Najat Razak

حاججتها فانتصرت

بقلم: نجاة رزاق طالما وقفت واجمة أمام قسوة قلوب بعض الناس، تحيرني تلك النفوس، تدمي قلبي تلك القلوب الجامدة، تتساقط أوراق أحاسيسي، فلا الدموع ترويها ولا التصبر. كنت جالسة أمام مشهد أطار لباب عقلي، ازدحمت الأفكار وكثرت الأسئلة ولا أجد جوابًا يقنعني... لماذا، ولماذا؟ الوقت متأخر، وجميع من حولي هدأت أصواتهم... لا أدري أين ذهبت بعد أن هومت عيناي بالنعاس... لحظة أم لحظات؟ لا أدري... ثم وجدت نفسي بباب السلطان المتكبر والمتجبر... ووجدتها ببابه قد تلونت بغير لونها! خطر ببالي سؤال (أوَ ليس يقولون أن كل شيء ينطق وكل شيء يسبح لله ويهلل؟) وأنت ماذا؟ بدأت أتكلم كالمجنون فعلًا أن بك بأسًا شديدًا، لماذا فعلت هذا؟ كيف طاوعت العتاة؟ كيف أدميتِ عنق إمامي؟ كيف قسوت على تلك الأقدام الناعمة وأسلت الدماء منها؟ فإذا بها بقوتها وصلابتها تتكلم معي! الآن أيها البشر! الآن أصبح الذنب ذنبنا! ألا تعرفين من أي نوع أنا؟ عندما أمرني ربي أصبحت كالطين بين يدي النبي داوود (عليه السلام). لطالما حميت صدور الأبطال وكنت بيدهم احز رقاب الكفار. الآن جئت من العالم المجهول لتحمليني ذنبكم! ماذا تظنين؟ وبماذا تفكرين؟ أتحسبين أني آذيتهم؟ كلا وألف كلا… أنا عانقت الجسد النحيل واشبعته لثمًا وتقبيلًا، أنا ركعت في حضرته، وسجدت تحت أقدامه أمرّغ كبريائي وعظمتي بتراب قدميه؟ لكن أبناء نوعك ماذا كانوا يصنعون؟ كانوا يسحبون ويسحبون بقوة حتى أسالوا الدماء وحمّلوني خطاياهم. عودي أيتها البائسة إلى عالمك، ولتقر عينك، أني عاهدت نفسي وربي وأمامي أن أقول: أول قطرة من قطرات النار التي تصلي اجسادهم، سأدخل من أفواههم وأخرج من أدبارهم، سوف أكون أغلالًا في اعناقهم إلى جهنم وبئس المصير حتى اشفي غليل كل مؤمن ومؤمنة... عودي فما الذنب ذنبي.

اخرى
منذ 10 أشهر
312

العارفة الصغيرة

بقلم: نجاة رزاق قالوا: ماتت في الشام طفلة صغيرة ، يا لسذاجة عقولهم! جاؤوا بالألعاب والدمى، وضعوها أمام ضريحك المقدس! يا لسذاجة عقولهم! طفلة! وهل يقاس الإيمان بالأعمار؟ يجاهد العباد والزهاد... يصومون سنين وسنين... وأنتِ صمتِ ثلاثة أيام مع أبيك الحسين... يطوف الحجيج حول البيت أعوامًا وأعوامًا... وأنتِ طفتِ حول كعبة آمالك يومًا من الأيام... يقوم السالكون لصلاة الليل مدى الأعمار وأنتِ قمت لوداع أبيك في سفر من الأسفار تصبّرتِ... وتجلّدتِ طوال الطريق شممت عطر الجنة من رؤوس الأب والإخوان والعم والأصحاب... في الصحراء وحرارة الرمال والسماء سمعتِ لهيب جهنم ينادي إنذارًا لقادة الركب والأمراء. ثم تجلت لك عظمة الحق أمام خساسة الدنيا التي يحكمها الطغاة... فحان اللقاء في تلك الخربة! عندما رأيتِ أباك مع جدك وجدتك ورسول الله بانتظارك... يا حبيبة قلب أبيك الحسين... عندما فتحتِ عينيك، صرختِ: أبي... أبي... من الذي خضّب لحيتك؟ أبي من الذي حز نحرك؟ أبي أبي... حتى رفرفت روحك مع أرواح العاشقين للقاء الحق فسلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعثين، أيتها العارفة الصغيرة.

اخرى
منذ 10 أشهر
284

الجماعة الصالحة

بقلم: نجاة رزاق أهم ما ركّز عليه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو بناء الجماعة الصالحة التي تقوم بمهمة التغيير الحقيقي والتدريجي والعميق في أوساط المجتمع الإسلامي، وهذه العملية قد تمت بشكل تدريجي منذ عهد الرسول الأعظم وبدأت تتسع وتتأصل وتتكامل كلما اتسع الفاصل المعنوي والزمني بين الأمة والرسالة. ويعتبر عصر الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام ) بشكل خاص هو عصر التأصيل النظري والتوسع الاجتماعي وتكامل البناء وتحديد معالم وهوية هذه الجماعة المتميزة بالفكر والعقيدة والقيم والسلوك. وقد أطلق الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) عدة اسماء على أتباعهم لتشخيص الهوية وتمييزها عن غيرها ومن تلك الأسماء: شيعة علي (عليه السلام) شيعة فاطمة (عليه السلام) شيعة ال محمد (صلى الله عليه وآله) شيعة ولد فاطمة (عليهم السلام) روى أبو بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام): "نحن اهل بيت الرحمة وبيت النعمة وبيت البركة ونحن بنيان الارض وشيعتنا عرى الاسلام ". (١) وأقر (عليه السلام) اسم الرافضة على الجماعة الصالحة بعد أن سماهم به اتباع السلطان، فحينما شكا إليه بعض أصحابه عن هذه التسمية قال له: (وأنا من الرافضة) قالها ثلاثًا. (٢) للجماعة الصالحة قاعدة وطليعة وقيادة تتمثل بالإمام المعصوم حين حضوره أو في المرجع الديني النائب عنه عند غيابه، والطليعة هي المجموعة المخلصة ذات البصيرة والوعي الكامل بشؤون القائد وحلقة الوصل بين القاعدة والقيادة من جهة وبين القيادة والقاعدة من جهة أخرى. أما عن دور الوكيل فيقوم: ١- بيان الاحكام الشرعية ٢- المواقف السياسية والاجتماعية ٣- التوجيهات والنصائح الاخلاقية . ٤- استلام الحقوق الشرعية أو فصل النزاعات وغيرها من الأمور الحسبية. واستمر هذا النهج وهذا الإعداد من الأئمة (عليهم السلام) وصولًا إلى الامام الحسن العسكري (عليه السلام). إن مرجعية العلماء وقيادتهم للشيعة بعد الغيبة الكبرى التي ابتدأت سنة ٣٢٩ هـ كانت تأسيسًا حيويًا من قبل الائمة المعصومين وبأمر من الله ورسوله .كان الامام الحسن العسكري (عليه السلام) يوجه القواعد الشعبية للرجوع الى الفقهاء وتقليدهم وأخذ معالم دينهم عنهم بعد أن يذكر الصفات التي يجب أن يكونوا عليها بقوله: "فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعًا لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه " (٣). وبهذا اكمل الإمام العسكري الدور الموكل إليه في هذه المرحلة من تاريخ الرسالة الإسلامية، فقد انشأ مدرسة علمية لها الدور الأكبر في حفظ تراث أهل البيت (عليهم السلام) ومبادئ الإسلام أولًا، ومن ثم كان لها الأثر الكبير في نشر فكرة الغيبة وتهيئة الذهنية العامة لتتقبلها ثانيًا، كما كان لها مساهمة فعالة في توجيه شيعة الامام (عليه السلام) بالرجوع إلى الفقهاء الذين هم حصن الإسلام الواقي للمسلمين من الاعداء. وبعد الغيبة ظهرت الآثار الايجابية لمدرسة الامام العسكري (عليه السلام) وتعاليمه ووصاياه في التزام الشيعة بخط المرجعية الرشيدة. ويعد مبدأ الاجتهاد والتقليد عند الإمامية مظهرًا لواقعية هذا المذهب في قدرته على الحفاظ على روح التشريع والرسالة الاسلامية بعد غيبة الإمام المعصوم (عليه السلام) وإلى اليوم الذي يملأ الله به الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا جورًا. ___________ ١- بحار الانوار ٣٥:٦٥ح٧٥ ٢- المحاسن :١٥٧ ٣- تفسير الامام العسكري :١٤١

اخرى
منذ 8 أشهر
384

شوقُ اللقاء

بقلم: نجاة رزاق تَرَكت الأهل والأوطان، جاءت من مدينة الرسول (صلى الله عليه و آله) إلى أرض السواد، لم يُبردْ غليلها شموخ النخيل ولا خُضرة البلاد، بل استقرت بهِ وبها الأيام إلى قصر الظالم... تمضي أيامها أمام كوّةٍ صغيرةٍ حيثُ تنسابُ خيوط الشمس إلى عينيه ليبصر ضوء النهار، يأخذها الحياء عندما تمدُّ عنقها لتنظر حاله، هل أصبح من الأحياء؟ أو أنّ روحه أهلكها شوق اللقاء؟ كأنّي بها تقول: مرّتِ الأيامُ والسنون وأنا الصغيرة ... لكن قلبي الصغير غدى يحملُ هموم الدنيا فما عُدتُ أطير؛ أخشى أنْ أعود لاِبنتكَ فأخبرها بحالك ثم تموتَ حسرةً! المرة تلو المرة، أُخير نفسي بين البقاء أمام تلك الكوّة أو العودة لمدينةِ من هو خير أسوة، فيختارُ قلبي الانتظار؛ ليشمَّ عطرك الفوّاح في الليل والنهار .. وفي يومٍ رأيتُ الناس يتهامسون.. إنّه لأمرٌ مُريب.. لكنهم يتباشرون! ... تأملتُ كثيرًا.. أفيكونُ فرج إمامي؟ لكنّ قلبي يعتصرُ ألمًا، وأرى في وجه السّجان نشوةَ النصر ... ذهبتُ إلى محلِّ دخول الضوء لأشمَّ عطره وأُجدد عهدي له، لم أسمعْ صوت مناجاته ولا ترتيل القرآن ... الغوث... الغوث... الأمان ...الأمان...ماذا أقول إذا سألتني عنكَ المعصومة؟ وقفتُ متحيرةً، وإذا ببابِ السجن تُفتح، صفقتُ بجناحيَّ ...حلقتُ لأحوم في أرجاء بغداد وأجمع أصحابي ... وحين وصلتُ إلى الجسر رأيتُ جنازةً ينادون عليها بذُلِّ الاستخفاف! ورأيت مُحبيكَ يضجون بالبكاء والعويل... مولاي ... يا مولاي، يا صاحبَ السجدةِ الطويلة.. أيّ مصيبةٍ حلّت بشيعتك؟ ماذا أجيبُ ابنتك؟.. ومنذ ذلك اليوم، أقسمتُ أنْ لا أعود إلى مدينتِك.. وها أنا ذا اليوم أطوف بحضرتك أحملُ اسمك.. فهم ينادونني بحمام الكاظم وكفى به شرفًا.

اخرى
منذ 4 أشهر
137

التوكــــل

بقلم: نجاة رزاق شمخي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين. يقول (تعالى) في محكم كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم "يا ٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ" صدق الله العلي العظيم*١ بعد أنْ يُذكِّر (سبحانه) بالنعم التي منَّ بها على البشر ومنها دفع كيد اليهود الذين عزموا قتال المسلمين وإجلاؤهم من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) من المدينة بسبب نقضهم العهد، يقول (تعالى): "واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون"، هناك ربطٌ بين الإيمان والتقوى والتوكل، فكُلّما زاد الإيمان زادت التقوى، وكلما زادت التقوى زاد التوكل على الله. يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: (يجب الانتباه إلى عبارة التقوى المشتقة من المصدر وقاية معناها حماية النفس من السوء والفساد).*٢ أهمية التوكل على الله (تعالى) إنَّ مسألة التوكل على الله من الفضائل الاخلاقية المهمة التي لا يتسنى للإنسان الوصول إلى مقام القرب الإلهي واطمئنان النفس إلا من خلالها، وحينما تطالع القرآن الكريم تلاحظ أنَّ صفة (التوكل) هي أبرز الصفات التي تتجلى في سيرة الأنبياء على مَر التأريخ. فهل بإمكان الإنسان البسيط أنْ يصل إلى هذه الصفة؟ وهل إنَّ التوكل يعني الاعتماد المطلق على الله تعالى بدون السعي وكسب الأسباب الطبيعية؟ ماهي الأعمال التي يجب على الإنسان القيام بها حتى يصل إلى مرحلة التوكل؟ أو لنقل هل إنَّ هناك رياضات روحية يجب على العبد ممارستها للوصول إلى حدِّ التوكل؟ أسئلةٌ نجيبُ عنها تباعًا.. أولًا: ما هو التوكل؟ التوكل: هو تفويض الأمور إلى الله والاعتماد على لطفه؛ لأنَّ التوكل من مادة (وكل)، بمعنى اختيار الوكيل والاعتماد عليه في تسيير الامور، وكلما كان الوكيل يتمتع بقدرةٍ أكبر وإحاطة علمية أكثر فأنَّ الشخص الموكِل يشعر في قرارةِ نفسه بالاطمئنان والهدوء والسكينة. وبما أنَّ الله (تعالى) قدرته لامحدودة وعلمه لامتناهي فحريٌ بالعبد أنْ تكون السكينة والاطمئنان هي التي تلامس قلبه وتدخل إلى أعماق نفسه. ثانيًا: ما مصاديق التوكل على الله (تعالى)؟ ذكر الله (تعالى) صفة التوكل في آياتٍ عديدة واقترنت أكثرها بسيرة الأنبياء (عليهم السلام) الذين يمثلون أبرز المصاديق للمتوكلين على الله (تعالى)، فنراهم قد تحملوا أعباء الرسالة وأذى قومهم فهذا النبي نوح (عليه السلام) يقول: "...فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركائكم ..."*٣ فهو يعيش حالة التوكل إلى حد الاستعداد لمواجهة الأعداد مع قلة المناصرين له ومع كثرة المستهزئين به من قومه، إنَّه التوكل على الله. ثم يأتي من بعده النبي هود (عليه السلام) حيث يقول (تعالى) في وصفه: "إنّي توكلتُ على الله ربي وربكم"*٤. فلم يكتفِ بعدم الاهتمام بمخالفيه وتهديدهم، بل إنَّه من خلال توكله على الله تعالى يعيش حالة القوة والشجاعة والسير في خط الاستقامة. وفي قصة النبي ابراهيم (عليه السلام) نقرأ أعظم درسٍ في التوكل عليه (تعالى)، حيثُ إنَّ النبي (عليه السلام) أسكن ذريته بوادٍ غير ذي زرعٍ استجابةً لأمر الله وتنفيذًا لإرادته. وكذلك النبي شعيب (عليه السلام) الذي يقول (تعالى) على لسانه: "...إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب"*٥ حيثُ يقول إنّه سيستمر في خط الرسالة متوكلًا على إيمانه بالله تعالى والتوكل عليه. كما إنَّ من مصاديق التوكل سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) فكم لاقى من العذاب والاتهامات في تبليغ الرسالة ولكنه كان في جميع أحواله متوكلًا عليه (تعالى). فتراه يجعل أحب الخلق إليه في فراشه ويهاجر إلى يثرب وهو في غاية الاطمئنان والتوكل بأنَّ الله تعالى منجيه من كيد الكافرين. وخاض (صلى الله عليه وآله) الحروب والغزوات الكثيرة وفي كلٍّ منها كان سلاحه إضافة إلى الاستعداد وتهيئة العدة والعدد هو التوكل على الله، حيث يخاطبه (تعالى) في سورة آل عمران قائلًا: "إنْ ينصركم الله فلا غالب لكم وإنْ يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون"*٥ ثالثًا: ما نتائج التوكل؟ يقول (تعالى): "ومن يتوكل على الله فهو حسبه إنَّ الله بالغ أمرِه قد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا"*٦. وهذا وعدٌ إلهي للمتوكلين بحلِّ مشاكلهم بشكلٍ حتمي، فكلُّ الأمور تحت إرادته ومشيئته. فلا تبتئس وتجزع مهما كانت المشكلات عصيبة أو ثقيلة. وقد يسأل سائل: إننا نعيش حالة التوكل ولكن النصر وحل المشكلات يتأخر أحيانًا؟ إنَّه (تعالى) حكيمٌ وعلمه وحكمته جعلت الأمور مرهونة بمواقيتها، ولأن الإنسان يغلب عليه الاستعجال والتسرع يريد كلَّ شيءٍ يجري حسب إرادته، ولعل تأخير أمرٍ يكون فيه صالح الفرد والمجتمع.. رابعًا: هل إنَّ كلَّ شخصٍ يستطيع أنْ يكون متوكلًا؟ نعم باستطاعة كلِّ شخصٍ ذلك، بل يجب على كلِّ شخصٍ أنْ يكون متوكلًا على الله تعالى، وإنْ لم يكن كذلك. وإلا فما الفارق بين المؤمن لسانًا وقلبًا وبين من إيمانه على طرفِ لسانه؟ إذا أتته الدنيا بما يشتهي فهو راضٍ وإلا فهو ساخط على مولاه. فمما لاشك فيه أنَّ العبد كلما قرُب من مولاه زاد إيمانه وتوكله عليه، وهذا الأمر لا يحتاج إلا إلى الثقة بالله تعالى والتسليم بأنَّ كلَّ ما يأتي منه خيرٌ أعجبكَ الأمر أم لا! ويجب التنبيه على أمرٍ مهم وهو (أنَّ التوكل لا يعني التواكل)، فقد يظن البعض أنّ التوكل عليه (تعالى) يعني أنْ يجلس الإنسان في داره والله تعالى يتكفل بمعيشته ومعيشة عياله بحجة أنَّه متوكل! والمريض لا يتناول العلاج بحجة التوكل! وهذا خطأ واضح؛ لأنَّ الله (تعالى) خلق العالم بناءً على قانون العلة والمعلول، والسبب والمسبب. يذكر الشيخ النراقي في جامع السعادات {فمن ظنَّ أنَّ معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالعقل رأسًا، والسقوط على الأرض كالخرقة المُلقاة، فقد أُبعد عن الحق؛ لأنَّ ذلك مُحرم في الشرع الأقدس}.٨ روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): {ألا إنَّ الروح الأمين نفث في روعي: "إنَّه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله (تعالى) واجملوا في الطلب}٩. كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): {إنَّ الغنى والعز يجولان، فإذا ظفرا بموضع التوكل أوطنا}*١٠ ولا غرابة في ذلك؛ لأنَّ العالم كله محضر الله (تعالى)، وإنَّ كلَّ زاويةٍ من زوايا الكون هي محل حضور ذاته المقدسة وعلمه وقدرته؛ لذلك على المؤمنين أنْ لا يخافوا بأي حالٍ من الأحوال، وأنْ يعيشوا حالة التوكل على الله (تعالى) ويسيروا بهذه الروح المعنوية لتحقيق أهداف الرسالة المقدسة وها هي سيدتي زينب (عليها السلام) في يوم عاشوراء تضرب أروع مثلٍ في الصبر على قضاء الله والتوكل عليه ... وهل هناك مدبرٌ غير الله يعتمد عليه الخائفون؟ وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين. ____________ ١-المائدة :١١ ٢-الامثل في كتاب الله المنزل ج٣ :٦٣٨ ٣-يونس:٧١ ٤-هود:٥٦ ٥-هود: ٨٨ ٦--ال عمران :١٦٠ ٧-الطلاق :٣ ٨-جامع السعادات :٦٠٧ ٩-نفس المصدر ١٠-الوافي ج٣:ص٥٦ عن الكافي

اخرى
منذ 4 أشهر
171

صَفعة مُحِب

بقلم: نجاة رزاق قال: أنا ناجح في عملي ولست بحاجة إلى شيء… رزقني الله بزوجة صالحة، وكل ما تمنيته من صفات خيالية وجدته فيها.. وهبني الله بنين وبنات ... لا أُفكر بشيء سوى التخطيط للمستقبل، أين أضع المتبقي من راتبي وكم أصبح المبلغ المدخر... جمعت أصدقائي في مجموعة خاصة وفي الليل والنهار أتواصل معهم... أكثر الأوقات لا أستقيظ إلّا عندما يرتفع قرص الشمس، حتى أني لا أتناول فطوري في البيت، كانت الساعات تمر كأنها دقائق ما أقصر النهار كل يوم أُردد هذه الكلمة ألف مرة... وفي يوم من الأيام... أُعلنت حالة الطوارئ، وأغلقت الدوائر أبوابها... إنه الوباء... بل هو البلاء! بدأت أقلق... أخاف وأنا أرى هذه الأعداد الهائلة من المصابين والموتى... وعندما الجأ إلى صفحات التواصل لكي أُرفه عن نفسي ترعبني كثرة الأخبار والمقاطع عن هذا الوباء، شعرت في لحظة من اللحظات أني طفل صغير بحاجة إلى صفعة والدي، كم كانت يده قاسية لكنها كانت تأتي في الوقت المناسب عندما يصدر مني ذنب أو إساءة. لو كان أبي على قيد الحياة لما تركني أتخبط في الضلال.. تذكرت قوله تعالى: "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ". قلبي يُطمئنني ويقول: أنت في وسط الطريق بإمكانكَ الرجوع، إن الله غفور رحيم وعقلي يخبرني بأني تماديت كثيرًا، نسيت مواعيد الصلاة وكتاب الله تعالى لم افتحه منذ رمضان الفائت! لكن أملي في عفو الله فقد قال تعالى: " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".

اخرى
منذ 3 أشهر
98

المكتبــــة

بقلم: نجاة رزاق أخذتني أقدامي إلى ما فيه للقلب سلوى .. إلى قرونٍ وعقودٍ من الجهد الجهيد ... أنظرُ مرةً بإعجابٍ ... ومرةً أقرأ عنوانًا جديدًا .. رأيتُ أشخاصًا عظامًا ... فكلُّ اسمٍ ينقلني إلى مكان... فأعيشُ معه ذاك الزمان .. لم تكن مجردَ قراطيسَ وأوراقٍ، بل كانت أرواحًا وأنفاسًا ... عنوانٌ أعيش معه لحظتي ... وآخر ينقلني إلى عالَمٍ بعيد .. أتصفحُ الأوراقُ، وأغبِطُ الكاتب ... من قال: إنَّه مات؟ أدورُ حولَ نفسي وأقول: هذا فلانٌ.. وذاك فلان! من أراده يجده هنا في هذا المكان! وفي كلِّ مكانٍ لهُ فيه كتاب ... تذكرتُ قول الشاعر: ما مات من زرع الفضائلَ في الورى بل عاش عمرًا ثانيًا تحت الثرى فالذكرُ يُحيي ميتًا، ولرُبّما مات الذي مازالَ يسمعُ ويرى!

اخرى
منذ 3 أشهر
231

هديٌ في رمضان!

بقلم: نجاة رزاق أمنيةُ كلِّ النساء إذا تزوجت أنْ تُرزق ولداً بكراً يحمل اسم أبيه، ويكون ذخرًا لها أوانِ المشيب، وما إنْ تبدأ نبضاتُ قلبِه تدقُّ بين أحشائها حتى يطير بها الشوقُ كلّ يومٍ آلاف المرات. ترسم له مئاتِ الصور، تخيطُ له من الثياب العشرات. عدد تلك الأشهرِ القليلة كأنَّه سنوات! وحينما يخرج إلى هذا العالم الفسيح، تتألق زهوًا؛ فقد أنجبت ذكرًا. تتخيلُ أنَّها ملكت الدنيا، فتغذيه من روحها وحنانها ولبنها، وتسقيه كأس الولاءِ بدعاءٍ مأثور أو زيارةٍ لأحد الأولياء، وكتابُ الله تعالى وآياتُه ترنيمةٌ تتلوها عليه كلّ صباحٍ ومساء. تغرس شجرة الأمل عند مهده وتسقيها بدموعِ العينين؛ لتكبر ويكبر معها الرجاء. وماهي إلا أيام مع أيام لتصبح شهورًا وسنواتٍ. وعندما يقولون لها إنَّ ابنكِ أصبحَ تلميذًا لابد من فراقه بعض الأوقات، تختلطُ في قلبها مشاعرُ الفرح والحزن، كيف لي بالفراق؟ البعضُ تجلس عند باب المدرسة تسمع صوته مختلطًا مع أصواتِ المئات، مرددًا نشيدًا للوطن... موطني موطني.. إنّه الصبح آت ... وتمرُّ الأيام وتشاهد سُمرةً على خديه، تضع يديها الناعمتين على كتفيه: بُني أصبحتَ رجلًا! تلك المشاعر يا لها من مشاعرّ! فرحٌ، سرورٌ، لا توصف .. تبدأ بالبحث والتنقيب عن أجملِ الفتيات، كُلّما رأت إحداهن تخيّلتها مرتديةً ثوبًا أبيضَ، حاملةً باقةَ وردٍ حمراء، ويدُ حبيبها بيدِ تلك الفتاة. تسمعُ أهازيج الفرحِ وترى نُثاره، ثم تعودُ لصحوتها فلا تجد ولدها ولا تلك الفتاة! وفي يومٍ ما يأتي نداء الجهاد، بيتكم في خطر، هبوا يا أبطال الوغى، تقفُ حائرةً: هل تتركه يرحل؟ .. لا، لا، وأحلامي وأمنياتي، هل تذهب سدىً؟ لا احتمل هذا .. حتى يقف بين يديها ويُخيّرها بين الحياة وبين الجنة! فتختار ... يذهبُ حاملًا في حقيبته كلَّ أيامِها، كلَّ أحلامِها، تنتصر معه على الشيطان، ثم يغادر لقتال أعوان الشيطان ... وفي يومٍ من أيامِ الشهرِ الفضيل، في اعتداءٍ من أوكار داعش على قطعاتِ الحشد المقدس، يرحلُ شهيدًا ... يذهبُ كهديٍ قربةً إلى الله تعالى... في شهر الله تعالى... وتبقى أمُّه تحلم بيومٍ تلتحقُ به... ولكن متى يكون هذا اللقاء؟

القصص
منذ 3 أشهر
176

من الدين الاسلامي ح١

بقلم: نجاة رزاق الدين الاسلامي دين الأخلاق، يدعو إلى التواصل والتكافل وسيادة روح الإخوة بين أفراده، ولا يستطيع الفرد أنْ يتصرف بمعزلٍ عن أبناء جنسه بحيث لا يكون مؤثرًا أو متأثرًا بهم. لكن ظهرت بعض الظواهر أو بالأحرى اختفت بعض الأخلاقيات ليحلَّ محلها تصرفات أخرى بحجة أنَّ ذلك من التحضر أو التطور. سنتعرض إلى هذه الظواهر في حلقاتٍ تجنبًا للإطالة على القارئ الكريم. أولًا : إكرام الضيف كان وما زال المجتمع العراقي مجتمعًا مضيافًا، ومقارنةً بشعوب المنطقة يُعدُّ من الأوائل في حُسن الضيافة وتقديم أطيب وأشهى الأكلات. ولا يخص هذا الأمر منطقة دون أُخرى أو مجتمعًا دون آخر، أو طبقة دون أُخرى، بل حتى الفقير لا يبخل في تقديم ما عنده إذا حلَّ عليه ضيف. وكم شاهدنا بعض الأشخاص يقترض من أصحاب المحال التجارية أو الجيران لإكرام ضيفه. حتى إنَّا كنا نسمع سابقًا أهلنا يقولون هذه العبارة: (الضيف ضيف الله تعالى)، وكم هو جميلٌ أنْ يُقرن اسم الضيف مع اسم الباري (تعالى)، وإنْ دلَّ ذلك على شيء فإنّما يدلُّ على عظم منزلة الضيف. لكن مما يؤسف له ظهرت في الآونة الأخيرة ظاهرة الاستياء من ورود الضيف من بعض أفراد العائلة، ويتململ منه لا لقلة ما في اليد، بل بالعكس تجد هذه الظاهرة بدأت في بعض العوائل الميسورة! وكم يحز في النفس أنْ تسمع من يحمد الله (تعالى) على بلاء كورونا؛ لأنه أكرمَ هذا الشخص في هذا العام بعدم قدوم الضيوف! لاحظت بعض الأفراد يلجأ إلى طلب الأكلات الجاهزة فيما إذا أُضطر إلى استقبال أحد الأقارب والأصدقاء، وهو أمرٌ جميل إنْ كان بدافع إكرام الضيف والاهتمام به، لكن للأسف كان لتذمر من في البيت من إعداد الطعام. أقول: متى كانت المرأة العراقية متكاسلةً ومتململةً من إعداد أشهى الأكلات؟ ونحن من عهدناها فنانة في المطبخ، تُبدعُ في تحضير أفخر الطبخات من أبسط المواد، لكن هذا الجيل الواعد يبدو أنّه غيرُ مستعدٍ لذلك. لا نقصد الجميع، بل نحن نتألم من هذه الحالة ولو صدرت من عائلة واحدة أو زوجة واحدة. ولا يخفى أنَّ الكرم سمةُ الأنبياء والصالحين على مرِّ التأريخ يقول (تعالى) في قصة ضيفي إبراهيم (عليه السلام ): ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾١ وقد أكدت السُنة النبوية على ضيافة المؤمن وإطعامه وإكرامه يقول (صلى الله عليه وآله): "من أحب الأعمال إلى الله (تعالى): إشباعِ جوعة المؤمن، وتنفيسِ كربته، وقضاء دينه "٢. وقال أيضًا: "اللهُ يُحبُّ الإطعام في الله تعالى، ويُحبُّ الذي يُطعِم الطعام في الله تعالى، والبركة في بيته أسرع من الشفرة في سنام البعير " ٣ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١/سورة الذاريات :٢٦ ٢/جامع السعادات ج٢ : ١١٨ ٣/نفس المصدر والصفحة.

اخرى
منذ شهر
131

من الدين الاسلامي ح٢

بقلم: نجاة رزاق صباحووو ... مساءووو... كيفووو... هلوووو... مرحبـًا .. هذه هي التحيات التي جنيناها من وسائل التواصل الاجتماعي الصديق/ة، الأخ، الأخت الزملاء، كلهم أصبحوا يستسهلون هذه التعابير وكأنّها جانب من جوانب التحضر الشخصي وطرحوا تحية الإسلام جانبًا، وكم يثقل عليهم قول: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وكأنّها تحيةٌ لفئةٍ خاصة من الناس، إذ لابد أنْ تكون رجل دين أو طالباً حوزياً حتى تسمع من يحييك بهذه التحية، بل حتى عندما تدخل مجتمعًا وخصوصًا المجتمعات النسوية وتحييهم بهذه التحية لا تجد الرد بمثلها بل الإجابة تكون: هلو ! أين نحن من الدين الاسلامي؟ هل أصبح الإسلام مجرد عنوان يوضع في هوية الأحوال المدنية فقط؟ قد يقول البعض: هذا اتهام، أفمن أجل إلقاء السلام أخرجتمونا من الإسلام؟! فأجيبه: إذا لم يُطبَّق الإسلام في صغائر الأمور وأسهلها فهل يُعقل أن يُطبَّق في كبائرها! لابد أنْ يتحلى المسلم بالأخلاق الإسلامية جميعها فكلُّ فعلٍ وقولٍ له مردودٌ على شخصية الإنسان وله مظهر ينبغي أنْ يتحلى به، فأنت لابد من أنْ تبرز هويتك الإسلامية في العادات والتقاليد والأقوال والأفعال وجميع سلوكياتك. يقول (تعالى) في محكم كتابه الكريم: "وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا"[النساء ٨6] وعن النبي (صلى الله عليه وآله) في روايةٍ شريفة: "ومن لقيَ عشرةً من المسلمين فسلَّمَ عليهم، كتب الله له عتق رقبة"(1) كما أنَّ فضل من يبتدئ بالسلام يكون أجزل وثوابه أعظم، فمن كلمات الإمام الحسين (عليه السلام): "للسلام سبعون حسنة، تسعٌ وستون للمبتدئ وواحد للراد" وقال: "البخيلُ من بخل بالسلام"(2) هذا وكثيرٌ من الروايات الشريفة تدعو إلى إفشاء السلام بين المسلمين، ويكون ذلك بتحية الإسلام وليس بتحية أهل الكفر أو تحية المتلونين بأخلاق الغرب. والسلام معناه الحب والتآلف والأمن لأخيك المسلم في الدنيا، أما في الآخرة فإنَّ السلام تحيةُ أهلِ الجنة. قال (تعالى): {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ}[إبراهيم:23] كما أنَّ السلام تحية الملائكة للمؤمنين في الجنة، قال الله (تعالى): {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد/23، 24) وقال (عز وجل): {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}[الزمر: 73] فالله (تعالى) هو السلام، ومنه السلام، وإليه السلام، فلا تبخلوا بالسلام. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- مستدرك سفينة البحار علي النمازي الشاهرودي ج٥ :١١7 2- نفس المصدر :١١٨

اخرى
منذ شهر
135

تطويرُ ذاتِ المرأة بعد الأربعين

بقلم: نجاة رزاق روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه قال: "ليس منا من لم يحاسب نفسه في كلِّ يومٍ، فإنْ عمل خيرًا استزاد الله منه وحمد الله عليه، وإنْ عمل شيئًا شرًا استغفر الله وتاب إليه"1 يحمل هذا الحديث دلالةً واضحةً على تطوير الذات، فنظر الإنسان إلى عمله في كلِّ يومٍ، ومراقبةُ أفعاله وتقييمُ سلوكه ثم الحكمُ على نفسه، فإنْ كان العمل خيرًا، حمد الله (تعالى) وطلب منه الاستزادة، وإنْ كان شرًا استغفر الله (تعالى) ونوى عدم العود إلى مثله. وفي هذه المقالة أود أنْ أسلط الضوء على زاويةٍ من زوايا تطوير الذات وأتحدث عن فئةٍ معينة من المجتمع، وهي فئة النساء في أواخر الأربعين. في هذه السنوات من عمر المرأة تكون قد قطعت شوطًا مضنيًا من حياتها، فهي قد قضت أجمل سنوات عمرها في السعي لتلبية حاجاتِ أفراد أسرتها مُضحيةً بأحبِّ الأشياءِ لديها، فقد تغافلت عن أمورٍ كمالية وجمالية كثيرة؛ بسبب الأوضاع الاقتصادية لزوجها أو الاجتماعية التي لا تناسب مكانتها، بل ولطالما ضحت براحتها وربما ببعض أهدافها لأجل عائلتها، وبعد هذه السنوات يكون شعورها كمن شارفَ على الجانبِ الآخر من الشاطئ وتوشك سفينتها على الوصول إلى المرسى بسلام. في هذه الفترة التي تكون قد زوّجت أولادها أو بعضهم، ووفّرت لهم السكن الدافئ مع شريك حياتها، تبدأ عواصف جديدةٌ تهبُّ في حياتها ليس لها وجهةٌ معينةٌ، فسنواتُ العمر أوشكت على الانتهاء، والصحة بدأت بالتنازل إلى ما لا تشاء، رسوم الوجه بدأت تتغير، بعض الخطوط تشابكت على جبينها، سوادُ الليل في رأسها بدا فيه الصبح ضاحكًا على أيامٍ غادرت إلى حيث لا عودة! فماذا تفعل؟ هل تجلس تنظر إلى هذا وذاك، وتتحسر على أشياء لم تستطعْ تحقيقها؟ بعض النساء وللأسف الشديد تشعرُ بأنّها قد انتهى دورها ولا فائدةَ من وجودها، فتبدأ بافتعال المشاكل مع الكنائن، تمنُّ على أولادها بأنّها قدّمت كذا وكذا لهم... حالةٌ من الاكتئاب، واليأس، والشعور بالإرهاق والضجر تعتريها بين فترةٍ وأخرى في اليوم الواحد. لكن هل هذه حالةٌ طبيعية؟ هل إنَّ هذا الشعور يحدثُ لكلِّ النساء؟ الجواب: ربما نعم، فهذه حالةٌ طبيعيةٌ بسبب طبيعةِ الهرمونات في الجسم في هذه المرحلة؛ بسبب انقطاع الطمث، فهنالك هرمون في رحم المرأة يسبب نقصه بعض الأعراض المرضية والنفسية، وهو هرمون الأستروجين الذي يُعدُّ أهم هرمون للمرأة؛ إذ يعمل على تطوير وإطلاق بويضةٍ واحدةٍ كلَّ شهرٍ عندما تكون جاهزةً للتلقيح، وتستعد بطانة الرحم لاستقبال البويضة المُلقحة. ومع تقدّم النساء في العمر، يقلُّ مخزون البويضات لديهن فتتوقف الإباضة والدورة الشهرية والحمل، ويتوقف جسم المرأة تدريجيًا عن إنتاج هرمون الأستروجين الذي يتحكم في العملية برمتها. وبسبب هذا النقص تظهر أعراض مثل هشاشة العظام، ارتفاع ضغط الدم، القلق والاكتئاب، جفاف الجلد، تساقط الشعر وغيرها. ولكي لا يأخذ الموضوع منحىً طبيًا، كما أنّه ليس غرضنا من المقال ولا اختصاصنا، أقول: ماذا تفعل المرأة في هذا السنِّ لكي تطوِّر من ذاتِها، وتخفف من حدّة التألم لجميع هذه الأعراض؟ طرحت هذا السؤال على أستاذة التنمية الأخت منتهى محسن فأجابت مشكورة: تلاحظون أنَّ بعض النساء تعاني من أمراضٍ مزمنةٍ ومستعصيةٍ وهي في بداية حياتها ولكنها لا تدع لتلك الأمراض مجالًا بأنْ تمنعها من تحقيق طموحها وأهدافها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المرأة في هذا السن، إذ تستطيع أنْ تحدد لحياتها المقبلة هدفًا، تسعى إلى تحقيقه، صحيحٌ أنّ جسمها بدأ يتغيّر وتحتاج إلى الراحة أكثر لكن لابُدّ أنْ تستثمرَ وقتَ الفراغ في هذه المرحلة. كما يجبُ أنْ لا تنسى أنَّ الله (سبحانه وتعالى) خلقنا لنكون خلفاءَ الأرض، وهذه الخلافة لا تنتهي إلا بنهاية حياة الإنسان، فلا بُدَّ أنْ تتذكر المرأة أنّها في الشوط الأخير من حياتها، فلا بُدّ أنْ تعوِّد نفسها على الإمساك بمسبحتها وذكر الله (جل جلاله) كثيرًا، فإنّ في ذكره حياةً للقلوب. وإذا كانت هذه المرأة متعلمةً فبإمكانها الالتحاق بإحدى الحوزات العلمية أو دروس تلاوة القرآن، فمن أروع الأمور مصاحبة القرآن الكريم. كما تستطيع أنْ تؤسس مجموعةً خيريةً لمساعدة المحتاجين مثلًا، فأهم شيء أنْ يكون لها هدفٌ فيما بقيَ من حياتها. فضلًا عن ذلك، تستطيع المرأة بخبرتها في الحياة أنْ تُقوِّي الروابط الأسرية بين أفراد عائلتها، فتجمع الكنائن والأحفاد حولها بطيبِ أخلاقها وحسن معاملتها، عند ذلك سوف تكون أمًّا لهنّ. وأخيرًا ننوه أنَّ هذا الأمر لا يحدث للجميع بل الغالبية من النساء، وإلا فما زلنا نشاهد بعض الأمهات في الستينات وما زالت تتحمل مسؤولية البيت وتقوم بالأعمال المنزلية على أكمل وجه. حفِظ الله أمهاتنا وأدامهنَّ تاجًا فوق رؤوسنا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- ميزان الحكمة، الريشهري، ج ١، ص٦١٩

اخرى
منذ شهر
142