نجوم عاشورائية (9)

بقلم: يا مهدي أدركني أسرار الدعاء يوم عاشوراء لما نظر الإمام الحسين (عليه السلام) إلى جيش يزيد يوم العاشر من محرم، رفع يده الى السماء وقال: اللهمّ، أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة، كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ، أنزلته بك وشكوته إليك، رغبةً منّي إليك عمَّن سواك فكشفته وفرّجته، فأنت ولي كلّ نعمة ومنتهى كلّ رغبة. لو وقفنا نتأمل قليلًا في كلمات الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) لطال الوقوف عليها، ففي كل كلمة بحر من المواعظ والدروس والعبر، هكذا هو خط الرسالة، رضا وتسليم وعشق لذات الله المقدسة، فما هو سر تمسك الأنبياء والأولياء بالدعاء؟ ابتداءً علينا أن نفتش في كتب اللغة عن معنى الدعاء. الدعاء مصدر من مادة (دعو) فيقال: دعوتُ الرجلَ، وهو الميل له بصوت وكلام. أما الدعاء في الدين، فهو بمعنى بالميل والرغبة الى الله تعالى، ويكون أما لنزول الخير أو لكشف الضُر. وقد أمر الله تعالى عباده بالدعاء في كتابه الكريم فقال (عز من قائل) (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (1)، وقال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (2) ونهى عباده عن الدعاء والطلب من غيره (جل وعلا) فقال (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ، فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ) (3). نخلص الى أن الدعاء هو من الأمور المحمودة إذا كان العبد يميل ويتذلل ويرغب الى خالقه، وفي الطرف المقابل نجد أنه من الأمور المَعيبة التي نهى الله تعالى عنها عباده فيما إذا كانت لغيره (جل وعلا)، وفي هذا الأمر فائدتان -أخلاقية وعقائدية- في آن واحد. أما الأخلاقية: فإن الله تعالى أودع في داخل الإنسان قوى متعددة، فإن أحسن استعمالها ارتفع في سلم الكمالات، وإلّا فإنه يقع في شراك إبليس، ومن أخطر هذه الأمور هو (الكبر) الذي هو في قبال الذل، فإن دعاء الرجل لغير الله (عز وجل) مذلة له، حيث إن من يدعوه إن كان صالحًا فقد كان عليه أن لا ينتظر من أخيه المسلم أن يريق ماء وجهه وعندها فلا حاجة للدعاء والتوسل بل يبادر فورًا في قضاء حجاته قبل أن يسأله، وأما إن كان غير ذلك فعندها سيذل ذلك الرجل، وهو سلوك غير أخلاقي، فإن الله تعالى كرم النفس الإنسانية بصورة عامة والمؤمنين بصورة خاصة. أما العقائدية: فهي التأكيد على أنه ليس هناك موجود قادر على تلبية أو تحقيق مطلبك غير الله تعالى، فمهما بلغ ذلك الشخص الذي تدعوه من القوة والسلطة إلّا أنه في ذاته محتاج الى الله تعالى بل هو غير قادر على دفع المرض عن نفسه فكيف يدفع عنك، ففرعون -الذي ادعى الربوبية- لم يستطع أن يشفيَ ابنته الوحيدة التي كانت تعاني من مرض عضال، فنحن محتاجون في أصل وجودنا واستمراره الى الله (جل وعلا)، أما ما نقوم به من قضاء حوائج الناس فما نحن فيها إلا أسباب وضعها الله تعالى، وقد أمر الله تبارك وتعالى أن نتمسك بالأسباب، فنحن مجرد أسباب تسخر لقضاء حوائج الآخرين ولا يمكن أن نستغني عن هذه الأسباب ولكن يجب أن نثبّت بأن هذا السبب هو بتسخير منه (جل وعلا). فالدعاء هو أمر متعلق بالذات المقدسة فقط ومنحصر بها، وهو أمر قد أكد عليه القرآن الكريم من خلال سرد قصص الأنبياء والصالحين وكيف أن الإنسان بعد أن تُغلق عليه الأبواب جميعها لن يجد أمامه سوى هذا الباب الذي لا يغلق أبدًا، وهو باب الرحمة الإلهية والرجاء به (جل وعلا)، وأعتبر أن القنوط من رحمته إثمًا عظيمًا، وذلك لما ينطوي تحته من اعتقاد ملوث بكون الله تعالى غير قادر على تحقيق مراد هذا الفرد وحاشا الله تعالى، فإنه (جل وعلا) هو القادر على كل شيء، ولكن قد يمسك الله تعالى الدعاء ويؤخر الإجابة وذلك لمصلحة وحكمة لا يعلمها العبد، فعن الإمام زين العابدين (صلوات الله وسلامه عليه) قال: المؤمن من دعائه على ثلاث: إما أن يدخر له، وإما أن يعجل له، وإما أن يدفع عنه بلاء يريد أن يصيبه. (4) فقد يمنع الله تعالى الإجابة لعدة أسباب منها: الأول: حيث إن الدعاء هو خطاب موجه من العبد الى ربه فلا بد له من آداب على من يريد أن يحصل على الإجابة أن يلتزم بها، وقد ذكرتها روايات أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) ونذكر البعض منها على نحو العجالة: 1- البسملة أي أن يبتدأ المؤمن بقول (بسم الله الرحمن الرحيم). 2- الصلاة على النبي محمد وعلى آله الطاهرين والختم بها أيضًا، فإنها مجابة، وإن الله سبحانه وتعالى يستجيب ما بينهما كما ذكر في الروايات الشريفة. 3- الحمد والثناء على الله تعالى، وهذا ما نجده في أغلب أدعية المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم). 4- التوسل بالصالحين. 5- الإقرار بالذنب، والتضرع والتذلل له (جل وعلا). 6- اختيار الأزمنة والأمكنة التي هي من مظان إجابة الدعاء. 7- تقديم الدعاء للآخرين على الدعاء للنفس. 8- وحسن الظن بأن الله تعالى سيستجيب الدعاء. وهناك أمور أخرى كثيرة يطول المقام فيها، فإن التزم العبد بهذه الأمور فقد حقق بعضًا من شروط إجابة الدعاء. (5) الثاني: هناك بعض الأمور التي تحجب الدعاء وتمنع الإجابة فتكون عائقًا من إيصال الدعاء ومنها: أولًا: الذنوب، فإن أذنب العبد بعد أن دعا الله تعالى أمسك الله عنه لذنبه فعن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) أنه قال: "لا تستبطئ إجابة دعائك وقد سددت طريقه بالذنوب" (6) وفي دعاء كميل المروي عن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) يقول: (اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء) فهنا إشارة منه (صلوات الله وسلامه عليه) على أن هناك ذنوبًا معينة تكون كالأغلال التي تقعد بالدعاء وتمنع من ارتفاعه واستجابته، وقد سُئل الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه) عن تلك الذنوب فقال: "سوء النية والسريرة، وترك التصديق بالإجابة والنفاق مع الإخوان وتأخير الصلاة عن وقتها". وهنا لا بد أن نشير إلى أن المؤمن يجب أن لا يستصغر الذنوب وإنما عليه أن ينظر إلى من يعصي وإلى عظمته، فمهما كان الذنب صغيرًا إلّا أنه قد يتحول إلى ذنب عظيم لعظمة الخالق، وعلى المؤمن أن يجنب نفسه من الصغائر لأنها مع الإصرار والتكرار ستكون كبيرة كما هو مشار إليه في روايات أهل البيت (عليهم السلام). ثانيًا: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن الدين الإسلامي متكون من ثلاثة محاور أساسية وهي: أصول وفروع وأخلاق، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروع الدين ولكن للأسف نجد الكثير ممن يتهاون ويستخف بهما، على الرغم من أن لهما ذات الأهمية التي لبقية الفروع الأخرى، ومن يتركهما وهو قادر على الإتيان بهما فإن له عقوبة معجلة في الدنيا قبل الآخرة، فقد روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "إذا لم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي، سلط الله عليهم شرارهم، فيدعوا عند ذلك خيارهم فلا يستجاب لهم" (7) لذلك فإن الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) وقف بوجه المنكر وأمر بالمعروف وبذل في ذلك نفسه وأولاده وأصحابه حفاظًا منه على الدين من الاندثار. فالدعاء إذن هو الصلة الرابطة بينه وبين خالقه، وإن له أثرًا في نفس العبد حتى وإن لم يستجب منه، إذ سيستشعر وجود الرب قريبًا منه، فهو ليس بحاجة إلى رفع صوته بل تكفي المناجاة في عتمة الليل لينسج من تلك الهمسات المختلطة بدموع الاستغفار كلمات يستنير بها قلبه وتقوّيه على الثبات في طريق الحق، كما قال الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) في دعائه يوم عرفه (ما ذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلًا)، فبتأمل بسيط لهذا المقطع من دعاء الإمام (عليه السلام) نجد السبب المهم الذي كان وراء وقوفه (عليه السلام) بقوةٍ وإباء لم يخشَ ضخامة الجيش أمامه لأنه على يقين من أنه مع الله (جل وعلا)، وأنه على الحق، فمهما اشتدت الظروف وكثر الظلم والجور عليه، إلا أنه كان يعلم بأن كل ذلك بعين الله تعالى، لذا نجده في كل حركاته وسكناته، ابتداءً من انطلاقه من المدينة وحتى عند لفظ أنفاسه الأخيرة ظهيرة عاشوراء كان لسانه يلهج بالدعاء، هائمًا بذكر الله تعالى منشغلًا عن آلامه شوقًا لملاقاته. إن قوة العبد المؤمن تكمن في قربه الدائم من ربه وخالقه، فلو كان للإنسان شخص يحبه ويمتلك من القوة الجسدية والاجتماعية التي تجعل الناس تهابه وتخشاه، تجد ذلك الإنسان يستمد القوة منه فيما إذا تعرض لموقف ما، كما هو الحال عندما يتوجه الطفل الصغير الى حضن والديه عند تعرضه لأمر ما، فكيف إذا كان المؤمن على علاقة متينة مستمرة بالقوي العزيز، لذا نجد هناك تأكيدًا على الدعاء وأنه سلاح الأنبياء والصالحين، وأن الله تعالى ليحب صوت عبده المؤمن حين يناجيه، وملائكة السماء تستأنس بصوته وتألفه لأنه يدعو الله تعالى في الشدة والرخاء، فإن الحاجة الى الدعاء ليست فقط لقضاء حاجة أو رفع بلاء، بل إن الحاجة إليه أعظم من ذلك فإن أردت -أيها المؤمن- أن تدوم النعم عليك فلا تنقطع عن مناجاة ربك. في الختام نقول: ليس هناك إلزام بأن يكون الدعاء بصيغة معينة خاصة، بل لك أيها المؤمن أن تدعو بما شئت، وكلما اقترب العبد من ربه وعرفه حق معرفته دعاه بلسان أجمل، إلا أن الدعاء حيث إنه مفتاح الإجابة، فينبغي أن يكون من حيث مصدره المعصوم، وليس هناك من يعرف الله تعالى أفضل من أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم)، لذا فمن أراد أن يتقن الدعاء ويضمن الإجابة ويستلذ بتلك المناجاة فليغرف من ينابيعهم وينهل منها، فإن كلامهم نور يضيء القلوب حتى وهم في أحلك الظروف وفي أصعبها، فما أجملها من كلمات ختم بها سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) حياته: اللهم متعال المكان عظيم الجبروت شديد المحال غني عن الخلائق عريض الكبرياء قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريب اذا دُعيت، محيط بما خلقت، قابل التوبة لمن تاب إليك، قادر على ما أردت، تدرك ما طلبت شكور إذا شُكرت، ذكور إذا ذُكرت، أدعوك محتاجًا وأرغب إليك فقيرًا، وأفزع إليك خائفًا وأبكي مكروبًا، وأستعين بك ضعيفًا وأتوكل عليك كافيًا، اللهم أحكم بيننا وبين قومنا فإنهم غرونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا ونحن عترة نبيك وولد حبيبك محمد بن عبد الله الذي اصطفيته بالرسالة وائتمنته على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا يا أرحم الراحمين. _______________ 1- سورة غافر، آية (60). 2- سورة البقرة، آية (186). 3- سورة يونس، (106). 4- تحف العقول-ابن شعبة الحراني- ص280. 5- منقول من شرح الشيخ حسين الأسدي لدرس عقائد الإمامية، (عقيدتنا في الدعاء). 6- غرر الحكم. 7- آمالي الصدوق، 254/2.

المناسبات الدينية
منذ أسبوع
60

نجوم عاشورائية (8)

بقلم: يا مهدي ادركني أما من ناصرٍ ينصرنا؟ أما من معينٍ يعيننا؟ كلمة قالها الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) قبل 1400 سنة، وإلى الآن نجد صداها يرن في قلوب محبيه، تلك الكلمة التي تسيل الدموع بحرقة عند سماعها، وكيف لا وهي تنقلنا إلى ظهيرة ذلك اليوم المشؤوم الذي وقف فيه سبط الرسول (صلى الله عليهما وآلهما) غريبًا عطشانًا مكثورًا لا ناصر له ولا معين. فهل خسرنا الفوز العظيم بتلبية النداء له (صلوات الله وسلامه عليه)؟ وهل النصرة تتحقق بحمل السيف فقط؟ وهل كلمة الإمام (سلام الله عليه) كانت على نحو القضية الحقيقية أو الخارجية؟ وهناك أسئلة كثيرة أخرى ترد حول هذه الكلمة التي خرجت من تلك الحنجرة الطاهرة، وأوقعت الحسرة والندامة في قلوب محبيه. لنأخذ الأسطر بحثًا عن إجابات تلك التساؤلات. الناصر: اسم فاعل مشتق من الفعل (نَصَرَ) وجمعها أنصار، ويقال: نصر مظلومًا أي أعانه وأيده، قال تعالى في كتابه الكريم (وما لهم من ناصرين) (1) يتبين أن من يطلب الناصر هو شخص وقع عليه الظلم ويطلب النصرة ممن يستطيع أن يمد يد العون له، ومن يلبِّ هذا النداء يكن ناصرًا له، فإن كان على حق فإنه يفوز الفوز العظيم حتى وإن قُتل، فإن الفوز هو من عند الله تعالى، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): ما من مؤمن يعين مؤمنا مظلوما إلا كان أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته إلا نصره الله في الدنيا والآخرة، وما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلا خذله في الدنيا والآخرة.(2) فكيف إذا كان المظلوم هو سيد شباب أهل الجنة! ومعه فنقول: إن نداء الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) لم يكن بنحو القضية الخارجية وإنما بنحو القضية الحقيقية. وبعبارة أخرى: اعتقد أن خطاب الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) لم يكن خاصًا بمن طرق سمع أذنه تلك الكلمة في تلك الواقعة خارجًا، وإنما المراد منه هو كل من وصله ذلك النداء سواء كان في زمن النداء أم لم يكن، ففي قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلاة) أمر إلهي بإقامة الصلاة، وهو ليس مختصًا فقط بمن كان في زمن نزول تلك الآية الشريفة، وإنما هو أمر تكليفي لكل من آمن بالله تعالى الى يوم الدين. والإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) عندما نادى بهذا النداء، كان يريد أن ينصره كل من سمع به حتى وإن مرت الدهور عليه، فكل من وقع صدى هذه الكلمة في نفسه، يجب أن تهزه من أعماقه ليفر من بحر الذنوب إلى نبع التوبة ليغتسل ويتطهر بدماء الحسين (عليه السلام). فهناك من يقول ويعترض من شدة لوعته وحبه لإمامه، لماذا لم أُخلق في ذلك الزمن فأنصره ببدني ودمي؟ أيها المحب، إن واحدة من صفات الله تعالى أنه مريد، ومن معاني الإرادة هو (العلم بما فيه الفعل من مصلحة)، ولتوضيح وبيان ذلك نقول: غن الله جل وعلا لديه العلم المطلق والإرادة، وحيث إنه علم أن من المصلحة لك أيها المحب أن لا تكون في ذلك الزمن بل من المصلحة أن تكون في هذه الحقبة الزمنية وفي هذه البقعة المعينة التي منها تستطيع أن تلبي نداء الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) فليهدأ قلبك فإن فرصة الفوز لا زالت متاحة، ولكن لا تغفل عنها. إن نصرة الإمام (سلام الله عليه) لها مصاديق عديدة فهي لا تنحصر بالسيف فقط، ولا بزمن دون آخر، ولا بالرجال دون النساء، فإن مولاتنا زينب (صلوات الله وسلامه عليها) نصرت أخاها الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) رغم كونها امرأة (حيث لا جهاد على المرأة) ولكنها نصرته بلسانها ومنطقها ومواقفها، لم تمل عن الحق ولم تترك ثغرة مظلمة حتى أضاءتها وسلطت نور الحقيقة عليها. إن ثورة الإمام الحسين في الحقيقة هي ثورة مستمرة لا تنتهي ولا تنقطع باستشهاده (سلام الله عليه) وذلك لأن لها أهدافًا لم تتحقق بعد، فإن شعار الإمام (عليه السلام) كان هو الإصلاح في أمة جده (صلى الله عليه وآله) وذلك لما انتاب تلك الأمة التعيسة من ذل أصابها نتيجة خذلانها لأئمة الحق والهدى، لذا فإنه (صلوات الله وسلامه عليه) أراد أن يوقظ تلك الأمة من غفلتها، ولكن هذا الإصلاح لم يتحقق بعد، لا لكون الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) غير قادر على ذلك، أو ليس أهلًا لذلك، حاشا وكلا، بل إن العجز في المتلقي لا في المقتضي، لذا فإن ثورة الإصلاح هي ثورة حسينية الابتداء مهدوية التحقق. فكل من يتوق إلى تلبية نداء الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) نقول له: إن الوقت لم يفت بعد، فلك أن تلبي النداء لولده المهدي (عجل الله تعالى فرجه)، وذلك من خلال التمهيد لظهوره المبارك، فاسع إلى إزالة الشوك والعقبات عن ذلك الطريق من خلال التزامك بتعاليم الدين وإقامة حدود الله، بفعل الواجب وترك المحرم ونهي النفس عن الهوى. قوِّ ذلك القلب النابض بحبهم (صلوات الله وسلامه عليهم)، ولتكن مستعدًا للظهور، وهيأ البلاط لمن سيأتي بعدك، مسلّمًا له راية الإصلاح. إن للنصرة أوجهًا عديدة، قد تكون بكلمة أو موقف حق تتمسك به، لكي لا يختلط الحق بالباطل، أو باختيار زوجة صالحة لتكون أمًا ممهدة بتربيتها لأنصار يحملون راية الإصلاح تحت راية إمامهم. فالسلام على من لم يكن له ناصرٌ... لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَنِي عِنْدَ اسْتِغَاثَتِكَ وَ لِسَانِي عِنْدَ اسْتِنْصَارِكَ فَقَدْ أَجَابَكَ قَلْبِي وَ سَمْعِي وَ بَصَرِي‏(3). ______________ (1) سورة آل عمران: آية (22). (2) البحار، ج75،20،17. (3) زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) المخصوصة بالنصف من رجب

المناسبات الدينية
منذ أسبوعين
56

نجوم عاشورائية (7)

بقلم: يا مهدي ادركني دور الأم في عاشوراء مما لا شك فيه أن للأم دورًا مهمًا في المجتمع وفي حياة الفرد، وإن لهذا الدور التأثير الأكبر في بناء شخصية الفرد سواء بالنحو الإيجابي أم السلبي، وهذا لا ينفي دور الأب مطلقًا، ولكن الوقت الأكبر الذي يقضيه الولد يكون مع أمه أكثر بكثير مما يقضيه مع أبيه. وعلى هذا الأساس تترتب سلسة من الأمور المهمة التي يجب أن يراعيها كلٌّ من الوالدين لإنتاج شخصيات لها تأثير إيجابي في المجتمع، ومنها: الأول: الاختيار المناسب أي اختيار الزوجة الصالحة والزوج الصالح، وهو من أهم الأمور التي يبتني عليها الزواج الناجح، وقد وضع لنا التراث الإسلامي من خلال الأحاديث الشريفة أسسًا للاختيار الذي يكون بداية مثمرة للزواج، روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ" (1) فالقاعدة التي وضعها لنا الرسول (صلى الله عليه واله) هي الأخلاق والدين، وهذه القاعدة ليست مختصة بالرجل دون المرأة، فعلى المرأة أيضًا أن تبحث عن الرجل ذي الأخلاق والدين فهو الذي سيكون أبُا لأولادها وسيستقون أخلاقهم ودينهم منه. الثانية: العوامل الوراثية نجد في التاريخ أن الرجل فيما إذا أقدم على الزواج فإنه يختار زوجة من قبيلة اتسم رجالها بصفة القوة والشجاعة إذا أراد أن يكون ولده ذا قوة وبأس، وخير مثال على ذلك عندما أقدم أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) على الزواج بعد استشهاد الصديقة الطاهرة (صلوات الله وسلامه عليها)، حيث ذهب الى أخيه عقيل وطلب منه أن يختار له امرأة من قبيلة معروفة بالقوة والشجاعة لتلد منه أبطالًا يدخرهم لنصرة الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء، فوقع الاختيار على أم البنين (سلام الله عليها). الثالثة: الوقت المناسب للزواج والمواقعة: فقد وضعت لنا السنة الشريفة آدابًا خاصة بالزواج، فهناك أزمنة يكره أن يتم عقد القران فيها وفي المقابل هناك أيام يستحسن ويستحب إيقاع العقد فيها، وكذلك بالنسبة للمقاربة بين الزوج والزوجة فهناك آداب خاصة لها. الرابعة: فترة الحمل. إن لهذه الفترة تأثيرًا كبيرًا على سلوك الطفل، فهو يتأثر بكلام الأم والبيئة التي تعيش فيها بل وحتى الأفكار التي تعتريها إن كانت إيجابية او سلبية، إذ إنها تحفز بعض الخلايا لإفراز هرمونات معينة ولتلك الهرمونات التأثير الواضح في نمو الطفل، يقول الباحث دانيال جولمان، في كتاب الذكاء الاجتماعي: (مُحال من الناحية البيولوجية على أي جنين من أن يعمل بمعزل عن بيئته، فالجنين يتأثر بعمقٍ بتفاعلاتنا الاجتماعي). وحتى نوع الغذاء الذي تتناوله الأم له تأثير على جنينها، ومما لا شك فيه أن لكون الأم على وضوء مستمر وقراءة القرآن وسماعها لمجالس ذكر الله تعالى وأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) أثرًا كبيرًا على سلوك الطفل، فلقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الطفل في شهره السادس يسمع ويتحرك وفقًا لصوت أمه وما تستمع إليه. الخامسة: فترة الحضانة والرضاع: وهي من الفترات المهمة جدًا في حياة الطفل، وهناك روايات عديدة عن أهمية الرضاع وكراهة استرضاع الحمقاء لأن الولد يشب أي ينبت لحمه ويشتد عوده على هذا الحليب، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنظروا من يرضع أولادكم فإن الولد يشب عليه.(2) وفي حديث آخر عنه (عليه السلام): لا تسترضعوا الحمقاء فإن اللبن يغلب الطباع، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تسترضعوا الحمقاء فإن اللبن يشب عليه(3). وعنه أيضًا (عليه السلام) كان يقول: تخيروا للرضاع كما تخيرون للنكاح، فإن الرضاع يغير الطباع. (4) ويستحسن أن تكون الأم على طهارة أثناء الرضاع وخلال حملها لولدها، فإن هناك آثارًا معنوية في سلوك الطفل. السادسة: التربية وهي من الأمور الجلية التي لها التأثير الكبير في حياة الأولاد، وقد اهتمت السيرة النبوية بهذا الجانب كثيرًا، وهناك العديد من الكتب التي بينت الأساليب الصحيحة في التربية، ونحن لسنا في صدد الخوض فيها حيث إن الكلام طويل والمقام لا يسع لذلك، ولكن ننقل أمرًا مهمًا وهو في مجال بحثنا وهو تربية الأولاد على حب أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) فقد روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن) (5). وقد اختزل النبي الأعظم (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله) في هذا الحديث أهمية التربية على حب أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) وأهمية التربية العقائدية. السابعة: المجتمع إن للمجتمع دورًا مهمًا في التأثير على شخصية الولد، فعلى الوالدين أن يكونوا واعين في اختيار البيئة المناسبة لأولادهم والتي تبدأ من المدرسة واختيار الصديق المناسب والعلاقات الاجتماعية الأخرى الخاصة بالوالدين، تلك العلاقات التي قد تكون سببًا في انحراف الولد أو ثباته على الطريق الصحيح. وبعد أن بيّنا بعض النقاط المهمة نقول: إن الأم إذا استطاعت أن تلتزم بهذه النقاط الأساسية ستكون قد هيأت الظروف المناسبة لتنمو تلك النبتة وتثمر، ويجب أن لا تتغافل عن العوامل المساعدة من الدعاء والتوسل بأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) فإن الدعاء للولد من الأمور المهمة التي تغير مسار حياته، لذا نجد أن الإمام السجاد (عليه السلام) وضع في الصحيفة السجادية دعاءً خاصًا بذلك تحت عنوان (الدعاء للأولاد) وهو دعاء رقم (25). إن توفر كل هذه الأمور أنتج أبطالًا لا يهابون الموت في يوم عاشوراء، ولم يتمسكوا بالدنيا بل لبوا نداء إمامهم، وهذا يكشف عن وجود أمهات كانت لديهم عقيدة راسخة استطعْن أن يزرعنها في قلوب صغارهن منذ نعومة أظفارهم، لتكون ذات جذور قوية لا يمكن قلعها، فقدمن أولادهن نصرة للإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، وفي الحقيقة إن هذا السلوك يكشف عن الإيمان القلبي وعن حب هؤلاء الأمهات لأولادهم، فإن الأم وجدانًا تدفع ولدها الى ما هو فيه نفع له حتى وإن كان على حساب راحتها، فإذا كانت الأم ذات عقيدة صحيحة تستطيع أن تميز الحق؛ لذا فإنهنّ علمن بأن الاستشهاد بين يدي إمام زمانهم هو الفوز العظيم لهم، لذا نجد تلك النساء يتسابقن في تقديم أولادهن ليصرعوا بين يدي إمامهم، ومن هؤلاء النساء: زوجة جنادة الأنصاري، تلك المرأة التي قدمت ولدها (عمرو) بعد استشهاد والده في الحملة الأولى، فرده الإمام الحسين (عليه السلام) حفاظًا على مشاعر أمه، ولكنها قصرت حمائله وأرسلته مرةً أخرى ليستشهد بين يدي إمامه عن عقيدة راسخة. أم وهب بن عبد الله الكلبي، وهو شاب كان نصرانيًا واعتنق الإسلام عندما التقى بالإمام الحسين (عليه السلام) أثناء مسيره الى كربلاء وكان حديث عهد بالزواج فطلبت منه أن يقاتل دون ابن فاطمة (صلوات الله وسلامه عليها) فقاتل حتى قتل هو وزوجته. رملة تلك المرأة الجليلة زوجة الإمام الحسن (صلوات الله وسلامه عليه) التي قدمت ولدها القاسم، ذلك الولد الذي كان يرى أن الموت من أجل عمه أحلى من العسل، وذلك لأنه على اعتقاد تام بأن الحياة بعده ستكون حياة الأخسرين، فقاتل قتالًا شديدًا حتى قتل سلام الله عليه. ليلى وهي امرأة عظيمة القدر زوجة الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) تلك المرأة التي ربت ولدها عليًا الأكبر (عليهما السلام) وهو أشبه الناس خَلقًا وخُلقًا برسول الله (صلى الله عليه واله) ليكون الدرع الواقي لأبيه الحسين (عليه السلام) وأول شهداء بني هاشم. فمن تلك النساء تتوجه رسالة الى كل امرأة محبة لأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) لتسير على نهجهنّ لتكون أمًا مهدوية تهيأ أولادها لنصرة إمام زمانهم، فتقوي أواصر الحب بين صغارها وبين إمامهم من خلال المعرفة العامة، فإن الحب يتولد بعد أن يتعرف الولد على شخص إمامه وكيف أن لتلك الشخصية أثرًا في حياتهم رغم غيبته، وكيف يطلع على أعمالهم وأن أي عمل حسن يدخل السرور على قلبه، هذا بالإضافة الى أهمية تبيين الطاعة المطلقة للإمام (سلام الله عليه) والتسليم له وذلك لأنه ممن اختاره الله تعالى ليكون قائدًا معصومًا لا يخطأ في قراراته فلا مجال للتردد في تنفيذ أوامره. وبهذا تستطيع الأم المهدوية أن تمهد لظهور الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من خلال تهيئة جيش مهدوي ذي عقيدة راسخة. _______________ (1) وسائل الشيعة، ج20، ص76. (2) الكافي6: 44،10 (3) الكافي6: 43،9 (4) قرب الإسناد: 45 (5) كتاب التربية مفهومها وخطواتها العملية، ج1، ص74.

المناسبات الدينية
منذ 3 أسابيع
84

نجوم عاشورائية (6)

بقلم: يا مهدي أدركني السلام عليك أيها العبد الصالح هذه العبارة مذكورة في زيارة أبي الفضل العباس (صلوات الله وسلامه عليه) المروية عن الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه)، وهذا يعني أن الإمام الصادق (عليه السلام) أطلق هذا اللقب على عمه العباس (عليه السلام). فما هي مميزات هذا اللقب؟ ولماذا الإمام الصادق (عليه السلام) وهو الإمام المعصوم اختار هذا اللقب، فما هو وجه المناسبة والترابط بين هذا اللقب وشخصية أبي الفضل (سلام الله عليه)؟ إنّ معنى العبودية في اللغة هو التذلل والخضوع مع التسليم المطلق والانقياد. أما معنى العبودية اصطلاحًا وفي الإسلام فهو الخضوع والتذلل والتسليم المطلق مع الاعتقاد بأن المخضوع له هو الرب الخالق الرازق. وكل من يتحقق منه هذان الجانبان: العملي وهو الخضوع والتسليم، والقلبي وهو الاعتقاد، يطلق عليه بأنه عبد لله تعالى. ولهذه العبودية درجات متفاوتة، فهي مفهوم مشكك كما يقال في لغة المنطق، فنحن البشر شئنا أم أبينا عباد لله تعالى، ولكن فينا العبد الآبق والعياذ بالله، والعبد الصالح المعصوم، وما بينهما درجات، فكلما تقرب العبد من خالقه وانقاد الى أوامره مطيعًا له مع التسليم القلبي المطلق كلما ارتفع في درجات هذه العبودية، حتى يصل الى أعلى درجاتها؛ لتمتزج هذه الصفة بصفة الصلاح فيطلق على العبد حينئذٍ بالعبد الصالح. وقد أشار الله تعالى في كتابه الكريم إلى هؤلاء العباد بنسبتهم الى نفسه وبصفة الرحمة فقال {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (الفرقان 63). وإذا تأملنا آيات القرآن الكريم لوجدنا بأنه تعالى قد وصف أنبياءه بهذه الصفة مع اقترانها بصفة أخرى وهي (المُخلَص) [بالفتح] فقال (انه من عبادنا المخلَصين) والتي تعني الذي استخلصه الله لنفسه بعد أن وجده هو أهلًا لهذا. وهذا يعني علينا أن نقدم النية والعزيمة على الإخلاص في العبودية له تعالى، فما إن نتقرب منه (جل وعلا) بخطوة صغيرة حتى نجده برحمته التي سبقت ووسعت كل شيء يمد لنا كل سبل التوفيق للقدرة على اختيار الصراط المستقيم والسير عليه. ولهذا نجد في عبارة التشهد التي نذكرها يوميًا في الصلاة، أمرنا الله تعالى بتقديم الشهادة للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بالعبودية على الرسالة بقولنا (وأشهد أنك عبده ورسوله)، أي إن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) تحققت منه أعلى درجات العبودية فاصطفاه الله تعالى حبيبًا ونبيًا وخاتمًا للرسل. هذا هو معنى العبودية. وأما ما هي مميزات العبد الصالح؟ فلننتقل الى حامل اللواء في يوم عاشوراء والذي اختصه الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه) بلقب (العبد الصالح) مسلمًا عليه في الزيارة المخصوصة به (عليه السلام)، لنجد كيف خطت أبيات ارتجلها أبو الفضل (سلام الله عليه) على صفحة الماء التي لم يستطع أحد قبله ولا بعده أن يخط حرفًا واحدًا عليه، تلك الأبيات التي امتزجت في قلوب المحبين وترددت على مر السنين: يا نفس من بعد الحسين هوني *** وبعده لا كنت أو تكوني هذا الحسين وارد المنون **** وتشربين بارد المعين هيهات ما هذا فعال ديني *** ولا فعال صادق اليقين فهنا تجسدت القوة الحقيقية قوة الإيمان و الإرادة، لا بحمل السيف ومجابهة الأعداء بل هي ما رمته تلك الكفوف من الماء مع شدة عطشه بل وتفتّت قلبه، وهذا أمر لا شك فيه فبعد أن قطع صفوف الجيش ووصل الى الماء في ظهيرة يوم العاشر، فإن حالة العطش هي أمر طبيعي جدًا، هذا فضلًا عن كونه لم يشرب الماء منذ يومين، فإن مسألة العطش هي أمر متحقق لا ريب فيه، ولكن لماذا رمى أبو الفضل (سلام الله عليه) الماء ولم يشربه؟ إن عاشوراء مدرسة عقائدية وأخلاقية تجسدت في أبطالها الذين استشهدوا على أرضها، إذ إنهم كانوا على يقين بأنهم ملاقوا الموت لا محالة، فإن الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) أخبرهم بذلك، فكانوا يطلبون الفوز بالآخرة لا الحياة، وأن شربة الماء هذه لن يكون لها ذلك الأثر العظيم في تغيير مجريات ذلك اليوم لو وقعت، بل على العكس من ذلك فإن عدم شربه للماء أوصل رسالة أخلاقية ومنهجية عبر القرون لتصل ألينا هي رسالة إيثار وولاء. إن العباس (عليه أفضل الصلاة والسلام) لم يكن يتعامل مع هذه القضية بمنظار الأخوة فحسب، وإنما بمنظار الإمامة... إن ابو الفضل (سلام الله عليه) استطاع ان يبلغ تلك المرتبة العالية من العبودية المتصفة بالصلاح لما حققه في أرض الواقع من جهاد للنفس، تلك النفس التي أبت أن تلتذ بشربة الماء وإمام زمانها يتفتت فؤاده من العطش، بل أبى أن يضع رأسه في حجر أخيه الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) مواساةً له وكان يتمنى لو أنه يستطيع أن يحظى بحياة أخرى كي يفدي إمامه ويحمي عياله، محققًا بفعاله الطاعة المطلقة لله تعالى ولرسوله الكريم (صلى الله عليه وآله). فالسلام عليك أيها العبد الصالح المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين.

المناسبات الدينية
منذ شهر
114

نجوم عاشورائية (5)

بقلم: يا مهدي أدركني قال تعالى في محكم كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (1) إن الإسلام جاء ليزيل الطبقية ويجعل المدار في التمايز هو التقوى، ووفق هذا المقياس جاءت نهضة الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) لتكمل الطريق الذي انتهجه جده المصطفى (صلى الله عليه واله) انطلاقًا من قوله (صلى الله عليه وآله): "حسين مني وأنا من حسين" وكما قال البعض "الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء" لتتجسد في يوم الطف صور تطبيقية، فنجد رمضاء كربلاء سُقيت بدماء شهدائها فامتزجت دماء العربي بالأعجمي، السيد بالعبد... فما هو السر وراء هؤلاء الثلة من الأصحاب الذين قال عنهم سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) "فإني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي" لو تأملنا قليلًا في كلام الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) لوجدنا جنبتين: الأولى: في قوله صلوات الله عليه (لا أعلم). نقول: هل إن علم الإمام الحسين (عليه السلام) محدود بزمان ومكان وهل ممكن ان يقع فيه الخطأ أم لا؟! وللإجابة على هذا السؤال نعود إلى الحديث الذي ذكرناه آنفًا المذكور عن الرسول (صلى الله عليه واله) "حسين مني وانا من حسين" لنجد أن هذه ال (من) المذكورة في الحديث الشريف هي للتبعيض والنسب وهذا يعني أن الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) هو جزء لا يتجزأ منه (صلى الله عليه وآله)، وهذا الجزء يشمل الجانب البيولوجي فهو امتداد له، والجانب العقائدي، وبهذا يكون كل ما يخص النبي (صلى الله عليه وآله) من خواص العلم اللدنّي والعصمة والولاية التكوينية، تكون أيضًا من خصوصيات الإمام الحسين (عليه السلام)، فإذا كان للإمام العلم اللدنّي وهو معصوم فهذا يعني أنه لا مجال للخطأ في علمه (صلوات الله وسلامه عليه)، وحيث ثبتت له الولاية التكوينية فهذا يعني أن علمه يتصف بالشمولية فهو لا يختص بزمان معين. فما هي مواصفات هؤلاء الأصحاب الذين خصهم الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) بهذا الوصف! وهكذا ننتقل الى الجنبة الثانية من هذا الحديث الشريف. الجنبة الثانية: صفات أصحاب الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) في الحديث قد أشار الإمام (عليه السلام) الى صفتين وأعطاهما أعلى مراتب التكامل الإنساني، فنفى أن يكون هناك من يتصف بهاتين الصفتين بدرجة كمالية أعلى مما هي موجودة لدى أصحابه (عليهم السلام). فالصفة الأولى تتمثل بأنهم خير الأصحاب وهذه الكلمة تشتمل على معاني عديدة منها الكرم والسخاء والجود والشرف والأصل، وعندما تطلق على فئة من الناس يقال (خيار الناس) أي من أفاضلهم. فالإمام الحسين (عيله السلام) استخدم بلاغة اللغة العربية باختيار هذه الكلمة المشتملة على معاني عديدة. أما الصفة الثانية فهي صفة الوفاء، والوفاء في اللغة هو المحافظة على الوعد والالتزام به. فقد وفى أصحاب الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) له بالطاعة والتسليم وبذلوا الأنفس ولم يرتضوا العيش بعده ولو للحظة، وتسابقوا في تقديم الأرواح وأرخصوا دماءهم لإمامهم، وهم في حالة اضطراب ما بين شوقهم للشهادة وبين حزنهم لتركهم الإمام الحسين (عليه السلام) من بعدهم وحيدًا غريبًا. فمن أين أتت هذه الصفات الكمالية المتمثلة بالشجاعة والقوة والوفاء والإيثار؟ إن أساس هذه الصفات تنبع من قلوب تنعم بالحياة يملأها الإيمان وتترسخ فيها العقيدة الصالحة لتكون منبعًا للقوة، فلا يهابون شيئاً، فهمُّهم الوحيد هو نصرة الحق، فذلك الإيمان القلبي هو مصدر القوة الذي يوجههم نحو العبودية الحقيقية المطلقة لله تعالى، فامتثلوا أوامره وذابوا عشقًا في مناجاته، لذا تجدهم في ليلة العاشر من محرم كما تصفهم الروايات (لهم دوي كدوي النحل ما بين قائم يصلي وجالس يقرأ القرآن) متأهبين لساعة الصفر للدفاع عن إمام زمانهم. إذًا الذي كان يوحدهم هو حب الحسين (عليه السلام) النابع من التقوى، فإن الحب وحده لا يستطيع أن يقف أمام الفتن، فلا بد له من تقوى تقوّمه، ووفق هذه المعايير نجد أن الإمام الحسين (عليه السلام) جعل أصحابه كلهم بكفة واحدة، ولم يميز بينهم من حيث اللون أو العرق وإنما كانوا متساوين، فنجده (صلوات الله وسلامه عليه) يضع تارة خده على خد ولده علي الأكبر (صلوات الله وسلامه عليه) وتارة على خد أسلم التركي وهو مولى مملوك للإمام الحسين (عليه السلام). إن كل موقف من مواقف عاشوراء هي رسالة موجهة إلينا فيها من الدروس والعبر، فلتكن القاعدة في اسلوب التعامل مع البشر هي وفق (إن أكرمكم عن اهل أتقاكم) فيجب أن لا يكون المعيار هو المناصب والحالة المادية والأعراق وما الى ذلك من تمايز طبقي، فعن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (أن الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة:..... وأخفى وليّه في عباده، فلا تستصغرنّ عبداً من عبيد الله، فربّما يكون وليّه وأنت لا تعلم)(2). _____________________ (1) سورة الحجرات: آية (13). (2) قال أمير المؤمنين (ع) : إنّ الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرنّ شيئاً من طاعته، فربّما وافق رضاه وأنت لا تعلم، وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرنّ شيئاً من معصيته، فربما وافق سخطه وأنت لا تعلم، وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرنّ شيئاً من دعائه، فربّما وافق إجابته وأنت لا تعلم، وأخفى وليّه في عباده، فلا تستصغرنّ عبداً من عبيد الله، فربّما يكون وليّه وأنت لا تعلم. معاني الاخبار، ص113.

المناسبات الدينية
منذ شهر
135

نجوم عاشورائية (4)

بقلم: يا مهدي أدركني هيهات منا الذلة. هو أحد الشعارات التي أطلقها الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) يوم الطف والذي نسمع صداه إلى اليوم، فإنه وكما روي عنه (عليه السلام): موت في عز خير من حياة في ذل.(1) لقد أراد الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) أن ينهض بأمة جده (صلى الله عليه وآله) ولكن بقيم أخلاقية عالية وبكرامة ورفض للظلم والجور، وهذه من خصال الأحرار، فإن الإسلام لا يرضى بالذل للمؤمن، فقد خلق الله تعالى الإنسان وكرمه على بقية المخلوقات بالعقل، وليس من حق المؤمن أن يهين نفسه ويذلها. فما المراد من الذلة؟ وما هو معناها؟ وهل لها مصداق واحد أم مصاديق عدة؟ إن معنى الذلة في اللغة هو الخضوع والإهانة وتصغير الشيء والإقلال من شأنه. وهذا المعنى له تطبيقات عديدة في حياتنا، وفي رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء المعنى واضح جدًا وهو عدم القبول والخضوع والرضوخ لبني أمية والتنازل عن الدين بالتسليم لهم مما يؤدي الى ضياع الأمة وانكسارها. وهذا يعني أن كل فرد فيما إذا تعرض إلى موقف كان عليه أن يتنازل عن عقيدته ودينه أو يخسر أمرًا آخرًا مهما كان لذلك الأمر من أهمية، فعليه أن لا يقدم شيئًا على العقيدة والدين، ولا يكون الدين والعقيدة من ابخس الأمور التي تباع وتقدم تحت عناوين متعددة كالمصالحة أو المقاربة بين الأديان والمذاهب والتعايش معهم، نعم إن ديننا يأمرنا بالتعايش مع مختلف الطوائف والأديان وأن لا نعادي أحدًا منهم، ولكن بشرط عدم التنازل عن المبادئ الأساسية لديننا وتذويبها تحت هذه العناوين الزائفة، حيث أن تمييع هذه المبادئ والمعتقدات من موجبات تضعيف الدين، ولا يكون لها مؤدّى إلا الذلة لأفرادها. هذا هو الجانب الأول. أما الجانب الثاني فهو المدخل لضرب دعائم الدين ومعتقداته من خلال وسائل عديدة تستغل كل المنافذ لضرب كافة الأجيال والعناصر من نساء ورجال، وشباب وشيوخ، وذلك من خلال ترويج الأفكار الفاسدة التي تكون مرفوضة في بادئ الأمر من المجتمع ولكنها تدخل من خلال المنحلّين دينيًا وأخلاقيًا، ومن ثم تقبُّلها من قبل المتهاونين في دينهم وعقيدتهم؛ حتى تنتشر هذه الأوبئة ليصاب بها الجميع وتكون أمرًا طبيعيًا تعود على رؤية المجتمع كتبرج النساء وارتداء الملابس الضيقة وتغيير مظاهر الشباب من حيث الملبس وتسريحات الشعر التي تم استيراد أفكارها من بلاد الغرب، حتى يكون كل هم الشاب والشابة -اللذين هما الثروة الحقيقية للمجتمع- هو الجري وراء الموضة والألعاب الإليكترونية والذهاب الى المقاهي المخصصة بما يعرف بالتدخين الإلكتروني، فيتراجع بذلك النمو الفكري والتطور العلمي مما يسبب الابتعاد التام عن مدرسة أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) فتتحول الأمة من أمة قوية عزيزة الى أمة خاضعة ضعيفة –كما هو حاصل مأسوفًا عليه- فإلى كل من يهتف ويردد في هذا الشهر وهذه الأيام الحزينة بهتاف الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) –هيهات منا الذلة- عليه أن ينظر الى أعماق نفسه والى ملبسه ومظهره، وهل أنه حر أم ذليل؟! _____________________ (1) وسائل الشيعة، ج21، ص557.

المناسبات الدينية
منذ شهر
101

نجوم عاشورائية (٣)

بقلم: يا مهدي أدركني خلع الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) إحرامه وقطع مراسيم الحج... مودعًا بيت الله الآمن... تاركًا لذة التعبد والمناجاة... راكبًا قافلة الإباء... متجهًا صوب أرض كربلاء... حفاظًا على دين جده (صلى الله عليه وآله) من العبث والتغيير. يبرز الإيمان الحقيقي بعد أن يختلج النفس صراعٌ بين إشباع رغبتها في لذة العبادة، وبين الصورة الحقيقية للتعبد، فالعبادة الحقيقية هي الطاعة المطلقة والخضوع مع الاعتقاد بربوبية المطاع، فإن كانت كذلك فستتحقق الخطوة الأولى من التعبد، ويليها التسليم المطلق، فإذا امتزج التعبد بالتسليم سيكون العبد جاهزًا لطاعة الله تعالى من حيث يحب هو تعالى ، لا من حيث العبد يحب، وعندها سترتفع الحجب عن قلبه ليميز أي الأعمال أحب الى الله تعالى. وستبدأ أيضًا خطط الشيطان اللعين، فيحوك حبائله ليتصيد بها المؤمنين حتى يقعوا في فخاخه، فيزين لهم الأعمال المستحبة من صلاة وتلاوة قرآن ومناجاة ودعاء في أوقات تزاحم فيها الواجب والمستحب أو الأهم. يجب أن يكون المؤمن حذرًا فطنًا، يؤدي أحب الأعمال الى الله تعالى، فضلًا عن تقديم الواجب على المستحب. فمثلًا، إن قضاء حاجة المؤمن أحب الى الله تعالى من صلاة مستحبة أو تلاوة القرآن، عن الإمام الصادق (عليه السلام: (الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله من نفع عياله، وأدخل السرور على أهل بيته. ومشيٌ مع أخ مسلم في حاجته، أحب إلى الله من اعتكاف شهرين في المسجد الحرام" (١) وربما يكون إعداد المرأة الطعام لصغارها وزوجها أفضل من مناجاتك. تعليم أطفالك قصص عاشوراء من تضحيات وإيثار هي من دون أدنى شك أفضل من تركك أطفالك أمام التلفاز أو الأجهزة اللوحية من دون مراقبة. وقضاء حوائج الوالدين هي أفضل من أداء زيارة مستحبة إذا كان نتيجة تركهم مشقة إليهم. وقيام الليل من امرأة تاركة الحقوق الزوجية هو تقديم المستحب على الواجب. هذا فضلًا عن هدر الوقت الثمين في محادثات وتصفح لا تغني ولا تسمن من جوع على مواقع التواصل الاجتماعي، تاركين وراءهم حقوقًا وواجبات مع العباد بل ومع رب العباد. فلنتعظ من موقف سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) ونجعله منهجًا نسير على خطاه؛ كي لا نتعثر ولا نقع، وإن وقعنا نستند عليه ونقف مرة اخرى، لنقتبس من نوره نورًا نضيء به الدرب لمن يلينا... فنجعل مصلحة الدين والحفاظ عليه من اهم أولوياتنا، وذلك من خلال قضاء على الأقل نصف ساعة يوميًا في الاستقاء من نمير أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) من خلال الاستماع الى محاضرات تثقيفية أو قراءة كتاب أو مقال لرد الشبهات التي تطرح بهدف تشويه الدين. فكل من دخل تحت راية الإسلام عليه مسؤولية الحفاظ على هذه النعمة. ___________________ (1) دعائم الإسلام للقاضي المغربي ج2 ص 320

المناسبات الدينية
منذ شهر
133

نجوم عاشورائية (2)

بقلم: يا مهدي أدركني مواقف عديدة حدثت بين الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) وبين أهله وأصحابه (عليهم السلام)... ما هي إلّا رسائل منهم إلينا، فإن تمسكنا بها أضاءت قلوبنا وأنارت دروبنا... في الطريق إلى كربلاء وأثناء المسير، كان علي الأكبر (صلوات الله وسلامه عليه) على جواده بالقرب من أبيه الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) فسمعه يقول: (إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة/ 156)، فجرى الحوار التالي بينهما: قال علي الأكبر (عليه السلام): يا أبتاه، لِم استرجعت؟ قال الحسين (عليه السلام): عنّ لي فارس، وأنا في المنام، يقول: القوم يسيرن والمنايا تسير خلفهم. فعلمت أن نفوسنا نُعِيت إلينا. قال علي الأكبر(عليه السلام) : يا أبتاه، ألسنا مع الحقّ؟! قال الحسين (عليه السلام): بلى، والذي نفسي بيده. فقال عليّ الأكبر (عليه السلام) : والله لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا. فلو تأملنا في هذا الموقف قليلًا نجد عدة جوانب، ومنها: الأول: جانب عقائدي: ذلك الجانب الذي سلط (صلوات الله وسلامه عليه) الضوء بقوله: (إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، ففي هذه الآية بشارة لمن نزلت وحلت بهم المصيبة (ولا يستعمل لفظ المصيبة إلا في النازلة المكروهة)(1)، وقد اجتمعت البشارة مع المصيبة في قوله تعالى (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) (2)، وللوهلة الأولى قد يرد تساؤل هنا: كيف تجتمع البشارة مع المصيبة؟! الجواب: أن هناك درجاتٍ عظيمةً في الجنة لا ينالها المؤمن إلا بعد أن يُمحَّص بالبلاء تمحيصًا ويكون صابرًا على ما ينزل عليه من الله تعالى من دون جزع، فهو ليس مجرد تلفظ بالقول وإنما هو تسليم قلبي لله تعالى ورضا بقضائه وقدره، فإن البشارة هي للصابرين المسترجعين. وما هو معنى الاسترجاع؟ هو إقرار من العبد بأنه كائنٌ، منبعُ وجوده وتحققه في عالم الوجود هو من الله تعالى وإنه غير قادر على الاستمرار والبقاء في هذا العالم من دون الله (عز وجل)، فهو ليس له وجود مستقل من دون الذات المقدسة وأن مرده إليه (جل وعلا). إن من أول نِعَم الله تعالى على العبد هو إيجاده من العدم، فإن المُلك الحقيقي هو لله تعالى وما ملكنا لأنفسنا وأفعالنا إلا ملك اعتباري ظاهري، ولولا إذن الله تعالى عز وجل لما كان لهذا التصرف (تصرفنا نحن الموجودات) من تحقق في الخارج، وإن مرَّد الإنسان هو إلى الله تعالى فهو القادر على إيجاده وفنائه وهو المالك الحقيقي له، وإن كلًا من الجسد والروح ما هما إلا أمانة لدينا يجب الحفاظ عليهما وعدم تلويثهما بالذنوب. فإن علِم الإنسان حقيقته ونسب نفسه الى بارئه، علِمَ حينها أنه ليس هنالك مجالٌ للحزن على ما فقده، فإنه في الحقيقة لا يملك شيئاً (وأما إذا أذعن واعتقد أنه لا يملك شيئًا لم يتأثر ولم يحزن، وكيف يتأثر من يؤمن بأن الله له الملك وحده يتصرف في ملكه كيف يشاء؟) (3). فنحن من الله وإليه، وقد أشار الى هذا الجانب الإمام الحسين (عليه السلام) في دعائه المعروف في يوم عرفة (إليك مردّي، ابتدأتني بنعمتك قل أن شيئًا مذكورًا) (4). الثاني: القوة المستمدة من عمق الإيمان: وهو المتمثل بردّ علي الأكبر (صلوات الله وسلامه عليه) بأنه لا يبالي من الموت، فكيف لا يبالي والموت هو من أشد الأمور التي يكرهها الإنسان؟ إن علي الأكبر (صلوات الله وسلامه عليه) كان أشبه الناس خَلْقًا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانوا كلما اشتاقوا إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) نظروا إلى علي الأكبر (عليه السلام)، ولكن الشبه لا يقتصر على هذا الأمر فقط، وإنما تعدى الى الشبه في الأخلاق أيضًا، فإن أخلاق الرسول (صلى الله عليه وآله) تجسدت في علي الأكبر (عليه السلام) تلك الأخلاق التي أشار لها الله تعالى في كتابه الكريم بقوله تعالى: (وإنَّكً لًعلى خُلُقٍ عَظِيْم) (5)، فهناك تشابه بين شخصية علي الأكبر وجده الرسول الأكرم (صلوات الله وسلامه عليهما) ذلك التشابه الذي استقاه علي الأكبر (عليه السلام) من أبيه الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) ومن قبله من جده (صلى الله عليه وآله)، فكان في شجاعته كالليث لا يهاب شيئاً، فمن أين أتت هذه القوة؟ إن الإنسان كلما دخل في دائرة الإيمان وتوغل حب الله في قلبه وبات قريبًا منه مستشعرًا وجوده في كل حركاته وسكناته، ازداد قوةً وبأسًا، فهنالك علاقة طردية بين الإيمان والقوة. هذا فضلًا عن كون الإنسان إذا كان على حق فإنه يزداد قوة، والعكس صحيح، لذا نجد في ذلك رسالةً إلينا وهي (أن الإنسان إن كان على حق، فيجب أن لا يخاف شيئاً) وهذا يعني أنه يجب أن نكون دومًا مع الحق مهما كانت الظروف التي يمر بها الفرد صعبة وعسيرة، وفي أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) أسوة لنا، فقد كان هو المثال الواقعي للحق، حتى قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله): (عليٌ مع الحق والحق مع علي يدور معه كيفما دار)، فمتى ما كان الإنسان مع الحق فهو لن يضعف أبدًا، فيكون الحق النابع من الإيمان مصدرًا للقوة لا ينفذ أبدًا. وهذا هو سبب عدم خوف الأكبر (عليه السلام) من الموت. _________________________ (1) الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي, ج1, ص350. (2) سورة البقرة: آية {156}. (3) الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي، ج1، ص351. (4) المنتخب الحسني للأدعية والزيارات، دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة, ص910. (5) سورة القلم: آية {4}.

المناسبات الدينية
منذ شهر
146

نجوم عاشورائية (١)

بقلم: يا مهدي أدركني في شهر محرم نجد في سمائه نجومًا لامعة، تنتشر لتضيء تلك القلوب التي تنبض حبًا وشوقًا للحسين (عليه السلام). مما لا شك فيه بل ومما أكدت الروايات الشريفة عليه هو: أن اجتماع المؤمنين لذكر مصاب سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) والبكاء عليه له من الثواب العظيم، إذ لتلك الكلمات والدموع كل الأثر في جلي القلوب من الصدأ الذي تراكم عليها لما ارتكب صاحبها من الذنوب، فعن الإمام الرضا (عليه السلام): "فعلى مثل الحسين (عليه السلام) فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحط ُّالذنوب العظام" (1)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "كلّ عين يَوم القيامة باكية، وكلّ عين يوم القيامة ساهرة، إلاّ عينُ من اختصّه الله بكرامته، وبكىَ على ما يُنتهك من الحسين (عليه السلام) وآل محمد (عليهم السلام) (2) وهنا وقفة: هل أن البكاء على الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) رغم ما لَهُ من الثواب العظيم كافٍ يوم القيامة لنيل الدرجات الرفيعة والمنازل العظيمة؟! الجواب: أن أحد غايات التجمع وعقد المجالس وإحياء ذكر أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) هو البكاء عليهم، ولكن هناك أمورًا أُخرى هي لا تقل أهمية عن البكاء، فكما جاء عن أبي عبد الله الصادق (صلوات الله عليه) أنه قال للفضيل بن يسار: يا فضيل «أتجلسون وتتحدثون؟ قال: نعم جعلت فداك. قال الإمام الصادق : «إن تلك المجالس أحبها. فأحيوا أمرنا، فرحم الله من أحيا أمرنا» (3). وقد فسر لنا أهل البيت (صلوات الله عليهم) معنى إحياء الأمر، يقول الهروي: سمعت الإمام أبا الحسن علي بن موسى الرضا يقول: «أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا، قلت: يا بن رسول الله وكيف يحيا أمركم؟ قال: أن يتعلم علومنا ويعلمها الناس؛ فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لتبعونا» (4). فإذا حلّقنا في سماء الطف، وجدنا من المواعظ والرسائل العقائدية والفقهية والأخلاقية التي كانت كالنجوم، ومنها ما سيأتي إن شاء الله _____________________ (1) أمالي الصدوق: 190 المجلس (27)، ح199 (2) مستدرك سفينة البحار للشيخ الشاهرودي، ج1، ص402 (3) بحار الأنوار، ج23، ص282، ح14 (4) بحار الأنوار، ج2، ص30، ح13

المناسبات الدينية
منذ شهر
142

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
16746

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
15148

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
14194

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
10067

الطفل في المهد هو مشروع رجل المستقبل

إذا كان فلاسفة التربية الحديثة يجعلون الطفل ورقة بيضاء فإن الامام علي (عليه السلام) يجعله كالأرض ولاريب أن الامام كان أكثر عمقاً. ذلك لأن الورقة البيضاء تفتقر إلى عناصر البناء في حين أن الأرض تختزن عناصر الحياة فالطفل عندما يولد تكون فيه مثل هذه العناصر الحياتية ويكون لديه استعداد طيب للتفاعل مع محيطه، وبما أن محيطه الأول هو الأسرة لذلك يبدأ الإسلام على مستوى هذه الأسرة التي يتسلم زمامها بالدرجة الأولى الرجل على أساس أن القيمومة بيده شرط أن لا تكون صلاحيته مطلقة بل تكون مقيدة بما يفرضه عليه الشرع من حسن المعاشرة والعدالة والإحسان والرأفة والرحمة في عالم الاسرة، ومنه نعلم أن القيمومة للرجل ليس فيها انتقاص من دور المرأة. ولعل دور المرأة في الأسرة أخطر وأهم من دور الرجل؛ نظراً لضخامة المسؤوليات التي ينبغي لها أن تنهض بها، لا سيما أنها في بيتها ملكة غير متوجة لهذه الخلية. إن أول موضوع تربوي يهتم به الإسلام في باب تكوين الأسرة، بل ويعطيه الأولوية من حيث الأهمية هو اختيار الزوجة الصالحة التي سوف تصبح أماً وحاضنة لأولاد المستقبل. فيشير عليك ب(إذا أردت أن تخطب لنفسك فانظر أين تضع نفسك) حتى تكون الذرية صالحة، لأن المرأة التي تهز المهد بيمينها هي تهز العالم بشمالها… إن هذا الموجود الذي تراه طفلاً هو في حقيقته مرآة المستقبل. قد يتبوأ مناصب عالية يقود مجتمع واجيال، فإذا كان طيباً شمل خيره كل الناس. وإذا كان خبيثاً نشر الدمار والخراب في مجتمعه. لذلك يجب أن نعطي مسألة التربية كل اهتمامنا وأولوياتنا؛ باعتبار أن الطفل ليس مجرد ولد صغير أنت تقوم على تربيته كيفما دارت الأحوال. وإنما هو جرم صغير انطوى فيه عالم كبير من النظريات التي ستكون يوماً ما واقعاً ملموساً. وعلى هذا الأساس تكون مسؤوليتنا جسيمة أمام الله وأمام المجتمع. فانظر أين تضع نفسك. الإسلام والتربية: كل من طالع تاريخ الإسلام يجد أنه وخلال قرون قليلة استطاع أن يقدم إنجازاً حضارياً من الطراز الأول في بناء الإنسان… وبالتالي في بناء المجتمع وإقامة الحضارة الإنسانية الإسلامية… التي أنارت للبشرية دروبها ومسالكها ومعالم حياتها في شتى مجالات الحياة ولقرون متمادية، قبل أن يصاب بالانتكاسة السياسية والاخلاقية لأسباب ليس هذا محل ذكرها… وبتأمل قليل نجد أن الفضل في تقدمه وتطوره ذلك يعود إلى أسباب عديدة من أهمها مناهجه التربوية الصحيحة والخلاقة… إن الإسلام يرى أن المجتمع يتكون من أفراد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) سورة الحجرات. ويتم التكاثر تحت ظل قانون سماوي هو الزواج الشرعي. ويرى أن السلوكيات الخارجية تمثل أرضية للمستقبل… فإذا زرعت فيها ورداً فسوف تجني منها الورد… وإذا غرست شوكاً فلن تحصل منها على الليمون… والطفل يمثل الحلقة الأولى في تلك السلوكيات… لذلك لابد من النظر إليه على هذا الاساس، وعلى المجتمع أن يعي هذه الحقيقة…. فالدين الإسلامي يعطي للتربية أولوية قصوى... وله في ذلك منهج اعتمده الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام) . ولخّص ذلك الموقف بقوله: صلى الله عليه واله :(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) إن جوهر الرسالة المحمدية هي التربية والأخلاق بما يتضمن ذلك من بناء الإنسان نفسياً وروحياً واجتماعياً. ومن الواضح أنه يترتب على هذا المنهج إمكانية الأمر والنهي والأحكام والفصل في أمور الحياة... مما فرضه الإسلام على اتباعه. ومن خلال البحث نجد أن أولوية التربية مرتبطة بموقف فلسفي يتلخص بأن للرسالات والتشريعات والعلوم محوراً اساسياً هو الإنسان. فالإسلام يتوجه للإنسان من دون المخلوقات الأخرى لأن له دوراً في الحياة والعلوم والتشريعات والقوانين، فكل هذه المفاهيم مرتبطة دائماً بالإنسان ولا شيء غيره. فلا تنحصر مسؤولية الآباء في توفير المعيشة المادية للأطفال، بل إن مسؤوليتهم تبدأ بتربيتهم تربية إيمانية صالحة؛ فأن تاديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الاهتمام باحتياجاتهم الجسدية رغم أهميتها. يقول الإمام عليه السلام (ما نحل والد ولداً نحلاً أفضل من أدب حسن) (1) وعنه (عليه السلام): (لاميراث كالأدب) (2) إن فطرة الإنسان من منظار قرآني وروائي تتقبل الإسلام وكل مايتعلق به من تشريعات. ومعنى ذلك أن الإسلام وتفصيلاته وقوانينه هي اشياء مقبولة في أصل وفطرة وأعماق الإنسان. وهذا يعني أن انحراف الإنسان عن تلك الفطرة لا بد أن يكون له أسبابه الواقعية الخارجة عن ذات الإنسان. ومن تلك الأسباب تقصير أبويه في الطفولة وسوء تعامل أساتذته في الصبا ورداءة المحيط الاجتماعي الذي يعيشه. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) )سورة الروم وهو ما يشير إليه الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطره حتى يكون ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه) إن كل طفل يولد على أساس الفطرة الاسلامية، أي أنه يولد طيب النفس طاهر الروح نقي القلب محباً لعبادة الله تعالى، فإذا انحرف فيما بعد عرفنا أن ثمة أسباباً كانت وراء انحرافه، كأن يكون أبواه قصّرا في طهارة نطفته التي تكوّن منها بتناول الزاد الحرام، أو ممارسة الفعل الحرام وبما غذّياه الحرام أو سقياه الحرام بعد الولادة او رآهمها يفعلان ما لا يحسن أن يراه منهما عند بداية إدراكه فتأثر بهما واقتفى ما ليس له به علم من فعلهما، وكأن يكون قد رافق رفقاء سوء فأوحوا إليه من الأفعال ما جعل منه بعيداً عن تلك الفطرة. من هنا، تتبين أهمية ما نبهنا (عليه الإسلام) في تربوياته من أهمية دور الأبوين والمحيط الأسري والاجتماعي في تربية الطفل ورسم سلوكه المستقبلي. وأن كل من يُقَصِّر في دوره الملقى عليه في التربية، فإنه سيلاقي نتيجة تقصيره في عاجل الدنيا أو آجلها. لقد ذكر العلامة المجلسي في كتاب(حلية المتقين) بعضاً من الروايات التي تتطرق إلى هذه المواضيع ومنها، قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)(الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه) إن الإسلام وضع نُظُماً وحدوداً وقوانين تقف حائلاً دون ظهور نسل فاسد وناقص جسمياً ونفسياً. وإذا طبقت هذه القوانين قَلّتْ هذه الانحرافات والخلافات الشرعية والأخطاء. فإذا أحسن الأبوان التربية قلّ ظهور الأولاد المنحرفين... وكذا لو توفّرت الظروف الاجتماعية والثقافية التي تتناسب مع الفطرة الإنسانية. عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) (3) فليست تربية الأطفال واجباً وطنياً وإنسانياً فحسب، بل إنها فريضة روحية مقدسة وواجب شرعي لايمكن الافلات منه. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسوؤلية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشأة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) (ويجب للولد على والده ثلاث خصال : اختياره لوالدته وتحسين اسمه والمبالغة في تاديبه) (4) ويمكن أن نفهم من هذا الحديث أن تأديب الولد حق وواجب في عاتق أبيه. ولذلك تجد أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يُعلِّمنا أن ندعو الله عز وجل ليعيننا على أداء هذه المهمة. لكن ومع الأسف أن الواقع في كثير من الأحيان يختلف عن هذه التعاليم، ما أكثر الأمهات اللاتي يُعلّمنَ أطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الأهوج منذ الصغر. فيظل الأطفال مأسورين لتلك الأخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم . وما أكثر الآباء المجرمين اللذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية ويصطحبون أطفالهم إلى مجالس اللهو والعبث، ويرتكبون الأفعال القبيحة أمام عيونهم. وعلى أية حال فشقاوة وسعادة الأبناء ترتبط ارتباطا كبيراً بالأب والأم… التربية بعد الولادة: تؤثر على السعادة البشرية عدة عوامل يسميها بعض العلماء بمثلث مؤثرات الشخصية، وهي الوراثة والتربية والمجتمع. ولكن الملاحظة المهمة هنا هي أن أهمية التربية قد تتجاوز أهمية الوراثة والمجتمع إلى درجة أن بإمكانها أن توقف قانون الوراثة وتأثير المجتمع إلى حد ما فتتغلب عليهما إلّا في الموارد التي تكون الصفات الوراثية ذات طابع حتمي (أي لايمكن أن تتغير في الطفل مهما كانت العوامل الأخرى قوية أو كان ضغط المجتمع يتجاوز الحدود الطبيعية) وفي الحقيقة فإن معاملة الأبناء فن يستعصي على كثير من الآباء والأمهات في فترة من فترات الحياة، وكثيراً ما يتسائل الآباء عن السبل الناجعة للتعامل مع أبنائهم. إن أطفالنا جواهر، ويمكننا تربيتهم والحفاظ عليهم حسب ما رفدنا به الإسلام من نظم وقوانين، ولكن المفارقة هنا هي أن الكثير من الآباء هم الذين يحتاجون إلى توجيه قبل الأبناء. ولذلك يمكن أن نتجرأ ونقول بأن هناك الكثير من الأولاد إنما جاء فسادهم من خطأ الأباء في تربيتهم وإهمالهم وترك تعليمهم الطريق الصحيح. لقد أثبت الباحثون بشكل قاطع تأثير السنين الأولى من العمر على حياة الإنسان المستقبلية، فإحساس الولد بنفسه يأتي من خلال معاملتك له. فإن أنت أشعرته أنه ولد طيب وأحسسته بمحبتك فإنه سيكون عن نفسه فكرة أنه إنسان طيب مكرم، أما إذا كنت قليل الصبر معه وتنهال عليه باللوم والتوبيخ ليل نهار فإنك ستشعره بأنه (ولد غير طيب ) وربما ينتهي الأمر به إلى أمراض نفسية كالكآبة والإحباط أو التمرد والعصيان. لا بد أن نعرف أن هناك فرقاً بين ذات الإنسان وسلوكه، فذاته مكرّمة وعظية، أما السلوك فقد ينحرف عما رسمه الشرع والعقل له، وعلينا أن نوصل هذه الفكرة للطفل، ونوحي له بأن حسابنا معه حساب سلوك لا ذات. روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): قال داود (عليه السلام): إلهي، كن لابني كما كنت لي. فأوحى الله اليه: ياداود قل لابنك: يكن لي كما كنت لي، أكن له كما كنتُ لك. وصايا ملكوتية: عليك أيها الأب أن تأخذ بيد أبنائك لطريق الله عز وجل، وأن تعلمهم أن يبتعدوا عن غيره من الطرق الملتوية. اغرس في قلوبهم تقوى الله وساعدهم على أن يبرّوك عندما تكبر وتشيخ. تذكر دوماً أن أولادك أمانة عندك وأنهم سيغادرون منزلك بعد وقت قصير فاحرص على تربيتهم وتوجيهم، أعطهم وقتك وانتباهك، ادرس نفسياتهم وشخصياتهم، فأن ذلك يساعدك في تربيتهم، وإذا مررت بظرف عسير فأعلم أن ذلك عابر. من المهم أن يعرف الأبوان كيف يتجاوبان برفق في وقت الرفق وبحزم في وقت الحزم، كما ينبغي أن تكون معاملة الوالدين وفق مبادى ثابتة. وأن يحرصوا على حب أطفالهم ولكن بحكمة. ينبغي على الأم أن لاتعتمد على سلطة الأب وهيمنته في تهديد أولادها وعقابهم، فيصبح الأب كما قال بعض أخصائيي التربية (في نظر ابنه كالشرطي للمجرم لا صلة بينهما إلا عند الاختلاف في الرغبات) ينبغي أن لا يظهر الزوجان خلافاتهم أمام أبنائهم، فأن ذلك قد يضعف نفوذهما أمام أولادهما وقد يستثمره الولد لمصلحته فيتمادى في أخطائه. يجب أن تترسخ لدى الطفل فكرة أن سلطة أبويه هي سلطة واحدة تتبادل الأدوار حسب الظرف الموضوعي. إن من أهم القضايا التي تثير اهتمام العاملين بالمنهج الإسلامي هي قضية الطفل المسلم في منهجك التربوي، يجب أن تضع نصب عينيك أحدث الطرق التربوية التي تنسجم مع النظرة الإسلامية للإنسان في بناء شخصيته الفكرية والروحية والعملية، وفي الأجواء التي يجب أن تثيرها من حوله من أجل أن يتغذّى سلوكه بجو علمي تربوي خاص. كما يتغذى بالكلمة وبالصورة. فكل هذا الوسائل لها تأثيرها في خلق أجواء مناسبة تساعد في تربية الطفل وتسهل الأمر على الوالدين، وعلى الشخص الذي يمارس عملية التربية أن يتحرك في موقع مناسب لصنع الجو المناسب للطفل. ونحتاج في سبيل الوصول إلى تربية نموذجية إسلامية إلى دراسة ودراية واطلاع واستفادة مما ينصح به أصحاب الخبرة في هذا المجال، كل ذلك من أجل صنع جيل إسلامي يعيش في خدمة الحياة والإنسان على أساس كلمة الله والسير على تأدية ما أراد الله منه. إن الدين الإسلامي يعلمنا كيف نربي أبناءنا ليكونوا مواطنين سعداء في دنياهم، ليس هذا فحسب، بل لكي نكسب ويكسبوا بنا الآخرة أيضاً. لأن الولد الذي يكون سبباً في إيذا الناس وإيذاء نفسه فهذا يتحمل بعض ذنبه الآباء إذا لم يكونوا قد قاموا بتربيته التربية الصالحة، كما حدث في إحدى المدن العربية أن لصاً محترفاً بعد أن سرق العديد من المنازل وأحدث الرعب في قلوب الناس، لأنه لم يكن يسرق فقط بل كان يهددهم بالقتل لو شعر بالخطر، وبعد أن وقع في يدي رجال الشرطة وحكم عليه القضاء بإصدار حكم الموت شنقاً طلب السارق من رجال الشرطة قلماً وورقة فأحضروا له ذلك وعكف على كتابة بعض السطور وقد جاء فيها: (هذا ما دفعني إليه والدي.. الذي تركني منذ طفولتي ولم يحسن أدبي وتربيتي) إن الأب هو المسوؤل الأول عما يفعله الابن، ولايعني ذلك بالطبع تبرأة الابن، إنما الذي نريد قوله أن الآباء يتحملون قسماً كبيراً من المسؤولية لمكان ولايتهم على أبنائهم قال الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق عن حق الولد على الوالد: (فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ) والوجدان شاهد على انه إن عمل ابنك عملاً حسناً قال له الناس: رحم الله والديك. وإن عمل سوءاً ألقى الناس اللوم على أبيه. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه. قال أحد الخبراء في علم التربية: إن الخطورة تكمن ليس في أن الآباء يجهلون مسؤوليتهم تجاه الأبناء فقط وإنما في غفلتهم. ولربما يحدث ذلك لانشغالهم في أمور المعيشة، وبالتالي فإنهم لايقومون بتأدية واجبهم على أحسن ما يرام. وخاصة إذا كان الأبوان كلاهما يعمل ويرجع في آخر النهار متعباً مرهقاً… فهذا يؤدي بالتأكيد إلى التقصير في حق الأبناء في التربية… ويغدو الابن ضحية… وسيتعلم أخلاق وسلوكيات الشخص الذي يعتني به سواء بالحضانة أو الروضة أو المدرسة، طبعاً لانقصد من هذا أنه يجب على الأم والأب الجلوس وعدم العمل… ولكن يجب عليهم الموازنة بين حق العمل وحق الولد… هناك أمور عديدة يجهلها الآباء في التربية منها: - تشوّش الرؤية وغياب الهدف الواضح للتربية. -عدم الإلمام الكامل بمعرفة الأسس الفنية في معاملة الأبناء والتأثير فيهم. -غياب المقياس والمثل العليا للتربية المطلوبة أو الشعور بإيفاء حق التربية والواقع يكون عكس ذلك. -إهمال دور الأم وعدم إعدادها. -ضحالة ثقافة الوالدين وقصور وعيهما وتحاربهما. ومنه، نعلم أنه يلزم على ألآباء اعطاء فرصة للأولاد لتكوين شخصيتهم ومساعدتهم في ذلك. وخير مثال على ذلك عند امير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث كان يسأل أولاده بحضور الناس بعض المسائل العلمية، وربما كان يحيل الجواب عن أسئلة الناس إليهم. وهذا الشي يعطي نتائج مهمة في التربية أهمها احترام الأولاد وإحياء شخصيتهم وتكوين ذاتهم. فمثلما يجب احترام حق الكبار، يجب احترام حق الصغار. بينما الواقع الذي نعيشه في معاملة الأبناء عكس ذلك تماما عند البعض..... إن بعض الآباء يعيشون خارج دائرة التربية، ففي سبيل راحتهم أو رغباتهم أو في سبيل عملهم قد يهملون تربية أولادهم ولايفكرون بأنهم بهذا الأسلوب سوف يسيرون بأولادهم نحو الشقاء وتدمير مستقبلهم وأخلاقهم وخاصة في مجتمعاتنا التي تكون أكثر العوائل في بدايتها يعيشون مع أهاليهم، فضيق المكان يجعلهم يقسون على أطفالهم من أجل راحتهم أو أن يتحكم اكثر من فرد داخل الأسرة في تربية الطفل واستعمال الأسلوب الخاطئ أو الضرب أو العقوبة بدون سبب فكل هذا يتسبب بتكوين شخصية مهزوزة وضعيفة لدى الأطفال. إن التربية الواعية هي التربية المبنية على الأسس الأخلاقية التي ترشد الإنسان أن لوجوده قيمة جوهرية لا يمكنه أن يتغافل عنها في حياته وهي الطريق لتخريج أفراد لا يضيّعون حياتهم في التوافه، وإنما يتعاملون مع وجودهم بالطريقة التي تتحقق فيها أهداف حياتهم البنّاءة وبالتالي يمكننا أن نتحدث عن المجتمع الذي يصبح قابلاً للحياة لإدراكه ويعرف لماذا يعيش وكيف يعيش. وتربية الفرد تبدأ منذ نعومة أظفاره بالتدريج السليم المطابق للأصول التربوية والعقائدية والأخلاقية، ومن هنا علينا أن نهتم بتربية أطفالنا على هذا النحو والأسلوب الذي يحقق الآمال المعلقة على الأجيال القادمة في الوصول إلى إرساء قواعد جديدة للتعامل على مستوى الفرد أو الأمة، فلا يعود الفرد ولا تعود الأمة فريسة بيد العابثين المستهترين بمصائر الناس من أجل تحقيق المصالح الشخصية أو الفئوية على حساب جهل الناس لقيمة الحياة. هناك آثار سلبية كثيرة تترتب على عدم احترام شخصية الولد، ومن أهمها تلك التي تتعلق في نفوس الأطفال، مثل عقدة الحقارة واهتزاز الشخصية وما شابه ذلك من صفات نفسية خطيرة تهدد كيان الطفل وتلاحقه حتى خريف عمره. بينما تستطيع أنت أيها الاب وأنتِ أيتها الام أن تكونا بمعزل عن كل تلك الآثار السيئة والنتائج السلبية بفعل شيء واحد وهو: الاحترام ولايعتقد أحد بأن احترامه لولده يلحق به ضرراً أو يسئ إلى سمعته. ترى ماذا سيحدث لو اصطحب الأب ولده إلى المجالس التي يحضرها الكبار؟ وماذا يحدث لو تعامل الوالد مع ولده على أساس من الاحترام والتقدير؟ وماذا يحدث لو احترم الكبار الصغار؟ هل يحدث غير النتائج الحميدة والطيبة التي تترك أثراً سحرياً في نفوس الأبناء وتسير بهم إلى مدارج العظمة والكمال؟ يجدر بنا أن نسجل هذه الفكرة التي تقول: إن قيمة الاحترام تظهر ويبرز أثرها النفسي حينما يتمثل الكبار باحترام الصغار. وإلّا فإن احترام الصغار للكبار أمر طبيعي مفروغ منه. فإن عظمة التواضع تبرز حينما يتواضع العظيم للداني والكبير للصغير، فلو احترم الصغير الكبير وزهد الفقير وتواضع الحقير حينئذ لا يكون قد صدر منهم أي فعل ذي بال يشار إليه بالتقدير والتعظيم، ولا أقل عند سواد الناس. ولكن العظمة حينما يحترم الإنسان من هو أصغر منه، ويتواضع لمن هو أدنى منه منزلة، وقد ورد في سيرة أعظم رجل عرفته الإنسانية وهو النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) أنه كان يصافح الغني والفقير والصغير والكبير، ويسلم مبتدءاً على كل من لقيه من صغير أو كبير أسود أو أحمر، حراً أو عبداً، وكان يقول في ذلك: ليكون سنة من بعدي. إن لاحترام الأبناء نتائج ايجابية كثيرة، وباستطاعة أي أب أن يجرب ذلك، فلو كنت تريد من ابنك خدمة ما، فاطلب ذلك منه باحترام...وأومئ إليه بالثقة ثم اطلب منه ما تريد وانظر كيف ستكون النتيجة. هذا بالإضافة إلى أن الأبناء سيبادلون الآباء ذلك الإحساس، وسيعاملون آبائهم كما تعلموا وتعودوا عليه. لذلك فالأب حر في اختيار الطريقة التي يرغب أن يعامله بها ابناؤه في صغرهم وعند الكبر، تماماً كما أنك لاتستطيع أن تسحب مقداراً معيناً من المال من البنك إلا إذا كان لديك رصيد سابق قد أودعته فلا تستطيع أن تطالب أبناءك أو أي إنسان آخر بالاحترام وأنت لم تودع الاحترام في بنوكهم ولم تمنحهم الاهتمام. وهو مفاد ما ورد من الأمر بمعونة الأبناء على تعليمهم بر الآباء فاهتم بهم يهتموا بك، واحترمهم يحترموك، يقول الامام علي (عليه السلام ): (إجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب) إن هذه حقيقة حتمية وسنة كونية لايمكن تبديلها. (فمن جد وجد ومن زرع حصد) الأطفال هم فلذات الأكباد وريحانة الحياة وزهور الربيع وبلسم الجروح، وهم ذخر الإنسانية لغدها المشرق، وهم الذين سيحملون مسؤوليات العالم بعد أن ينتهي دور الجيل الذي سبقهم، لأن الإنسانية تسير بطريق تكاملي وبالتالي لابد أن تستمر. وهم ضمان استمراريتها وبقائها. وبما أنهم كنز الإنسانية ومستقبلها فعلينا أن نعمل على إعدادهم إعداداً مناسباً يتناسب مع حجم المسؤوليات المستقبلية التي ستلقى على عاتقهم، وذلك يكون عن طريق تربيتهم التربية الصالحة المبنية على الفهم المتكامل والصحيح للحياة، وعلى المربي عموماً أن يدرك أهمية هولاء الأطفال وأنهم سيكونون أهلاً للحياة ولمواجهة مسوولياتها. إن فهم هذه الخصوصية وترتيب الأثر المناسب عليها يساعدنا على إيجاد المجتمع الإنساني الفاضل الذي يتحلى بالأخلاق الكريمة، ذلك المجتمع الذي يقدس المثل العليا للإنسانية باعتبارها صمام أمان للحياة نظراً لما تحويه من مباديء سامية وخصال حميدة توصل أفراد المجتمع الإنساني إلى أهدافه النبيلة باعتناقها والتمسك بأهدافها… الطفولة عالم البراءة: عالم الصفاء والنقاء والتخيلات والأحلام الرائعة الجميلة هو عالم الطفولة، فهو العالم الملكوتي الذي ينطلق منه الإنسان في بداية سيرته الحياتية. فالطفل في سِنيّ حياته الأولى ينظر إلى الحياة بمنظار عالمه الطفولي البريء البعيد عن كل مايعكر صفوها فيتخيلها بمنظاره هذا عالماً تسوده المشاعر المرهفة الحساسة، وبعيداً عن كل الاشياء التي تجعل من الحياة حياة شر وخداع ونفاق. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل للحياة قبل أن يبدأ صراعه معها، وما أروعه من تصور وما أجمله من حلم، وكم يتمنى كل فرد إنساني أن يعود لطفولته البريئة ليسرح في أرجاء عالمها الذي كان يصور له الحياة كأنها ربيع مليء بالرياحين التي تشد الإنسان إليها بعطرها الساحر وشذاها الفواح، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلاينفذ إلى سره ولا يدري كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. فهو عالم بعيد كل البعد عن الشرور والآثام والحقد والكراهية، هو عالم غني بالمشاعر الجياشة التي تصور الحياة بستاناً عامراً بالاطاليب، حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. تعتبر مرحلة الطفولة من أهم المراحل في حياة الفرد: فالاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. فالطفل هو الثروة الحقيقية وأمل الغد، وليكن معلوماً أن ما نراه من حولنا المشاكل التي يتعرض لها الطفل في العالم من نبذ وقهر واضطهاد واستغلال وما يترتب على هذه المشاكل من اضطرابات نفسية وانحراف وجريمة وادمان. وما نرى من حالات العنف والعدوان في المدارس وحالات اختطاف وانحرافات سلوكية وخاصة في العالم الغربي، ومانشاهده من تعرض الطفل العربي إلى القهر والعدوان وخاصة في دول الحرب وبعض الظواهر الأخرى مثل ظاهرة أطفال الشوارع، والمتسولين والأحداث، كل ذلك له أسبابه الخاصة والتي تكون التربية واحدة من أهمها، وفي مقدمتها. يؤكد علماء النفس دائماً على أن أسباب الاضطرابات النفسية لدى الاطفال هو غالباً تنشأ من خلل في المعاملة من قبل الأهل. وأن الأطفال الذين تساء معاملتهم هم دائماً ضحايا للاضطرابات النفسية والانحرافات. وهذه الاضطرابات لاينتهي أثرها عند الطفولة فقط، وإنما قد تبقى آثارها لمرحلة الشباب والكهولة، ذلك لأنها تنطبع في شخصية الطفل وتوثر على حياته المستقبلية. فيصبح بالتالي شخصاً يعاني من عقد بداخله ولربما يصبح شخصاً ظالماً لمن حوله أو مجرماً حتى مع أقرب الناس إليه كإخوته وأطفاله وزوجته وأصدقائه. فلينتبه الأبوان لهذه المسوولية الملقاة على عاتقهما لأنهم لا يظلمون طفلهم فقط، إنما يظلمون مجتمعاً كاملاً. ومن هنا تعتبر الأسرة النواة الأولى لتنمية الطفل، والقالب الاجتماعي الأول الذي يصوغ شخصية الطفل في المجتمع، وهي المؤسسة التربوية الأم التي تساعده على تشكيل شخصيته بصفة عامة، وهذا ينعكس سلباً على شخصية الطفل، فيما لو اضطربت الأسرة وتفككت. لقد ثبت لدى الباحثين تأثير السنوات الثمان الأولى من العمر في باقي حياة الإنسان، وقد وجد انه إذا ما لبيت حاجات ورغبات الطفل في الأشهر الأولى من الطعام والراحة والمحبة وغير ذلك، فإن الطفل سيكون حظه في الحياة أوفر وأعظم… إن الأنماط السلوكية الأسرية تحدد ماسوف يفعله الطفل في مقتبل حياته أو مايستطيع أن يفعله. ولكي يحصل على الإشباع والرضا فعلى الأسرة أن تعمل على تنمية شخصيته. إن أهم عوامل نجاح وتكوين شخصية الطفل إنما هي مستمدة من العلاقة الحارة الوثيقة الدائمة التي تربط الطفل بأمه أو من يقوم مقامها بصفة دائمة وإن أي حرمان من حنان الإم تظهر آثاره في تعطيل النمو الجسمي والذهني والاجتماعي وفي اضطراب النمو النفسي للطفل. _______________________________ (1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2ص625 (2) غرر الحكم ودرر الكلم للامدي ص831 (3) مكارم الاخلاق للطبرسي ص 232 (4) بحار الانوار ج 75 ص 236

اخرى
منذ سنة
8231

صوت العقل وصدى الإرادة

برغم مانشهده من بريق التقدم التكنلوجي الذي يأخذ بالألباب ويخطف الأبصار إلا أننا نلاحظ اليوم وجود أزمة اخلاقية رهيبة، خصوصاً فيما يتعلق بانتشار المحرمات وتفكّك المجتمعات وتمزقها، وذلك لأن هذا التقدم يتحرك بشكل قد لايوافق فطرة الإنسان. إن الله سبحانه قد زوّد الإنسان بالعقل والغريزة والإرادة، على أن الروح والنفس من المتفرعات، فالروح مثلاً تعود في النهاية إلى قوة العقل التي وقف العلم أمامها حائراً عن معرفة كنهها. إن في الإنسان عقلاً وغريزة وإرادة، وهي في صراع دائم، والغالب منها يحدّد سلوك الإنسان. فإذا غلبت الغريزة على العقل والإرادة انحدر الإنسان إلى مرتبة الحيوان وإذا كانت الغلبة للعقل ترقى الإنسان إلى مراتب الإنسانية السامية. وهنا قد يطرح سائل سؤال: لماذا خلق الله سبحانه الغرائز في الإنسان وماهي الغاية من ذلك؟ الجواب: إن الغرائز التي غرسها الله سبحانه في أعماقنا وإن كانت متضادة ومتجاذبة إلا أنها هادفة لأن الله سبحانه حكيم في تدبيره لايخلق الأشياء عبثاً، فكل شئ في هذا الكون خاضع لحكمته وتدبيره وهذا الصراع الذي يحدث هو من أجل التكامل، إذ لاتقدم إلا من خلال هذا الصراع، إن الله قد حشّد هذه الغرائز في داخل الإنسان من أجل التكامل والكمال فقد شاء سبحانه أن يخلق هذا الكائن ليكون مميزاً عن الحيوان وعن الملائكة فلو كان عقلاً فقط لأصبح ملاكاً ولو كان غريزة فقط لكان حيواناً، وبذلك ينتفي وجود كائن حي اسمه الإنسان . إن العقل يُصدر الأحكام ولكن لاتتنفذ تلك الأحكام إذا كانت الإرادة ضعيفة، فلاقيمة لتلك الأحكام بدون إرادة قوية تنفّذها فيخلو الميدان للغرائز التي تُسيِّر الإنسان وترسم له خط سلوكه، لأن العقل عُرضة لهجوم دائم تشنّه الغرائز عليه وهو يحاول أن يدافع عن نفسه وينفّذ أحكامه. فإذا كانت الإرادة قوية فإنها تحمي العقل وتدافع عنه ليصبح قابلاً للتنفيذ . إذن ما هي الإرادة؟ وكيف نقوّي الإرادة؟ الإرادة: هي القدرة والسيطرة على الذات، فهناك قدرات جسمانية وهناك قدرات ذاتية، فتحقّق المراد يكون على قدر على ما أراد تحقيقه وخطّط له بشكل صحيح. إن مايحدث في داخل النفس هو شبه مجلس تخطيط، فالعقل يخطّط ويصدر الأحكام أما التنفيذ متوقف على قوة إرادة الإنسان. إن الهدف من وجود الإنسان لن يتم بدون مزج العقل مع الغرائز. ولكي يكون سيره في محيط الإنسانية عليه أن يتحكم بهذه الغرائر بالاتجاه الإيجابي وهو ماحدّده له الله عز وجل فقط، فلو شذ عنها انحدر من مستواه الإنساني إلى المستوى البهيمي. ولهذا كان لقوة الإرادة والتوجُّه الصائب للعقل الحكم الفصل في تنفيذ ذلك... إن الإرادة تلعب دوراً مهماً في عملية تنفيذ الأحكام التي يصدرها العقل أو في إلغائها. فكيف يمكن أن نقوّي هذه الإرادة من أجل انتصار العقل على طغيان الغرائز وجبروتها؟ نجد الجواب المناسب لهذا السؤال عند سيد البلغاء أمير المؤمنين علي بن ابي طالب( عليه السلام) عندما يقول :(وأيم الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً وتقبل بالملح مأدوماً ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها ،مستفرغة دموعها ،أتمتلئ السائمة من عشبها فتبرك وتشبع الربيضة من رعينها فتهدأ ويأكل علي من زاده فيهجع. ......) نهج البلاغه ج٣ص٧٥ من هذه الكلمة يتبين العلاج لتقوية الإرادة حسب ماذكر سيدنا ومولانا الامام امير المؤمنين( عليه السلام ) وهو :- الترويض للنفس لتقوية الإرادة. لو سألنا الإمام (عليه السلام) وكيف تروضها يا امير المؤمنين؟ فالإجابة عنده موجودة (إنما نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الاكبر). إذن الوسيلة هي التقوى التي تسيطر على الغرائز وتهذّبها والغاية هي الاطمئنان والأمان يوم الفزع الاكبر. إن الغرائز تلح على الإنسان بدليل ماجاء في القرآن الكريم (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)) سورة يوسف. يقع الذنب عندما يقوم الإنسان بفعلٍ بسبب شهواته وميوله خلافاً لما يحكم به عقله وإيمانه وتقابلها نفس لوامة تلح على صاحبها بالدافع الإخلاقي لكي تصبح مطمئنة وهنا يحدث النزاع بين العقل والغرائز. والإرادة القوية النابعة من تقوى الله تستطيع الانتصار، فكل إرادة لاتتغلب على العاطفة والشهوات تنهار وتفشل بسبب ضعفها وقلة إيمانها لأن حالة الذنب هي حالة عدم تملك النفس لذا قال (عليه السلام) في خطبته (ألا وان للتقوى مطايا ذلل )نهج البلاغه الخطبه ١٦ أي أنه يأمر والمطايا تطيع تسير إينما يوجهها دون أن تركل أو تعترض، وعلى هذه القاعدة نستطيع أن نقول إنّ لكل غريزة وظيفتها وهدفها، لاسيما إذا ربط الإنسان نفسه بالتعاليم الآلهيه التي وصلتنا إذ أن هذه التعاليم توجّه الغرائز بطريقها الصحيح الذي رسمه الله لها .

اخرى
منذ سنة
8077