Profile Image

ام باقر الربيعي

زبونٌ دائمٌ

بقلم: أم باقر الربيعي رويَ عن عطاء بن زيد عن تميم الداري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "الدينُ نصيحةٌ، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه وللأئمة في الدين ولجماعة المسلمين"(1). يُعلِّمُنا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في القولِ الآنف الذكر، كيفيةَ التعاملِ مع الناس، وأنّه لا بُدَّ أن تكونَ باللين والرفق والنصيحة والموعظة الحسنة، فالدينُ الإسلامي دينُ السماحة والتعاطف والقول الطيب، وما جاء وأحكامه ليُنفِّرَ الناسَ ويُبعِدَهم، بل على العكس من ذلك، فقد جاء ليحتوي الناسَ ويكتنفهم تحت ظلِّ تعاليمه القيّمةِ العالية، فهي قد نزلت من ربٍ رحيمٍ على نبيٍّ عظيم، لتحيا أمة الإسلام حياةً كريمة، مبنيةً على أُسسٍ إسلاميةٍ أخلاقيةٍ رصينة، فكان الرسولُ الأعظم (صلى الله عليه وآله) خيرَ مصداقٍ للأخلاقِ الإسلامية، حيث عُرِفَ بالأمانةِ والصدق قبل بعثتِهِ (صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه)، فكان يعاملُ الناسَ بأحسن ما يكون، ويجالسُ الفقراءَ والمساكين، وخيرُ مصداقٍ لأخلاقِهِ الكريمةِ دعوتُه المباركة، فبرغم الأذى الذي تعرَّض له من قريش؛ حيثُ كانوا يرمونه بالحجارة والأشواك وسلا الذبيحة، إلّا أنّه عاملَهم بأخلاقِهِ الإلهية، التي تحلّى بها يقول: (صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه): "إنّما بُعِثتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق" (2). وكذلك يقول: "أدبَني ربّي فأحسنَ تأديبي" (3). هذا هو رسولُ الله (صلى الله عليه وآله)، وهذه هي صفاته ومزاياه الفاضلة، فلماذا لا نتخذُ منه قدوةً نقتدي بها وأسوةً حسنةً؟ إذْ لم يُنفِّرْ الناسَ عن الإسلامِ بل على العكس، حيث هَوَتْ قلوبُ الكثيرِ نحو دعوتِه المباركة، بينما نُلاحظُ العكسَ من البعضِ منّا، فعِوضًا من أنْ يجذبَ الناس إلى الإسلام وسماحته بأخلاقه يُنفِّرهم منه؛ حتى صاروا يرون المسلمَ معقدًا ومتشددًا! يُذكرُ أنّ شخصين دخلا مسجدًا للصلاة، فرنَّ هاتفُ أحدهما أثناء الصلاة بأغنيةٍ، فالتفت عليه من كان بالمسجد وانهالوا عليه بالتوبيخ: في بيت الله وتعصي الله! فخرج ذلك الشابُ من المسجد ولم يَعُدْ إليه، وذهب إلى مقهى وفي ذلك المكان وقع من يدهِ قدحٌ فتكسَّر، فجاء إليه صاحبُ المقهى وقال له: لا تهتم يا بُنيّ، القدحُ يُعوَّض، فاكتنف ذلك الشاب بأسلوبه الراقي وحسن أخلاقه، حتى أصبح ذلك الشاب ومن تلك اللحظة زبونًا دائمًا للمقهى. فعلينا أن نحتوي شبابنا وبناتنا مهما كان لباسهم وفكرهم، ونُرغّبهم بالدين الإسلامي ونكتنفهم في ظل أخلاقه، من خلال الآيات والروايات، والكلمة الطيبة والنصيحة الهادفة لإصلاح الفئة الشبابية، فدينُنا دينُ السماحةِ لا التعصب الأعمى، والكلمةُ الطيبةُ جسرٌ إلى القلوب، وإصلاحُ شخصٍ وهدايته أفضلُ مما طلُعت عليه الشمس أو غرُبت. ويُمكن احتواء الفئة الشبابية من خلال عدة طرق، منها كالتالي: 1- تصحيحُ بعض الأفكار والمعتقدات الدخيلة على الدين الإسلامي، وإبدالها بالمعتقداتِ الحقّة، من خلال الأدلةِ العقلية والنقلية. 2- بيانُ الصورةِ الصحيحة للدين الإسلامي، وأنّه دينٌ سَمِحٌ يرأفُ بالمسلم ويرفق به بعيدًا عن التعصب، وخيرُ مصداقٍ له صاحبُ الخُلق العظيم، الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وأنّ الدينَ ليس مجرد عباداتٍ وطقوسٍ تؤدى في أوقاتٍ معينة. 3- اختيارُ القدوة الصالحة وبيانُ معرفتِها، من خلال الاطلاع على جوانبَ حياتِها وميزاتها الكمالية. 4- استغلالُ أوقاتِ الفراغ بما يتناسبُ وطموحاتهم الشبابية في إطار الدين الإسلامي. 5- جذبُهم من خلال الكلام الطيب، والسلوك الصحيح، فإنّ الدينَ معاملةٌ. _________________________ 1- بحار الانوار - العلامة المجلسي - ج 27 - ص67. 2- مجمع البيان ـ ج 1ـ ص 333. 3- نور الثقلين ـ ج5 ـ 389/ 13 و ص 392 / 29.

اخرى
منذ 9 أشهر
236

نجمةٌ زهرائيةٌ

بقلم: أم باقر الربيعي في ليلٍ مظلمٍ حالكٍ خالٍ من النجومِ، كانت هناك أمٌّ شريفةُ الحسبِ والنسب، ثابتةَ الإيمانِ متفانيةً في البذلِ والعطاءِ، حريصةً على سلامةِ الدينِ، مُحِبّةً مُخلِصةً لزوجها الكريم، تترقبُ بزوغَ نجمةٍ في سماءِ الوجودِ، تدينُ بخيرِ الأديانِ وأشرفِها، تحوي فضائلَ الكونين، وتسمو وتتعالى في بحورِ اللاهوت، تكونُ قطبًا لرحى الوجود، وعلةً تربط بين أصلين مهمين، أحدهما مكملٌ للآخر لا ينفصلانِ بحالٍ من الأحوال، نبوةٌ خاتمة ووصاية خاتمة بهما صلاحُ دينِ المرءِ ودنياه... وفي تلك الأثناء انشقَّ نورٌ في أُفُقِ السماءِ أضاءَ ظلمتَهُ الحالكةَ، برزتْ نجمةٌ زهرائيةٌ أخذتْ بمجامعَ قلبِ الأمِّ المُنتظرِةِ لوليدتِها المباركة، لمْ يُرَ أجملُ منها ومن نورِها الوضّاء، الذي ملأ الخافقين بالجمالِ والجلالِ الإلهي، فتجَسّدَ في شخصِ الزهراءِ (عليها السلام)، الوليدةُ لأشرفِ صُلبٍ وأطهرِ رحمٍ، قد اُنتُقيّتْ نطفتُها من ثمارِ الجنةِ، حوراءُ أنسيةٌ، زيَّنتْ بيتَ الرسالةِ وزادتْهُ شرفًا وقداسةً، استبشرتْ بولادتِها ملائكةُ السماءِ، وفرحتْ بوجودِها الأرضُ وتذللتْ لها لتطأَها بقدميها المباركتين، وتكونَ سيدةً لنساءِ العالمينَ... حَباها اللهُ بصفاتٍ إلهية، وخَصّها بخصائصَ لم تكُ قد اختصتْ بها امرأةٌ قبلها ولا بعدها، فهي ابنةٌ لأعظم وأكرم وأشرف الخلقِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، وزوجةٌ لأعظم شخصيةٍ سابقةٍ في الإيمانِ والإسلامِ بعد أبيها، أميرِ المؤمنين وسيدِ الوصيين، ووعاءٌ لأعظم أبناءٍ نجباء على الإطلاق، فأشرقَ الكونُ بطلّتِها البهيةِ، لتُكرَّمَ نساء الأمة إكرامًا للزهراءِ (عليها السلام)، بعد أنْ كانتْ تُهانُ وتُدفنُ وهي حيّةٌ، وتُذلُّ وتُنتهكُ حرمتُها في زمنِ الجاهليةِ، فجاءَ الإسلامُ ورفعَ من شأنِ المرأةِ، لتكونَ نصفَ المجتمعِ بل كُلَّهُ... فيا زهراء، سيدتي... حللتِ أهلًا ونزلتِ في قلوب محبيك ربيعًا يُزهِرُ طريقَ الحريةِ، فبكِ كُرِّمنا وبسترك وحجابك اقتدينا.

اخرى
منذ 9 أشهر
280

معراج الروح

بقلم: أم باقر الربيعي تراتيل عشق تردد في ساحة الحق، وترانيم متيم شغف بمن أُحِب، محبوب لا يعادله أي محبوب، محبوب هو للقلب والروح أقرب، لقاء يمتزج بدموع الشوق، وما أجمله من لقاء! هو راحة بل بلسم للجراح وسرور وانشراح، بل هو الغذاء والدواء... يا سفينة الروح المتعبة حطي في شاطئ الأمان، وتمسكي بحبال الوصل دون انقطاع، وتجردي عن التكبر والعجب والرياء؛ لتنالي شرف ذلك اللقاء، وجودي بنية الإخلاص فإنّ من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب اليه باعاً، يا لَلطف الله تعالى وكرمه وجوده، فالروح تأنس بمثل ذاك اللقاء... يا روحًا اتصلت بالسماء، ففرت إلى الله تعالى؛ لتمتزج بعبير له من العطر ما لا يُباع، شذى عطره ملك كل الارجاء، ركوع وسجود وانقطاع، "ربي لا تُحرق وجهي بالنار بعد سجودي لك وتعفيري بغير مَنٍّ مني عليك بل لك الحمد والمَنّ والتفضل" (1). يا وصلة النور، أفيضي على الروح بالطهر والنقاء؛ ليتجدد العهد باللقاء، لقاء الأنس، طريق العشاق، هي الصلاة، عمود ديني، إن قُبلت قُبل ما سواها، هي الرادعة عن الأهواء "إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ" (2). هي صعود وارتقاء، فما أروع ذاك اللقاء. الصلاة هي وثيقة عقد بين العبد ومولاه، فلا يختلف اثنان من المسلمين في وجوبها، فهي من ضرورات الدين وأساسه المتين وعماده القويم، فكما تحتاج الخيمة إلى وتد قوي يثبّت وسطها فكذلك الدين، وهي معراج المؤمن نحو الملكوت العلوي؛ حيث الارتباط بمالك الأرضين والسماوات، ارتباط ينقطع عن الماديات ويتعلق بالجمال والجلال الإلهي، ذلك التعلق والانقطاع المعنوي الشفاف بنورانيته ليُلامس شغاف قلب المحب فتسيل أودية معرفة المعبود من جوانبه، وهي فرض فرضها المحبوب بخمس أوقات متفرقات قال تعالى: "إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا" (3)؛ ليتيه المحب في شواطئ العشق ويغترف من مائه ما يروي ظمأ العاشق، فبيّنها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) بكيفيتها وكيف يكون العبد الفاني بين يدي المعبود الباقي، فيقف بتذلل وخشوع وخضوع، ويصلي صلاة مودع وكأن الموت يرفرف بجناحيه على رأسه، صلاة خاشعة في ساحة القدس الأوحد، يطأطئ الرأس في ركوعه وسجوده إعظامًا لخالقه ومنعمه ومالك وجوده... إياك أعبد ولا أعبد سواك... فأقبل عبدك العاصي، يا قابل السحرة اقبلني... ولا تحرمني ألطافك وفيوضاتك... ولنتعلم من أهل البيت (عليهم السلام) كيف نحسن ذلك اللقاء، فهم المصداق الحقيقي للانغماس والذوبان في المعشوق، يُقال إنّ أمير المؤمنين عليًا (عليه السلام) أُصيب بسهم في إحدى المعارك، فاختاروا وقت الصلاة لإخراجه؛ حيث الانقطاع التام للإمام (عليه السلام) عن العالم السفلي والتعلق بعالم اللاهوت والملكوت، ولنا في أهل بيت العصمة والطهارة أسوة حسنة، فالصلاة هي سر سعادة المرء؛ حيث استشعار الأمان والاطمئنان والراحة النفسية، وكأن يدًا خفية تُمد إلى ذلك القلب بنعم لا متناهية، فتزيل همومه وتمسح على أوجاعه وتنتشله من العالم الدنيوي، شرط الإخلاص من العبد لمولاه وسيده، لأنّ الإخلاص شرط قبول العمل. _________________ 1- مقتطف من دعاء ابي حمزة الثمالي. 2- سورة العنكبوت : آية 45. 3- سورة النساء : آية 103.

اخرى
منذ 6 أشهر
264

سحابةُ الأملِ المنتَظَرة

بقلم: أم باقر الربيعي الأملُ هو شعورٌ عاطفي يتفاءل به الإنسان، ويرجو فيه نتائج إيجابية لحوادث الدهر أو تقلباته؛ حتى وإن كانت تلكم النتائج الإيجابية صعبة أو مستحيلة الحدوث. والأملُ هو ذلك الشعور الوجداني المرهف، الذي ينبعثُ من فطرةِ الإنسان، وينعكسُ على كلِّ جوانبه، داعيًا إيّاه الى نظرةٍ تفاؤلية طموحة في تخطّي العقبات، أيًا كانت صعوباتها، ما يجعلُ الحياةَ جميلةً بحلوِها ومرِّها، بفرحها وحزنها. فالمتفائل ينظر إلى ما حوله نظرةً بيضاوية ترسمُ على مُحيّاه الابتسامة رغم حزنه وألمه، وتجعل منه إنسانًا إيجابيًا في كلِّ تعاملاته على الصعيد النفسي والاجتماعي، ما دام تعلّقه بالله كبيرًا. وإنْ هو مرَّ بظروفٍ قاسية أدرك أنّها رغم قسوتها وضيقها وشدتها ستزول؛ لأنّ الأمل بالله تعالى أكبر، مبتعدًا عن تلك النظرة السوداوية التشاؤمية للأمور، فهو كمن وضِعَ في زنزانةٍ مظلمةٍ لا يرى ضوء الشمس، إلا عبر فتحةٍ في أعلاها ينساب عليه منها شيء قليل، ولكن رغم ذلك عاش على أمل النجاة والخلاص، فانعطفت عليه سحابة أملٍ كانت سببًا في إنقاذه من تلك الظُلمة التي استحوذت على ذلك المكان، إلاّ قلبه الذي كان متيقنًا بالخلاص ولو بعد حين. فمن تفاءل بالخير وجده وإنْ طال الزمان أو بعُد، وتمرُّ سحاباتُ الأمل الواحدة تلو الأخرى، إلاّ أنّ ثمة سحابة ينتظرها الجميع، يتوقُ إلى النظر إليها كلُّ المظلومين والمضطهدين، سحابةٌ تكشف الغموم عن القلوب، التي أرهقها طول الانتظار، وعن العيون؛ التي أرّقها سهر الليالي، فباتت تفيض بالدمع من فرطِ الاشتياق، حتى ملأت وديان القلوب المكتوية بنارِ الفراق. سحابةٌ تعمُ الخافقين بالأمان، وترفع عن كاهل المستضعفين ما ألمّ بهم من الآلام... سحابةٌ تحملُ بارقةَ الاعتقاد الجلي واللطف الإلهي، وبين طيّاتها نورُ خاتم الأوصياء (عجل الله فرجه)، لتطوى أيام العبودية والاستبداد والجهل والضلال، وتنتكس رايةُ الباطل وتندحر دولة الظالمين وينكفئ المتجبرون، ليظهر الحق في ربوع المعمورة، وتُقام دولةٌ هي أشبهُ بجنةٍ خضراءَ غنّاء، يتلألأ فيها نجم الله تعالى الأزهر، أملُ المستضعفين وأمان الخائفين ومأوى المحرومين وسفينة خلاص المظلومين وقرة عين المؤمنين... هي دولةٌ لا تضاهيها دول الكون أجمع، هي دولةُ العدل الإلهي. سحابةُ الأمل المنتظرة، لتروي ظمأ أرواحنا المتعبة من طول الفراق، وقلوبنا المسهدة من ألم الاشتياق، وعيوننا التائقة للقاء... رؤياك مُناي وأملي يا إمامي يا مهدي أما نتائج الأمل فتتلخص في التالي: 1- الأمل شعور جميل وراحة نفسية تكمن في داخل النفس الإنسانية. 2- التفاؤل هو روح الأمل وبابه الأوسع لتجاوز كلِّ الأزمات والعقبات. 3- الأمل هو تلك النظرة الإيجابية والثقة والطموح بأنّ القادم أجمل بإذن الله تعالى. 4- الأمل هو ذلك الشعور المتجذر في قلبِ كلِّ إنسان يرجو الخلاص من قيود الدنيا وأسرها. 5- الأمل هو الجذوة الملتهبة في قلوب المؤمنين المشتاقين لطلعةِ إمامهم ومنقذهم ومخلصهم من محنهم وابتلاءاتهم.

اخرى
منذ 6 أشهر
218

ولتُصنع على عيني!

بقلم: أم باقر الربيعي سحرُ بلاد الرافدين أخذ بمجامع القلوب، وخيراتُه كانت محل أطماع الكثيرين، فتوالت عليه الحروب والهجمات العدوانية، لسلب حقوقه ونهب خيراته، وطمس معتقداته وإماتة شعائره، وقتل رموزه الدينية ومصادرة كفاءاته العلمية. وكانت لتلك الحروب جراحاتٌ عميقة في القلوب، عويلُ أمهاتٍ ثكالى، وصرخاتٌ تهدُّ الجبال الشامخات لمن فقدت المعيل والحبيب، بكاءُ ودموعُ أيتامٍ انحدرت من تلك العيون البريئة، لتملأ الوديان وتروي الصحاري القفار. قلبّتُ صفحاتِ الذاكرة؛ التي لم تكن طيّ النسيان في يومٍ من الأيام، ليخطر ببالي كتابة بضعِ كلماتٍ عن اليتيم، وما يعانيه ويقاسيه من صعوبة الحياة. أمسكتُ قلمي لأكتب فتراءى لي ذلك اليتيم، الذي لم يتجاوز سنيّه العشر، نظرت اليه نظرةَ عطفٍ وشفقة، مددتُ يدي لأمسح على رأسه، كما كان يصنع سيدي الحسين (عليه السلام) مع حميدة طفلة مسلم بن عقيل (عليه السلام) ، حينما وصل خبر استشهاده، فنظر إليّ نظرةَ حزنٍ لفقدِ الأب والمحامي والسند، وتلألأت في عينه دمعةٌ كأنّها ماسةٌ ببريق ذات ألوانٍ عدة، لتخبرني رغم الأسى والألم، أنّها دمعةُ إصرارٍ وعزيمة، وقدرة على تحمل المسؤولية، وثقة بربٍ كريم عطوف رحيم. قاسى ذلك اليتيم الأمرين في حياته، ورغم صغر سنه وترافة يديه الناعمتين، اشتغل في شتى الأعمال لإعانة عائلته، وتوفير الاحتياجات الأساسية لهم؛ حتى تشققت يداه الصغيرتان، فكان يعمل من جهةٍ ويجدّ ويجتهد في دروسه من جهةٍ أخرى. وكان الاستاذ يُثني عليه لتفوقهِ رغمَ العوز والحاجة. مرتِ الأيام والأعوام، وكبُرَ ذلك اليتيم واشتدَّ ساعده، فقرّر الذهاب إلى مركز العلم والمعرفة، وموطن العلماء من جهابذة الدين، النجف الأشرف أرض أمير المؤمنين وسيد البلغاء ومولى الموحدين (عليه السلام)، ليدخل في سلك طلبة العلوم الدينية، وينتهل من معين علوم أهل البيت (عليهم السلام)، ما يُنير بصره وبصيرته وينتفع بها لدنياه وآخرته. وكأنّ مشيئة الله تعالى ساقته إلى تلك البقعة الطاهرة، ليحطَّ رحله في حوزاتها الدينية، وعناية الله (تعالى) ترافقه، وتوفيقه مُصاحب إيّاه، وكأنَّ الله (سبحانه) أراد لذلك الشاب اليتيم أن يكبر تحت ناظريه، فتخطى مرحلة المقدمات والسطوح بجدارة، ووصل إلى البحث الخارج. وكان من توفيق الله (تعالى) وتسديده له أنْ شرع بتأليف الكتب، وقد صدرت له عدة مؤلفاتٍ قيّمة من الناحية الاعتقادية والأخلاقية، وكان دائمًا ما يتذكر هذه الكلمات من دعاء أبي حمزة الثمالي: "سَيِّدِي أَنا الصَّغِيرُ الَّذِي رَبَيْتَهُ وَأَنا الجاهِلُ الَّذِي عَلَّمْتُهُ"(1). فتفيض عينيه بالدموع على ما أعطاه الله (سبحانه) من نعمه، وتفضّل عليه من كرمه، فيهوي ساجدًا لله تعالى شكرًا على منّه وتحننه. يُتمه لم يُحدّ من طموحاته، ولم يُحبط من عزيمته وإرادته، بل كان دافعًا له لتجاوز كلِّ الصعوبات وتخطي كل الأزمات، فاليُتم أحيانًا يصنع الإنسان. والعبرةُ من هذه الكلمات عدة أمور: 1- ضرورة إغداق الأيتام بالعطف والحنان واحتوائهم بحضنٍ أبوي دافئ يُشعرهم بالأمان. 2- إعانتهم بما يحتاجون إليه من كسوةٍ ومأكلٍ لسدِّ عوزهم تحت شعار (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) حتى لا يلجؤوا إلى الطرق الملتوية وغير الشرعية لكسب الأموال. 3- كفالة الأيتام وهي من الأمور العظيمة المستوجبة للأجر والثواب الجزيل من الله (تبارك وتعالى)، فكافلُ اليتيم يكون بجوار رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الجنة؛ حيث يقول (صلوات الله وسلامه عليه): "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة إذا اتقى الله (عز وجل)" وأشار بالسبابة والوسطى(2). 4- اليُتم –في بعض الأحيان- له الأثر الكبير في تقوية عزم الإنسان وشدّ همته للتفوق والحصول على أفضل الشهادات رغم الفقر والعوز والحاجة. ونختم الكلام بوصية الإمام علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام): «الله الله في الأيتام، فلا تغبّوا { تَعِرَّ } أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، فقد سمعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: "من عال يتيمًا حتى يستغني أوجب الله (عزّ وجل) له بذلك الجنّة كما أوجب لآكل مال اليتيم النار»(3). فلنعمل بوصية أمير المؤمنين وأبي اليتامى والأرامل والمساكين، ونمدّ لهم يد العون والمساعدة، ونكون لهم موضع الدفء والحنان والعطف والرحمة، فالدنيا أيامٌ متداولة وكما تدين تدان. .................... 1- مقتطف من دعاء ابي حمزة الثمالي. 2- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 4 - الصفحة 3708. 3- نهج البلاغة: الخطبة 31.

اخرى
منذ 5 أشهر
209

فرصةُ خيرٍ لا تُفوَّت

بقلم: أم باقر الربيعي روي عن أمير المؤمنين ومولى الموحدين علي (عليه السلام): "انتهزوا فرص الخير، فإنَّها تمرُّ مر السحاب"(1). إذا تأملنا حياة العظماء والمفكرين والقادة والناجحين على مرِّ التأريخ، فإننا نصلُ إلى حقيقةٍ مهمة وهي: أنّ الاغتنام الصحيح للفرصة الذهبية واستثمارها بالنشاط والجد والمثابرة والثقة بالنفس، هي السبب في هذا النجاح والتميُّز، دون تضييعها بالكسل والتقاعس وهدر الوقت في التأسف عليها لاحقًا، بعد أن كانت الكرة في ساحتك ومتناول يدك. والحياةُ أيضًا عبارة عن فرصةٍ منحها الباري (جلَّ وعلا) للإنسان، بعد أنْ أعطاه هبة عظيمة لا تقدر بكنوز الدنيا أو جواهره الثمينة وهو العقل، موضع الإدراك والتحكم السليم في جسم الإنسان، والذي به يُثاب وبه يُعاقب، فما دام الإنسان في هذه الحياة فعليه أن يستثمرها، بالطاعة والعبادة والعلم النافع الواقي له من مرديات الفتن، وخصوصًا في فترة الشباب فترة النشاط والطاقة والحيوية. فليستثمر وقته في حفظ القرآن الكريم مثلًا ومعرفة تفسيره، أو مطالعة كتاب ديني أو علمي أو تاريخي يثقف نفسه ويكثّف معلوماته وينمي طاقاته وقدراته، ويبدع في إبراز هواياته قبل أن يهرم وتشيخ كل قواه وتمرض، وحينئذ يعجز حتى عن إمساك الكتاب وتصفحه، بل وتخونه ذاكرته في جمع المعلومات أيضًا، فالحياة والشباب والصحة كلُها فرصٌ أُتيحت لبني البشر ليرتقوا من خلالها سُلّم الكمال والتكامل، فالباري (جل وعلا) لم يخلق الإنسان عبثًا بل خلقه لحكمةٍ وغايةٍ قال (تعالى): "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ"(2). وفي شهر الخير والبركة، منحنا الباري (جلَّ وعلا) فرصة خيرٍ وجودٍ وكرمٍ لا تعوض؛ حيث دعانا إلى ضيافته، وبسط لنا موائد رحمته، ونوّعها بما تجود عطاياه وكرمه، وزيّنها بقناديلَ حلمه، ليهرع إليها المذنبون، ويلجأ إليها المحبون، ويتلذذ بها المشتاقون، ويغترفُ منها المحتاجون، ويأملها الراجون. فنفحاتُ ألطافه تغمرُ هذا الشهر الفضيل بأيامه ولياليه، فلنكثر التزوّد من مائدة الكريم الجواد، قبل فوات الأوان، وعضِّ إصبع الندامة والحسرة على ما فرّطنا في جنب الله تعالى، فالطريقُ موحشٌ مظلمٌ مليء بالأحجار والأشواك؛ التي تحول دون الوصول إلى الحق (تبارك وتعالى)، والنزول بساحة جماله وجلاله، والتشرف والابتهاج بجوار أوليائه. وقول الإمام الآنف الذكر لهو درسٌ من دروس التنمية البشرية، ففرصِ الخير تمرُّ كمرِّ السحاب على عُجالةٍ ودون تريُّث، والحاذقُ الذكيّ من انتهزها واستثمرها، فهلّا انتهزنا شهر الخير واستثمرنا موائده الروحية بما تقربنا إلى الله زلفى لننال فوزه ورضاه ونحظى بجواره! وتلك هي السعادة الحقيقة. __________________________ 1- ميزان الحكمة - محمد الري شهري - ج 3 - الصفحة 2398. 2- سورة المؤمنون : آية 115.

اخرى
منذ 6 أشهر
254

ختامُه مسكٌ

بقلم: أم باقر الربيعي الإنسان بفطرته وطبيعته؛ التي جُبل عليها يفرح ويعلوه السرور، إذا ما أنجز عملًا معينًا بأحسنِ صورةٍ وأتمِّ وجه، واستشعر أنَّ ما قام به مُتقنٌ ولا نقص فيه؛ فيُثني على نفسه ويأمل من الآخرين كلماتِ الثناء والتشجيع، لتعطيه الدافع والتحفيز للإكثار من الأعمال التي تستوجب الإعجاب وتنال الحظوة والقرب عند ربِّ عمله أو مدير مدرسته أو رئيس دائرته، ويكّرم بالهدايا المادية القيمة والثمينة، أو بالإطراء المعنوي كـ(أحسنتم او سلمت أيديكم)، وغيرها من الكلمات التي لها وقعٌ في النفس الإنسانية، هذا بالنسبة لبني البشر. أما بالنسبة لخالق الوجود ومالكه، فبعد أن وهب الإنسان رسولًا باطنًا وهو العقل وافترض به أن يكون الحاكم على سائر الجوارح، وبه يُميّز بين الحق والباطل، اختار صفوةً من البشر ميّزهم عن سائرِ خلقه بصفاتٍ وكمالاتٍ روحية، وهم الأنبياء والرسُل والأئمة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، فبعثهم لهداية الناس، وليبيّنوا لهم مسالك الخير والشر والصلاح والفساد، قال تعالى :"إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا"(1). وقد أوضحوا لنا كلَّ ما من شأنه سعادة المرء في الدنيا والآخرة، ومنها عظمة شهري رجب وشعبان وأنّهما تزكيةٌ للنفس وطهارةٌ للروح، ومقدمةُ استقبالٍ واستعداد لشهر رمضان، الذي خصّه الله تعالى بخصائص ميّزته عن بقية الشهور. يكفي أنّ فيه ليلةً تعدلُ بعظمتها وشرفها وقداستها ألف شهرٍ، وهي ليلةُ القدر؛ ليلة التقدير وليلة القضاء وليلة الإبرام وليلة سرّ بقاء القرآن، وليلة تقدير ولاية أمير المؤمنين والأئمة من ولده (سلام الله عليهم). والثواب على الأعمال في هذا الشهر مضاعفة والأجر عظيم. والسعيد من أحسن صيامه وقيامه وفاز برضا ربه، لينال الجائزة العظيمة والهدية الفاخرة، وهي العتق من النار والفوز بالجنة، وكما يقال: الأمور بخواتيمها، فليكن ختامنا لشهر رمضان مسكًا وعنبرًا؛ لينفعنا في يوم حشرنا، يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- سورة الإنسان :آية 3.

اخرى
منذ 6 أشهر
241

فرحةُ صائمٌ

بقلم: أم باقر الربيعي قال تعالى: "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ" (1). من أهم الأمور التي ركّز عليها الباري (جل وعلا)، هي حالة الهدفية في الحياة، فالله (تبارك وتعالى) لم يخلق الإنسان عبثًا وبلا فائدة، بل على العكس من ذلك، خلقه لغاية عظمى وهدف سامٍ، وهو الارتقاء في مدارج الكمال، ليفوز بالقرب الإلهي والمنزلة الرفيعة، وسخّر له الكون بأكمله من المجرات السماوية والنعم الأرضية، لتتجلى للإنسان عظمة الخالق الصانع المبدع، وكرامة الإنسان على الله تعالى، لأنّه نفخة من روحه ومحل إعظام أهل سماواته، إن عمل بطاعة الله (عز وجل) وترك ما يسخطه ويغضبه. المخلوقات عموماً تسعى إلى أهداف مختلفة، أيًّا كانت تلك الأهداف، سواء كان هدفاً تكامليًا كما في قوله تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (2) أو هدفاً تسافليًا، كهدف الإغواء من الشيطان لبني آدم كما في قوله تعالى: "قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" (3). فلا بد لكل إنسان، أن يجعل له هدفاً يقصد الوصول إليه، وإن اختلف الناس في نظرتهم، فالبعض يجعل من سفح الجبل هدفاً يحقق ما يتمنّاه، والبعض الآخر يطمح لهدف أعلى من ذلك فيصل إلى وسط الجبل، والبعض الآخر يجعل من قمة الجبل هدفاً له، ويحاول الوصول إليه رغم خطورة الطريق ووعورته. وعلى كل حال، فإن حياة اللاهدفية، حياة عبثية خالية من النظام وفاقدة لطعم النجاح. شهر رمضان شهر الهدايا المعنوية والجوائز الإلهية؛ التي أُعدّت لمن أحسن صيامه وقيامه وكفّ جوارحه عن الحرام، وسعى جاهدًا للفوز بالفلاح والرضوان طيلة ثلاثين يومًا وليلة، يسعى في كل ذلك إلى قِطاف ثماره في نهاية الشهر الفضيل، وحاشا لله أن تُمد له يد عبد سائل ويرجعها خالية، وهو الجواد الكريم الذي لا يرد سائله؛ حتى وإن قصّر واخفق في بعض الأيام والليالي، أو أغفل عن عظمتها، أو ألهته الدنيا بمشاغلها. شهر رمضان يرسم الطريق لهدف معنوي يوصل الصائم لباحة خضراء قطوفها دانية وأنهارها جارية، بما قدّم من أعمال صالحة خالصة لله تعالى من كل شائبة، يرجو منها غفران الله تعالى لذنوبه وعتق رقبته من نار قعرها بعيد وحرها شديد. تلك هي فرحة الصائم بعطايا الحنّان المنّان، وبِعِيده الذي غَنِم جوائزه من رب كريم لا بخل بساحته. فالعيد لمن أمن الوعيد، لا لمن تزين ولبس الجديد، ولا لمن عصى الله تعالى وتهاون في أداء الواجبات؛ التي حددها الشارع المقدس، فغفل عن رقابته واستهان به. _______________ 1- سورة يونس : آية 58. 2- سورة الذاريات : آية 56. 3- سورة ص : آية 82.

اخرى
منذ 5 أشهر
211

اتهامٌ باطلٌ!

بقلم: أم باقر الربيعي قال الإمام علي (عليه السلام) :" والله لو أعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أنْ أعصيَ اللهَ في نملةٍ أسلبها جُلب شعيرةٍ ما فعلت"(1). حذّر القرآن الكريم والروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، من ظلم الناس والتعدّي على حقوقهم وسلبها منهم، كما لو تجرأ البعض على اتهام شخصٍ ما بالباطل بلا جُرمٍ يُذكر، كاتهامه بالسرقة أو شرب الخمر أو الكذب، والحكم عليه قبل التحري ومعرفة الصواب واستبيان الأمر، وهذا ما يُقبحه العقل علاوة على الشرع. ويذهب ضحية هذا الاتهام الباطل الكثير، وقد يضيع مستقبلهم أو ينقطع رزقهم، أو ربما يصلُ الأمر إلى سفك دمائهم، كما هو الحاصل في مجتمعاتنا رغم أنّ ظلم الآخرين ظُلمات يوم القيامة، والظالم بما جنت يداه من فعل القبيح سيُظلم حتمًا طالت المدة أم قصُرت؛ لأنَّ عدالة الله (جلَّ وعلا) مبسوطةً في أرضه وسمائه وعلى جميع موجوداته، وقانونٌ إلهي جارٍ لا مفرَّ منه. روي عن عبد الأعلى مولى آل سام قال أبو عبد الله (عليه السلام) مبتدئًا: "من ظلم سلَّط اللهُ عليه من يظلمه أو على عقب عقبه، قلت: هو يظلمُ فيسلط اللهُ على عقبه أو على عقب عقبه؟ فقال: إنّ الله يقول: "وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولًا سديدًا"(٩) (١٠) والظلمُ قد يكون ظلمًا لمجتمعٍ بأكمله، وقد يكون لفردٍ من أفراده، والتأريخ خيرُ شاهدٍ على ظلمِ الأمراء والرؤساء المتجبرين والمتسلطين على رقاب الناس، فنذكر مثالًا على ظلم المجتمع ثم نردفه بمثال آخر على ظلم الفرد. ظلم المجتمع: لقد كان ديدن الحكام الجائرين من آل امية وبني العباس وأسلافهم التعدي على حقوق الآخرين في الدين والمعتقد، وربما إجبارهم على ترك دينهم وتغيير معتقداتهم، وعدم إحياء شعائرهم وسلب حرياتهم في إبداء آرائهم، كما حدث في زمنٍ ليس ببعيد عنّا؛ بل لا تزال صورُ الإجرامِ في مُخيلاتنا، ترتسمُ بين الحين والآخر لرجلِ دينٍ عُذِّبَ بأشدِّ أنواع التعذيب وبشتى الوسائلِ وأبشع الصور، أو لشابٍ مؤمنٍ لا جُرمَ له إلا أنّه يصلي في المسجد او يقرأ كتابًا دينيًا أو يسمع محاضرةً دينيةً تربويةً أخلاقيةً، أو لفتاةٍ محتشمةٍ في جامعتها أو محلِّ عملها، ذنبُها أنّها ترتدي الحجاب الفاطمي، فانتُهِكت حرمتها وسُلبت عفتها رغمًا عنها من قبل جلاوزة الطاغية اللعين. سنواتٌ عجافٌ مظلمةٌ طالت كلَّ إنسانٍ شريفٍ مؤمنٍ بمعتقده ومتمسكٍ بدينه غيورٍ عليه، فكان الظلم في تلك الحقبة العصيبة على أغلبِ فئات المجتمع رجالًا ونساءً صغارًا وكبارًا. قال الإمام الصادق (عليه السلام) :"إنَّ الله (تعالى) أوحى إلى نبيٍّ من الأنبياء، في مملكةِ جبارٍ من الجبابرة : أن ائتِ هذا الجبار فقل له: إنّي لم أستعملك على سفكِ الدماء، واتخاذ الأموال، وإنّما استعملتك لتكفّ عني أصوات المظلومين فأنّي لنْ أدع ظلامتهم وإنْ كانوا كفاراً"(3). اما ظلم الفرد: فقد يُظلم شخصٌ من قبل عدةِ أشخاصٍ ظلمًا وزورًا ويُتهم باطلًا بلا دليلٍ ولا برهان، كما هو واقعُ حالِ ذلك الفتى؛ الذي كان يكدحُ ويشقى لأجل توفير لقمةِ عيشٍ حلالٍ لوالدته وإخوته دون أنْ يمدَّ يده لغير الله (جلّ وعلا)، وإذا بربِّ عمله يتهمه بالسرقةِ، فألصِقت به تهمةٌ باطلةٌ من غيرِ حجةٍ ودليل، ومن دون التحري لمعرفة من هو السارقُ الحقيقي لتثبت براءته، فطُرد من محلِّ عمله ظلمًا وعدوانًا، وكان الله (تعالى) شاهدًا على ظُلامته، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :"يقول الله (عز وجل) اشتدَّ غضبي على من ظلمَ من لا يجدُ ناصرًا غيري"(3). فحريٌ بنا أنْ نتروى ونتريث قبل إصدار الحكم على الناس، وظلمهم وإلصاق التهم بهم من غير دليلٍ يثبتُ صحة الادعاء؛ لكيلا نكون من الظالمين ودعاتهم المستوجبين لغضب الله (تعالى) وسخطه، والمتعرضين لازدراء الناس ونفرتهم؛ لأنَّ فطرة الإنسان السوي جُبلت على حب العدل وجميع مصاديقه، ونبذ الظلم وما يندرج تحته من رذائل الأخلاق. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- نهج البلاغة. 2- سورة النساء : 9. الكافي : 2/ 332 ح 13. 3- الوافي ج 3 ص 162 عن الكافي. 4- مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي الشاهرودي - ج 7 - الصفحة 15.

اخرى
منذ 4 أشهر
435

السارقُ المجهول

بقلم: أم باقر الربيعي منذ ولدت وللوهلة الأولى حينما أبصرت عيناي النور، والأهل في فرح وسرور وبعد طول انتظار دام سنين طوال، قد رزقنا الله تعالى بنتًا... إنّها صحيحة وسالمة لا نقص فيها، حمدًا لله على هذه النعمة وشكرًا لعطاياه الجميلة، قبّل الوالد طفلته الصغيرة وعيناه تذرفان الدموع، لا أكاد أصدق ما تراه عيناي هل أنا في حلم أم حقيقة وواقع؟ لا، لا، بل حقيقة وواقع، ها أنا أحمل طفلتي الجميلة بين يدي، أذّن في أذنها اليمنى وكبّر في اليسرى مستنًا بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) عانقها طويلًا وقال: اسميتها زينب تيمنًا بعقيلة بني هاشم زينب بنت علي (عليهما السلام)، ثم وضعها في سريرها وأخرج من جيبه تربة صغيرة من تراب قبر سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وخر ساجدًا لله شكرًا لله... شكرًا لله... ثم قرأ: "رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا" (1). غمرت السعادة قلب الأبوين كما ملأت ذلك البيت الصغير العامر بحب الله تعالى وحب أوليائه ذلك البيت الذي يفيض عطفًا وحبًّا وحنانًا، وأخذت طفلتهم الصغيرة تكبر يومًا بعد يوم، وكانت الأم قد نذرت زينب لله تعالى وعاهدته أن تغرس فيها كل الصفات الحميدة وأن تربيها على العفاف والحشمة والالتزام بتعاليم الدين الحنيف، وكانت الأم ترى في صغيرتها الفطنة واللباقة والذكاء، فبدأت بتحفيظها السور القصار من القرآن الكريم، رأت قابليتها تفوق قصار السور، فأولتها اهتماماً وعناية بالغين، فما إن وصلت إلى سن السادسة؛ حتى اكملت حفظ القرآن بأكمله وتفوقت على أقرانها، فكانت كنجمة تزهر بلطف الله تعالى وعنايته، ثم دخلت المدارس الأكاديمية، وتخطت المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية بامتياز؛ حتى حصلت على معدل عالٍ أدخلها الطب، وكانت حامدة لله تعالى على ما أعطاها شاكرة لله تعالى مواهبه إياها وتقول: كل ما أنا فيه يعود بالفضل الأول لله تعالى ولوالدي اللَذَين لم يقصرا في تربيتي ولا في تعليمي، وكانت كالوردة المتفتحة يفوح شذاها أينما حلت، لكن شاء الله تعالى لتلك الوردة اليانعة بالذبول، وبدت يومًا بعد يوم في شحوب ونحول وفارقها المرح والنشاط، ابنتي عزيزتي ما بك؟ ما الذي أصابك؟ ما بال الابتسامة فارقت شفتيك؟ أسرع بها الوالدان نحو المشفى فأجروا بعض الفحوصات اللازمة، ومن خلال تلك الفحوصات اكتشفا أنها مصابة ب(cancer) في مراحله المتأخرة، كادت الأم أن تموت بحسرتها على فلذة كبدها، ليت الموت أعدمني الحياة غاليتي ولم اسمع مثل هذا الخبر الذي صدّع قلبي، دكتور هل من حل هل من علاج لها؟ ليس هناك أي جواب إلّا الصمت والذهول لحال الأبوين. الأم: ابنتي العزيزة ها قد اشتريت لك الثياب الجامعية، كان أملي فيك كبيراً أن تكوني داعية هداية وصلاح لزميلاتك، كنت انتظر لحظة تخرجك وحصولك على الشهادة، ابنتي لقد فجعتِ قلبي الذي لم يكد يفرح برؤيتك بعد طول انتظار، بنيتي لا تتركيني وترحلي، لكن زينب حالتها لم تُك على ما يرام فقد أنهك المرض كل قواها ولم تعد تسطع حتى أن تفتح عينيها، وفي هذه الاثناء شهقت شهقة خرجت معها أنفاسها الأخيرة، ها هي زينب قد رحلت من الدنيا إلى العالم العلوي، بعد أن كان شبح الموت يطاردها... سارقها المجهول الذي يعدو خلفها، رحلت زينب وتركت شجون الحزن والأسى ولوعة الفراق تغزو قلب والديها، تاركة كل أثر جميل لها. العبرة: يجب علينا استثمار العمر في طاعة الله تعالى، والتزود قدر الإمكان من هذه الدنيا لأنّ الطريق طويل والعقبات كؤود، وعدم تضييع الوقت وهدره بأمور لا تجدي نفعًا، فطارق الموت يطرق الباب بلا استئذان، لا يعرف صغيرًا ولا كبيرًا، ولا صحيحًا ولا مريضًا، والكَيس من استفاد من عمره. ________________ 1- سورة الفرقان : آية : 74.

اخرى
منذ 4 أشهر
273

اخترْ لأولادك أمًّا مهدوية

بقلم: أم باقر الربيعي من الأمورٍ الأساسية والمهمة؛ التي أكدَ عليها الدينُ الإسلامي الحنيف، وحثت عليها الروايات الشريفة الواردةُ عن أهلِ البيت (عليهم السلام)، هو اختيارُ الرجلِ الزوجةَ الصالحةَ، ذات الدين والمنبت السليم والنسب الشريف؛ لتكون شريكةً لحياته والعون والسند على مصاعبها، والأمّ الواعية المُربية للأولاد، يقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): "اختاروا لنطفكم فإنّ الخالَ أحدُ الضجيعين"(1). ويقولُ أيضًا (صلوات الله وسلامه عليه وآله): "تخيّروا لنطفكم فإنّ العرقَ دساس"(2). فمن الأسسِ الصحيحةِ، وضعُ القواعد الرصينة للبيت الأسري، الذي يُعدُّ النواة الأولى لبناء مجتمعٍ صالحٍ، يخلو من المفاسد والصفات الأخلاقية الذميمة؛ التي تُردي المجتمع في وادٍ سحيق. وهذا البيتُ لابُدَّ أنْ يُبنى على الألفةِ والرحمةِ والمودةِ بين كلا الزوجين، مع إعطاءِ الحقوقِ والقيامِ بالواجباتِ من قبلِ كليهما. من سعادةِ المرءِ الزوجةُ الصالحة التي تتحلى بالخلال الحميدة كالصدقِ والأمانةِ والعفةِ والطهارةِ وحُسنِ الخُلق وغيرها من الصفات، فيكون نتاج هذه العلاقة ذريةً طيبةً تنشأ وتتربى على محاسنِ الأخلاقِ وجميل الصفات. وللأمِّ الدورُ الأكبرُ في تربيةِ الأولاد، وهذا لا يعني تهميش دور الأب، لكن بحكم عمله وخروجه من المنزل لساعاتٍ طويلة تكون المسؤولية العظمى على عاتق الأُمِّ لوجودها بقربهم. فهي من تزرعُ في أولادها حبَّ الله (تبارك وتعالى) وحبَّ أهل البيت (عليهم السلام)، وحبَّ الدين الإسلامي من الاعتقادات والواجبات. فإذا كانت مهدويةً عرفت أولادها من هو الإمام المهدي (عليه السلام)، ومن أبوه، ولماذا هو غائبٌ، وما هي فيوضاته وألطافه ووجه الانتفاع به في غيبته، ولو تعريفًا بسيطًا بما يناسب عقولهم. ونصحتهم بالالتزام بالصلاة في وقتها وعدم تركها أو تأخيرها. وعلمتهم صدق الكلام، وبيّنت لهم أنّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) عُرِفَ بأنّه الصادق الأمين، وغرست فيهم مجانبة الكذب لأيِ سببٍ من الأسباب. وعلمت ابنتها مُنذ الصغر على الحجاب وأنّه واجبٌ مشرّعٌ من الله (تعالى) عند بلوغها تسع سنين قمرية، كوجوب الصلاة والصيام وسائر الضرورات، وأنّه لباسُ الحشمة والعفاف، وأنّه زينةٌ يُغني المرأة عن جميع المجوهرات، وأوصتها بأنْ تحفظه وتصونه عن كلِّ شائبةٍ تُلصقُ به. ونصحت الأولاد باختيار الصديق المناسب صاحب الخُلق الرفيع، وعلمتهم احترام الكبير والعطف على الصغير. فالأمُّ هي نصفُ المجتمع، بل كلُّ المجتمع، لذا قال الشاعر: الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها... أعددتَ شعبًا طيبَ الأعراقِ فإنْ كانت مهدويةً أنشأت أبناءً مهدويين إن شاء الله (تعالى)، بل وساهمت في اصطباغ المجتمع بالصبغة المهدوية. ___________________ 1- تهذيب الأحكام 7 : 402. 2- المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني 3 : 93، ح 3، دار التعارف، 1401 هجرية.

اخرى
منذ 4 أشهر
228

سُرَّ من رأى تندبُ إمامَها العسكري (عليه السلام)

بقلم: أُم باقر الربيعي عجبًا! - ما بالُ السماءِ حزينة تبكي دمًا، والنجوم مُرتدية أثوابَ العُتمةِ تُخفي نورَها وكأنّها لا تُريدُ البُزوغ مرةً أخرى، أخبريني لِمَ الأسى بادٍ عليكِ وأنتِ الأمانُ لأهلِ السماء؟ - أ تسألينَ والأرضُ قد فارقتْ إمامَها وأمانَها وملاذَ أوليائها؟! ألا ترينَ سُرَّ من رأى ضجَّتْ بأهلِها، وعويلُها وصلَ إلى عنانِ السماء، وكأنّ يومَها يومُ القيامة؟! ولا عجب أنْ يُصيبَها ما أصابَها، وهي فقدتْ نورَ اللهِ في أرضِه، والهاديَ لعبادِه والمنارَ لبلادِه، ومن تحيا به سُنّةُ نبيّه. ألا يعلم بنو العباسِ أنَّ بقتلِهمُ الحسنَ العسكريَ (عليه السلام) انهدّ ركنُ الدين، ويهتزُّ عرشُ الجليلِ، ويغضبُ الجبّارُ وينتقمُ ممَّنْ تلوّثتْ أيديهم بدماءِ ذُريّةِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله). جهدتِ السلطةُ العبّاسيةُ الحاكمةُ آنذاك، على تضييقِ الخناقِ على الإمامِ الحسن العسكري (عليه السلام) بشتّى الأساليبِ وبكُلِّ الطرق؛ التي ما مِنْ شأنِها القضاء على نسلِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)؛ ليسرحوا ويمرحوا كما يحلو لهم، وكأنّ زمامَ الأمورِ بأيديهم، لكن "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (1) وفي تلك الأجواءِ المريرةِ والصعبة؛ التي عاشها الإمامُ (عليه السلام) وشيعتُه المُقربون منه، كان شديدَ الحرصِ على ترتيبِ أمرين في غايةِ الأهمية، يتعلَّقُ بهما أمرُ هذه الأمة بعدَ رحيلِ الإمامِ عن هذه الدنيا: الأمرُ الأوّلُ: مهَّدَ الإمامُ العسكري (عليه السلام)، من خلالِ عدمِ التقائه بالناس إلا الخاصة من أصحابِه للوكالة، عن طريقِ مجموعةٍ من الوكلاء الثقات، الذين يعتمدُ عليهم الإمامُ (عليه السلام)، في حفظِ الودائعِ والأماناتِ وأموالِ التجار من الخُمسِ والزكاة، لكي تُصرَفَ في محالِّها الصحيحة. الأمرُ الثاني: مهَّدَ الإمامُ إلى أمرِ (الغيبة)، غيبة ولدِه الإمامِ المهدي (عجّلَ الله (تعالى) فرجه الشريف)، وكان قد بيّنَ مُسبقًا لخاصةِ شيعتهِ من هو الخليفة والإمام من بعده، وأنه سوف لا يكونَ الإمامُ ظاهراً لهم، فلا يرجعونَ إليه في المسائلِ المُتعلّقةِ بدينهم إلا من خلالِ السفارة؛ التي تكتمِلُ بها الغيبة، فيكونُ السفيرُ هو الواسطة بين الإمامِ الغائبِ وبينَ الناس، في معرفةِ مسائلِ الحلال والحرام... لقد كانَ (عليه السلام) يعلمُ بالحقدِ والضغينة؛ التي تسري في عروقِ بني العباس للقضاءِ على نسلِ الإمامِ العسكري (عليه السلام) قائلًا: "زعمَ الظلمَةُ أنَّهم يقتلوني ليقطعوا هذا النسلَ، فكيفَ رأوا قدرةَ الله... "(2). وتحقّقتْ هذه القدرةُ بأجلى صورِها، وها هي الأيامُ الأخيرةُ من حياةِ الإمامِ العسكري (عليه السلام) أشرفتْ في تناقصٍ من الساعاتِ والدقائق، بعدَ أنْ دُسَّ السمُّ له؛ وأخذتْ حالتُه الصحيّة في تراجُع، إلى أنْ جاءت لحظةُ الفراقِ والرحيلِ عن هذه الدُنيا والالتحاقِ بالعالم العلوي.. نعى ناعي السماء... ماتَ الحسنُ العسكري... وفاضتْ روحُه الزاكيةُ إلى خالقِها، وعلا البُكاءُ والنحيبُ وماجتْ (سُرَّ من رأى) بأهلِها، مودِّعَةً إمامَها حاملةً للنعشِ الطاهرِ، لتُدفَنَ بضعةٌ من الزهراء بأرضِها... فطوبى لها ولثراها. ....................... 1- سورة الأنفال: آية 30. 2- حياة الإمام المهدي عليه السلام - الشيخ باقر شريف القرشي - ج ١ - الصفحة ٢١.

اخرى
منذ شهر
149