المرأة ونصرة العترة المحمدية بين القوّة والفعليّة

بقلم: علوية الحسيني إنّ دائرة نصرة العترة (عليهم السلام) واسعة تشمل الرجل والمرأة؛ لإطلاق الأدلة، فضلاً عن وجوب نصرتهم عليها، وعليه سيتم تناول الموضوع ضمن المطالب التالية: ■المطلب الأول: سبب حث الأئمة (عليهم السلام) على النصرة إنّ السبب من وراء ذلك عقائدي بحت؛ حيث يكمن في بيان الإخلاص، وعمق الإيمان بأصول الدّين، صعودًا إلى الإيمان بما قاله النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، وهذا هو أصل النبوة، ثم بما شاء الله تعالى لهم من منزلة عظيمة، وهذا هو التوحيد، وبعدله سبحانه وهذا هو العدل الإلهي، حيث كانوا (عليهم السلام) هم ثاني من نطق بالربوبية بعد نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله) في عالم الذر حينما سألهم الله تعالى (مَن ربّكم)؟ ونزولاً إلى الإيمان بمصير من ينصرهم (عليهم السلام)، وهذا هو المعاد، وحيث إنّ نصرتهم توجب الجنة. فمن خلالهم وصلتنا معرفة عن المعاد بصورة عامة –جنة أو نار-؛ إذ هم الخلفاء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وبالتالي نصرة الأئمة تشكّل حلقة ربطٍ بين اصول الدّين جميعها، السابقة لأصل الإمامة، وهي التوحيد والعدل الإلهي والنبوة، واللاحقة له، وهي المعاد، ومن بابٍ أولى تظهر لا بدية الإيمان بأصل الإمامة إذ إنّ نصرة أي إمام تكون فرع الإيمان به. إذًا النصرة تسبقها مرحلة مهمة وهي الإيمان، "والايمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالجوارح"(1). فلا يكفي قولكِ: (إنّي مؤمنة بالأئمة وأناصرهم)، ولا يكفي اعتقادكِ القلبي بنصرتهم، بل لابد من أن تقرني مع ذلك عملًا بالجوارح، والنصرة من الأعمال الجوارحية. والنصرة تتجلى في كلّ شيء يرضي الله تعالى. ولهذا كانوا يحثون على أن يكون شيعتهم زينًا وليس شينا، والزين هو في رضا الله تعالى. ■المطلب الثاني: مصاديق النصرة إنّ النصرة قد تكون جوارحية، وقد تكون جوانجية بلحاظٍ، وبلحاظٍ آخر قد تكون قولية وقد تكون فعلية، وعلى ذلك تتعدد مصاديق النصرة: أولاً/ من الأمثلة عن النصرة بالجوارح: •تستطيعين أختاه بيدكِ مناصرة الأئمة (عليهم السلام) بكتابة كتابٍ، أو ورقةٍ، تبين أفضالهم، وتذكر بمقامهم، أو من خلال النشر، أو بإتقان عملكِ البيتي او الوظيفي. •وتستطيعين مناصرتهم بقدمكِ بذهابكِ إلى أماكن لا يغضب الله تعالى لو وجدكِ فيها، فبامتناعكِ من الذهاب إلى بعض المناسبات التي تكون محفوفة بالغناء والموسيقى، هذه نصرة للأئمة؛ لأنّهم لا على هذا أدبوا شيعتهم، بل كان تأديبهم وتربيتهم لنا على كلّ طاعةٍ لله تعالى، لا على سخطه. •وتستطيعين مناصرتهم بسمعكِ، من خلال إيقاف سمعكِ على الكلام النافع لكِ، والابتعاد عن اللغو والزور والغيبة والنميمة والبهتان. •وتستطيعين مناصرتهم ببصركِ، من خلال ايقاف بصركِ على الحلال، والابتعاد عن فضول النظر فضلاً عن النظر إلى الحرام. فهذه الأعمال الجوارحية لو اقترنت بالإقرار اللساني بالإيمان بالأئمة، والاعتقاد القلبي، لشكلت لنا نصرة حقيقية خالصة لهم (عليهم السلام). ثانيًا/ من الأمثلة على النصرة القولية كأن تنصر الأئمة بقول الحق، بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر –مع توفر الشروط-، أو تنتصر لمغتابٍ اغتيب في حضرتها. ثالثًا/ من الأمثلة على النصرة الفعلية كأن تحسن البر بوالديها، وتحسن تبعل زوجها، وتربية أبنائها، وتحافظ على حشمتها وحجابها وعفتها، وتتصف بكل الصفات الأخلاقية الحسنة. حيث أنّ جميع ذلك مطلوبٌ منها كموالية لهم، لتعدّ الأجيال التي تتربى على التضحية والفداء من أجل عترة سيّد الأصفياء (عليهم السلام). رابعًا/ لحاظات أخرى للنصرة: فبمالكِ أختاه تستطيعين النصرة، من خلال أداء الحقوق المالية المترتبة في ذمتك كالخمس، والكفارات، وغيرها من دفع الصدقة، ومساعدة المرضى والمحتاجين، أو العمل على تزويج مؤمن، أو كفالة يتيم، فهذه نصرة مالية، وهي ما يرتضيه الأئمة (عليهم السلام)، حيث روي عن الإمام عليّ عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى اطلع على أهل الأرض فاختارنا واختار لنا شيعة ينصروننا، ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أولئك منّا وإلينا". وعلى ذلك تكون مناصرتكِ آصرة بينكِ وبين ساداتكِ. ■المطلب الثالث: خطورة عدم النصرة يا أختاه! إنّ المرأة التي لا تعيش هم النصرة فهي مخذولة في الدنيا والآخرة؛ والخذلان فرع عدم طاعتهم (عليهم السلام)، وهذا خطر كبير أشارت له الزيارة الجامعة الكبيرة: "من أتاكم نجا، ومن لم يأتكم هلك"، فإن أتيتِ إليهم تمسكتِ بنهجهم ووصاياهم، التي هي أوامر الله تعالى، فأنت ناجية فالحة كما يقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون}(2)، والآيات التي تليها كفيلة ببيان صفات المؤمنين. فالمؤمنة المتبعة لأوامر ربّها، ناجية، مناصرة لأئمتها (عليهم السلا). وإذا لم تتمسكي بنهجهم ووصاياهم (عليهم السلام) فقد خسرتِ خسرانًا مبينًا. ونظير هذا ما ورد في قول نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله): "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي [ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا] ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض". فمن لم تتمسك بكل من القرآن الكريم، والعترة المحمدية فإنّ الضلال مصيرها؛ بلحاظ أنّهم (عليهم السلام) المفسرون للقرآن، الناقلون لتشريع الرحمن، الهادون نحو الجنان. ولهذا اختاه تجدين أنّ الإمام السجاد (عليه السلام) يعلّمنا أدب طلب نصرة الدّين بدعائه: "اللهمّ اجعلني ممّن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري"، وكأنّه يعلمنا المنافسة في هذا العمل حينما يقول: ولا تستبدل بي غيري، وهذا يدل على عظمة النصرة وخطورة الخذلان، ولستِ بعيدة عن الخطاب الدعائي هذا. ■المطلب الرابع: كيفية استعداد المرأة للنصرة أما كيفية الاستعداد فتكمن من خلال العلم والعمل الصالح، فمن تعلم ثم تعمل بما علمته نجت وناصرت، ومن علمت ولم تعمل هلكت، ومن عملت بلا علم تهافتت وسقطت. وقد حثّ أهل البيت (عليهم السلام) على هذه الثنائية، حيث روي عن الإمام عليّ (عليه السلام): "شيعتي والله الحلماء، العلماء بالله ودينه، العاملون بطاعته وأمره"(4). وخير مثالٍ على هذا السلوك ما قالته السيّدة زينب (عليها السلام)؛ حينما قالت: "إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى"، فقد أقرنت العلم بالعمل حتى وصلت إلى هذا المقام السامي الذي لا تناله إلاّ ذات حظٍ عظيم، فآمنت علمًا، وسلّمت عملاً. وكفاكِ فخرًا بالاقتداء، بالسيّدة الحوراء (عليها السلام)، وإلاّ لكنتِ محل سطوة تلك الخطورة. وإنّ أول استعدادٍ للنصرة هو تزكية النفس، وتهذيبها، وترويضها المنطلق من علمٍ سليم؛ لأنّ كل عمل لابد أن يسبق بمرحلة نفسية ثم تعمله الجوارح. والمرأة مخلوق أودع الله تعالى فيها هذه الروح، وأوجب عليها نصرة ائمتها (عليهم السلام) قلبيًا وجوارحيًا؛ فتعمل على تهذيب نفسها. وقبل ذلك كلّه لابد من أن يكون لها علم -كما أشرتُ أعلاه- لتنطلق منه وتعمل به، وتناصر. ومن هنا تتضح أهمية العلم للمرأة؛ فعليكِ أختاه بتنظيم وقتكِ، وتخصيص مقدار منه للعلم النافع، المشعر بالرحمة الإلهية، المعين على النصرة الولائية. ■المطلب الخامس: النصرة الخاتمية ولا يخفى عليكِ أيّتها المؤمنة أنّ نصرة الأئمة (عليهم السلام) نوعٌ من أنواع التمهيد لظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، والنصرة سواء أكانت في زمن الغيبة أو في زمن الظهور، مكنونة في نفس كلّ موالية، فهي (مناصرة بالقوّة) كما يقال في علم المنطق؛ أي ممكن أن تصبح مستقبلاً مناصرة لمواليها (عليهم السلام)، وهذا المستقبل سواء أكان زمن الغيبة أو الظهور. بدليل ما نقرأه في زيارة أمين الله: "ونصرتي لكم معدّة"، ويكفي مجرد العزم على نصرته (عجّل الله فرجه الشريف) بخلوصٍ وصدقٍ وعزم، روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "القائل منكم: إن أدركت القائم من آل محمّد نصرته كالمقارع معه بسيفه والشهيد معه له شهادتان"(5). ويلي وجوب النصرة التمهيدية النصرة في زمن الإمام (عجّل الله فرجه الشريف). فما أسعدكِ لو أمركِ الإمام لدعوة الناس إلى دين الله تعالى! وهل تتوقعين اختاه أنّه يختار لتلك المهمة امرأة لا علم لها؟ حتمًا لا؛ إذ أنّه سيختار ذوات العلم، اللواتي قرنَّ العلم بالعمل وناصرنَ أنفسهنَّ بالتغلب على الهوى والغرور والأنا والصفات الرذيلة، ثم ناصرنَ في بيوتهنّ بجهادهنَ المعروف الذي أشرنا إليه أعلاه. إذًا يجب على النسوة معرفة أهمية مقامهنّ في زمن الغيبة وزمن الظهور، ولهذا يؤكد العلماء المختصون بالقضية المهدوية على التوجيهات التالية بشأن نصرة المرأة لإمام زمانها: "ليس للمرأة بما هي امرأة خطاب خاص في عصر الغيبة، بل الخطاب موجه للمؤمنين عموماً وهي مِن بينهم، فبالنتيجة المرأة في عصر الغيبة مكلّفة بالتكاليف الموجهة للمؤمنين. وفيما يخص تكاليف المؤمنين في عصر الغيبة: أولاً: الالتزام بالأحكام الشرعيّة. ثانياً: طاعة الفقهاء العدول الواجدين لشرائط التقليد. ثالثاً: الدفاع عن مصالح المؤمنين-مصالح الشيعة-. رابعاً: نشر فكر أهل البيت عليهم السلام بمختلف الوسائل من الخطابة والتأليف والشعر والنثر وعقد المجالس وإحياء المناسبات. خامساً: انتظار فرج مولانا صاحب الزمان عليه السلام والدعاء له. سادساً: التفقّه في الدين"(6) فما عليكِ أختاه إلاّ العلم، والعمل، والإخلاص، لتدوم الآصرة بينكِ وبين مواليكِ؛ لإنتاج نصرةٍ تليق بمقامهم (عليهم السلام)، نظير الآصرة الكيميائية بين الذرات التي تنتج مركبًا. .......................................... (1) مما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أمالي الطوسي: للشيخ الطوسي، ج1، ص 379. (2) المؤمنون: 1. (3) الغاشية: 23-24. (4) المصدر سابق، ص576. (5) فروع الكافي، ج8، ص81. (6) مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). اللهم اجعلنا ممن تنتصر بهنَّ لدينك، وتعز بهنَّ نصر وليك، ولا تستبدل بنا غيرنا، فإنّ استبدالك بنا غيرنا عليك يسير، وهو علينا كبير، إنّك على كل شيء قدير.

المرأة بين الإسلام والغرب
منذ 3 أسابيع
281

أقرئي أو لا تقرئي (٣)

بقلم: علوية الحسيني اكفري! قال تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} (١). إنّ الدعوة إلى الكفر هدفها الكفر بكلّ طاغوت، والطاغوت "هو الطغيان والتجاوز عن الحد ولا يخلو عن مبالغة في المعنى... ويستعمل فيما يحصل به الطغيان كأقسام المعبودات من دون الله كالأصنام والشياطين والجن وأئمة الضلال من الانسان وكل متبوع لا يرضى الله سبحانه باتباعه، ويستوى فيه المذكر والمؤنث والمفرد والتثنية والجمع" (٢). فأما عبادة الأصنام المادية فليست في عصرنا حتى تعبد، لكن هناك أصنامًا معنوية، كالأنا المتغطرسة، وبعض من النساء تعبد نفسها، بالغرور والتكبّر، وتلك صفات ملحوظة، بل وقد تتضح مع اقترانها بالغيرة والعياذ بالله. فتلك العبادة طاغوت، فاكفري بها. *وأمّا عبادة الشيطان فهي منبع من منابع الذنوب، وبما أنّ المرأة من بني آدم، فتسويلات الشيطان تعتريها مالم تهذّب نفسها. فتلك العبادة طاغوت، فاكفري بها. *وأمّا عبادة أئمة الضلال فمتحققة في زمننا هذا، فمؤازرته هي عبادة له، وهذه العبادة طاغوت، فاكفري بها. * وأمّا عبادة كل متبوع لا يَرضى الله سبحانه باتباعه، والمتبوعات كثيرة، بل ولعلها متفاوتة من امرأة إلى أخرى، فحريٌ بنا كنساء أن نكفر بها، فهي فتن إبليسية. أُختاه: كم من قولٍ طاغوتيِ نسمعه؟ وكم من سكوتٍ طاغوتيٍ ندركه؟ وكم من فعلٍ طاغوتيٍ نراه؟ هنا تتعيّن علينا وظيفة مقدّسة، أعطاها الله تعالى للأنبياء (عليهم السلام)، وهي الإصلاح، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإنّما خطابي لكِ موجّه لأنّني على دراية أنّكِ من اللواتي إن نطقتْ أصلحَتْ، وإن سكتتْ فعلى الرزانة برهنَت، وإن فعلتْ كقدوة اتُخذَت. فيا بنت الاسلام: إنّ الطاغوت قد أخذ يسري في جسم الإسلام بشكلٍ مسرطن، فهلّا حددنا موعدًا لاستئصاله؟ أختاه: حذار أن تكوني كَلًا على أمتك، وبلسمًا لكل طاغوت. استصرخكِ، لمن تتركين الميدان؟! ألّا يكتوي قلبكِ حين ترين الطاغوت متمثلًا بوحوشٍ كشَّرت عن أنيابها الفضائية، وراحت تعبث في عقول أخواتك، وتنتهك عفتهنَّ وكرامتهنَّ بدعوى التحرر من الدّين؟! فكثير من الطواغيت أخذوا يتكلمون بلسان النساء مطالبين بتحرير المرأة من الحجاب، وما شابه ذلك من تذويب المبادئ الإسلامية للمرأة المسلمة، كي يباح له النظر إلى ما حرّم الله تعالى! فهل يطيب لكِ طعام أو شراب وأنتِ ترين فتاةً تلو فتاة من فتياتنا قد رَمَت حجابها، وتركت صلاتها، وعصت أمر ربّها، منساقة وراء أبواقٍ خاسئةٍ ناعقة؟! رحماكَ يا الله، كيف تقوى نفسكِ على القعود وأنت تملكين – بفضل الله تعالى – القدرة على تحصين نفسكِ، وأخواتك من حبائل المفسدين ومكايد العابثين؟!. إنّ سكوتنا على الطاغوت –المنكر- مع قدرتنا على التغيير لسانيًا، وفعليًا، وتوفر الشروط، واحتمالية التأثير، لهوَ أصدق صور تأييد الطاغوت. لذا عليكِ وعليَّ وعلى كل امرأة أن تشدد عضدها بالأخرى، يكون هدفنا هو إصلاح الغارقات، وإعانة الثابتات، فإذا صلحت المرأة صلح نصف المجتمع، عندئذٍ لا خطر لما يطالب به النصف الآخر؛ لأنّه سيجد ردعًا تامًا. ولا يخفى عليكِ اختاه أنكِ بمجرد كفركِ بالطاغوت فقد دخلتِ في عداد الصالحات، وأصبحتِ خيرًا من ألف رجل غير صالح؛ كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "المرأةُ الصالحة خيرٌ من ألف رجل غير صالح" (٣). لكن الكفر بالطاغوت لا يكفي للاستقامة على طريق الحق، ولا يعين حتى لو تمسكتِ بالعروة الوثقى؛ لأنّ الله تعالى قد قرنَ الكفر بالطاغوت مع الإيمان به سبحانه. والإيمان: هو إقرار باللسان وعمل بالأركان، فالصالحات الكافرات بالطاغوت ممتثلات لأوامر ربهنَّ، منتهيات عن نواهيه، ومن تلك الأوامر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. "روي عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ يَجِبُ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُنَاصِحَه" (٤). وما أشد حاجة مجتمعنا إلى ذلك التناصح، لاسيما من وإلى النساء. ______________ (١) البقرة: 256. (٢) تفسير الميزان: للسيد الطباطبائي، ج2، ص344. (٣) وسائل الشيعة:الحر العاملي:ج20، ص172. (٤) الكافي: للشيخ الكليني، ج2، باب نصيحة المؤمن، ح1. كفرٌ ثم عزمٌ ثم اصلاح فهلاّ كفرتِ؟

المرأة بين الإسلام والغرب
منذ 3 أشهر
878

أقرئي أو لا تقرئي (2)

بقلم: علوية الحسيني تزيَّـني إنّ المتأملة في قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ امَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون} (1)، تجد أنّ الزينة بالأصل محلّلة، لا يحق لأحدٍ تحريمها. بل وإذا قرَنَتْ مع الآية الحديث المروي الإمام الصادق (عليه السلام): "البس وتجمل، فإن الله جميل يحب الجمال، وليكن من حلال" (2)، فإنّها تعطي معنىً مؤكدًا لما جاءت به الآية الكريمة، لحثّها على التجمّل، وحيث إنّ الزينة أحد مصاديق الجمال، فيشملها الكلام. نعم اختاه، إنّ الزينة أمرٌ جميل، بل ومطلوب منكِ كأنثى، وهو أمرٌ من الأمور التي يفترق بها ظاهر شكل الرجل عن المرأة، فتتزيّن الأنثى بالحلية؛ قال تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين} (3)، فالنشأة في الحلية للأنثى يكون منذ ولادتها، وترافقها زينتها طيلة حياتها، بل وحتى في الجنان، فهذا هو دين الله، دين الجمال، دينٌ جعل للزينة تأصيلًا قرآنيًا، فما أجمله من دين! وللزينة أقسام حسب اللحاظات، إلاّ أنّها بدوًا متداخلة؛ ولهذا سوف نتطرق إلى ثلاثة أقسام أساسية، ويتفرع عن كل قسمٍ فرعين. ■أولًا: زينة مادية، كالمجوهرات، والخواتم، والقلائد، والعطور، والأصباغ، والمساحيق، والكحل، وغيرها من الحلي، والثوب المزيَّن، والدهان. * وقد روي في التزيّن بالعطر أو الطيب: " عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ما أنفقت في الطيب فليس بسرف" (4)، فرغم كون الإسراف مذمومًا إلاّ أنّ حكمه في شراء الطيب ليس إسرافًا، بل وقد أعطى الدّين الإسلامي للطيب أهمية وثقلًا في ميزان الحسنات يا اختاه، بدليل ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضًا: "ركعتان يصليهما متعطر أفضل من سبعين ركعة يصليهما غير متعطر" (5). كما وروي "أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) كان يُرى يتبخر بالعود الهندي النيء ويستعمل بعده ماءً وردًا ومسكا" (6). وهناك روايات جعلت من المرأة المتعطرة خير امرأة، وقال (عليه السلام): "خير نسائكم... الطيبة الريح" (7). ورواياتٌ اخرى حثّت على أن تلبس النساء القلائد حتى مع الصلاة، بالإضافة إلى التعطر. *وبالنسبة للتزيّن بالدهان روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: "الثوب النقي يكبت العدو والدهن يذهب بالبؤس والمشط للرأس يذهب بالوباء" (8)، فبالإضافة لفوائده فإنه يضفي زينةً وجمالًا. *وروي في جانب الاهتمام بالشعر الذي هو أحد مصاديق الزينة للمرأة، حيث روي عـن الإمام الصادق (عليه السلام): "إذا أراد أحدكم أن يتزوج فليسأل عن شعرها كما يسأل عن وجهها، فان الشعر أحد الجمالين" (9)، بل وفي روايةٍ اخرى حثٌ على الاهتمام بتصفيف الشعر "عن رسول الله صلى الله عليه وآله: من اتخذ شعرا فليحسن ولايته أو ليجزه" (10)، فحسن التصفيف هو تزيين. *وروي في التزيّن بالكحل "عن الباقر (عليه السلام) قال: "الاكتحال بالأثمد ينبت الأشفار ويحد البصر ويعين على طول السهر" (11). *وفي جانب التزيّن بالحناء، روي الصادق (عليه السلام): "الحناء يذهب بالسهك [الريح الكريهة] ويزيد في ماء الوجه ويطيب النكهة ويحسن الولد" (12). *وفي جانب التزيّن بالتختم، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "تختموا بخواتيم العقيق، فإنه لا يصيب أحدكم غم ما دام عليه" (13). والزينة المادية تلك على قسمين: (أ) محـللة: أي إنه يحلّ شرعًا الظهور بها، مع توفر شروطها، وقد أشار إليها القرآن الكريم محددًا موارد الظهور بها، بقول الله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاء} (14). وممكن تعداد تلك الفئات التي استثنتهم الآية الكريمة، وأجازت للمرأة الظهور بزينتها أمامهم ضمن النقاط التالية: 1/ بين النساء من بني جنس المرأة. 2/ البعل وهو الزوج. 3/ المحارم من جهة النسب والسبب -إن لم تسبب لهم افتتانًا-، كأب الزوج، الأبناء، أبناء الزوج، الإخوان، أبناء الاخوان، أبناء الأخوات. وقد أشار إليها الدّين الإسلامي بين طيّات آياتٍ كريمة، ورواياتٍ شريفة، في موارد مختلفة، بل وحسب كلّ زينةٍ في بعض الأحيان. 4/ ملك اليمين، هم العبيد، وهذا مورد غير موجود اليوم، فيترك تفسيره. 5/ التابعين من الرجال، وهذا مورد يقبّح زينة الحياء إن ذكرناه، فيترك تفسيره، كما أنّه ليس موردًا موجودًا في زمننا أيضًا. 6/ الطفل الذي لم يبلغ. •وهنا مــلاحظة مهمة، وهي: أنّ الظهور بالزينة أمام المحارم يجب أن لا يكون بقصد افتتان من تظهر بها أمامهم، وتضمن المرأة عدم وقوعها في الحرام، فالآية الكريمة وإن كانت مطلقة لم تورد القيدين، إلاّ أنّه لا يمكن تفسير القرآن الكريم دون الرجوع إلى السنّة النبوية -حديث محمد وآل محمد (عليهم السلام)-، فبرجوع الفقيه إلى الروايات الكريمة المفسرة لتلك الآية الكريمة يعلم أنّ هناك زينة مستثناة، يجوز للمرأة اظهارها. روي "عن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عزّ وجلّ: (إلاّ ما ظهر منها) قال: الزينة الظاهرة الكحل والخاتم" (15)، فالرواية ظاهرًا هنا أجازت التزيّن الظاهر بالكحل والخاتم. وروي عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: "سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها)؟ قال: الخاتم والمسكة وهي القلب [السوار/ لسان العرب 1 : 688]" (16)، وهذه الرواية أجازت التزيّن الظاهر بالخاتم والسوار. واستفاد الفقيه من رواياتٍ أخرى فيها ذلك قيد (عدم قصد المرأة افتتان الرجال، وأن تأمن على نفسها من الوقوع في الحرام)، فقيّدت الروايات الآية؛ استنادًا لقاعدة أصولية مفادها (أنّ الخاص يقيّد العام)، فاتضح لكِ اختاه الحكم الشرعي مقرونًا بالقيدين. (ب) محرّمـة أي إنه يحرم شرعًا الظهور بها، ولهذه الزينة تأصيل في القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِن} (17)، فتشمل بالإضافة إلى الحجال، جميع ما ذكر في الزينة المادية. فيحرم اظهار تلك الزينة لفئات، هم: 1/ المحارم إنّ سبب لهم افتتانًا، ولم تأمن من الوقوع في الحرام لو ظهرت بها أمامهم. 2/ الرجال الأجانب مطلقًا؛ سواء أ تحقق الشرطان أم لم يتحققا. روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "أيما امرأة تطيبت، ثم خرجت من بيتها فهي تلعن حتى ترجع إلى بيتها متى ما رجعت" (18)، واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى وجنته. ■ثانيًا: زينة معنوية، كالأخلاق الفاضلة، والدّين، والنسب، والشرف، والحياء، والعفة، والملكات الحسنة، فالأخلاق لا وجود واقعيًا لها حتى نحكم عليه بالجواز أو الحرمة، إنّما هي أمرٌ اعتباري، إنّما الحكم يتوجه على آثارها، وهي قول أو فعل الإنسان. وهي على فرعين: (أ) مـحللة إذا أظهرتِ محاسن أخلاقكِ للجميع، محارمًا كانوا أو أجانب. *وقد روي في جانب عدّ الدّين زينةً وجمالًا للمرأة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من تزوج امرأة لا يتزوجها إلا لجمالها لم ير فيها ما يحب، ومن تزوجها لمالها لا يتزوجها إلا له وكله الله إليه، فعليكم بذات الدين" (19). *وروي في جانب عدّ النسب زينةً وجمالًا للمرأة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خير نسائكم نساء قريش..."(20)، فالرواية جعلت القرشية -ذات التقوى؛ لأنّ ميزان الأعمال عند الله تعالى هو التقوى، لا النسب وحده، وعلى هذا الفرض الرواية بُنيت- أفضل من غيرها من النساء، والأفضلية نوع من الزينة المحللة، وهي ظاهرة. *بل وهناك روايات عدّت اتصاف المرأة بشرار خصال الرجال زينةً وجمالاً لها، كالزهو -الكِبر-، والجُبن، والبُخل؛ "روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ الرِّجَالِ: الزَّهْوُ وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ، فَإذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا، وَإِذَا كَانَتْ بِخِيلَةً حَفِظَتْ مَا لَهَا وَمَالَ بَعْلِهَا، وَإِذَا كَانَتْ جَبَانَةً فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شِيْءٍ يَعْرِضُ لَهَا" (21). *ومن الرواية هذه ممكن أن نعدّ حفاظ المرأة على شرفها زينةً وجمالاً لها. (ب) محرّمــة إنّ الشارع حدد اطار تعامل المرأة مع الرجال الأجانب، وبعض الأخلاق -وإن كانت حسنة- إلاّ أنّها يحرم اظهارها للرجال الأجانب، أو التعامل بها معهم. * كالمصافحة مثلًا، فهي خلقٌ حسن، وزينةٌ تتصف بها المرأة فيما لو طبقته بين النساء، إلاّ أنّ تلك الزينة الفعلية يحرم انعكاس آثارها مع الرجال الأجانب؛ روي عن جعفر بن محمد، عن آبائه ( عليهم السلام ) ـ في حديث المناهي ـ قال: "ومن صافح امرأة تحرم عليه فقد باء بسخط من الله (عزّ وجلّ)، ومن التزم امرأة حراما قرن في سلسلة من نار مع شيطان فيقذفان في النار" (23)، فالحديث وإن كان ظاهره محذّر للرجال فقط، لكن بالملازمة أنّ المرأة التي تصافح رجلًا يحرم عليها فتبوء بسخط من الله تعالى. ■ثالثًا: زينة فعلية (أ) محللة، وتشمل كلّ فعل يزيد المرأة جمالًا وكمالًا إذا راعت حدود الآداب والضوابط الشرعية، فهو كلّ فعل مباح، كطلب العلم، وامتهان مهنة محللة شرعًا، والأعمال الخيرية، وما شابه ذلك. وما يتزيّن به الإنسان عمومًا هو أعماله الحسنة، وحيث إنّ الله تعالى لم يفرّق بين الذكر والأنثى بتزينهما بتلك الأعمال، فهي ثابتة لكليهما؛ قال تعالى: {أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} (24). (ب) محرّمة، وتشمل كلّ فعل يحرم فعله أمام الأجانب، مثل: 1/ مصافحة الرجال، وقد أشير لها في القسم المتقدم. 2/ الأفعال المنافية للأخلاق، وهذا أمرٌ وجداني تدركه كلّ امرأة بحيائها الفطري. ■رابعًا: زينة قولية (أ) محللة، وتشمل كلّ قول يجوز التلفظ به أمام المحارم، وهو انعكاس لتحلي المرأة بالأخلاق -الزينة الفعلية-، وقد أشار إليها القرآن الكريم بقول الله تعالى: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفا} (25)، فالمعروف هو زينة للمرأة تكتسي بها؛ إذ إنّها لم تكن متصفة بها يومًا ما. ومن مصاديق هذه للزينة: 1/ الكلام النافع والحكيم. 2/ كلام النصح. 3/ كلام الاستشارة. (ب) محرّمة، وتشمل كلّ قول يحرم التلفظ به أمام المحارم، وقد أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَض} (26)، والخضوع بالقول هو ترقيق الصوت ومدّه، وتمييعه، والقصد من ورائه واضح. ومن مصاديق هذه الزينة: 1/ التميّع في القول. 2/ الكلام الفاحش. فهذا القول وإن عدّ محرّمًا إلاّ أنّه يعدّ زينةً من جهةٍ اخرى، وهي جهة منحصرة بتعامل المرأة مع زوجها، فالحكم الشرعي جاء هكذا مستنبطًا من رواياتٍ شريفة: "يحرم الفحش من القول، وهو ما يُستقبح التصريح به إمّا مع كلّ أحد أو مع غير الزوجة، فيحرم الأوّل مطلقًا ويجوز الثاني مع الزوجة دون غيرها" (27). ●وقبل الختام، هناك التفاتة، أختاه تأمليها: جميعنا يعلم أنّ الله تعالى عادلٌ يثيب المطيع ويعاقب العاصي. فحينما أمر الله الرجال بغض نظرهم عن النظر الى المرأة المتزينة بل الى المرأة بصورة عامة مع اقتران نظرته بالريبة؛ بقوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} (28)، فإن عصى الرجل ربه ونظر فحتما هو يستحق من الله العقاب. وتخيلي اختاه لو سلطت ملائكة العذاب عذاب الله تعالى على ذلك الرجل، ووضعت الأغلال في رقبته ويديه واقدامه، وذهبت به إلى نارٍ تلظى؛ كما قال تعالى: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرا} (29)، ألا تتوقعين أن يخبر هذا الرجل ربه أنّكِ أنت التي فتنتيه، فيقول: ربي هذه فتنتني بزينتها، فتأتيكِ ملائكة العذاب، تلك الملائكة الغلاظ الشداد ويقيدونكِ بالسلاسل، ويلقون بكِ في نارٍ لا يصلاها إلّا الاشقى، وتستعران معًا، من فتَنتْ، ومن افتتن، يقول تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيق} (30)، ما أهول هذه الآية! فالعذاب عذابان فيها، عذاب جهنم، وعذاب الحريق، لمن فتَن غيره ولم يتب، والحكم يشمل المرأة، لأنّها اكثر فتنةً؛ بلحاظ تعدد زينتها إن أُبديت. ترى، ماذا سيكون موقفكِ اختاه؟ أفلا يجب علينا أن نكون كالدرر المكنونة التي لا يطلع عليها إلاّ أصحابها؟ أم نكون كالسلعة التي يقلبها نظرًا القاصي والداني، والوضيع والشريف؟ اختاه، ليست منّا من لم تعش أيامًا غُمست في وحل الغفلة، فأبدت بض زينتها عن عمدٍ أو دون عمد، لكن خير الخطّائين التوابين، وبحر التوبة لازال جاريًا، فبحركة المد والجزر له يجرف معه جميع تلك الخطايا أو لحظات الغفلة، فقط لأنّ هناك ربًّا رحيمًاغفورًا، يريد منّا أن نعيش حياة طيبة مصونة، ذلك الربّ الذي كرّم المرأة وقدّسها لا يرتضي لها أن تكون محل فتنة، أو شبه سلعة، فطلب منّا أن نجعل ضريبةً على كل من أراد النظر إلينا متزينات. ثم إنّه تعالى أراد منّا أن نتزيّن بأجمل زينة، تلك الزينة المعنوية التي لو اكتسينا بها لتجملنا بباقي أنواع الزينة، وهي زينة المعرفة بالله تعالى، هي الكمال الذي يتنافس عليه المؤمنون، فحريٌ بنا كنساء أن نتنافس على الاكتساء بهذه الزينة اقتداءً بزين النساء، فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ثم بأولادها (عليهم السلام)؛ روي عنْ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) أنه قَالَ : "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي فَضْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) مَا مَدُّوا أَعْيُنَهُمْ إِلَى مَا مَتَّعَ اللَّهُ بِهِ الْأَعْدَاءَ مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ نَعِيمِهَا، وَ كَانَتْ دُنْيَاهُمْ أَقَلَّ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَطَئُونَهُ بِأَرْجُلِهِمْ، وَ لَنُعِّمُوا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ (جَلَّ وَ عَزَّ)، وَ تَلَذَّذُوا بِهَا تَلَذُّذَ مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي رَوْضَاتِ الْجِنَانِ مَعَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ. إِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ آنِسٌ مِنْ كُلِّ وَحْشَةٍ، وَصَاحِبٌ مِنْ كُلِّ وَحْدَةٍ، وَ نُورٌ مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ، وَ قُوَّةٌ مِنْ كُلِّ ضَعْفٍ، وَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُقْم" (31). وأخيرًا اختاه، قد عرفتِ وبالدليل الزينة المحللة من المحرّمة، والحجّة أُلقيت علينا جميعًا، جعلنا الله تعالى ممن تسمع القول وتتبع أحسنه وأقربه رضًا له تعالى. _________________ (1) الأعراف:32. (2) وسائل الشيعة: للحر العاملي، ج5، ح5. (3) الزخرف: 18. (4) مكارم الأخلاق: للشيخ الطبرسي، ص41. (5) المصدر نفسه، ص42. (6) ظ: المصدر نفسه، 43. (7) الكافي: للشيخ الكليني، ج5، ب أصناف النساء، ح6. (8)مصدر سابق، ص103. (9) وسائل الشيعة: للشيخ الحر العاملي، ج20، ح3. (10) مصدر سابق، ص‏103. (11) المصدر السابق. (12) المصدر السابق، ص78. (13) المصدر السابق، ص87. (14) النور: 31. (15) وسائل الشيعة: ج 20، ب109، ح2. (16) المصدر نفسه، ح3. (17) النور: 31. (18) مصدر سابق، ص43. (19) الوسائل: ج20، ب14، ح4. (20) الكافي: ج5، باب فضل نساء قريش، ح2. (21) نهج البلاغة: ح231. (23) المصدر نفسه، ب105، ح1. (24) آل عمران: 195. (25) الأحزاب: 32. (26) الأحزاب: 32. (27) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني، ج2، كتاب التجارة، م34. (28) النور: 31. (29) الإنسان: 4. (30) البروج: 10. (31) شرح اصول الكافي: للمولى المازندراني، ج12، ح347. اللّهم ألبسنا زينة الصالحات، وأكسنا من حلل المتقيات، بحق محمدٍ وآله عليهم أزكى التحيات.

المرأة بين الإسلام والغرب
منذ 3 أشهر
976

اقرئي أو لا تقرئي (١)

بقلم: علوية الحسيني تعالَي إنّ المتأملة في حديثٍ مرويٍ عن الإمام علي (عليه السلام)، ما نصّه: "خيار خصال النساء شرار خصال الرجال: الزهو والجبن والبخل، فإذا كانت المرأة مزهوة لم تمكن من نفسها، وإذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال بعلها، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيء يعرض لها" (1) تجده حديثًا جاءَ مشخصًا لحالة تعالي النساء على الرجال الأجانب تعاملاً. لكن هذا التعالي لا يعني أصالة اتصاف المرأة بالأخلاق السيئة كالتعالي والغرور على أرحامها وبني جنسها؛ بل هو مورد حصر في التعامل مع الرجال الأجانب. والمتتبعة لنهج السيّدة زينب (عليها السلام) تجد أنّها (عليها السلام) حينما دخلت مع السبايا على مجلس الطاغيتين (عليهما اللعنة) دخلت متعالية عن مخاطبتهما (متنكرة)، شامخة، واثقة النفس، شديدة العزم، رغم الفجائع التي مرّت بها. لا، بل تجد أنّ السيّدة (عليها السلام) قد رسمت مراحل التعالي المتمثلة بأربع مراحل: سكوتٌ، ثم تلميحٌ، ثم تصريح، ثم إعراض، هذا للتعالي غير المطلق، أمّا المطلق منه فلا مراحل فيه، وسيتم بيان ذلك في نقطتين مستقلتين. ■النقطة الاولى: التعالي غير المطلق ومراحله: 1- تعالي بالسكوت: وما يؤيد ذلك كتب التاريخ (2) المفجعة الناقلة للمآسي التي جرت على حرائر آل محمد (عليه وعليهن السلام)، فتذكر تلك الكتب أنّ تلك الحرائر قد أُدخلنَ على مجلس الطاغية ابن زياد (عليه اللعنة)، وكانت السيّدة زينب (عليها السلام) حين دخولها ذات جسدٍ متصدع، وقلبٍ متلوع؛ مما رأته من جسيم الفواجع، ولكنها لاذت بكل بكبرياءٍ واضح، وعزة نفس، وعلو حسب، وشرافة نسب، فجلست "مــتنكرة ...، منتحية ناحية من القاعة تحف بها اماؤها". وما جلوسها في ناحيةٍ إلاّ دليل على تعاليها على اللعين وشرذمته، إلاّ أنّ اللعين يبدو أنّه قد اكتسى بثوب الذلة حينما تجاهلت أصـل وجوده، بل وسؤاله امرأة سبية، "فنظر اللعين ابن زياد إلى الحاضرين أمامه، وتفحص كلاًّ منهم بنظرة، ثم تساءل عن هذه المنحازة وحدها ومعها نساؤها وهي شامخة الرأس عالية، فلم تجبه العقيلة السيدة زينب، فأعاد تساؤله ثلاثًا دون أن ترد عليه، فقال[ت] بعض امائها، هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وبنت الإمام علي عليه السلام". لعمري ما أصعبه من موقفٍ على اللعين ابن زياد وقد مسحت كرامته أرضًا بـــسكوتٍ من أميرة الكلام (عليه السلام)، فكيف به لو تكلّمَت؟ ولهذا كان لتــعاليها -سكوتها- (عليها السلام) ردّة فعلٍ من ذلك اللعين "فقال متشفيًا فيها: ـ الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم". 2- تعالي بالتلميح: هــنا اقتضت الضرورة أن تتكلم السيّدة ببليغ الكلام، مع الحفاظ على شموخ المقام "فردت عليه العقيلة السيدة زينب عليها السلام بكل إباء... وترفُع: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه صلى الله عليه وآله، وطهرنا من الرجس تطهيرًا، إنّما يُفتضح الفاجر ويكذَّب الفاسق وهو غيرنا". وفي عبارتها (وهو غيرنا) تلميحٌ جعل من ابن زياد ينطق بعبارات الكفر والزندقة بمحاولته اتهام الله سبحانه وتعالى بما جرى على الحسين وآل الحسين (عليه السلام)، "فلم يصبر اللعين بن زياد على قولها، بل رد عليها قائلاً: ـ كيف رأيتِ صنع الله في أهل بيتك وأخيك؟". 3- تعالي بالتصريح: فهنا كان جوابها تصريحًا مقتصًا من اللعين على سوء أدبه مع الله تعالى بنسبة الظلم لله (عزّ وجل)؛ ولهذا فإن جوابها لم يخرج عن حدود بيان عدل الله تعالى، ولم يكن دفاعًا عن أخيها الحسين (عليه السلام) فحسب، فغضبت لذات الله تعالى بدايةً، فقالت: "ما رأيت إلاّ خيراً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك ويبنهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك أمك يا ابن مرجانة". وتذكر كتب التاريخ حال ابن زياد بعد هذا الموقف تحديداً وشدّة الحرج الذي وقع فيه وأنّه استثار غضباً، وحاول أحد شرذمته اخماد غضب اللعين، واصفاً السيّدة زينب (عليها السلام) بأنّها لا منطق لها، وأن كلامها فاسد! حيث "قال له [لابن زياد] عمرو بن حريث: إنّما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها، إنّها لا تؤاخذ بقول ولا تلام على خطل". لكن شيطان الإنس ابن زياد شعر بانحطاط مكانته في أعين الحاضرين وأصرّ على الكلام فقال: "لقد شفي الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك". 4- تعالي بالإعراض: تصرفت السيدة زينب (عليها السلام) بالإعراض عن الجاهل أمام عبارات الزندقة الصادرة من اللعين مرة اخرى باتهام الله تعالى بالقتل، فقالت: "لعمري لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي، فان كان في هذا شفاؤك فلقد اشتفيت". لكن اللعين ابن زياد أخذ يتكلّم والسيّدة زينب (عليها لسلام) متعالية عن الرد عليه، حتى بدأ الإمام زين العابدين (عليه السلام) بالكلام. وفي مجلس الطاغية يزيد (عليه اللعنة) حيث الضرورة جعلتها تعرّف الناس حقيقة يزيد وأتباعه، فتكلمت هي وابن أخيها (عليهما السلام). "لقد شاهدت السيّدة زينب الكبرى (عليها السّلام) في مجلس يزيد مشاهد وقضايا، وسمعت من يزيد كلمات تعتبر من أشدّ أنواع الإهانة والاستخفاف بالمقدّسات، وأقبح أشكال الاستهزاء بالمعتقدات الدينيّة، وأبشع مظاهر الدناءة واللؤم في تصرفاته الحاقدة. مظاهر وكلمات ينكشف منها إلحاد يزيد وزندقته، وإنكاره لأهمّ المعتقدات الإسلاميّة . مضافاً إلى ذلك: أنّ يزيد قام بجريمة كبرى، وهي أنّه وضع رأس الإمام الحسين (عليه السّلام) أمامه، وبدأ يضرب بالعصا على شفتيه وأسنانه ، وهو حينذاك يشرب الخمر" (3). فخطبت متعاليــة، متجبرة، مهيمنة، عفيفة، لا تخشى ظلم الحاكم وحاشيته. ■النقطة الثانية: التعالي المطلق أي إنّ التعالي لا مراحل له، ومورد تطبيقه في غير حالات الضرورة المقتضية لأحد المراحل، ومثاله تعالي السيّدة زينب (عليها السلام) عن الكلام مع الرجال الأجانب أثناء المسير إلى الشام، حيث كان الإمام السجاد (عليه السلام) يردّ على الشامتين، فلما جيء بالسبايا إلى الشام قام رجل على درج دمشق وقال: الحمد لله الذي قتلكم وأستأصلكم. فقال له علي السجاد (عليه السلام): أقرأت القرآن؟ قال: نعم... قال : أما قرأت: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}؟ قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم. وبـهذا كانت السيّدة زينب (عليها السلام) في معرضٍ عن الرد عن أمثال هذا من أنصار يزيد. والخلاصة: من هذا نفهم وجوب التعالي عمّا لا يجب التساهل فيه، فتكبركِ اليوم عن التعامل الذي يهتك القيود مع الأجانب -أقاربًا كانوا أو غيرهم- هو تعالٍ ممدوح؛ ففيه النجاة، بعكس ما لو تساهلتِ في التعامل معهم بلا ضوابط شرعية. فتعالي عن التساهل في التعامل مع كل من هو غير محرم عليكِ ابتداءً بأبناء العم، وأبناء الخال، وزوج الأخت، وأخ الزوج، والبائع، والسائق، وغيرهم. ولستُ بصدد بيان الحكم الشرعي؛ لبداهته عندكِ أيّتها المؤمنة، والتقوى فوق الفتوى. ________________ (1) نهج البلاغة: الحكمة 234. (2) زينب الكبرى من المهد إلى اللحد، 347-348. (3) المصدر نفسه، ص392. سكوتٌ ثم تلميحٌ ثم تصريحٌ ثم إعراض ... فهلّا تعاليتِ؟

المرأة بين الإسلام والغرب
منذ 5 أشهر
787

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
22364

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
21814

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
21646

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
21604

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

اخرى
منذ سنة
10806

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

اخرى
منذ سنة
9936