نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية (٧)

بقلم: علوية الحسيني شراءُ ملابسِ العيد قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم و(َتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) (1). إنّ شراء ملابس العيد بات أمرًا عرفيًّا، والإسلام يدعو إلى التجمّل، إلاّ أنّ بعض النساء أصبحنَ ما بين إفراطٍ وتفريط في شراء تلك الملابس. فيا اختاه: إن رُمتِ الشراء فلابد من مراعاة ضوابط لها أسس قرآنية، وأخرى روائية. فالإسراف في كل شيء مذموم، فإن أسرفتِ في شراء ملابس بأغلى الأثمان، وعملتِ على تجديد الشراء كلما صادفتكِ مناسبة لهو الإسراف بعينه. نعم، وأمّا بنعمة ربّك فحدِّث، لكن لا على شكلٍ يؤثر على اقتصاد منزلكِ، فالزوج وإن كان من واجبه الإنفاق عليكِ إلاّ أنّ للنفقةِ حدودًا، وكذا الأب، بل وكذا نفسكِ إن كنتِ ممن تكفلّت بالنفقة عليها، قال تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين}(2). وهناك أمور لابد من مراعاتها عند شرائكِ لملابس العيد، منها: 1/الأنسب أن تداومي على ذكر الله تعالى، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "إذا دخلت سوقك فقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها، اللهم إني أعوذ بك من أن أظلم أو اُظلم، أو أبغي أو يبغى علي، أو أعتدي أو يعتدى عليّ، اللهم إني أعوذ بك من شر إبليس وجنوده، وشر فسقة العرب والعجم، وحسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم" (3). 2/إذا كنتِ تريدين ارتداء الثوب الذي سوف تشترينه للظهور به أمام الأجانب، "فالمعتبر في حجاب المرأة ستر ما يجب ستره عن الرجال الأجانب بحيث لا يبرز مفاتن جسدكِ لهم، والعباءة خير ثوبٍ ساترٍ لكِ، فإذا كان غير العباءة يفي بهذا الغرض فلا بأس به، لكن مع ذلك فسماحة السيّد المرجع يحبذ للمرأة المسلمة أن تختار العباءة كلباسٍ دائمٍ، فمن بابٍ أولى ترجيح التحبيذ أيام العيد" (4). 3/أن لا يكون ذهابكِ للسوق بمفردك، ويتحتم عليكِ عدم خلق المشاكل فيما لو نُهيتِ عن الذهاب في الوقت الذي تم تحديده من قبلكِ، فعاقبة تأجيلكِ الموعد لحين تفرّغ من تذهبين معه من المحارم أقل تأثيرًا عليكِ فيما لو غامرتِ ودخلت السوق بمفردك. فإن غامرتِ فالله الله في الحشمة القولية والفعلية، فلا خضوع في القول، ولا تميّع في الفعل. 4/خروجكِ للسوق لابد أن يكون بلباس الحشمة والوقار، بعيدًا عن التزيّن مهما استساغه العرف، وبعيدًا عن التعطر المقصود، والبنطال الذي يُقصد منه إظهاره تزينًا، والكعب العالي. 5/احذري بل وتجنبي قدر المستطاع التعامل مع البائعين من الرجال؛ إذ قد يجر الكلام به إلى أن يشخص ما يليق بكِ كقياسٍ من الملابس، وهذا هتكٌ لحرمتكِ أيّتها المبجلة، ولهذا الأفضل لكِ اصطحاب أحد المحارم معكِ ليتولى عملية الشراء؛ فالإسلام يوجب على الجميع معاملة المرأة معاملة الأميرة القارورة الريحانة، فاكتنزي دوركِ. 7/إذا كان الثوب الذي تودين شراءه مخالفًا لذوق زوجكِ، ويترتب عليه نفوره منكِ فيما لو ارتديتِه، فالشرع يأمركِ بطاعة الزوج، والأنسب أن يكون الاتفاق بينكما هو سيّد كلّ موقف. 8/إذا كنتِ تريدين شراء ثوبٍ تظهرين به أمام أخواتكِ المؤمنات وصاحباتكِ فالأنسب أن تراعي الحداثة والمظهر واللائقية، بشرط أن لا يخرج عن حدِّ الحشمة والوقار، ويكون بعيدًا عن الشهرة، أو التشبه بالرجال أو بالكفار. 9/إذا صادفتكِ حالات تتطلب منكِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبادري بنصح اختكِ في الله، واعطيها العذر في عدم انتباهها على حجابها الذي يحتاج إلى تستر؛ واحمليها على سبعين محملٍ، إذ لعلّ شدّة الزحام، أو تمسكها بأطفالها، أو عدم مبالاتها غير المقصودة أدت بها إلى أن تصل إلى حالةٍ تستوجب نصحٍ من اختٍ لها أمثالكِ. وكثيرةٌ هذه الحالات لاسيما مع قرب أيّام العيد. 10/إذا اشتريتِ ما ناسبكِ ذوقًا، فيستحب أن تكبِّري الله تعالى ثلاث مرات؛ روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "إذا اشتريت شيئا من متاع أو غيره فكبر ثم قل: اللهم إني اشتريته ألتمس فيه من فضلك، فصل على محمد وآل محمد، واجعل لي فيه فضلا اللهم إني اشتريته ألتمس فيه من رزقك، فاجعل لى فيه رزقا، ثم أعد كل واحدة ثلاث مرات" (5). ________________ (1) فاطر: 12. (2) الأنعام: 141. (3) وسائل الشيعة: للشيخ الحر العاملي، ج17، ب18 باب استحباب الدعاء بالمأثور عند دخول السوق، ح2. (4) الحكم وفق فتوى سماحة السيّد السيستاني دام ظله. (5) وسائل الشيعة: للشيخ الحر العاملي، ج17، ب20 استحباب التكبير ثلاثا عند الشراء، ح1. ألبسنا الله تعالى وإيّاكنّ في جنته من الاستبرق والحرير، والياقوت والمرجان، إنّه هو السميع المنّان.

المناسبات الدينية
منذ 5 أشهر
727

نشاطات رمضانية للمرأة الشيعية (٦)

بقلم: علوية الحسيني سحورٌ عقائدي قال تعالى: {قُلِ ادعُوا اللَّـهَ أَوِ ادعُوا الرَّحمـنَ أَيًّا ما تَدعوا فَلَهُ الأَسماءُ الحُسنى} (1). إنّ التدبر في كلمات الأدعية عمومًا، وأدعية السحر في شهر رمضان الكريم خصوصًا، لها آثار نورية على حياة البشرية؛ حيث التأملات العقائدية، والإشراقات الوجدانية، التي تزيد العبد خشوعًا وعبودية. فكما أنّ كلام الثقل الأكبر، القرآن الكريم يحتاج إلى تدبّر، كذلك كلام الثقل الأصغر، أهل البيت (عليهم السلام)، والتدبر امتدحه الله تعالى، بل وحث عليه، مع اختلاف المفردات، حتى جعلته بعض الروايات عبادة. وبما أنّ المرأة مخلوق أودع الله تعالى فيها عقلاً قابلاً للتفكر، فمن الكمال أن تتفكر في كلام الثقلين ولو إجمالاً. وأدعية وقت السحر ذات مضامين عالية، متنوعة العلوم، فما بين عقيدة وفقه وأخلاق، إلاّ أنّ الأخلاق والفقه ساقا هرم رأسه العقيدة. وبالتالي لابد من اتقان رأس الهرم أولاً ثم ساقاه، فحريٌ بالمرأة اتقان عقيدتها اغترافًا من تلك الأدعية المباركة. ومن المؤسف نجد أنّ بعض النسوة في شهر رمضان المبارك تفرّق بين العقيدة والفقه والأخلاق، فتفرط بالاهتمام في جانب وتهمل الجانب الآخر! والحال أنّ هذا الشهر الفضيل محل فيضٍ، وحسنات الأعمال فيه مضاعفة، فيكون من الأنسب استغلال ذلك الزمن لاكتساب كلّ كمال، والعلم كمال. فبعض النسوة تقبل على التأكد من الأحكام الشرعية المبتلاة، وبعضهن ينادين بالتخلية قبل التزكية، أي يخلينَ أنفسهنَّ من قبائح الأفعال والأقوَال ويتحلينَ بمحاسن الأفعال والأقوال. وهذا الأمر وإن كان محمودًا، بـل وواجبًا؛ امتثالاً لما أمرنا به الله تعالى ورسوله وأولياؤه (عليهم السلام). لكن لا على حساب إهمال جانب العقيدة، وعدم التأمل في الأدعية التي تشير إلى اصول الدّين، فالدعاء لا يكون لقلقة لسان فقط، بل لابد من التأمل بقدر المستطاع. العقيدة _كما لايخفى_ لها ارتباط وثيق بالفقه، فلولا معرفة الله تعالى وتوحيده، والإقرار بعدله، والإيمان بأنّه من عدله بعث لنا أنبياءً، وجعل الأئمة امتدادًا لهم، ثم يجزي كلاً منّا على مدى التزامه أو عدم التزامه بالأوامر والنواهي، وهو ما يسمى بالمعاد، لما عرفنا لمن نصلي ونصوم ونحج مثلاً، فلو لم نعرف بدرجة سابقة الرب الذي له نؤدي تلك العبادات فلماذا نمتثل للتكاليف؟ وكذلك للعقيدة ارتباط وثيق بالأخلاق، أليست بعض الأحاديث تقول: "تخلّقوا بأخلاق الله تعالى"؟ فكيف هي أخلاق الله تعالى حتى نتصف بها؟ هنا لابد من الرجوع للعقيدة لمعرفة صفاته سبحانه. وبالتالي لو تدبرت المرأة في تلك الأدعية لكانت قد تغذت بسحور عقائدي. اختاه: كما أنّ اهتمامكِ يبلغ مداه بغذاء الجسد، وتعددين أصنافه، فللروح غذاؤه، فهلاّ اطلعتِ عليه، وتغذيتِ من أنفع أصنافه؟ أم ستعيشين الجوع والعطش الروحي؟ فكما أنّ الإنسان إذا لم يراقب غذاءه ولم يعتنِ بنظافته، فإنه سيتعرض للآفات من الفساد والتعفن، وتكون النتيجة أن يصاب بشتى أنواع الأمراض التي تؤدي إلى هلاكه، فغذاء الأبدان هو الطعام اللائق لها ولا بد من رعاية أصوله، فكذا روح الإنسان، فإنها بالإضافة إلى خفائها عند الكثيرين تتطلب غذاءً مميزًا وكبيرًا للغاية، بل أن استعمال وصف (الكبير) هنا ليس دقيقًا، لأنّ الروح لا تقاس بالجهات المادية ؛ لعظم سعتها ومرتبتها الوجودية، ولكن هذه السعة هي في عين الفقر والاحتياج، فجوعها أشد، وطلبها أعظم. يقول السيّد الخميني (قدس سرّه): "والغذاء المناسب لنشأة الأرواح هو المعارف الإلهية، اعتبارًا من معرفة مبدأ المبادئ للوجود إلى منتهى النهاية للنظام الوجودي، وكذلك فإن تغذي القلوب يستمد من الفضائل والمناسك الإلهية". إذًا يا اختاه، فهذه الروح لها مراتب عديدة كالعقل والقلب، وعليكِ إعطاء كل مرتبة غذاءها. فللعقل العلم، وللقلب العبادة والفضائل. ثم يضيف السيّد (قدّس سرّه) إلى هذا: الحفاظ على هذين الغذاءين من تصرف إبليس اللعين. فماذا تكون النتيجة؟ "وليعلم أنّ كلا من هذه الأغذية إذا خلص من تصرف الشيطان، وأعد على يد الولاية للرسول الخاتم وولي الله الأعظم صلوات الله عليهما و آلهما، يتغذى الروح منه والقلب، فينالا الكمال اللائق بالإنسانية، ويعرجان إلى الله". وكذلك يقول العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) موضحًا غذاء العقل: "العلم النافع هو العلم الذي يوجِد في الإنسان نور المعرفة والإيمان بالله ومعرفة أسماءه وصفاته"، وهذا هو محور العقيدة. فالغذاء العقلي هو المعارف الإلهية المصحوبة بالعبادات الشرعية، المتحلية بالأخلاق السامية. وبإمكانكِ اختاه الاستفادة من هذه الطرق لتعينكِ على التأمل في الأدعية الشريفة: 1- الاستعانة بكتب شرح الأدعية. 2- الانصات لشرح فقرات الأدعية التي تبث على التلفاز والاذاعة. 3- تدوين الفقرة الغامضة والسؤال بجنبها وارسالها إلى أهل الاختصاص ليوافوكِ بالجواب المناسب. 4- العمل على عقد ندوات فكرية تتطرق إلى شرح مضامين الأدعية. 5- الدعاء بتعجيل الفرج، وأن تكوني ممن تعيش في دولته، ليكون الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) هو المبيّن لمفردات الأدعية الواردة على لسان أجداده (عليهم السلام). ______________ (1) الإسراء: 110. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ بَلِّغْ بِإِيمَانِي أَكْمَلَ الْإِيمَان، وَ اجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِين، وَ انْتَهِ بِنِيَّتِي إِلَى أَحْسَنِ النِّيَّات، وَ بِعَمَلِي إِلَى أَحْسَنِ الْأَعْمَال.

المناسبات الدينية
منذ 5 أشهر
2198

الإمام الصادق (عليه السلام) وفكر الآخر (٢)

بقلم: عبير المنظور مفردات منهج الإمام الصادق (عليه السلام) في حوار الآخر لا زالت مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) ونهجها المتفرد هي الاولى في الرد على المسائل الكلامية التي أثارت جدلًا واسعًا بين الأوساط الإسلامية ووضع الحدود الفاصلة لتلك المسائل، وكذلك هي الأولى في التصدي للتيارات الفكرية المنحرفة من خوارج وأيضًا زنادقة وملحدين أو ما يسمون بالدهريين. ولأن عصر الإمام الصادق (عليه السلام) -كما ذكرنا في المقدمة التاريخية في الجزء الأول من هذه السلسلة- كان زاخرًا بالمتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية بسبب تكالب الحزبين الأموي والعباسي على الخلافة وسيطرة العباسيين على الحكم ومحاولتهم إشغال العوام عن ذلك الصراع الدموي وتثبيت دعائم حكمه، باستغلال بعض المسائل الكلامية التي اختلف فيها المعتزلة والأشاعرة، كمسألة الجبر والتفويض وخلق القرآن التي أخذت مساحة كبيرة في الساحة الإسلامية وسيّستها لصالحها، وإن كانت مسألة خلق القرآن في عهد الإمام الصادق (عليه السلام) لا تعدو كونها اختلافًا كلاميًا بين المدارس الكلامية، لكنها خلقت أزمة حقيقية في عهد المأمون العباسي القائل بخلق القرآن على رأي المعتزلة وفرض ذلك الرأي بقوة السلطان على الأمة. إضافة إلى الفتوحات الإسلامية التي ساهمت بشكل كبير في تداخل وامتزاج أفكار غير صحيحة مع الأفكار الإسلامية الصحيحة، مما شوه تلك الأفكار وأعطاها خطًا آخر مختلفًا عن الأصل الإسلامي، خاصة مع اهتمام العباسيين بحركة النشر والترجمة التي أدخلت الثقافات الدخيلة إلى المجتمع الإسلامي دون تحصين المجتمع الإسلامي وزرع الوعي فيه في ظل الفقر والعوز الذي عانت منه الأُمة، بسبب الحروب والتكالب على السلطة، إضافة إلى تدنّي مستوى الوعي لدى العوام من الرعية، مما يسهل انجرارهم نحو الاتجاهات الفكرية المنحرفة وترديد إشكالاتهم دون علم ومعرفة _وما أكثرهم حتى في وقتنا الراهن _. كما كان على مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) أن تواجه جميع هذه الاتجاهات وعلى أكثر من جبهة في نفس الوقت، مع الأخذ بنظر الاعتبار تحصين المجتمع من خطر تلك التيارات الفكرية الضالة، ورفع مستوى وعي العوام والخواص، وطبعًا كل حسب علمه وامكانياته واستعداده، وإنها لعمري من أصعب المهام وأكثرها تعقيدًا في ظل هذا الظرف الصعب. وحتى تكون مفردات نهج الإمام الصادق (عليه السلام) قادرة على مواجهة تلك التيارات والرد على شبهاتهم وتوضيحها على مستوى عال من تحجيم الفكر المخالف واتساع رقعة الفكر الصحيح وتمييزه عن السقيم، كان على الإمام أن يتخذ أكثر من أسلوب حسب الاختلافات المذكورة سابقًا، بأن تكون على مستوى واحد من الارتقاء أفقيًا وعموديًا بالمجتمع بخلق حالة من التوازن النسبي في مواجهة الفكر المنحرف وتقويمه وتصحيح السقيم منه وتقوية جانب الفكر السليم وتحصين أفراد المجتمع في الوقت ذاته. وبلحاظ ما تقدم فقد تعددت مفردات ذلك المنهج لضمان تأثيره في المجتمع من وقاية وعلاج، ومن هذه المفردات والخطوط الأساسية العريضة في التصدي والمواجهة: ١- احترام الجوانب الايجابية في فكر الآخر: إن رددنا على فكر معين في بعض المسائل الخلافية، فهذا لا يعني أننا نرفض ذلك الفكر جملة وتفصيلًا، مهما كانت هوية ذلك الفكر إسلامية أم غير إسلامية، عربية أم غربية، فمثلًا هناك العديد من ردود الإمام الصادق (عليه السلام) حول بعض المسائل الكلامية للمعتزلة، فهذا لا يعني أنه يرفض فكرهم جملة وتفصيلًا، وإنما هناك مشتركات كثيرة بين فكرهم وفكر أهل البيت (عليهم السلام)، وكذلك الحال في الفكر غير العربي كالفلسفة اليونانية أو الإغريقية مثلًا، وإن كان هناك اختلافات كثيرة إلّا أن هناك مشتركات أيضًا، وفي حال الرد على مسالة خاطئة، فهذا لا يعني نسف الفكر كله بسبب رفضنا فكرة واحدة مثلًا وهكذا. احترام الجوانب الايجابية لفكر الآخر هي النظرة الايجابية والانفتاحية للفكر الإسلامي بشكل عام. فالفكر الإسلامي منفتح على جميع الثقافات والايديولوجيات، ويحترمها طالما أنها ضمن حدود احترامها للمجتمع الإسلامي وخصوصيته فكرًا وسلوكًا، وهذا الأمر لا يعني أن الفكر الإسلامي منغلق على نفسه، بل بالعكس هو فكر منفتح في ظل ثقافة التعايش والحوار مع الآخر، ولكن -كما أسلفنا في الجزء الأول- ضمن أطر محددة حسب كل زمان ومكان للحفاظ على سلامة المجتمع الإسلامي من حيث الفكر والسلوك. ومن هذه الخاصية من مفردات منهج الإمام الصادق (عليه السلام) في الرد على الشبهات والفكر المخالف نتعلم -ونحن في عصر التقدم العلمي والمعلوماتية والذي كثرت فيه مع الأسف التيارات الفكرية المتأسلمة المنحرفة عن الإسلام الصحيح، إضافة إلى انتشار التيار العلماني والإلحادي بشكل كبير، بالإضافة إلى تقليد مجتمعاتنا الإسلامية للمجتمعات الغربية البعيدة كل البعد عن قيمنا ومبادئنا وثوابتنا الإسلامية- أنه علينا في بادئ الأمر أن نوضح أننا لسنا ضدهم وضد فكرهم عامة، وإنما نرفض ما يسيء إلى ثوابتنا وهويتنا الإسلامية وكل ما يؤثر على سلامة أفراد مجتمعنا، وهو من باب معالجة الخطأ المتفشي في المجتمع ووقاية أفراده من الانجرار خلف الشعارات البراقة لتلك التيارات المنحرفة، أما إذا كانت بعض الأفكار صحيحة وتعتمد على الأسس المنطقية والإنسانية والفطرية، فنحن نرحب بها في مجتمعاتنا كثيرًا ونشجع عليها، مثلًا: ليس كل ما يأتي من الفكر الغربي هو ضد ثوابتنا الإسلامية، فالمسالة ليست عدوانية بقدر ما هي مخالفة الفكر السقيم ومعالجته لتحصين المجتمع بالفكر السليم. ٢- اهمية التخصص في مواجهة فكر الآخر: وهو المنهج العلمي الصحيح المتبع حتى وقتنا الحاضر، فلكل علم متخصصون به وهم أولى الناس بالمحاجّة ودحض الشبهات في تخصصهم، فلا يصح مثلًا أن يتصدى الطبيب للمسائل الفلسفية كما لا يصح تصدي المهندسين لعلم الفقه وهكذا، لا يصح التصدي لإشكالات أي مجال ما لم يكن التخصص فيه هو الفيصل في الحكم النهائي. والإمام الصادق (عليه السلام) اعتمد على التخصص في كل المجالات في مدرسته المميزة، فوجدنا فيها علوم الفقه والحديث والسيرة والكلام والفلسفة والنظريات والطب والكيمياء والرياضيات وغيرها. كما خرّج العديد من الطلاب في شتى مجالات العلوم والآداب والمعارف، كما أنه (سلام الله عليه) كان قد خصّص النوابغ والمتميزين من طلابه -كل حسب تخصصه- في الرد على المسائل المتعلقة بعلم كل منهم وتصدرهم مجال علمهم (كهشام بن الحكم الذي تخصص في المباحث النظرية، وتخصص زرارة ومحمد بن مسلم واشباههم في المسائل الدينية، كما تخصص جابر بن حيان في الرياضيات وعلى هذا الترتيب). (١) فالتصدي لأي مجال من المجالات دون خلفية معرفية وتخصص قد يضر أكثر مما ينفع، وهو درس لنا نتعلمه من منهج الإمام الصادق (سلام الله عليه) في وقتنا الراهن، حيث كثرت شبهات التيار الإلحادي ولغطهم وإشكالاتهم الملتوية، فلا يصح أن يتصدى لهم من لم يكن متخصصًا في الرد على شبهاتهم العقائدية، وإلّا فسيكون ضرره على الخط الإسلامي أكثر من نفعه؛ لأنه سيتخبط في متاهات معرفية لا يضاهي آفاقها الواسعة. ٣-الالتزام بآدب النقاش والحوار والمناظرة: وهذا واضح جدًا من خلال ما عُرف عن تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث أدّبهم على الالتزام بأدب الحوار والمناظرة، وهذا ما لمسناه واضحًا في محاورة ابن أبي العوجاء مع المفضل بن عمر، وإشادة ابن أبي العوجاء -وهو من كبار الملحدين- بالتزام الإمام الصادق (سلام الله عليه) وتلامذته بأدب الحوار والنقاش بقوله للمفضل: (يا هذا، إن كنت من أهل الكلام كلمناك، فإن ثبتت لك حجة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا تخاطبنا، ولا بمثل دليلك تجادل فينا، ولقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت، فما أفحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا، وأنه الحليم الرزين العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا ويصغي إلينا، ويتعرف حجتنا، حتى إذا استفرغنا ما عندنا وظننا إنا قطعناه، دحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير، يُلزمنا به الحجة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه ردًا، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا مثل خطابه) (٢) ومن هنا يجب علينا الالتفات إلى هذه النقطة الجوهرية في الحوار والنقاش مع الفكر الآخر، بأنه مهما كان الشخص يبلغ من الدرجة العلمية في تخصّصه، فإنه لا ينفع للمناظرات والنقاش ما لم يتحلّ بآداب الحوار والمناظرة، لأنه قد يضر أكثر مما ينفع، خاصة عندما يستفزه الطرف الآخر، فلا يتحكم بأعصابه فينفعل، أو يهمش الطرف الآخر أو يلغيه أو يستهزئ به وبفكره، فإنه يقطع طريق الحوار وهداية الطرف الآخر ويعكس صورة سلبية لفكره الصحيح والهدف من المناظرة. ٤- تأليف الكتب والرسائل في الرد على الشبهات: ومن الواضح أهمية نشر الكتب والرسائل في رد شبهات واشكاليات تلك التيارات الفكرية المنحرفة وفي زرع الوعي في المجتمع وكشف ما يخلطون من الأوراق على العامة، وكشف ثغراتهم وخواء فكرهم القائم على الالتباس وخلط الأوراق مع بعضها، وهو بدوره يعمل على تحصين فكرنا الإسلامي الصحيح وأفراده، ولهذا كانت ردود الإمام القمة السامقة في الحجة والبرهان، وخاصة تأليفه لكتاب (توحيد المفضل) الذي كان من أسبابه الرئيسية محاورة ابن أبي العوجاء مع المفضل بن عمر -التي أشرنا إليها في النقطة السابقة- حيث يُعدّ من أرقى الكتب الاستدلالية في العقائد وعلم الكلام حتى وقتنا الحاضر، وكذلك كتابته للرسالة المسماة بـ (الاهليلجة) مع عظم قيمتها العلمية والطبية، إضافة الى العقائدية دليل على استخدام أدب الحوار والنقاش الذي ينظر إلى الخلفية العلمية للمشكلين وتخصصهم بحيث يلزمهم الحجة بما يتقنون ،وسنأتي في الأجزاء اللاحقة من هذه السلسلة –إن شاء الله تعالى- إلى بيان اهمية كتاب توحيد المفضل ورسالة الاهليلجة بشئ من التفصيل. وقراءتنا لأسلوب الإمام في التصدي بتأليف الكتب والرسائل توحي لنا بأهمية تكثيف النشر لتحصين المجتمع من سمومهم الفكرية، التي يبثونها في جميع وسائل الاعلام المقروءة والسمعية والمرئية، وتعرية فكرهم الضحل الذي صوره لنا الإعلام المضاد بمظاهر الحداثة والتطور كسلاح قوي في الحرب الناعمة، التي هي أخطر بكثير من الحرب العسكرية، للسيطرة على العقول التي لا تعي حجم المؤامرة التي تتعرض لها، وتردد بلا فهم عميق إشكاليات التيار الحداثوي، ولهذا علينا أن نعي بشكل حقيقي أهمية الإعلام وتكثيف النشر لعلوم أهل البيت (عليهم السلام) في الرد على تلك الشبهات، فأصل الشبهات واحدة على مر العصور، وحتى الطرف الآخر نفسه وإن تعددت مسمياته أو اختلفت حسب كل عصر. ٥- عقد المناظرات والمؤتمرات والندوات: التي من شأنها تشخيص الأدواء الفكرية ومعالجتها، إضافة إلى وقاية المجتمع من آفاتها والتقرب إلى أفراد المجتمع بشكل أقرب، والاستماع لطبيعة المغريات التي تستدرجهم للوقوع في فخاخ التيارات الفكرية، والعمل وفقها على تحصين مجتمعاتنا وشبابنا من الانجرار والتأثر بها. ____________________ (١) النبي واهل بيته قدوة واسوة، ج٢ ، ص٦٨. (٢) توحيد المفضل، ص ٢.

المناسبات الدينية
منذ 7 أشهر
2248

كفاية محبة الصفوة عند صادق العترة

بقلم: حنان الزيرجاوي وعلوية الحسيني قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم).(١) في حديث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "وهل الدِّين إلاّ الحب". مفاد ظاهر الحديث: أنّهُ ليس بمقدور كلّ أحدٍ أن يُحبَّ العبادة ويُحبَّ المعبود مالم يجتز بعض المراحل حتى تتعلق روحه في نور الملكوت، فالله سبحانه أمــلُ المشتاقين، والشـوق هو الذي يجذب الإنسان نــحو الله سبحانه وليس إلى الجنة، فهو أمل المشتاقين، والأمل غير الرجاء. الأمل هو الذي يجعل من الإنسان الذي لا يتحمل إنسانًا صبورًا، متحملاً هادئًا، يأمل الإنسان شيئاً، وآخر يتمناه وهو دائماً يسعى لأن يحقق ما يتمناه. فالذي لا يشتاق إلى الله لا يصلح أو لا يصح أن نصفه بالشوق؛ فالشوق الصادق وهو الذي لا يرى فيه الإنسان غـير الله سبحانه. والكلام هنا ضمن ثلاث نقاط: ■النقطة الأولى: كفاية حب ربّ الصفوة إنّ الحبّ الإلهي لوحده ليس كافيًا لرضا الله تعالى ودخول الجنة، بل لابد من أن يقرن بعملٍ صالح بامتثال العبد لأوامر ربّه، واجتنابه لنواهيه، وعلى هذا أكد الله تعالى في كتابه الكريم بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّه} (٢)، فالإيمان هو اقرارٌ باللسان وعملٌ بالأركان، وبالتالي فإنّ من يحبّ الله تعالى فقد قرن معه إيمانًا، وهذا هو الفلاح بعينه؛ بدلالة قوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون) (٣) وسياق الآيات فيما بعدها أعطى سمات المؤمنين، فمن شاء فليراجع. إذًا فالمحبة والإيمان ركنان لا ينفصلان أبدا، وعليهما الحث مستجمعًا. وعلى هذا كثيرًا ما كان يؤكد الإمام الصادق (عليه السلام)؛ فروي أنّه غالبًا ما يستشهد بقول الشاعر: تعصي الإله وأنت تظهر حبّه.. هذا محالٌ في الفعال بديعُ لو كان حبّك صادقــاً لأطعته.. إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيعُ. أي انّ الطاعة شعبة من شعب الإيمان، ويتفرع عن المحبة الإيمان بكافة شعبه. ولهذا ضلت الكثير من المذاهب بل والفرق التي لم تنتهج منهج صادق أهل البيت (عليه وعليهم السلام)؛ وخير مثالٍ على انحراف من قال بكفاية الحب الإلهي هم الصوفية، تلك الضالة المضلة التي تسوّف لأتباعها منذ ابتداعها وحتى يومها هذا. ■النقطة الثانية: كفاية حب الصفوة إنّ الأحاديث الواردة في فضل حب الصفوة (عليهم السلام) كثيرة وعظيمة؛ منها: ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "ألا ومن أحب آل محمد أمن من الحساب والميزان والصراط" (٤). فالرواية مطلقة لم تقرن شيئًا مع المحبة، نعم لا شك أن الحب يستدعي العمل ويستتبعه. وهناك روايات جعلت حب الصفوة هو استكمالٌ للدّين، أي إنّ الدّين بلا محبتهم دينٌ ناقص؛ حيث روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "حبّ أهل بيتي وذريتي استكمال الدين" (٥) كيف لا وحبّهم وحب سيّدهم (صلوات الله وسلامه عليهم) هو طريق لحبّ الله تعالى؛ قال تعالى: كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم} (٦)، فاتباع النبي وآله (صلوات الله وسلامه عليهم) طريقٌ لمحبتهم لله تعالى، ونتيجةٌ لحبّه تعالى لهم. ولو تأملنا في سياق هذه الآية لوجدنا أنّها دليلٌ خاص قيّد الروايات المطلقة في حبّ الصفوة، فالآية جاءت مقيّدة بالإتباع، وهو عينه الإيمان الذي هو اقرار باللسان وعملٌ بالأركان. فكل قيد يذكره الله تعالى في كتابه فهو قاصدٌ من ورائه إفهام مخاطبيه، وهو مريدٌ له؛ لتنزهه عن اللغو، فكل ما يقوله يريده، إذًا هو سبحانه يريد منّا ثنائية الولاء بالمحبة والإيمان. ■النقطة الثالثة: مغالطاتٌ في محبة الصفوة من المغالطات التي يقع فيها البعض هو تسويفهم بالمعاصي، وتراكم الذنوب دون توبة، اتكاءً منهم على مبرر أنّ حبّ محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم جميعًا) كافٍ لهم، وأنّهم ستنالهم الشفاعة يوم القيامة. غاب عنهم أنّ الشفاعة بإذن الله تعالى، وأن إرادته هي الحاكمة؛ بدليل قوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِه} (٧) ومن المغالطات أنّ هناك من يدّعون أنّهم مرحومون مهما فعلوا؛ لأنهم فقط يحبون الصفوة (صلوات الله وسلامه عليهم)، وغاب عنهم أنّ هذا المنطق مذموم، كما أخبرنا القرآن الكريم حكايةً عن اليهود والنصارى؛ بقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء} (٨)، فلا إرادة مع إرادته تعالى. بل والتاريخ يشهد بانحراف الغلاة الذين من اتكائهم على حبهم لأهل البيت (عليهم السلام) نسبوا الألوهية لهم، وقد برئ منهم أمير المؤمنين (عليه السلام) في زمنه آنذاك. ومن تلك المغالطات أيضًا الاكتفاء بمحبة الصفوة (صلوات الله وسلامه عليهم) اعتمادًا منهم على وصية رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) بالمودة بقربته؛ قال تعالى حكايةً: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (٩). غاب عنهم أنّ المودة لابد أن تقرن بالطاعة، فمودة آل محمد (عليهم السلام) لا تكفي وحده من دون طاعة أوامرهم، وطاعتهم هي طاعة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وطاعة الرسول هي طاعة الله تعالى؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (١٠). بل وقد صرّح الصفوة (صلوات الله وسلامه عليهم) بالبراءة ممن أحبهم دون طاعة الله تعالى؛ حيث روى الشيخ الطوسي (رضوان الله تعالى عليه) بسند عن جابر بن يزيد الجعفي قال: "خدمت سيدنا الإمام أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام ثمانية عشر سنة فلما أردت الخروج ودعته وقلت له: أفدني. فقال: بعد ثمانية عشر سنة يا جابر ! قلت : نعم إنكم بحر لا ينزف ولا يبلغ قعره. قال: يا جابر بلّغ شيعتي عني السلام وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله عز وجل ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة له. يا جابر من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا ومن عصى الله لم ينفعه حبنا...". والخلاصة: أنّ منهج صادق العترة (عليه السلام) هو قولٌ كان دائمًا يردده، ناصحًا به أتباعه: "يا معشر الشيعة إنكم قد نُسبتم إلينا، كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شينا"، فالكمال هو قران المحبة مع الإيمان، عندئذٍ يسمى المرء شيعيًّا، ولهذا ابتدأ خطابه بالنداء لمعشر الشيعة، ولم يقل يا معشر المحبين؛ فالشيعة يعني الإتباع، والإتباع لازمه العمل، وهو الإيمان بشرطه وشروطه. ) 1) آل عمران: ٣١. (2) البقرة: ١٥٦. (3) المؤمنون: ١. (4) فضائل الشيعة: للشيخ الصدوق، ١/٤٧. (5) أمالي الصدوق: للشيخ الصدوق، ١/١٦١. (6) آل عمران: ٣١. (7) البقرة: ٢٥٥. (8) المائدة: ١٨. (9) الشورى: ٢٣. (10) النساء: ٥٩.

المناسبات الدينية
منذ 7 أشهر
1326

الإمام الصادق (عليه السلام) وفكر الآخر (1) قراءة تاريخية

بقلم: عبير المنظور احترام فكر الآخر وعقيدته هو السبيل الوحيد للتعايش السلمي بين فئات المجتمع على اختلافها، وهو حرية كفلها الإسلام للفكر الموالف والمخالف، ولكن ضمن أطر محددة لضمان سلامة المنظومة العقائدية والسياسية والاجتماعية للمجتمع الإسلامي. واحترام فكر الآخر يشجع على شيوع ثقافة الحوار في المجتمع واحتواء الاختلاف منعًا للخلاف، طال ما كان الطرف الآخر لا يؤثر على غيره في تمييع الأفكار أو التحريض على الخلاف، وبخلافه يختلف التعامل مع الآخر حسب الجهة والموقف ضمن مفردات منهج متكامل في التصدي لتلك المحاولات. نعم هو منهج، وليس الأمر -كما يتصور البعض- أن الحرية الشخصية بالفكر والسلوك مطلقة وبلا حدود، وكأن مفهوم الحرية الشخصية عندهم هو التحلل من كل الحدود والأعراف والشرائع والقيم والمبادئ، كلا، فالحرية الشخصية بالفكر والسلوك لها مساحتها الخاصة، ولكنها تقف عندما تتعارض مع حريات الآخرين فكرًا وسلوكًا. هذا المفهوم الذي غاب عن الكثيرين حتى وقتنا الحاضر، وإنّ التخبط في فهم هذ المفهوم وتطبيقه أفرز العديد من التيارات الفكرية والسلوكية المنحرفة في المجتمع الإسلامي منذ بدايته؛ لأنهم لم يتشربوا المفاهيم التحررية الصحيحة على ضوء المنهج الإسلامي ولا زالت حتى الآن. واحترام الفكر الآخر مبدأ إسلامي أصيل، التزمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع مشركي قريش أولًا، حتى ضيقت قريش على المسلمين الأوائل وعذبتهم، فكانت الهجرة إلى الحبشة ثم إلى يثرب، وهناك تم عقد الاتفاق مع يهود المدينة -كما هو مفصل في كتب السيرة والتاريخ- حتى نقضت قبائل اليهود عهودها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعرّضت المجتمع الإسلامي للخطر، ولم تنفع معهم المفاوضات -كما في التسمية الحديثة- فكان السيف والقتال هو الحل الأخير. وخيار القتال والسيف والحرب لا يمكن أن يتخذ مباشرة، وإنما تسبقه العديد من المحاولات لرأب الصدع واحتواء الموقف، وطبعًا يعتمد بشكل أساسي على طبيعة الجهة وشدة مواجهتها للمجتمع الإسلامي وتعريضه لخطر الأفكار والسلوكيات المنحرفة، وإن كانت السلوكيات المنحرفة هي نتاج الفكر المنحرف بطبيعة الحال، ومن هنا اتخذت مواجهة الفكر المنحرف بالفكر السليم أهميتها في تجنيب المجتمعات الأخطار الكارثية، وحمايته من انحراف الفكر قبل السلوك، كما يعتمد قرار الصدام والمواجهة المسلحة على تقدير المعصوم نفسه في قراءة الحدث والمقطع الزمني وظروف المجتمع وأفراده وكمّ التحديات التي تواجه المجتمع الإسلامي. وفي الغالب كانت هذه الحروب تقع في بداية الإسلام، حيث كان المجتمع الإسلامي مهددًا بشكل كبير من قبل اليهود في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) واشتدت أكثر من بعده بأبي هو وامي من قبل التيارات الإسلامية المنحرفة والرسول لمّا يُقبر، فكان لزامًا العودة بالمجتمع إلى سنة الرسول، ومما لا يخفى كيف تأسس تاريخيًا: 1- تيار السقيفة وما جر بعده من الويلات على الأمة لا زالت آثارها حتى عصرنا الراهن. 2- تيار الخوارج، وهو أول خط يكفّر فيه المسلم أخاه المسلم وتأثيرهم السلبي على المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية بأسرها، وقد امتدت جذور هذا الخط حتى وقتنا الحاضر وإنْ اختلفت التسمية، إلّا أنّ المنبع والأصل واحد. 3- التيار الأموي، وواضح جدًا من سيرة زعمائهم مخالفتهم للشريعة الإسلامية وامتهانهم للمسلمين والتآمر عليهم واضطهادهم وسرقة مقدرات الأمة. ولا يخفى أن هذه التيارات -العقائدية منها والسياسية- قد هدمت باسم الإسلام أساسيات الإسلام، فكانت الجمل وصفين والنهروان وعاشوراء من الثورات التصحيحية المهمة في تاريخ الإسلام للتمييز بين الخط الإسلامي الأصيل من المتأسلم. ومع تلاشي آخر معاقل الأمويين ونشاط الحزب العباسي وتربعه على السلطة بعد صراع مع الأمويين، مع خفة وطأة الأخطار الخارجية للإسلام نوعًا ما من تهديدات الصليبيين، بالإضافة الى ازدهار العلوم والمعارف، وانتشار حركة الترجمة خاصة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، مما ساعد على انتشار العلوم والفلسفة اليونانية والإغريقية وتداخل الأفكار والعقائد المنحرفة عند بعض المسلمين ضعيفي العقيدة، فنشأت بعض الفرق من الزنادقة والملحدين، ونشطت حركتهم في عهد الإمام الصادق (سلام الله عليه). وفي قراءة سريعة لطبيعة المجتمع الإسلامي وتعدد المذاهب الفكرية في عهد الإمام الصادق (عليه السلام)، خاصة الخوارج والزنادقة والملحدين، وبالنظر إلى حرج الوضع السياسي آنذاك وملل الأمة وسأمها من الحروب، نعلم جيدًا أنّ المعركة كانت فكرية أكثر منها حربية، واختلاف التيارات التي ألقت بظلالها على المجتمع، وعلى أكثر من جبهة فكرية ،فكانت نهضة الإمام العلمية في تأسيس منهج في الرد على الشبهات والمخالفين وفق ضوابط وأدب الحوار واحتواء المجتمع الإسلامي بكل فرقه المختلفة، وتنقيته من هذه الشوائب الأيديولوجية كل حسب منطلقاته وتوجهاته، بمفردات منهج اسلامي -أصيل سنأتي على فقراته تباعًا في الأجزاء القادمة من هذه السلسلة إن شاء الله تعالى- التي ستنفعنا كثيرًا في رسم الخطوط الأساسية في الحوار والتعامل مع الفكر التكفيري المتشدد والفكر الإلحادي الآخذين بالانتشار وعلى نطاق واسع في مجتمعاتنا الإسلامية وتأثيرها الكبير في الحرب الفكرية الباردة لتهديم مبادئ وأسس ديننا الحنيف.

المناسبات الدينية
منذ 7 أشهر
1061

نشاطات رمضانية للمرأة الشيعية (٥)

بقلم: علوية الحسيني أضواء على الاختلاط قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور} (1) ظاهر الآية الكريمة يدل على اطلاق علم الله تعالى –في كلّ مكانٍ وزمان-، وبما تنظر إليه أعين عباده –سرًا وعلانيةً، رجالاً كانوا أو نساءً-، وما تخفي صدور عباده –من خيرٍ أو شر-. وبما أنّ لكلّ أمرٍ كمالًا، وكما أنّ كمال الساعات ساعة السحَر، وكمال الليالي ليلة القدر، وكمال الأيام يوم الجمعة، كذلك كمال الشهور شهر رمضان المبارك. فكمال شهر رمضان يوجب عقلاً التعرّض فيه لكل ما هو كمال، رغم كمال بعض الأمور في سائر الشهور، بل أوجبها شرعًا، إلاّ أنّه لا مانع من الانطلاقة في هذا الشهر الفضيل نحو كلّ كمال، والسير على النهج في سائر الشهور وبلوغ المآل. الكمال الذي نحتاج أن نكتسبه اليوم – نحن النساء- هو التنزّه في تعامل المرأة مع الرجال الأجانب، أو ما يسمى اصطلاحًا بالاختلاط، فحريٌّ بي وبكِ يا اختاه أن نسلط الضوء على هذا الموضوع، وننقله بمضامينه إلى سائر النساء، بمجالس دعوية، ببطاقاتٍ تثقيفية، باتصالاتٍ هاتفية، برسائل اجتماعية، أو ببرامج اعلامية، وغير ذلك من طرق نشر الدعوة إلى دين الله تعالى. ولابدّ بدايةً من معرفة من هم الرجال الأجانب على المرأة؛ حتى يتضح تمام الموضوع، فنقول: هم كلّ مَن لا يكون من محارمها، ومن اوضح مصاديقهم: 1/ أبناء الأعمام والعمات، وأبناء الأخوال والخالات. 2/زوج الأخت. 3/ أخوة الزوج، وأبناؤهم. 4/زوج العمة، والخالة. 5/ زملاء العمل. 6/ السائق. 7/أصحاب المحال. وغيرهم كثير. الضوء يسلّط اليوم على سؤال فقهي تطرحه النساء دومًا في شهر رمضان المبارك، وهو: هل يبطل صيامي إذا تكلمت مع الرجال الأجانب؟ ولا أعلم حقيقةً لماذا يتكرر هذا السؤال في شهر رمضان فقط، ونسمعه بنسبةٍ أقل في سائر الشهور حينما يسألنَ عن مطلق حكم الاختلاط! سأجيب على السؤال بدايةً، ثم أُعرِّج على تحليل منشأ ذلك السؤال. * أما جواب السؤال فقهيًا -و له جذور عقائدية، وأخلاقية- فالحكم الشرعي الفقهي لتكلم المرأة مع الرجال الأجانب هو: "●يجوز للمرأة التكلم مع الأجنبي بما لا يثير الشهوة مع عدم التلذذ وعدم الخوف من الوقوع في الحرام. ●ولا يجوز لها أن تتكلم بما يثير الشهوة، أو ترقق صوتها بحيث يكون مثيرًا نوعًا ما. ●ولا يجوز لها المزاح مع الأجنبي إذا كان على وجه غير مناسب في الحديث معها حسب ارتكازات المتشرعة، وإن خلى ذلك عن الريبة على الأحوط وجوبًا. ●كما يُحرم محض الاستئناس بالحديث مع الأجنبي إذا لم يؤمن الانجرار إلى الحرام، كما هو كذلك عادة"(2) وهذا الجواب الفقهي له جذور أخلاقية منها: أنّ المرأة لو طبقت تعاليم الشرع لكان ذلك لقلبها أطهر من الريبة، ولبدنها أسلم من النار، ولمجتمعها أفضل من التفكك، وكفى بذلك خلقًا جميلاً تتصف به المرأة فطريًا. وأيضًا هناك جذور عقائدية للموضوع منها: أنّ التزام المرأة بأوامر ونواهي الله تعالى لهو نوعٌ من أنواع التوحيد، وهو التوحيد في الطاعة، فالطاعة لله وحده، لا لهواها ونفسها الأمارة بالسوء. *أمّا تحليل السؤال المتكرر بشأن معرفة حكم التعامل مع الرجال الأجانب في شهر رمضان ما إذا كان مبطلاً للصوم أم لا، فظاهرًا أنّه منبعث من الحرص على عبادة الصوم، وإرادة أدائها بأكمل حال، وهذا أمرٌ محمود، إلاّ أنّه يشوبه خلل، فليس هو الكمال؛ لأنّ بعض الأحكام الشرعية الظاهرية حينما شرّعت لم يُنظر فيها إلى زمنٍ معيّن، وبالتالي لا يريد الباري جل وعلا من عباده الالتزام بها في زمانٍ دون آخر، أو مكانٍ دون آخر، وعليه نقول: إنّ الحكم الشرعي للاختلاط هو هو، ثابت في جميع الأزمنة والأمكنة، فالرّب الذي يُخاف من سطوته وغضبه هو ربّ جميع الشهور، عالمٌ، شهيد، لا يحيف بحكمه ولا يحيد. وبالتالي فإنّ حكم الصوم وإن كان صحيحًا مع توفر شرائط صحته إلاّ أنّ الظن في التشدد في معرفة حكم الاختلاط المتزامن مع الصوم، وإهمال معرفة ذلك في سائر الشهور لهو أمرٌ غير محمود جملةً وتفصيلا. اختاه: إنّ انتهاك تلك الحدود سيؤدي إلى نتائج غير محمودة بالمجتمع، منها: 1/ فقدان غيرة الرجال وانتشار الدياثة. 2/ قلّة كرامة المرأة نفسها، ووصفها بالسلعة. 3/ التفكك الاسري. 4/ تفشي الانتهاكات الأخلاقية. 5/تذويب الهوية الإسلامية. وليس هذا يعني منع المرأة من التعامل مع الرجال الأجانب، بل معناه تحديد ذلك التعامل بحدودٍ مشروعة؛ وإلاّ فالمجتمع اليوم بحاجةٍ إلى المرأة، فهي نصفه، ومربية جيله، ومن يقل خلاف ذلك فهو يغالط الواقع. وحينما نتكلم عن الاختلاط فلا نحصره بالاختلاط الوظيفي. بل يشمل حتى الاختلاط البيتي، كالاختلاط الحاصل لدى بعض العوائل التي لا تولي لحكم الاختلاط المحرم اهتمامًا، فنجد أنّ مجلسًا واحدًا تجلس فيه المرأة ومحارمها وغير محارمها كزوج الأخت، وأبناء الأعمام والأخوال، وغيرهم، لتزاورٍ، أو لتبادل التهاني، أو غير ذلك من أسباب الزيارة، وما بين سلامٍ، ومزاحٍ، وكلامٍ لا مسوغ له، وإلى أن يؤول الأمر إلى ما لا يحمد عقباه –ولو لم تظهر نتيجته خارجًا-. أنقل لكِ يا اختاه قصة واقعية، سردتها عليَّ احدى الأمهات، جاءت تسأل عن الحكم الشرعي لزواج البنت من زوج الخالة، فأجبتها بأنّ الحكم هو: " لا يصح نكاح بنت الأخت على الخالة إلا بإذن الخالة، وإذا لم ترضَ فيطلِّق الخالة ويتزوج من بنت الأخت"، وإذا بتلك الأم مجرد سماعها الحكم الشرعي بدأت تبكي بكاءً شديدًا، مطأطأةً رأسها، كأنّ الحياء قد أخرس لسانها من أن تنطق بحرفٍ واحد، ثم تكلمت وأخبرتني أنّ بنتها قد تعلّقت بزوج خالتها نتيجة كثرة تردده عليهم، وجلوسهم في مجالس واحدة، بدعوى أنّهم عائلة واحدة، وما بين كلامٍ ومزاح، اتفقا على الزواج، وهو الآن يريد أن يأتي لخطبتها ! فكانت تلك الأم تقف بين موقفين، موقف أختها التي طلبت الطلاق وستهدم عائلتها، وموقف ابنتها التي اختارت تفكيك أسرة خالتها. وكلّ ذلك سببه الاختلاط المهشم للحدود الشرعية. ومن هنا أُوجّه حديثي إليكِ اختاه، بتثقيف النساء بشأن موضوع الاختلاط، وليكن الحديث موجّهًا للصادقات ليكون عونًا لهنَّ على الثبات، ولغير الصادقات لعلهنَّ يراجعنَ الحسابات، وليكن شهر رمضان موعدًا لانطلاقة ذلك التثقيف من النشاطات. واستغلي فرصة إقبال القلوب لاستلهام النصائح في شهرٍ يكاد الحديد أن يلين فيه؛ نتيجة رحمة الله تعالى الواسعة. في حين نجد أنّ البعض من النساء تعيش وسط بيئةٍ لا تعرف من الإسلام إلاّ اسمه، ومن الالتزام إلاّ ظاهره، لا غيرة عند أحدهم إذا تمازح، أو تعدى بالكلام الشرعي حدود الكلام مع غير المحارم من أهله أو أهلها مع أمه، أو زوجته، أو ابنته، أو أخته ! فكثيرًا ما تشكو بعض المؤمنات تلك الحال، وتطلب نشاطًا دعويًا ممكن أن يجابه هذه الظروف، فممكن أن يكون الحل هو: 1/عليها الاتزان، والحجاب، والوقار. 2/ محاولة جمع عدد من النساء الضيفات، والتكلم معهنَّ فيما بينهن، دون أن تلتفت الى حديث الرجال منهم حال بثهم للنكات واللغو من الكلام. 3/عليها أن تعلم انّها تجاهد نفسها، ولها اجرٌ عظيم عند الله تعالى بمجاهدتها هذه؛ حيث روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله) أنّه قال: "إنّ أفضل الجهاد من جاهد نفسه الّتي بين جنبيه"(3). 4/أن تتسيّد المكان وتطرح موضوعًا هادفًا للنقاش؛ نفعًا للجميع، واستثمارًا للوقت، وصيانةً لحدود الله تعالى من الانتهاك بحديثٍ باطلٍ، ومزاحٍ بين النساء والرجال. والحمد لله وكفى، وسمع الله لمن اشتكى. ___________________ (1) غافر: 19. (2) الأحكام طبقًا لفتاوى سماحة السيّد السيستاني دام ظله. (3) وسائل الشيعة: للحر العاملي، ج15، ص163. اللّهم اجعل نساءنا داعياتٍ مرضيات، نقيّاتٍ تقيّاتٍ عفيفات، إنّكَ سميعٌ مُجيب الدعوات.

المناسبات الدينية
منذ 8 أشهر
1937

حان الآن موعدُ صلاةِ العيد

بقلم: حنان الزيرجاوي منذ فجر الولادة... وذكريات الفطر... تلوحُ على أفقِ الذاكرة... وترسم أحلام المنتظرين... على ذلك الصوت الإلهي وترانيم المنتظرين... تُلملم الأحزانُ أوجاعها… وتتوضأ بدموع الدعاء… وتفترشُ الأرض سجادة الصلاة… القلوب الوالهة التي تحطمت بهزات الشوق والبلوى جدرانها... ترمق السماء بشفاه ذابلة تهمس وتنادي: يا بن فاطمة الزهراء (عليها السلام) يا شمسًا خلف السحاب... يا كلمة الله التامة... متى اللقاء؟ والعيون كأنها تحاكي الليل متى يبزغ فجرُ الموعود؟ لنسمعَ زقزقة العصافير بطعم الحرية… وتحتضن الكوفةُ ذلك النسيم وفي تلك الليلة الأخيرة لشهر رمضان... نسمع تكبيرة العيد، وآذان السماء، والدعوة للصلاة. لكن أي دعوة يا ترى؟ الأصوات تتعالى بالنداء: (حان الآن موعد صلاة العيد) بإمامة محمد بن الحسن المهدي (عليه السلام) صلاة مختلفة عن كل عام، شذاها ورونقها يملئ الأرض عبيرًا، ونغمتها المهدوية المقدسة استحالت لحنا نازلًا من اعماق القلوب الملكوتية العاشقة للظهور، فترنمت معها الأرواح لتسجد لرب السماء.

المناسبات الدينية
منذ 8 أشهر
1124

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية (٤)

بقلم: علوية الحسيني جلسات دعوية قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبا} (1). إنّ رسالات الله تعالى المتمثلة بالعقيدة والفقه والأخلاق موجودة في جميع نشاطات الحياة، وكلُّ من العباد له فطرة سليمة بها يتنبه على وجود الله تعالى، ومن ثم يؤمن بما استصعب على فطرته من إدراك، فيؤمن بأصول الدّين جميعها، ويمتثل للتكاليف الإلهية. صحيح أنّ وظيفة تبليغ رسالات الله تعالى هي وظيفة الأنبياء (عليهم السلام)، ثم الأئمة (عليهم السلام)، ثم العلماء، ثم من جاور العلماء، وجميعنا يعلم أنّنا اليوم نعتاش على علوم محمدٍ وآل محمد (عليهم السلام) التي يوصلها لنا العلماء (رحم الله الماضين وحفظ الباقين منهم)، وبفعل التطور التكنلوجي اليوم أصبح تحصيل العلم –بدرجة ما- يسير جدًا، إلى درجةٍ بإمكاننا تحصيله ونحن في وسط بيوتنا... كل ذلك صحيح. لكن هناك رسالات -ومنها الأخلاق مثلاً، أو الأدلة العقلية التي تنبّه على وجود الله تعالى- هي موجودة بالفطرة، وجاء بها الأنبياء (عليهم السلام) ليؤكدوا ما تؤمن به الفطرة، ويعززوا ما عليه بعض الأخلاقيات. وكما للرجل فطرة، فللمرأة فطرة، وبالتالي ممكن أن تكون داعية مبلّغة لرسالات الله تعالى بما تقوله فطرتها. وإنّ الله تعالى حينما فرض تكاليفه فإنّه فرضها على كلا الجنسين، وإلاّ لم يأمرهم بتبليغ كلّ ما هو ضمن رسالاته سبحانه، فحريٌّ بالمرأة أن تعرف مكانتها في الإسلام، ووظيفتها بنتًا كانت أو زوجةً أو أمًا، أو جدّة، صغيرةً أو كبيرة. ثم إنّ الله تعالى قد أودع في خلقه هممًا تصل به إلى تحقيق النفع لنفسه ولبني جنسه بل ولمجتمعه – ولو إجمالاً-، وبالتالي فالمرأة ليست كما رسم صورتها اولئك الساذجون، ولا كما تتصورها بعض النساء أنفسهن. أُختاه: ما للأكل والشرب خُلقتِ، فلا تكوني ممن لا تبالي سوى بالموضات والطبخات، تاركة الالتفات لعظيم المسؤوليات. دينكِ الحنيف يقول في سنّته: " ألا كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم"(2). ففي شهر رمضان الكريم، الشياطين مصفدة، والحسنات مضاعفة، والهمم عالية، حريٌّ بكِ اختاه استغلال تلك الأجواء الإيمانية، والاستمداد من العنايات الرحمانية، والقيام بنشاطٍ روحي، يومي أو شبه يومي. ومن هنا شمّري عن ساعدي الجد، واشحذي الهمم، وتوكلي على الله المعين، واعقدي جُليسات دعوية، ثم جلسات، وغذّي من حولك بما يذكرهم بالله تعالى، أو يزيد إيمانهم، أو يبين لهم أجرهم، وما شابه ذلك. أُختاه، أعلَم أنّ من النساء ربّة البيت، ومنهنَّ الأُمية، ومنهنَّ المتعلّمة، والمتعلّمة أيضًا على درجات –حسب نوع وكمّ علمها- إلاّ أنّكنّ جميعكنَّ داعيات لله تعالى، ولهذا سأخاطبكنَّ بلسانٍ واحدٍ، واستنهض هممكنَّ، بعيدًا عن الطبقية الذي نهى عنه الإسلام، بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} (3)، فأكرمنا عند الله تعالى هي أكثرنا تقوى، والتقوى هي أمر نفساني يمنع من ارتكاب المعاصي، وهذه التقوى قد تتوفر لدى المرأة بصورة عامة، سواء أكانت أُمية، متعلّمة، ربة بيت، طالبة علم، وليست منحصرة هذه الصفة بإحداهنَّ. ومن هنا سيتم تقسيم الأدوار الدعوية التي تقوم بها النسوة الداعيات حسب امكاناتها: ■الداعية الأُمية: المرأة الأُمية وإن كانت لا تقرأ ولا تكتب، إلاّ أنّها تسمع وتدرك، وتحفظ، وقبل ذلك كلّه لها فطرة سليمة، بها تنبّه نساءها على وجود الله تعالى من خلل مخلوقاته، وبها تحكّم الأخلاق الحسنة من السيئة. وبالتالي ممكن أن تكون المرأة الأُمية داعية من خلال الأمور التالية: 1- أن تدعو الداعية الأمية إلى الحث على العفو، فغالبًا ما نجد جدّاتنا يبادرنَ بالإصلاح بين المتخاصمين، فيعددنَ كلامًا على سليقتهنَّ الكلامية، بعفويةٍ وانطلاقة، ويعطينَ درسًا للأصغر منهنَّ سنًّا في العفو، ويحكينَ قصصًا حصلت في زمنهنَّ، ويمزجنها بتجاربهنَّ في العفو عن المسيء، ويعطينَ لله تعالى دورًا في كلامهنَّ، بقولهنَّ إنّ الله تعالى يحب العفو، وما شابه من هذه الكلمات، كما ويعطينَ لمحمدٍ وآلِ محمدٍ (عليهم السلام أجمعين) دورًا كذلك. بل وبعضهنَّ يحكينَ لنا قصةً لعالمٍ من العلماء تزامن زمنهم مع زمنه، فشهدنَ القصة، وأتينَ ينقلنها. 2- أن تدعو الداعية الأمية إلى الكف عن الذنوب، فكثيرًا ما نجد من جدّاتنا أنّهنّ يعطينَ درسًا في التعامل مع زوجة الابن مثلاً، وطرق ردع النساء اللواتي يغتبنَ زوجات أبنائهنَ عندها، فنجدها داعية، تغضب لغضب الله تعالى، فتدلي ما تدلي من نصحٍ وإرشادٍ وردع بطريقتها. 3- أن تدعو الداعية الأُمية إلى التحلّي بالأخلاق الحميدة، وهذا ما تربّي جدّاتنا أبناءهنَ وأحفادهنَ عليه، فهي أجرت عمليتها التبليغية دون أن تعتلي منبرًا، بل اعتلت منابر القلوب، حتى زرعت من الخير فيها وحصدت ثماره. فهي رغم عدم معرفتها بما جاء في القرآن الكريم من آيات، أو ما روي عن محمدٍ وآله (عليهم السلام) من روايات، إلاّ أنّ لها فطرة سليمة تعرف به الأخلاق الحسنة من السيئة. إنّ رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) قال: "إنّما بعثتُ لأتممَ الأخلاق" ولم يقل لأوضح لكم الأخلاق الحسنة بل ليتممها، فبالإضافة إلى ما تقول به الفطرة، فالنبي (صلى الله عليه وآله) بعثَ ليبيّن أعلى درجات الكمال في تلك الأخلاق، وبالتالي لم يخل أحد من أخلاق. 4- أن تدعو الداعية الأُمية إلى الله تعالى، فبالفطرة السليمة أيضًا ممكن أن تنبّه من حولها إلى وجود الله سبحانه، وبيان بديع صنعه الكوني، قال تعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون} (4). 5- نعم، لا يجوز لها أن تقول ما لا تعلم، وهنا تقف الداعية الأمية، مشكورةً على ما بذلت من جهودٍ مباركة في عملة الدعوة إلى الله تعالى -أو تبليغ بعض رسالات الله سبحانه-. ■ثانيًا: الداعية المتعلّمة: الداعية المتعلّمة ممكن أن تكون كلّ امرأة تقرأ وتكتب وتسمع وتدرك، وتحفظ ولها فطرة سليمة، وبالتالي دورها سيكون ضعف دور الداعية الأمية. فيا أُختاه مهما كانت درجة علمكِ، ونوعه، تستطيعين أن تبلِّغي جزءًا من رسالات الله تعالى. فالمرأة ذات العلم الأكاديمي بإمكانها أن تعقد جلسة دعوية لزميلاتها -أثناء الفرص ما بين الدروس-، أو لطالباتها –حال تصدّيها للتدريس-، وتدعو مثيلاتها إلى الله تعالى، والتذكير به، وببدائع خلقه، كلٌّ حسب علمها. مع مراعاة الحكم الشرعي بعدم الإخلال بقوانين المكان المتواجدة به ألاّ يكون اخلالاً بعملها، أما إذا كانت تلك الجلسات في بيتها فهو الأفضل والأوفق. ومع مراعاة كون الجلسات -إن أمكن- نسوية فقط؛ منعًا من آثار الاختلاط، وإذا كانت مختلطة، فتجب مراعاة الأحكام الشرعية في التعامل مع الرجال الأجانب. 1- فذات العلوم الطبية والحياتية بإمكانها تذكير أقرانها بعظمة خلق الله تعالى لجسم الإنسان وما يحوي من أجهزة دقيقة، وأوردة وشرايين، وكذلك الإشارة إلى خلق المخلوقات، وبيان اعتماد الدورة الغذائية التي فيها يعتاش الإنسان على أكل الحيوان، والحيوان يعتاش على أكل النبات، والنبات يعتاش بتربته على سمادهما، وهكذا. طبعًا مع الإشارة –قدر الإمكان- إلى آية قرآنية تؤيد دعوتها، كقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق} (5). 2- أما المرأة ذات العلوم الفيزيائية فبإمكانها توظيف ما درسته في الدعوة إلى الله تعالى، ببيان أنّ قوانين المادة من جاذبية، وكتلة تفنى أمام قدرة الواحد الأحد، وتستشهد بقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} (6)، وتبيّن عظمة الله سبحانه كيف رفع السماوات، ولم تؤثر فيها جاذبية الأرض فتجذبها فتنطبق السماء على الأرض، مع أنّ لكل ما خلق الله تعالى من أجسام لها أوزان، وزن الجسم = الكتلة، ثابت الجاذبية الأرضية. 3- أما المرأة ذات العلوم الهندسية، فبإمكانها أن تكون داعية، وتعقد جلسةٍ دعوية، وتوظف ما درسته من معلومات في الدعوة إلى الله تعالى، وعظمة دينه، كأن تستشهد بقصة بناء ذي القرنين للسد، وقد جاءت في القرآن الكريم بقوله تعالى: { آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا} (7)، أو تستشهد بقصة بناء نبي الله إبراهيم (عليه السلام) للكعبة المشرفة، وقصة بناء صرح نبي الله سليمان (عليه السلام)، وغيرها من القصص. 4- أما ذات العلوم الحقوقية، فبإمكانها أن تعقد جلسةٍ دعوية، وتذكّر أقرانها بأنّ العادل الذي لا يحيف في ملكه، ولا يظلم أبدًا هو الله تعالى، وقد كتب لعباده دستوره -القرآن الكريم وجاءت السنة النبوية مفسرة له- كأن تستشهد بأمر الله تعالى لعباده بالعدل في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرا} (8). ولا بأس بأن تشير إلى أنّ ما يمارسه القضاء اليوم هو مبتني على دستور كتبه البشر بأيديهم، وبالتالي ممكن أن يخطأ، ولا يشخص مصلحة العباد، فيبقى الحق العادل الذي يعلم ما تكنُّ الصدور هو الله تعالى. وتدعو إلى ضرورة وجود طريق يوصلنا إلى معرفة عدل الله تعالى، وهو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وتحثّ على طلب الدعاء له، والتمسك بالعلماء في زمن غيبته؛ إذ هم الحكام الشرعيون في زمننا، وهكذا. مع ملاحظة أن دعوتها هذه لا تعني الدعوة إلى هتك قوانين البلد، بل تدعوهم إلى حفظ النظام، واحترام القوانين، وتخبرهم بمدى الارتباط بين الشريعة والقانون، لينعكس سلوك كلّ فرد منّا إلى تجسّد واقعي. 5- أما المرأة ذات العلوم الكيميائية، فبإمكانها الدعوة إلى الله تعالى من خلال الإشارة إلى أهمية المركبات الكيميائية في الحياة التي خلقها الله تعالى، كالغازات -وأهمها غاز الأوكسجين والنتروجين- والأملاح -وأهمها البوتاسيوم وكلوريد الصوديوم- وغيرها. وتبيّن حاجة المخلوقات لتلك المركبات، وإلى خالقها، وتستشهد بالآيات الكريمة التي تطرقت إلى الذرة الصغيرة، التي خلقها الله تعالى؛ لطفًا بعباده. 6- أما المرأة ذات العلوم الدينية، فوظيفتها الدعوية التبليغية هي امتداد لوظيفة الأنبياء؛ لأنّ من جملة العلوم التي تدرسها هي العلوم الشرعية، فتدعو إلى تعزيز عقيدة، أو تصحيح عبادة أو معاملة، أو تهذيب خلق. فتزكي علمها بنشره بين أقرانها، بعقد جلسات دعوية تذكّر بالله تعالى، وتحثّ على معرفة اصوله وأخلاقه وفروعه. الله الله في الدعوة إلى الله يا أُختاه. _______________________ (2) جامع الأخبار: ف 75. (3) الحجرات: 13. (4) الروم: 30. (5) فصلت: 53. (6) الرعد: 2. (7) الكهف: 96. (8) النساء: 58. اللّهم اجعل نساءنا لكَ داعيات، لأوقاتهنَّ ومكانتهنَّ مستغلاّت، إنّكَ سميعٌ مجيبُ الدعوات، بحقِّ محمّدٍ وآله عليهم السلام وأزكى الصلوات.

المناسبات الدينية
منذ 8 أشهر
1077

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية(٣)

بقلم: علوية الحسيني غسيل الأواني المبارك! قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} (1) لاشك ولاريب أنّ كلّ عملٍ تقوم به المرأة –وكل مؤمن- وتنوي فيه قصد القربة لله تعالى، فإنّ الله اللطيف الكريم يثيبها ثوابًا مضاعفًا؛ ثوابًا على أداء نفس العمل، وثوابًا على احتسابه قربةً له تعالى. والآية الكريمة كفيلة ببيان عدم تضييع الله تعالى لعمل عباده -ذكورًا كانوا أم إناثًا- وفي شهر رمضان المبارك، تعاني أغلب النسوة من ثقل بعض الأعمال المنزلية، لاسيما غسيل الأواني التي يتضاعف عددها في وجبة افطار الشهر الفضيل. والسبب في تعددها بديهي، فهو راجع إلى تنوّع أصناف الطعام -وإن لم يصل الأمر إلى حد الإسراف في ذلك الطعام، إلاّ أنّ مَن أراد التدرج بإفطاره، باحتساء السوائل، ثم التمر، ثم الطعام، ثم الفاكهة، فإنّ ذلك يتطلب إعداد أوانٍ لتلك الأشربة والأطعمة... وبالتالي عند انتهاء وجبة الإفطار على المرأة القيام بأعمالها المنزلية، ومن ضمنها غسيل تلك الأواني، وترتيبها. فإليكِ يا أختاه بعض الأعمال التي تخفف عنكِ ثقل تلك المسؤولية، واستغلال دقائق وقتك ذلك في أمورٍ تغذي الروح والعقل: 1- التعرض للرحمة الإلهية؛ بالاستماع والإنصات لآياتٍ من الذكر الحكيم، كما يقول الله تعالى في كتابه: { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} (8). 2- الإكثار من ذكر الله تعالى، وعدم الغفلة عن ذكره -ولو قلبيًا-، يقول تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِين} (9). والروايات الشريفة جاءت مؤكدة لأهمية الذكر، وأضافت عليه بعض النتائج؛ حيث روي " عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه): مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الله (عَزَّ وَجَلَّ) أَحَبَّهُ الله وَمَنْ ذَكَرَ الله كَثِيراً كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاق" (10). 3- التفكّر في كيفية خلق الله تعالى للماء، يقول تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} (11)، والتأمل في كمية هذا المركب المكون من ذرتي هيدروجين، وذرة أوكسجين، كم يحتوي من جزيئات، وقد حثّ الله تعالى على التفكر في كتابه بآياتٍ عديدة، منها قوله تعالى: { كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون} (12)، فالماء آية من آيات خلق الله الحكيم القدير، فهلاّ تفكرتِ؟ 4- إدراك الحكمة الإلهية بتوجيه التكاليف الشرعية للمرأة -ومنها الحجاب-؛ فحينما تغسلين الأواني ذات الزجاج الرقيق اللامع وتضعينها في موضع يؤمن عليها من الكسر أو تنالها أيدي الأطفال، فإنّكِ حكيمة بتصرفكِ هذا؛ لأنكِ وضعتِ الشيء في محله حفاظًا عليه، فهكذا الله تعالى حينما أمركِ بارتداء الحجاب لأنّكِ قارورة؛ ليؤمن عليكِ من عبث أطفال العقول، فهكذا الله تعالى فهو حكيم لأنّ فعله -تكليفه لكِ- معلّل بغاية. 5- التأمل في كيفية إذابة الترسبات والدهون عن الأواني المتسخة، وتشبيه هذه الحالة بحالة تطهير القلب من أدران الذنوب والآثام، لئلا يران عليها بطبقاتٍ سوداء تحجب بين القلب والنور الذي يتسلله من الامتثال لأوامر الله تعالى والاجتناب عن نواهيه، يقول تعالى: {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ* كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون} (13)، فقلبٌ محجوب، محرومٌ من شمس المعارف الإلهية، متقوقعٌ في الحفر الظلمانية، متعلّقٌ بالأمور المادية، أُلعوبةٌ بيد العفاريت الشيطانية، لهو قلبٌ أعمى، وصاحبة القلب الأعمى تحشر يوم القيامة عمياء البصيرة؛ بدليل قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرا} (14)، فهلاّ انتبهت؟! 6- إدراك بديع نظم الله تعالى لكونه؛ كيف أنّه جعل الكواكب على بعدٍ ومكانٍ معين عن الأخرى، ففي آفاق السماوات نظمٌ وتنسيقٌ، يقول تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق} (15)، فبإمكانكِ إدراك ذلك من خلال ترتيبكِ للأواني بأحسن هيأة. 7- سماع المحاضرات العقائدية، أو الفقهية، أو الأخلاقية القصيرة النافعة، واستلهام ما يدفع الجهل. 8- للقضية المهدوية دورٌ في ثمرات شهر رمضان المبارك، فكم من النسوة تشكو ضيق الوقت واستحالة التفرّغ لسماع محاضرةٍ عن الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه الشريف)، والحال أنّ بيدها وقتًا ذهبيًا كهذا الوقت، فبإمكانكِ الاستماع لتلك المحاضرات أثناء انشغالكِ بغسيل الأواني. 9- تذكري بعملكِ هذا أنّ نسوة أهل البيت (عليهن وعليهم السلام) كنَّ يؤدينه، وهذا خير معين أيضًا. 10- التفكير بمشاريع الغد، أو المستقبل -بدلًا من انشغال ذهنكِ بسفائف الأمور- والعزم على تحقيقها، مع تعليق إنجازها على مشيئة الله القادر، يقول تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا* إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّه} (16)، وفي قبال ذلك يقول جلّ جلاله: {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُون} (17)، وبالجمع بين الآيتين نخرج بنتيجة وهي: العزم على التحقيق بالتوكل وتدخل المشيئة الإلهية. ______________________ (1) آل عمران: 195. (2) مجمع البحرين، ج4، ص 378. (3)المصدر نفسه، ج1، ص133. (4) المصدر نفسه، ج5، ص77. (5) المصدر نفسه، ج2، ص276. (6) مكارم الأخلاق: للشيخ الطبرسي، ص29 - 30. (7) المصدر نفسه، 149. (8) الأعراف: 204. (9) الأعراف: 205. (10) الكافي: للشيخ الكليني، ج2، باب ذكر الله عزز وجل كثيرًا، ح3. (11) الرعد: 17. (14) طه: 125-126. (15) فصلت: 53. (16) الكهف: 24. (17) آل عمران: 160. اللّهم اجعل كلّ ما أقوم به قربةً إليك، ويبدأ باسمك، يا أرحم الراحمين، بحق محمدٍ وآله الذاكرين.

المناسبات الدينية
منذ 8 أشهر
1523

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29179

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29065

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29062

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
28294

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12795

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12393