غَيمُ الغَدير

بقلم: غدير الكربلائي الغَيمُ شَوقًا يَقْتَفي مَرساهُ غَيثًا يُزَركِشُ بالنّدى مَسراهُ يَطوي الفَيافي صادِيًا لغديرهِ ملأ الدّنان هواؤهُ وهَــــواهُ وتَسيرُ تَوأِدةً خُطاهُ فتَنبَري ثَوبًا تَطَرَّزَ من شُعاعِ خُطاهُ يستافُ كُل هُنّيئةٍ في جِيدِهِ والنُّور يَلثـمُ خَدَّهُ و لُـمـَاهُ ويُغازِلُ الأهداب، فاتِرُ طَرْفهِ فَيَسُحُّ مُزنَ عيونه بِبَهــــــاهُ ومُتَيّمًا يَلِجُ المناشق نَشـــرهُ لَيَسيم مَيسَمهُ بِمَيسِ شَذاهُ فتُرصَّعُ الأجرام عسجدَ تاجهِ والنَّجــــمُ يَرشِقُ تِبرهُ بِمَداهُ قَد أطلعَتْ وجناتهُ شَفَقَ الدُّجى من خدِّهِ الياقـــــوتُ نالَ سناهُ لَيَكادُ هٰذا الغَيمُ مِن فرط الصِّبا يحكي عن العُشّاق، عن مغناهُ ويَقولُ فَخرًا: يا لَعِزّةِ جاهه! يا لَلْسّنا! سُبحانَ مَـن سَوَّاهُ آخاهُ في ذَرِّ الخَـــليقَةِ أحمدٌ هُوَ صِهرهُ بَل صِنوُهُ واخَاهُ ها إنّه الشَّهمُ، الشّكيمة، قَسوَرٌ ضرغامُ آجامٍ ، هِزبر شَــــراهُ قد جاء يَصدحُ بالتّهاني كاشحًا "بَخٍّ.." يُهنِّـــــيهِ الذّي آذاهُ! وغدًا يُكبِّلُ كَف رافعة السّما شَزرًا يزُجُّ أميرهُ بِعـــداهُ..!

المناسبات الدينية
منذ 6 أيام
99

سِفر

بقلم: غدير الكربلائي تُراوِغُ الأزقّةُ الشّاغِرةُ حَشدَ نظرتِك، ترشُّها بالعطشِ المُنفهِق؛ مُشتاطةٌ من ألسنةِ غدرٍ صَلِف؛ تنوءُ باهتراءِ القرميد ودنفِ السّجُف. وتلكمُ الشروخُ المُتدلّية من الجُدران السّاهرة، تَبوحُ لَكَ أسرار كوفانَ واعتذار العراجين... تُمرِّرُ لَكَ أسفار السِّفارة والطّرس البيضاء المُضمّخة بالنّجيعِ الآتي.. وها أنتَ يا ابنَ الجحاجحة تستفيضُ خارطة اللّيل لمدينة الأشباح، تُشعِلُ قناديلَ آماقِك، تومِضُ الضّياءَ مِعراجًا كربلائيّا.. تُحاوِرُ عيناكَ السُّقُف المشنوقة، فتتبدّى الحكايا مُنهكةً في المنافي القاصية، وتنبري شازرةً برواز الأوطان وصور الانتماء... تُرنِّم للخراب أغانيه، فتزُمُّ قصائد الأُزوف وتواشيح الإياب... كيف يلتحف الشَّوك بآبيهم! فتصبُ في محجرَيكَ نوائرهم وتحتسبُ الله في ذلك وكيلًا... تولجُك الغُربةُ سرادقاتِها الموحشة، تفرشُ لك بساطَ النّزوح، حتّى أوقفتكَ بابٌ تشُعُّ ولاءً، تُمضّخُ الوفاء خرسانة أعتابه، تسقيكَ سلسبيلًا تَشريهِ بنحرٍ مشدوخ، فتخُطُّ رسالةَ دمائك سِككُ الكوفة...

المناسبات الدينية
منذ أسبوعين
111

لا محيصَ عن يومٍ خُطَّ بالقلم

بقلم: غدير الكربلائي خُذني... فالظُّهرُ كاشِحٌ يختطِفُ مَلامحَ انتمائي، يصهرُ عُروقي؛ يُطارِدُ نشغتي، ينضبُ نبضَ شراييني التّائقة... يُلاحِقُ آمالي الكفيفة، وينبذني مَثقوبًا، قد رشقَ القَتادُ آلاميَ الحافية، يفركُ مُقلتيَّ بالملح الجريش... أتفلّتُ وَهنًا من بينِ أناملَ قبضتِه الماردة؛ تُفلِّلُني البِيضُ والهنادي، أتلوّى ذائبًا من قيظِ قيدِه؛ وما أولَهني إلى نفحةٍ من رؤياك لتنحتَ وطنًا لذبولِ بصَري وصَبري. خُذني... تموجُ حُشاشتي شوقًا لِفُلكِ نجاتك، تغطسُ شُطئان الموت، تغوصُ غُصصَ الطُّوفان القُرمُزيّ فتستقِرُ بي عند الجودي بين النّواويس وكربلاء. تنتشلُني من حضيضِ الغضاضة لألقِ الزّنبق إلى رحلةِ الرّكبِ والحجِّ القاني، تطوفني عُسلان الفلوات عند مشاعر القرابين، فيملأنَ منّي أكراشًا جوفًا، وأجربة سغبًا... أخُطُّ الشّهادة قلادةَ مجدٍ أحمر، على جِيدِ سنابلي المائسة؛ أنثرُ دموعيَ سَديماً ثائرًا في حظيرةِ القُدس؛ عندَ السِّدرةِ النّوراء، أُعمِّرُ عُشّاً دافئًا ليلتحقَ مُدرِكاً الفتح، يرتقبُ فخرَ نداء الفجر... "مَن كان باذلًا فينا مهجتَه، وموطِّنًا على لقاءِ الله نفسه، فلْيَرْحل معنا، فإنّي راحلٌ مُصبحًا إنْ شاءَ الله".

المناسبات الدينية
منذ أسبوعين
116

تَكَــوُّر

بقلم: غدير الكربلائي في اللّيل الشّطون تَصهِلُ الصُّوَر... تدُسُّ سنابكَها خزانةَ الأسرار، تسحقُ جناجن الذّكرى... تُريِقُ سِهامَ السّلب، تُمطِرُ الحوافر الظّامية تُشرِعُ فجاجَ التِّيه المنزلق، تُبرِمُ قَيدَ المعاصم. يُطوّقُكَ الدُّخانُ العَتيقُ مُجددًا، يلفحُ أوارهُ مُحيّاك. تبقرُك الآهُ، تقبرُك نشغاتُ المُصعّدِ دمه إلى السّماء، دمُ الجود، و نأمةُ العطش، والعُرسُ والحنّاءُ والشّمعُ والرّملُ وآمالُ رملة وليلُ لَيلى وشهقاتُ السّكينة..! يُكوِّرُكَ كَمَدُ الذّكريات، تغمِسُ زُجاجَ الغوثِ حناجرك، تطحنُ ضلوعَك فَتلِدُّكَ بالزُّعاقِ وتِرياقِ المنون...!

المناسبات الدينية
منذ أسبوعين
78

إحياءُ شعيرةِ ذكرى ولادة الإمام الرضا (عليه السلام)

بقلم: علوية الحسيني قال الله (تعالى) في كتابه الكريم: "وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب"(1), الآيةُ في سياقها تتكلم عن شعيرة الحج؛ حيث إنّ الآيات التي بعدها تكلّمت عن ذبحِ الأنعام وشروط فديتها, وجعلته باعثًا للتقوى. فالحاجُّ الذي يذبحُ الأنعام فإنّه قد أحيا شعيرةً أمره الله (تعالى) بها إذًا هو متقي؛ لأنّه أحيا شعائر الله (تعالى). "أما الآيات التي تليها تتكلم عن المؤمنين الذين ظُلِموا حيث مهّد الله (تعالى) لهم تمهيدًا, فكان سبب نزول هذه الآية هو أنّ المؤمنين كانوا يعانون من أذى المشركين فيما سبق ولا يستطيعون الدفاع؛ لأنّ الجهاد لم يكن مشرعًا لهم. ولهذا تولى الله (تعالى) الدفاع عنهم, فنزلت شعيرة الجهاد"(2). الإمام الرضا (عليه السلام) أدّى شعيرة الجهاد, حيث جاهد بكلِّ جوانب الجهاد, الفكري, التربوي, النفسي, والمالي. والشعيرةُ هي كلُّ عملٍ يكون مظهره الجزع على مصابِ الأئمة (عليهم السلام), أو يكون مظهرًا لمواساتهم في مظلومياتهم, أو مظهرًا لإعلاء ذكر الله (تعالى), أو مظهرًا من مظاهر الفرح لفرح آل محمدٍ (عليهم السلام), وذكرنا لذلك هو نوعٌ من إحياء الشعائر من وجه. إنّ الأدوار التي قام بها الإمام الرضا (عليه السلام) شمولية, لم تُحد بعمرٍ معيّن, وبمواقف معيّنة, بل ولا بعلمٍ معيّن. "فلا نستطيع أنْ نقول إنَّ الإمام فقط في مرحلة الشباب قد جدَّ واجتهد, ونشر علوم الدين, وحافظ على معالم الدين القويم, وربّى من الفئات ما ربّى, بل كان دوره شموليًا, فكان هو المسئول عن ثبات هذا المنهج الإسلامي, وحفظه من التشويه والتحريف, فقد قام الإمام بعدة أدوارٍ منها: أولًا: الدور الرسالي حيث إنّ الإمام الرضا (عليه السلام) صحّح الأفكار, ونشر الصحيح منها, وبيّن الأحكام الشرعية, وأبطل البدع والأفكار الجديدة التي لا تنسجم مع مبادئ الدين. روي أنَّ قومًا جاؤوا من وراء النهر إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقالوا: جئناك نسألك عن ثلاث مسائل فإن أجبتنا فيها علمنا انك عالم فقال: سلوا فقالوا: أخبرنا عن الله تعالى أين كان؟ كيف كان؟ وعلى أي شيءٍ كان اعتماده؟ فقال (عليه السلام): إنّ الله (تعالى) كيّف الكيف فهو بلا كيف، وأيّن الأين فهو بلا أين، وكان اعتماده على قدرته فقالوا: نشهد أنّك عالم.(3) ثانيًا: دوره التربوي حيث كان الإمام هو المربي في وسط أجواء كانت تسودها الرذائل الأخلاقية, كيف لا وقائد الدولة آنذاك المأمون, الذي أدمن الغناء والخمر, حتى وصل به المقام إلى تخصيص مرتب للمغنين على حساب الفقراء في شعبه!. ثالثًا: الدور السياسي حيث كانت الطبقة السياسية لم تستغنِ عن مشورة الإمام؛ لحكمته, وبصيرته"(4). *وهنا سؤالٌ: كيف نُحيي شعيرة ذكرى ميلاد الإمام الرضا (عليه السلام)؟ هل يكفي اطلاعنا على الأدوار التي قام بها الإمام, أو عبادته, تعامله, أو تعامله؟ هل يكفي الحبّ القلبي له (عليه السلام)؟ الجواب: كلّ ذلك لا يكفي استقلالًا؛ لأنّ الإيمان هو إقرارٌ باللسان, ومعرفة بالقلب, وعملٌ بالجوارح. ثلاثةُ أركانٍ لابُدّ من تحقيقها حتى نقول: إنّا أحيينا شعائر الإمام. *فمن موجبات إحياء شعيرة ذكرى ولادة الإمام الرضا (عليه السلام), وإدخال السرور على قلبه: 1/ الالتزام بالواجبات والاجتناب عن المحرمات. 2/ الدعاء بتعجيل فرج آل محمد (عليهم السلام). 3/ كتابة بحث, أو مقال, أو قصة, أو شعر, بعد الاطلاع على سيرته, بهدف بيان فضائل الامام, ومقاماته, مواقفه, ومظلومياته. 4/ إتقان العمل البيتي, أو حتى الوظيفي المقرون بمراعاة العفة والحشمة والأدب للنساء, والورع وغضِّ البصر للرجال. 5/ إعطاء الجوارح حقّها, ومنعها عمّا يغضب الله (تعالى), كعدم الذهاب للأعراس ذات الغناء الماجن, وعدم المشاركة بالغيبة والنميمة. واستبدال ذلك بما يرضي الله (تعالى). 6/ صلة الأرحام, لما لها من أهميةٍ بالغة, ولأنّ قطعها من الكبائر. 7/ الإحسان إلى الوالدين, فرضا الله (تعالى) من رضاهما. 8/ تربية الأبناء على نهج أهل البيت (عليهم السلام). 9/ تنظيم الوقت وتقسيمه, وإعطاء كلّ قسم حقه. 10/ التفقه في دين الله (تعالى) بتعلّم كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ ولو الأحكام المبتلى بها. 11/ الثبات على العقيدة, والعمل على الدفاع عنها إن أمكن. 12/ المساهمة في كفالة يتيم, ومساعدة الفقراء, والتقرب بذلك لله (تعالى). 13/ العمل على التمهيد لظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). 14/ توثيق العلاقة الروحية بالنبي وآله (عليهم السلام), وإهداؤهم ثوابَ كلِّ عملٍ مستحب. ولاشك أنّ تحقيق تلك الموجبات هو إحياءٌ لشعائر الأئمة عمومًا (عليهم السلام)؛ لأنّها تحقق الزين, وتدفع الشين, الذي صدحت به روايات أهل البيت (عليهم السلام). ولاشك أنّ كلامهم هو كلام الإمام الرضا (عليه السلام)؛ ولهذا كان هدفهم واحداً مع تعدد شخوصهم وأدوارهم، فالدينُ واحدٌ, والنهجُ واحدٌ, ومن يُحيي أوامر الله (تعالى) فقد أحيا شعيرتهم (عليهم السلام)؛ لأنّ في ذلك ديدنهم, ولأنّ ذلك محققٌ للتقوى المترتبة على إحياء الشعائر كما نصت الآية في أعلاه "وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب". وتقوى القلوب هي خشيةُ الله (تعالى) بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه. فالتقوى هي: تطبيق شريعة الله (تعالى) بالعمل بالواجبات, واجتناب المحرمات, ووضع النفس في موضعٍ يراها الله (تعالى) على خيرٍ, وإبعادها عمّا لا يرضه (تعالى). وهذا الكلام مستند إلى رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): "أنْ لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك"(5), وما تلك الموجبات الأربعة عشر المتقدمة -وغيرها- إلاّ وسائل لتحقيق التقوى. وبالتالي يكون الغرض الأسمى من احياء الشعائر هو تقوى الله (سبحانه وتعالى). ___________________ (1) سورة الحج: 32. (2) ظ: تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي, ج14. (3) عيون أخبار الرضا (ع) للشيخ الصدوق ج ٢ ص١٠٨ (4) أعلام الهداية: للشيخ باقر شريف القرشي, ب4, ف2. (5) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج67, ص285. والحمد لله رب العالمين, وصلى الله (تعالى) على خير خلق الله أجمعين, محمدٍ المصطفى, وأهل بيته الطيبين الطاهرين. اللهم ارزقنا شفاعة وزيارة الإمام الرضا (عليه السلام), والسير على خطاه, وإحياء أمره.

المناسبات الدينية
منذ شهر
107

سلطاني الأنيس

بقلم: غدير الكربلائي في القلبِ وَقْدٌ لِاشتياقِكَ تلهَبُ مِن قَيظهِ حِمَمٌ دُمُوعِيَ تُسكَبُ! . هٰذي شظايا بُعدكم وَلِجَت دَمي! فَتفيضُ جُرحاً في الحَشاشَةِ يُشزَبُ .. وهَجيرُ هٰذا الهَجر أَودى مُهجتي بالقُرمزيِّ دموعُ عَيني تُخضَبُ .. ويَميرُ في الأحداق جمرُ تَولُّعي يَستَنبِأُ السُّمّارَ عَمَّا يَرقَـــبوا؟! .. لـيتَ شِعري شوقُكم في وصلكم أوَ يهجعُ العُشّاق؛ أو هل يُطرَبوا؟! .. بل تغطُشُ الدّهماء جَفنَ حنينهم سيّان تَبزُغُ شمسهُم أو تَغـــربُ .. طبعُ المُحِبِ كغيمٍ سامِقٌ أبدًا هيهات عن عليائهِ لا يُعـزَبُ .. تستَمــــطِرُ الآمـاقُ تَوقًا وَدْقُها شأوَ الأنيس،.. ذا الذّي لا يَجدبُ .. محجوبةٌ شمسُ اللِّقاء وغَيــــمتي تشكوكَ يا سُلطان،... إنّي أُشجَبُ .. أوَ ترتضي هٰذا التّباعدَ سيّــــدي! هلاّ رأيتَ دماءَ صبري تشخَبُ؟!

المناسبات الدينية
منذ شهر
123

بين ثنايا سورة!

بقلم: أميرة غربي/ الجزائر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من خلال مدارستِنا لسورِ القرآن الكريم وقصص الأنبياء ومن بينها سورة يوسف التي تضمنت قصته (عليه السلام)، نلاحظُ بين طيّاتها كيف أنّ الله (تعالى) أعدّ وصقلَ نفوس الأنبياء (عليهم السلام)، فالنبي يوسف (عليه السلام) كانت مطيته الابتلاء، ربّاه الله (عز وجل) على حبِّ الخير للغير فأنزل عليه الوحي، وأولُ وحيٍ كان عبارة عن (رؤيا) رآها النبي يوسف (عليه السلام) في المنام. وبذلك بدأت قصته برؤيا وبشرى من الله (جل جلاله) أنّه سيكون نبيًا وسيدًا على قومه؛ لذلك كان لا بُدّ أنْ يمرَّ بعدةِ اختباراتٍ لتتجسد فيه علاماتُ النبوة وتستجمعُ النفس قواها وتبرزُ جدارتها في حملِ الرسالة الربانية. تعرّض النبي يوسف (عليه السلام) للظلمِ من طرف إخوته، فتعلمَ أنّ أقرب الناس له يمكن أنْ يؤذيَه إذا أذن الله (سبحانه وتعالى) بذلك، وهو أولُ ابتلاءٍ له فصبر عليه ولم يعترضْ. وتعرّض للظلم من طرف زوجة العزيز، وسُجِن فتعلّم أنْ يتوكل على الله (تعالى) ولا يستعين بغيره. فُتِنت بجماله كلُّ نساءِ مصرَ ومع ذلك لم يمدح الله (تبارك وتعالى) جماله، بل مدح إخلاصه وإحسانه. قصةُ النبي يوسف (سلام الله عليه) التي قصّها الله (تعالى) على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) قائلًا: "نحنُ نقصُ عليكَ أحسنَ القصص"؛ لأنّها تُعلِّمنا الكثير من الأمور، فهي تحكي قصة التحوّل من الذلِّ إلى العزّ، ومن الفقر إلى الغنى، ومن أنْ يكون الإنسان مظلومًا إلى منصورٍ بإذن الله (جل جلاله). علمتنا سورة يوسف أنَّ الخليفة الحقّ يجب أنْ يكون: صابرًا، حكيمًا، يصبرُ على مصابه بحكمة، فلا يقنط من روح الله (سبحانه). الابتلاءُ مطيةُ، والأنبياء (عليهم السلام) هم أكثرُ أهلِ الأرضِ ابتلاءً، إلا أنهم رغم ذلك تجاوزوا الابتلاء وجدوا في الصبر. الإخلاصُ الذي وُجِدَ في يوسف (عليه السلام) قد أهّلَهُ لأن يكونَ من الأنبياء والخلفاء "إنّه كان من المخلصين" التقوى التي جعلته يخشى الله (تعالى) كأنّه يراه من أبرز الصفات التي يجبُ أنْ تتجسد في الأنبياء (عليهم السلام). الذلُّ مهانةٌ إلا الذل للهِ (تعالى) فإنّه عزٌّ، لقد أراد إخوة النبي يوسف (عليه السلام) من إذلاله عندما بيعَ بثمنٍ بخسٍ فكانت النتيجة عزًّا وتحقيقًا للرؤيا. الأمانةُ، فقد اؤتمن يوسف (عليه السلام) على ملكِ العزيز "خزائن الأرض" فأحسنَ أداءها وأحسن إليها.. حسنُ الظنِ بالله (جل جلاله)، عندما خسر النبي يعقوب (عليه السلام) ابنيه أحسنَ الظن بالله (تعالى) ولم يقنطْ. حتى الصالح يمكن له أنْ ينتكس، وخيرُ مثالٍ إخوة يوسف (عليه السلام)، فهم أولاد نبيٍ ومع ذلك ارتكبوا جرمًا في حقِّ يوسف (عليه السلام) العفو، رغم كل ما واجهه النبي يوسف (عليه السلام) من بلاءاتٍ بسبب إخوته إلا أنّه عفا عنهم.. كظم الغيظ، فالنبي يوسف (عليه السلام) رأى إخوته أمامه، إخوته الذين تسببوا في فراقه عن أبيه لكنه كظم غيظه وأسرّ كلامه في نفسه، ولم يُرِد أنْ يردَّ السيئة بالسيئة.. حسنُ الكلامِ مثل حسنُ الجوارِ، لولا أنْ أحسنَ يوسف (عليه السلام) الحديث مع الناس فدعاهم إلى عبادة التوحيد لما تبعه الأهل وأتمنه الناس.. معجزة النبي يوسف (عليه السلام)، أنَّ قميصًا واحدًا كان دليلًا على براءته، وشفاءً لأبيه، وأيضًا دليلًا على افتراء إخوته.. نجدُ كلَّ الأنبياء (عليهم السلام) قد كرّمهم بمعجزات عن بقيةِ البشر، ويوسف (عليه السلام) قد علم تأويل الأحاديث . الذي ينظرُ إلى قصةِ النبي يوسف (عليه السلام) السجين، المظلوم، عزيز مصر، الذي أوتي الحكمة ولين الجانب وحسن الخطاب، يجدُ أنَّ كلَّ هذه الصفات أهّلته وصقلته ليكون ممكنًا في الأرض. هذه السورة التي قيل عنها: "ما قرأها مهمومٌ إلا استراح"؛ لأنها تحملُ البشرى بين ثناياها.. نسأل الله (تعالى) أنْ يُعلِّمنا مما لا نعلم ويرزقنا تدبر القرآن الكريم، والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطاهرين..

المناسبات الدينية
منذ شهر
130

نَشِيج

بقلم: غدير الكربلائي أُمّاه.. يمُورُ اللّيلُ بين جدائلي، يدُسُّ فيَّ قمل الغُربة؛ يهرشني ندفه، يُقصيني عن أنامل الانتماء... تخزُّني مناشير سُعارِهِ المُضني. تكشطُ جِيدَ فَتيلي أظفار غلَسِه! متى تُمسّدُ أصابِعُكِ النديّة جُرز رأسي؟! متى فالشّزبُ يستلبني قصيّاً وأنا الوطن! أُمّاه.. تُمطَر النّبالُ قديماً على نعشي؛ تبثق عمراً ذا مسغبة مُزداناً باليُتم، مَلدوداً بالآه... تغرقني سهامُ القِتام.. تَرميني اقواس الحُميراء جيلاً إثرَ جيل.. تخرم بُنياني معاويل معاوية تكمُّ قبابي؛ تَطمسني وتطمرني! تُعلي السّدود ترفع المتاريس وجُدر الحؤول لتُطفئ كواكبي وشموسي والضّوء يأبى إلاّ ان يتبدّى، ويُغرِقَ الغرقد أُمّاه... شُقّي القبر، انفضي تُراب الكتمان اولجيني حِجرك؛ غُصّيني في ضلعكِ فالكسر وتراً... عانقي أكبادي الممزّعة؛ امزجي دموعكِ بالرّمال القانية ثُم اسكبيني قُبةً شمّاء، فقد وحقكِ أنهكني قيظ الحجار! رُجّي اللّيل، انزعي منه غربته؛ فالقوم برقعوني الدُّملُج أُنثري نجومي الآفلة في اعطافي، الغافية في اكنافي لُمّي شحوبي اكسيني لوناً غير الدِّمَاء؛ حنانيكِ... اُحضنيني إلى ضلعَيكِ يا أُمَّاهُ ضُمِّيني!

المناسبات الدينية
منذ شهرين
160

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية (٩)

بقلم: علوية الحسيني الصحة ركنٌ أساسيٌ آخر قد تغفل عنه بعض النساء في شهر رمضان خصوصًا, وفي الأشهر الأخرى عمومًا, وهي (الـصحة), التي هي عماد الإنسان المعين له على ممارسة كافة نشاطاته. فينبغي أن تجعل له جانبًا من الأهمية, دفعًا للضرر الذي يصيب الجسم نتيجة اهمال الصحة, وانحدارها بالأمراض. وانطلاقًا من حديث نبوي شريف ينبغي أن تلتفت المرأة إلى أنّها مسؤولة عمن ترعاهم, أو تكون بحكم الراعية لهم، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، ...والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم" (1). ورعاية المرأة -زوجةً كانت أو بنتًا أو أختًا- يجب أن تُفعّل, إذ الإسلام فرض عليها تفعيل دورها من عدّة نواحي, ومنها ناحية الرعاية, إذًا يتحتم عليها أن ترعى الأبناء والزوج, والوالدين, والأسرة. وبما أنّ الرعاية مفهوم عام, فسوف يتم تسليط الضوء على أحد مصاديقها, وهي (الرعاية الصحية). فيا أختاه! بإمكانك أن تفعّلي تلك الرعاية من خلال إعدادكِ للطعام في شهر رمضان خصوصًا, وفي الأشهر الأخرى عمومًا. وحيث إنّ الصائم لا بد له من رعايةٍ صحيةٍ خاصة, فينبغي لكِ أن تراعي القواعد الصحية في طهي الطعام, وطرق تقديمه, وتقديم الأنفع على النافع منه. ومن هنا ينبغي عليكِ أن تكوني كالخبير الصحي في الأطعمة؛ حتى تؤدي رعايتكِ الصحية حق الأداء, بالرجوع إلى ما اعتمد عليه خبراء التغذية مباشرةً, أو اتباع ارشاداتهم. فبإمكانكِ أختاه قبل تقديم أيّ وجبة طعام أن تُراعي القواعد الصحية من حيث الفيتامينات, والتقديم والتأخير, وإمكان قرن أكلتين معًا, مع مراعاة التركيز على النقاط التالية: 1- بالنسبة لفوائد الأطعمة بإمكانكِ معرفتها من خلال الموروث الروائي الصادر عن أهل البيت (عليهم السلام), المجموع في كتاب اسمه "(الكافي), وذلك في جزئه الثالث تحديدًا" (2). 2- بالنسبة لوجبة الإفطار ينبغي مراعاة تقديم الطعام أوّلًا, ثم الأشربة -كالعصائر أو الشاي-؛ تطبيقًا لقاعدةٍ قرآنيةٍ صحيةٍ غذائية تقول: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَض} (3). 3- ضرورة طبخ الطعام الجيّد, والابتعاد عمّا يضر بصحة عائلتكِ, روي عن الإمام الصادق (عليه ‌السلام): "اعمل طعامًا، وتنوّق فيه" (4), والتنوّق هو المبالغة في الجودة. ويدخل ضمن مراعاة جودة الطعام الصحي: التقليل من الدهون والأملاح التي تسبب أمراضًا لا تحمد عقباها, فينبغي عدم التفريط في الصحة ولو بأكلةٍ واحدة؛ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "كَمْ مِنْ أَكْلَة مَنَعَتْ أَكَلاَت" (5). 4- قد تحتمل الضرر أسرتكِ من أكلها بعض الطعام, رغم احتوائه على فوائد عظيمة, فهنا بإمكانكِ تعليمها الدعاء المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في دفع احتمال الضرر من بعض الطعام؛ فيروى "أنّ الأصبغ بن نباتة دخل على أمير المؤمنين (عليه‌ السلام) وقدّامه شواء, فقال له الإمام: ادن فكل, فقلت: يا أمير المؤمنين هذا لي ضارّ, فقال: ادن اُعلّمك كلمات لا يضرّك معهنّ شيء ممّا تخاف، قل: "بسم الله خير الأسماء ، بسم الله ملء الأرض والسماء ، الرحمن الرحيم ، الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء ولا داء" (6). 5- لا تقدّمي الطعام الساخن جدًا؛ لزوال البركة منه, ومشاركة الشيطان فيه؛ حيث روي عن الإمام الصادق (عليه‌ السلام) أنّه قال: "إنَّ النبيّ (صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله) أُتي بطعام حارّ جدّاً ، فقال: ما كان الله ليطعمنا النار، أقرّوه حتّى يبرد ويمكن، فإنّه طعام ممحوق البركة، وللشيطان فيه نصيب" (7). 6- ذكّري أسرتكِ ببلوغ الصحة نصابها إذا تم الالتزام بمقدمات الطعام, كغسل اليدين قبل الطعام, والمضغ الجيد, وتصغير اللقمة, والأكل باليمين, وهذه, والمزيد غيرها كلّها سنن نبوية" (8). 7- ترك وجبة السحور قد تسبب خللاً في صحة الصائم, لذا حثّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على عدم تركها؛ روي عن علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "تسحروا ولو على شربة ماء ...وقال (صلى الله عليه وآله) السحور بركة ولله ملائكة يصلون على المستغفرين بالأسحار وعلى المتسحرين" (9). 8- عليكِ مراعاة الاستنان بسنة النبي وآله (صلوات الله عليهم) في نوع الطعام عند الإفطار, ففعلهم ليس عبثًا, وبالتالي تشخيصهم لغذاء معيّن هو أكثر صحة؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا افطر بدأ بحلواء يفطر عليها فان لم يجد فسكرة أو تمرات فإذا أعوز ذلك كله فماء فاتر وكان يقول ينقى المعدة والكبد ويطيب النكهة والفم ويقوى الأضراس ويقوى الحدق ويحد (يجلو - خ) الناظر ويغسل الذنوب غسلا ويسكن العروق الهايجة والمرة الغالبة ويقطع البلغم ويطفى الحرارة عن المعدة ويذهب بالصداع المقنعة" (10). ____________________ (1) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج72, ص38. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج3, باب الأطعمة والأشربة. (3) سورة البقرة: 187. (4) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج24, باب استحباب اتخاذ الطعام ، وإجادته, ح1. (5) نهج البلاغة, ج4, ص42. (6) ظ: وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج24, باب ما يستحبّ الدعاء به عند أكل الطعام الذي يخاف ضرره, ح1. (7)المصدر نفسه, باب كراهة أكل الطعام الحار جداً ، واستحباب تركه حتى يبرد أو يمكّن ، وتذكر النار عنده, ح5. (8) ظ: سنن النبي (صلى الله عليه وآله): للعلاّمة الطباطبائي, ب9, ص211. (9) جامع أحاديث الشيعة: للمحقق البروجردي, ج9, ص253. (10) المصدر نفسه, ص258. اللهم أدم عافيتك علينا, ولا تبتلنا بما يقعسنا عن تكليفنا.

المناسبات الدينية
منذ شهرين
187

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
50964

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
38026

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30699

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30456

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
24503

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
23777