّ تقواه تمنعه حتى من التفكير فيها فضلاً عن اقترافها. المطلب الثاني: هل العصمة تجبر المعصوم على ترك المعصية؟ كيف تحصل العصمة؟ وهل العصمة تسلب اختيار النبي (صلى الله عليه وآله) وتقهره على ترك المعصية؟ ولماذا شخص النبي معصوم دون غيره؟ ولماذا لا أكون أنا معصوماً؟ الجواب: إنّ الملاك في عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) هو علم الله سبحانه الأزلي بمستقبل النبي، وإلاّ لــو أفاض الله سبحانه العصمة على مَن سـيرتكب المعصية لـكانَ سبحانه جاهلاً بسلوكيات هذا العبد، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. إذاً العصمة لا تفاض على النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ بعد وجود أرضية صالحة في نفس النبي، كقابليته على المجاهدات الفردية والاجتماعية. وإلى ذلك أشار الشيخ المفيد (قدّس سرّه) بقوله: " العصمة تفضلٌ من الله تعالى على مَن علِم أنّه يتمسك بعصمته"(6). وللعلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) قولٌ مبارك في بيان عدم جبرية العصمة، حيث قال: "إنّ ملكة العصمة لا تغيّر الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعاله الإرادية ولا تخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار، كيف والعلم مِن مبادئ الاختيار، كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سماً قاتلاً من حينه، فانه يمتنع باختياره من شربه"(7). أي إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) تمنعه تقواه واستشعاره بمعية الله تعالى ومراقبته له من ارتكاب المعصية والمخالفات المولوية، وهذا نظير إمكانية صدور القبيح من الله تعالى –فهو ممكن بالذات- إلاّ إنّه تعالى لا يصدر منه القبيح؛ لكونه منافياً لحكمته. مثالان توضيحيان: إنّ الإنسان العادي الذي يعلم بوجود سم في كأس من الماء فإنّه لا يُقدم على شربه؛ لعلمه بعاقبته السيئة. وكالذي يعلم بوجود طاقة كهربائية في سلكٍ عارٍعن العازل فإنّه لا يمسّه؛ لعلمه بالعواقب الوخيمة من وراء ذلك. وهكذا النبي (صلى الله عليه وآله) لا يرتكب المعصية لعلمه علم اليقين بأنّ النار مصير العاصي. فتقواه كانت حاجباً بين الطاعة والمعصية، وقد قرنَ الله تعالى التقوى بالنجاة بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانا}(8). والخلاصة: لقد كانَ النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ذاتاً طاهرةً صافية، متحررٌ من ألوان الموجودات مرتبطٌ باللالون منها، ولهذا اصطفاه المولى ليغير ملوحة أرواح عباده إلى حلاوةٍ وعذوبة بإرشادهم وتربيتهم. المطلب الثالث: ما هو زمن العصمة؟ متى أصبح النبي (صلى الله عليه وآله) معصوماً؟ الجواب: الآراء اختلفت في عصمة الأنبياء من حيث زمن ثبوتها لدى المذاهب الكلامية: أ-الإماميّة قالوا بعصمتهم منذ الولادة وحتّى الوفاة. ب-أغلب المعتزلة قالوا بعصمتهم منذ البلوغ, فقبل البلوغ هو ليس معصوماً! ج-أكثر الأشاعرة قالوا بعصمتهم منذ تنصيبهم أنبياءً، فـالنبي عندهم معصومٌ منذ أن أصبح عمره (40سنة) وقبل هذا السن ليس بـمعصوم! المطلب الرابع: هل العصمة عن الكبائر فقط أم عن الصغائر أيضا؟ اختلفت أيضاً الآراء لدى الفرق الكلامية: أ-الأشاعرة قالوا بعصمة النبي عن الكبائر والصغائر عـمداً فقط. وأجازوا صدورها عن النبي خطأً ونسياناً. ب- بعض المعتزلة قالوا بعصمة النبي عن الكبائر فقط، وأجازوا صدور الصغائر منه. ج-الحشَويّة وبعض أهل الحديث من أبناء العامّة قالوا بجواز صدور الكبائر والصغائر من النبي مـطلقاً (عمداً وسهواً) ! حيث قال الآمدي: "اتفقت الأمة سوى الحشوية ومن جوز الكفر على الأنبياء على عصمتهم عن تعمده من غير نسيان ولا تأويل وإن اختلفوا في أن مدرك العصمة السمع كما ذهب إليه القاضي أبو بكر والمحققون من أصحابنا أو العقل كما ذهب إليه المعتزلة وأما إن كان فعل الكبيرة عن نسيان أو تأويل خطأ فقد اتفق الكل على جوازه سوى الرافضة أما ما ليس بكبيرة فإما أن يكون من قبيل ما يوجب الحكم على فاعله بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة كسرقة خبة أو كسرة فالحكم فيه كالحكم في الكبيرة وأما ما لا يكون من هذا القبيل كنظرة أو كلمة سفه نادرة في حالة غضب فقد اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا وسهوا خلافا للشيعة مطلقا وخلافا للجبائي والنظام وجعفر بن مبشر في العمد"(9). وقال ابن تيمية: "القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر " أبو الحسن الآمدي " أن هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ولم ينقل عنهم ما يوافق القول وإنما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة ثم عن بعض المعتزلة ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين. وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ولا يقرون عليها ولا يقولون إنها لا تقع بحال و أول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقا وأعظمهم قولا لذلك : الرافضة فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل. وينقلون ذلك إلى من يعتقدون إمامته وقالوا بعصمة علي والاثني عشر ثم " الإسماعيلية " الذين كانوا ملوك القاهرة و كانوا يزعمون أنهم خلفاء علويون فاطميون وهم عند أهل العلم من ذرية عبيد الله القداح كانوا هم وأتباعهم يقولون بمثل هذه العصمة لأئمتهم و نحوهم مع كونهم كما قال فيهم أبو حامد الغزالي - في كتابه الذي صنفه في الرد عليهم - قال: ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض. وقد صنف " القاضي أبو يعلى " وصف مذاهبهم في كتبه وكذلك غير هؤلاء من علماء المسلمين فهؤلاء وأمثالهم من الغلاة القائلين بالعصمة وقد يكفرون من ينكر القول بها وهؤلاء الغ الية هم كفار باتفاق المسلمين"(10). وأمّا الشيعة فقد قال الشيخ الصدوق: "اعتقادنا في الأنبياء و الرسل والملائكة و الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين أنهم معصومون مطهرون من كل دنس ، وأنهم لا يذنبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً ، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومن نفى العصمة عنهم في شيء من أحوالهم فقد جهلهم"(11). وقال الشيخ الطوسي : "ويجب أن يكون النبي معصوماً من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها على طريق العمد والنسيان وعلى كل حال"(12). وعلى كلّ عاقلٍ المقارنة بين آراء المذاهب وتحكيم نفسه لمعرفة أي مذهبٍ ينزه رسول الله محمداً (صلى الله عليه وآله). المطلب الخامس: ما هي مقامات العصمة؟ والكلام حول العصمة عقلاً ونقلاً له مقامات: 1- العصمة في تلقي الرسالة 2- العصمة في تطبيق الرسالة 3- العصمة في تبليغ الرسالة وبيان هذه المقامات يأتي في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى. __________________ (1) المقاييس: لابن فارس. ج4،ص331. (2) المفردات: للراغب الأصفهاني، كتاب العين. (3) المصدر نفسه. (4) الميزان في تفسير القرآن: للعلاّمة الطباطبائي، ج8،ص 142. (5) محاضرات في الإلهيات: للشيخ السبحاني، 218. (6) شرح عقائد الصدوق، 61. (7) الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص163. (8) الأنفال: 29. (9) الإحكام في أصول الأحكام: للآمدي، ج1، ص 226. (10) مجموع الفتاوى: لابن تيمية، ج25، ص105_106. (11) الاعتقادات: للشيخ الصدوق، ص 108. (12) الاقتصاد: للشيخ الطوسي ، ص 155. وصلِ اللّهم على أوّل الأوائل وأدلّ الدلائل، مبدأ أنوار الأزلي ومنتهى العروج الكمالي، غاية الغايات المتعيّن بالنشئات، وعلى آل بيته بأزكى التحيات والبركات. علوية الحسيني

منذ إسبوعين
78

حب الحسين أجنّني

النهايات تشبه البدايات عادةً هيجان الارض واهتزازها حمله الى الشعور ذاته قبل عشرين سنة، فبين الماضي والحاضر قلب يتلوى بصوت مذبوح يلملم دموعه المختنقة لينثرها مع كل هدهدة يشق بها سكون الليل على مهدٍ بات مسرحاً للأحداث كان يصغي اليها بعمق وهي تترنم بأبيات لقصة وقعت منذ الف عام عشق هذه الترنيمة سمعها الف ليلة حيث الحسين على الثرى خيل العدى طحنت ضلوعه قتلته ال امية ظامٍ الى جنب الشريعة ورضيعه بدم الوريد مخضب فاطلب رضيعه حتى بلغ الحلم ليتمخض ذلك العشق عن موكب صغير ليكون انطلاقه نحو سفر الخلود موكب راهب ال محمد اول مأدبة نصبه احمد على طريق زائري ابي عبدالله عليه السلام هو ابن الاثني عشر ربيعا عله يلتقي بأبطال قصته الحقيقيين فقلبه الصغير مازال يحلق باحثا في الوجوه لعله يلقاهم لم يهدأ قلبه ولن يستكين حتى يعايش الاحداث ولو من خلال تمثل الادوار، فروحه المثخنة بحكايات العاشقين ترنو وتخفق كطائر يصارع تقلبات تشرين ليلتحق بالسرب لكن قلبه انتكس اكثر عاد باكيا الى البيت يواري دموعه عن امه ولما استخبرته عن حاله قال وبمرارة ان دور الشمر في التشابيه اوجع قلبي تراءت لي مولاتي زينب و السياط تتلوى على متنها تقوم تارة وتسقط اخرى من هول المصيبة تنادي ولا من مجيب، عين منها على الخيم وعين منها على الجسد الشريف وروح تظلل اشلاء القمر رأيت شر خلق الله كيف يكشر عن انيابه ليسخط السماء بأفعاله تعثرت في خطاي وخارت قواي وانا امسك السوط فالدور يحتم علي أن اضرب وبقسوة وقلبي ينزف كنزف المنحر صياح الاطفال نحيب اليتامى دخان الخيم نحر ينزف دما عبيطاً كف وقربة مشهد يدمي القلب ولكنه انتصف لدموعه في العام التالي حين تسنّم دور الحر شعور بالرضا ملا حناياه وكأنه اختصر المسافات للحسين المواكب كانت مرتعا لسنوات عمره فعاشوراء لم تكن وليدة مهد وترتيلة بل هي سفر روحي بين طف كربلاء وذاته المتعطشة ليعيش ولو جزء من احداثها حب الحسين أجنّني... يلامس همس العاشق ونبض القلب يثور يمزق اوصاله صبرا ايتها الروح، يوماً ما سيحين الوصال ليختزل كل المسافات فالروح حبلى والمخاض قريب فها هو ابليس يستنفر جنده ويجلب خيله ورجله نعيق وعواء ونباح يعلو في مدائن الموتى ثمة مؤامرة تحاك خيوطها تحت السقيفة المشؤمة العد التنازلي قد ابتدأ.. سقطت موصل والانبار الظالم امتشق سيفه يحصد بالأرواح ويذبح عاد الابقع متكئا على غرائزه، رائحة زفيره المتعفنة سموم ملئت الارجاء اكفهر وجه السماء فالساعات اصبحت اياما والليل زاد حلكة ..الفجر كعجوز اجهضه المرض الهدوء عم الارجاء ثمة كلمات دوّت تحت القبة رددت الايام أصداءها وسمع ترجيعها في الارجاء (الا من ناصر) سالت الف دمعة لتغسل عيون العاشقين فاض الشوق وقرب المراد ستتكلم البندقية بلغة الارواح هبّ احمد والألم يعتصر قلبه فقد ضاقت به الارض بما رحبت لا لن يدخلوا كربلاء كما دخلوا الموصل والانبار اخبر والديه بعزمه على الالتحاق بصفوف المقاتلين رُفض طلبه من قبل والديه بادئ الامر لصغر سنه ، إلا أن احمد ذا العشرون ربيعا استطاع اقناعهم بالقول: ألستم ترددون دائما: يا ليتنا كنا معكم! فهذه هي الفرصة لتكونوا مع انصار الحسين عليه السلام... استطاع اقناعهم وبل جعلهم فخورين به لأنه كان يترقب هذه الفرصة فقلبه المتّقد يتوهج كالجمر في مواقد الشتاء الليل ضيف ثقيل يكتم انفاس الصباح فثمة روح ترتقب تحت استاره بزوغ الفجر ليلتحق بصفوف المجاهدين تنفس الصباح، تألقت عيناه حمل حقيبته تزود من النظر الى وجه والديه ففي غياهب نفسه احتشدت كلمات الوداع الا انه اكتفى بالقول: في حجكم هذه السنة نحو قبلة الاحرار لا تنسوني من الدعاء انسابت كلماته في اعماقهم وتركت صداها: اذكروني في دعائكم. كانه ينعى نفسه! حمل حقيبته ثم لوح بيديه مغادرا: أراكم بخير حل شهر صفر وبدأ كرنفال الزحف الحسيني يشق طريقه من اقصى نقطة على الارض الى كعبة الاحرار. وقعات خطواتهم وتراتيلهم مزجت بعطر النبوات المنعبث من قباب ذهبية عانقت السماء شموخا فبين وقع الخطى وازيز الرصاص كان اليراع يخط في سفر الوجود اجمل القصص عن رجال لهم قلوب كزبر الحديد يترجمون عشقهم تراتيل تعزفها سمفونية الشهادة لتسكب ارواحهم في قارورة الخلود ففي قاطع محكول أزفت لحظة الرحيل واحتشدت الارواح لتلتحق بركب الملكوت الاعلى فها هو الحسين عليه السلام يسقيهم من كأسه الاوفى واقعة الطف تستحضر احداثها في مخيلة احمد التفت الى اصدقائه مودعا وهو يتلو: فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر حتى غفت عيناه على قلادة من دم نحره تزين وجهه ابتسامة رضا لقد نال مبتغاه ارتقى سلم الوصال يشق الناس طريقهم من كل فج عميق ليالي وأيام بخطى تعجز الارض عن عدها وفي كل مرة تنتحب ان فقدت وقع اقدامٍ عهدتها اول الماشين تهتف باسمه في كل غرف النداء الا ان احمد اختصر الطريق واخترق حدود الزمن وعبر العوالم ونال قرب معشوقه صار يرى الماشين للحسين عليه السلام كما لم يرهم من قبل المشهد من الاعلى اكثر عظمة رأى امرأة تحمل صورته تمشي بعنق مشرأب والنساء يرشقنها بعبارات لائمة جارحة ما اقسى قلبك! قذفتيه في اللهوات كان غضا فتيا شبّ لتوه ترد عليهم بحزم: هيهات هذا جمال صحيفتي وزينتها عند الحسين وفداء له رأته ذات ليلة في عالم الرؤيا يحمل مفاتيح وهو يبتسم: مفاتيحكم انت ووالدي بيدي لكل هاتف رمز سري يحتفظ به صاحبه مغلق الا احمد بقى هاتفه مفتوحا برصاصة اخترقت شاشته ليستقر في ساقه..... رجاء الانصاري

منذ 3 أسابيع
73

لا تُلبِّ كلّ رغبات أبنائك!

إن تلبية كل ما يرغب به أطفالك يقع في خانة الحب المضطرب الذي يدل على عدم معرفة الأهل بأصول التعامل التربوية مع متطلبات الأطفال ورغباتهم! توجد حاجات وتوجد رغبات كثيرة يرغب الأطفال في نيلها والحصول عليها! لنضرب مثالاً على ذلك: لو كان أطفالك يمتلكون ملابس جديدة فلا داعي لشراء أخرى من باب العادة التي اعتاد عليها الكثير من الناس في كل مناسبة. نعم ادخال السرور والفرح على العيال من الأمور المستحسنة التي حث عليها الشرع وفيها أجر وثواب ولكن كثرة الشراء وتلبية كل رغبات الطفل من الأشياء السلبية التي يفعلها الكثير من الأهل بدافع الحب والوقوع في العادات التي يتبعها المجتمع! يمكن أن اشتري لمن يحتاج ملابس أو يحتاج أشياء ضرورية أخرى أراها مناسبة لسد رغبات الطفل من حين لآخر ولكن اتّباع عادات نمطية اجتماعية يكون دافعها العيب من الناس أو فعل الناس لها، هي من الأمور التي تدل على فقدان الثقة! يجب أن يفعل الأهل الاشياء التي يرونها مناسبة لهم ولأبنائهم، تعويد الطفل على شراء أشياء كثيرة فيه مشاكل وسلبيات عديدة، فكثرة توفير الاشياء تفقدها قيمتها وأهميتها ورونقها. يجب أن يعتاد الأبناء على سماع كلمة لا وكلمة نعم وفق ما تقتضيه المصلحة ليتعلموا الاتزان اليومي وليكونوا أكثر اتزانا في طلباتهم، وليتعلموا كيف ومتى يطلبون الأشياء. فلو اعتاد الأطفال على تلبية كل ما يطلبون، فانهم سيضاعفون الطلبات وسيقع الأهل في حرج مادي واجتماعي أيضاً، ولن يتعلم الأبناء التفكير بمشاعر أهاليهم، لأن صفة الانانية ستنمو في نفوسهم وتتجذر شيئاً فشيئاً وبذلك فإن جُلّ تفكير الأطفال سيكون برغباتهم دون التفكير بقدرة الأهل على توفير مثل تلك الطلبات! الحب لا يعني أن أعطي ولدي البالغ من العمر ٨ سنوات مصروفاً بقدر أكثر من الحاجة الفعلية له، إذ يمكن إعطاؤه مبلغاً متناسباً مع حاجته العمرية، ويمكن اعداد بعض الطعام له في البيت! إعطاء الطفل مبلغاً كبيراً نسبياً من المال له سلبيات عديدة تجعله يشعر بأن من حقه أن يحصل على هذا المال كل يوم، ولن يقدّر أتعاب والديه مستقبلاً إطلاقاً بل سيكون ولداً طائشاً لا يقدر قيمة الاشياء التي يحصل عليها دون عناء ودون جهد يذكر. فلا يمكن أن نجعل الطفل يشعر بأن الاشياء سهلة الحصول ومتوفرة في كل وقت! يجب أن نجعل الطفل يشعر بقيمة ما يحصل عليه وهذا يتم بأن نجعل الطفل يشعر ببعض المعاناة ليفهم ويشعر بقيمة الأشياء وأهميتها! في الحياة تحديات وصعوبات كثيرة وإذا قمنا بتوفير كل شيء بسهولة للأطفال فإننا لن نقوم بإعدادهم بشكل صحيح لمواجهة تحدياتها المختلفة، يجب أن نعدهم الاعداد القوي الذي يمكّنهم من الصمود أمام تقلبات الحياة وصعوباتها، وحرمان الأطفال من بعض الأشياء يجعلهم يشعرون بلذتها وقيمتها إذا قمنا بتوفيرها لهم بين الحين والآخر، ويجعلهم يفهمون الحياة أكثر ويدفعهم إلى التفكير المنطقي وتطور عملية التفكير بشكل إيجابي. يمكن أن تتغير احوالك المادية نحو الأسوأ، فلا يكون بمقدورك أن توفر له مصروفاً عالياً، لذلك فإعطاؤك مصروفاً مناسباً يعلّمه القناعة منذ الطفولة ويدفع به إلى حسن التصرف مع المال. ليس في الأمور المادية فقط، بل في تقديمنا المساعدات والإمكانيات لهم أيضاً، فإذا شاهدت ابنك وهو يسقط على الأرض فلا تبادر لمساعدته حتى وإن لجأ إلى البكاء والصراخ فهو يقول لك: تعال وساعدني إني بحاجة إليك. وأنت تقول له بتجاهلك لصراخه: باستطاعتك الاعتماد على نفسك فأنت لست بحاجة لي في هذا الموقف يا بني! بهذه الحركة البسيطة التي قام بها الأهل (سقوط الطفل على الأرض وتجاهله) فإن الطفل سيتعلم بأن بإمكانه النهوض لوحده والاعتماد على نفسه، وبهذا فإنه سيعتمد على نفسه عندما يسقط لاحقاً على الارض. وهذا الموضوع على بساطته فإن كثيرًا من الأهل يفشلون به لأنهم لا يمتلكون المعرفة في تحليله بالشكل الصحيح، لذلك فهم يهرولون مسرعين لمساعدة أبنائهم. الاشياء التي يستطيع الأطفال فعلها بأنفسهم من غير الصحيح أن نتدخل في مساعدتهم فيها، لأننا نقتل لديهم الدافعية ونضعّف من إمكانياتهم وقدرتهم على مواجهة صدمات الحياة، لذلك دع أطفالك يعانون بعض الشيء ليتعلّموا الاعتماد على أنفسهم، ولتُصقل شخصياتهم أكثر، ولتزداد قوتهم النفسية والروحية في كيفية مواجهة مصاعب الحياة منذ الصغر قاسم المشرفاوي

منذ 3 أسابيع
88

احدث المدونين

رضا الله غايتي

علوية الحسيني

حنان الزيرجاوي

أقلام

علي جابر

حنان ستار رواش حسوني الزيرجاوي

Qasim Salim

نجاة رزاق شمخي جبر الكناني

فلاح حسن عبدالرضا العزاوي

رضا الرحمن غايتي

تواصل معنا

  • موبايل : 0773188800