صفاء الندى

مُتَدين وطني

بقلم: صفاء الندى ليس شعورًا مريحًا عندما تشعر أنك قد حوصرت من قبل جهتين متطرفتين إحداهما دينية والأخرى على نقيضها تمامًا لا دينية، هما متخالفتان ولكنهما اتفقتا بلا تنسيق على ضرب مفاهيمك التي اعتقدت بها. جهتان تدعيان أنهما الأكثر حرصًا وإخلاصًا والأقدر على حفظ هويتك الشخصية والعامة من الضياع والالتباس. أشكر لكما سعيكما... ولكن دعوني وشأني... أنا أعرف الطريق والخريطة واضحة أمامي... أنا مُتدين كما تريد الجهة الأولى، ووطني كما تريد الجهة الأخرى، ولكن باعتدال بلا إفراط وتفريط.. لماذا يعيب البعض على المتدين أن يكون وطنيًا خالصًا، فنراهم يستهزؤون ويشككون؟! هل حب الوطن والوفاء له حكر لمن يدّعون التحضّر والمدنية؟ أما المُتدينون فيستكثر عليهم البعض ذلك! نعم، المُتدين يؤمن بفكرة الأمة الواحدة التي طالما شنّعتم بها عليه، ولكن للفكرة تتمة وهي: على أن لا تلغى خصوصية الأوطان. ما ذنبي إن كان آخرون استغلوا هذا المبدأ سياسيًا؟! ما ذنبي إن كان آخرون أضاعوا البوصلة فَتشتّت انتماءهم الوطني؟! إن حبي لديني لا يناقض حبي لوطني، بل هما متلازمان.. فَديني علمني وأمرني بالوفاء والحب والإخلاص. علمني ديني أن الأخوة الإيمانية لا تحجبها الحدود، بل يحجبها اختلاف القلوب (تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى) سورة الحشر آية (١٤) فلتبق الحدود كواقع مفروض، ولتكن هي الفاصل بين التمادي والتماهي الحاصل.. التمادي بالوطنية إلى حد العنصرية والتماهي مع الأمة إلى حد إلغاء الهوية وطني أبي... وطني أمي فكيف لا يكون الإنسان بأي انتماء كان محبًا ووفيًا لمن أنجبه وربّاه؟!

اخرى
منذ 7 أشهر
620

مجادلة

بقلم: صفاء الندى - سأغادر.. إلى الوداع.. هل من مودع؟! - اذهبي ولكن لا تتأملي أن نُلوّح لك بأيدينا - لِمَ كل هذا الجفاء فإني سأرحل بلا عودة؟ - جيد أنك لن تعودي مرة أخرى فعودتك تعني استمرار الألم والحزن والصراع - هل أنا سبب كل هذه الأوجاع؟! فأنا لم أكن سوى ظرف زمان مُسيّر رافقتكم بكل تفاصيلكم بشهوركم وأيامكم وحتى ثوانيكم.. واضطررت لاحتواء كل مآسيكم التي لا تنتهي - حسنًا.. إذن أنتِ بريئة ونزّهت نفسك من كل سوء ورميتِ بشرورك علينا وستغادرين غير مأسوف عليكِ - شروري! وماذا عن السنوات الماضية والسنوات الغابرة بالقدم من مثيلاتي كلهن مخطئات بحقك! وحدك الإنسان مظلوم ومصاب باللعنة الأبدية.. كفاك تكاسلًا ويأسًا وضغينة وانشر المحبة لتسلم وستكون على ما يرام.. صدّقني.. - أنتِ ما زلت تُثرثرين وتَتَمتعين بإيذائي وتريدين استفزازي إذن فلتسمعي ما يسوؤك، أنتِ وكل الأعوام السابقة قبلك والتي ستأتي أيضًا لا خير بكن مطلقًا.. أنتن تكرهنني، فماذا أفعل لترحمنني.. فقد ضقت منكن ذرعًا ... - يا إلهي أنصفني.. فهذا المخلوق المتعجرف لا يكف من التذمر والشكوى.. نراه واقفًا متسمرًا عند نقطة البداية لم يحرك ساكنًا ويذم الكائنات بأجمعها - تستنجدين بالله وتُظهرين التقوى أيضًا! ليتكِ ترحلين بصمت لكي لا تُسجل عليكِ خصلة النفاق في نهاية مطافك.. عجبًا عجبًا. ساد الصمت للحظات - أيها الإنسان أتسمح أن أُحدثك؟ - من أنتِ؟! ألم يُرحني الله من تلك التي غادرت للتو؟ - أنا السنة الجديدة - أهلًا.. أهلًا.. تفضلي وأخبريني لا تخجلي ماهي الكارثة المقبلة - لن أجادلك كثيرًا فتبدو متعاليًا جدًا ولكن سأسألك: هل تقرأ القرآن؟ - جاءت المنافقة الجديدة.. نعم أقرأه كثيرًا - عزيزي .. فقط اقرأ بتدبر هذه الآية الكريمة: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) [الشورى: ٣٠]

اخرى
منذ 7 أشهر
422

الطريقُ المشترك

بقلم: صفاء الندى عندما تختار أن تنتهج سبيل الوضوح والالتزام في حياتك، تظن أن ذلك سيجنبك الكثير من المطبّات والاصطدامات مع الآخرين في أثناء مسيرك، ولكن ما يحصل يخالف توقعاتك، فالأمر يا عزيزي لا يقتصر عليك وعلى ما تختاره، فهناك أيضًا طرف آخر في المقابل عليه أن يختار. فحتى لو قدتَ سيارتك بسرعة معتدلة، ولم تخالف قوانين المرور بشيء، وأضأت مصابيح السيارة لتتضح الرؤية لك ولغيرك، ولكن كان سائق السيارة الأخرى عنيدًا ومتهورًا ولا يكترث بالالتزام بالقانون وإيقاد المصابيح، وهو معك في طريق واحد، فستكون نسبة الاصطدام أكبر من نسبة السلامة؛ فإن سلِمَت مرة فلن تسلم في المرات القادمة في هذا الطريق المشترك. إذن ما العمل؟ هل نترك ما اعتمدنا من ثوابت في حياتنا؟ أو نترك الطريق بالكليّة لنسير بدروب جانبية وعِرة وغير معبّدة قد تؤدي لتلف السيارة أو ضياع سائقها؟ -بالتأكيد لا هذا ولا ذاك... بل نستمر بمسيرنا، حاملين مبادئنا بكلتا يدينا مشعلًا ينير عتمة الدروب، متفاعلين مع الحياة بشهدها وحنظلها، ولا ننكفئ وننزوي، فيبقى المكان خاليًا من العقلاء والصالحين مملوءً بالسفهاء والطالحين. ونحاول جاهدين أن نخفف من وطأة الاصطدام والاحتكاك إن حصل بمصدات تمتص قوته، جاعلين من مداراة الناس وموعظتهم بالحسنى مصدات ودروعاً تذود عنا وتحمي المتضررين من الإصابات البليغة أو الهلاك... إذن فلأُوقف السيارة هنا... أحمد الله أنّي وصلتُ بأمان.

اخرى
منذ 5 أشهر
233

نصيحةُ الشمس

بقلم: صفاء الندى الشمس: اذهبوا بعيدًا عني والتمسوا الأمل والفرج، أُشرِقُ وأغيب بمشيئةِ الله (تعالى) ولا أملِكُ لنفسي أيةِ إرادة، أُشرقُ فتفرحون، أغيبُ فتحزنون، مالكم كيف تحكمون؟! إنْ رضيتم عني ومدحتموني أو سخطتم فذممتموني لا يعنيني أمركم ... فأنا أؤدي مهمتي كلَّ يومٍ على أحسن ما يكون، وأجري لمُستقري، فأين مستقركم أيها البشر؟ أُجروا إليه كما أُجري، لا تسيروا سيرًا بطيئًا، فلعلكم لا تبلغون ما تسعون إليه، فنظامكم يختلفُ عن نظامِنا، نحنُ هُنا لا نتنافس ولا نتصارع على شيءٍ، كلُّ واحدٍ منّا يسيرُ في فلكه ومساره المحدد له، أما أنتم فلعلَّ الواحد منكم يأخذ اللقمة على وشك أنْ يُلقِمها في فمه فيجدُ من يضرب يدَه بغتةً فتتناثر اللُقمة ولا ينتفعُ بها أحدٌ منكما! نحن وأنتم مختلفون جدًا!! فَهَمُّنا أنْ تكتملَ السلسلة ولا يختلُّ توازن الكون، أمّا أنتم فهمكم أنْ يحوزَ الواحد منكم كلَّ شيءٍ إلى جعبته فقط ولو نسف الكون بأجمعه. الأمرُ الأعجب، مع كلِّ هذا العبث والدمار الذي ملأ كوكبكم الذي كُلِّفْتُم بإعماره، ما زلتم توصفون بأنَّكم كائناتٌ عاقلة ووُجِدتْ لغاية، ونحنُ نُدعى بالجمادات وبلا عقل! لابأسْ، لا تهمنا الأسماءُ والأوصافُ، وإن كانت رنّانةً ومُغرية، فالأهمُّ ما هو المُنجز، هل هناك طاعةٌ لإرادة الله، وكيف هي؟ هل سمعتني يا ابن آدم ...!؟ أيها الإنسان؟!

اخرى
منذ 5 أشهر
225

آمنة... مُجدَّدًا

بقلم: صفاء الندى بعد قليل سيحين موعد عودة ابنتي من المدرسة، كم أشتاق إليها وكأني فارقتها دهرًا، إنها ابنتي الوحيدة وقرة عيني آمنة، إنكم تعرفونها، كنت قد حدثتكم عنها سابقًا فهي ما زالت لطيفة ورقيقة... ولكن ماذا أقول؟ طرأ بعض التغيير في طبعها قليلًا، لا بأس فهي حاليًا في عمر الثانية عشرة، ولعل هذا التغيير المفاجئ بشخصيتها هو من تقلبات المزاج لدى المراهقين... الباب يُطرق... - السلام عليكم يا أمي. - وعليكم السلام يا ابنتي... ناوليني حقيبتك، ساعدك الله تعالى... -إني متعبة جدًا وجائعة، ماذا أعددت من غداء اليوم؟ -افتحي غطاء الإناء وستعرفين… -فاصولياء! لن آكلها، لا أحبها! -منذ متى حبيبتي؟! كنت أظن أنك ستفرحين بها كالعادة. تركتني وغادرت إلى غرفتها... هل لاحظتم ... لم تقل لي سلمت يداك، لا بأس سأعدُّ لها طبقًا آخر على مرامها، كنت أظنها ما زالت تعشق الفاصولياء ، إنني لا أكاد أواكب طفراتها المتلاحقة. وبعد تناول الغداء... وبينما أنا أجْلي الأواني، كم تمنيت حينها لو أني أستطيع أن أجلي معها تراكمات هواجسي وهمومي حول مستقبلها ومستقبل بلدي الذي يعيش أحداثًا هي الأخرى متلاحقة وغير ثابتة... جاءت آمنة وقفت بقربي وقالت: أماه أريد (جهازاً لوحياً جديد) هذا لا ينفعني... ثم رمته على الطاولة! -لماذا يا ابنتي؟ لقد أصلحه والدك قبل أيام قلائل وهو جيد الآن؟! -لا يا أمي ليس جيدًا لقد كرهته... وذهبت أيضًا... لم تقل: هل أساعدك ولو مجاملةً! يا إلهي... أفرغ علي من الصبر الكثير، لقد تكررت طلباتها حتى بِتُّ أخجل أن أُحدّث أباها بما تريد. وعند المساء وبينما أنا جالسة أتابع التلفاز جاءتني آمنة وسألتني بقلقٍ... -أ لم يأتِ أبي إلى الآن؟ -لا يا عزيزتي، يبدو أنه سيتأخر هذه الليلة، ماذا هل اشتقتِ لأبيك؟ - بالتأكيد يا أمي أشتاق لأبي، ولكن أيضًا أريد أن أُخبره بأمرٍ ما... -هل هو سرّ بينكما؟! -لا يا أمي، ولكني أردت أن أخبره بنفسي لأنك دائمًا تُؤجلين طلباتي ولا تخبرين أبي بها سريعًا. أغضبتني هذه الجملة فَتحوْقلت بصوت عال: لا حول ولا قوة إلا بالله.. وقلت لها: من واجبي كزوجة أن أراعي ظروف زوجي إن كانت جيدة أم لا، والذي أعرفه أن وضع أبيك المادي الآن ليس على ما يرام، فكوني يا ابنتي فتاة مطيعة ومتعاونة معنا واصبري قليلًا. -أماه أرجوك فلتعذريني لا أستطيع، لأني قد دعَوت صديقاتي إلى البيت وسأجلسهن بغرفتي، والذي أريده أن يشتري لي أبي غرفة جديدة. فأجبتها متعجبة وبتهكم: أتريدين أن نبني لك يا عزيزتي قصرًا، أو نذهب سياحة إلى جزر الهاواي ونأخذ معنا صديقاتك؟! -أمي إنك تستهزئين بي، ألست ابنتك الوحيدة؟ وما الضير أن تُدلّلوني، أهل (سُهى) صديقتي، ينفذون لها كل ما تتمنى وما لا تتمنى وكل يوم تأتي إلى المدرسة بلباس مختلف وهاتف جديد. -آمنة حبيبتي، اتركيني الآن لوحدي، لم أعد أحتمل. -أماه لا تغضبي مني، أرجوكِ. -سنتحدث لاحقًا اذهبي لغرفتك. بقيتُ جالسة في مكاني، عيناي صوب التلفاز وكل فكري شارد صوب ابنتي التي تطلب منا أن نُدلّلها وكأننا طوال تلك السنين لم نفعل! قلّبت قنوات التلفاز، شدّتني مرثية بصوت حزين وشجي لأحد القُرّاء عن السيدة الزهراء (عليها السلام)، تفاعلت معها من أعماقي فهي لامست تصدعات قلبي المتألم توًّا من قلبي. ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى أطَلّت علي آمنة، مخرجة رأسها فقط من الستارة. -أمي... يا أميرة هذا القصر هل تسمحين أن أمتثل بين يديك؟ لم يكن جوابي أي كلام هي ابتسامة باردة... وعيني تنازعني لكي أسمح لها بأن تُجري ماءها على وَجنتي بلا فائدة، فأنا لم أعتد أن أبادر للبكاء كلما أحزن، تعلمتُ أن أتريث في كل شيء... إذن هي ابتسامة فقط وإذا بي أجدها قد تكورت في حضني وهي تبكي بحسرة وندم... لم أعاتبها ولم أوبخها فدموعها هي أبلغ رسالة اعتذار... حدّثتُها بقولي: إن شاء الله سنذهب قريبًا للعمرة لقد وعدني والدك بذلك، وستقُر أعيننا برؤية الكعبة المشرفة، وسنتشرف بزيارة الرسول وأئمة البقيع (صلوات الله عليهم)... وسنزور مولاتنا الزهراء (عليها السلام) عند الأماكن التي يظن وجود قبرها فيها.. وسنشرب من ماء زمزم ولن أجعلك تشربين منه فقط، بل سأحَمّمك به أيضًا لنطرد منك الأرواح الشريرة. قامت آمنة منزعجة وجلست بجانبي... أماه أرواح شريرة! أ لم أكن ملاككِ وحوريتكِ؟ - إنني أمزح يا حبيبتي، أنتِ ملاكي وستظلين كذلك. وأكملت حديثي: قبل قليل وأنا أستمع لقصيدة عن الزهراء (عليها السلام) انتبهت أنك ومولاتي تجتمعان بشيء ما. -قالت مندهشة: أنا والسيدة الزهراء؟! إنه الرسول يا أمي عطوف على جميع الناس فكيف بابنته؟! -لا يا ابنتي لا مزاح بهذا الأمر قالت متشوقة للجواب: - إذن؟ - ألم تلاحظي أنك والزهراء (عليها السلام) وحيدتا والديكما. - أعرف هذا الأمر ولكن يغيب عني. -نعم صحيح، فنحن نعرف أمورًا كثيرة في حياتنا كمعلومات ولكن لا نربطها بواقعنا لنستفيد. هل تعتقدين يا آمنة أن الزهراء (عليها السلام) كانت تعيش سعيدة في كنف والدها الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ فالسيدة خديجة (عليها السلام) فارقت الحياة وكانت الزهراء ما تزال طفلة صغيرة. -بلا أدنى شك، بل هي في قمة السعادة مع هكذا أب، إنه الرسول (صلى الله عليه وآله) يا أمي عطوف على جميع الناس كيف بابنته؟! -حسنا يا آمنة.. سؤالي التالي.. استمعي جيدًا: هل عاشت السيدة الزهراء حياة مُرفهة كونها بنت الرسول (صلى الله عليه وآله) الوحيدة؟ -أماه.. ما تقصدين بهذا الكلام، لا أعرف. )لقد شَعُرت أن الحديث بدأ يتجه صوبها فبدأت تتململ( -كيف لا تعرفين؟ عندما تتذكرين الزهراء (عليها السلام) ما الصورة التي ترسم في ذهنك؟ هيا أجيبي.. -صورتها وهي خلف الباب وقد آلمها المسمار وأُسقط جنينها... )وأجهشت بالبكاء( مسحت دموعها بيدي ونظرت بعينيها وقلت لها: قد بدأتِ يا ابنتي من نهاية المعاناة فبعد هذا الحادث بأشهر قليلة استشهدت السيدة الزهراء وهي مقهورة وغاضبة على أولئك القوم، فَلنعُد بالأحداث عندما كانت الزهراء (عليها السلام) ما تزال فتاة صغيرة وقد عاشت في أيام كان أبوها نبينا الحبيب (صلى الله عليه وآله) يكابد ظلم واضطهاد قريش هو ومن معه من المسلمين الأوائل، حيث تذكر الروايات أنها كانت تدافع عن الرسول (صلى الله عليه وآله) إذا تعرض للأذى منهم، فعندما كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يصلي حدث أن رمى أحد المشركين القاذورات على رأسه الشريف وهو ساجد، اكتفى البعض بالمراقبة والبعض الآخر بالاستهزاء والضحك، جاءت الزهراء (عليها السلام) مسرعة فأزالتها وزجرتهم بشدة، فَلَم تفكر أنها ابنته الوحيدة ويجب أن تكون مرفهة وبعيدة عن هذه الضغوطات والمواقف الصعبة... ألم تتصدق بثوب زفافها لامرأة فقيرة واكتفت بما لديها؟ ولم تقل: ماذا ستقول عني نساء المدينة وأنا ألبس القديم في يوم زفافي وأبي سيدهم وزعيمهم! ألم تطحن بالرحى وتكنس بيتها؟ وقد تقاسمت العمل مع خادمتها ولم تتكبر أو تنتظر الآخرين أن ينجزوا لها أعمالها لأنها الابنة الوحيدة والمُدلّـلَـة وعلى الجميع أن يكونوا في خدمتها... ألم تقف بوجه الغاصبين الذين سلبوا حقها وحق أمير المؤمنين (عليه السلام) فصدحت بالحق أمام المسلمين جميعًا حاكمًا ومحكومين؟ ولمّا لم يستجيبوا واستكبروا اتخذت موقف المقاطعة وأعلنت غضبها عليهم ولم تنكفئ صامتة ولم تقل لنفسها: أنا امرأة رقيقة لا دخل لي بمواجهة السلطة الظالمة. هذا نموذج يا ابنتي للبنت الوحيدة لأهلها والتي تكيّفت مع الحياة بكل ظروفها وصعوباتها ولوعاتها وتقلباتها، ولم تُثقل كاهل أبيها وزوجها بشيء، بل كانت (عليها السلام) خير معينة لهما في مختلف الظروف. أَلمْ تَجِدي غير تلك البنت التي كلما تحدثت عنها تُبدين إعجابك بها وبما تتفاخر به من أمور زائلة وزائدة عن الحاجة؟! ثم يا ابنتي ما هو مفهوم الدلال عندك؟ أنا ووالدك لم نحرمك من شيء وبقدر ما نستطيع، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعهاـ نحن لم نهملك مطلقًا واهتممنا بكل شؤونك صغيرها وكبيرها، أفضنا عليك من الحب والحنان وربيناك تربية دينية صحيحة وأخذنا بنصائح المختصين تربويًا لنضمن لك الصحة النفسية والنجاة دنيويًا وأخرويًا... هذا كله ألا يسمى دلالاً واهتماماً؟! قالت آمنة منكسرة: أمي حبيبتي أنا أسفة، لا أعرف ما الذي حدث لي؟! ولكني رأيت هذه الطالبة وهي جاءت لمدرستي بالفترة الأخيرة من مدرسة أخرى، قد جمعت حولها الكثير من الطالبات وتبدو محبوبة وتلفت الانتباه فقلت في نفسي: ما ينقصني لأكون مثلها والآن شعرت بخطأي، صدقي... وأعدك لن يتكرر. أسمع ما تقول وأتعجب أن تفكر ابنتي بهذا التفكير الساذج، ولكن هذا ما حدث، هي ثغرة ما قد حصلت وعليّ اكتشافها لسدها بإحكام. هزتني آمنة: أماه أتسمعينني.. أين سرحتِ بفكرك عني وقالت مازحة وبمكر: لعلك تفكرين بأبي، إنه حقًا تأخر لا أعرف أين يقضي الرجال لياليهم ونساؤهم المسكينات ينتظرنهم؟! فأجبتها: (الفتنة أشد من القتل) يا ابنتي، ثم إنني أثق بزوجي . -إذن لنرى ما ستؤول إليه أموركما. - ستؤول لكل خير إن شاء الله، طالما إن أباك يخشى الله قبل كل شيء فلن أخشى من تأخره بل سأقلق عليه. وبينما نحن نتجادل بمحبة وللتسلية سمعت آمنة صوت فتح الباب فذهبت إليه وابتدرته بالقول: أبي أين كنت؟ لو قلت لك أن أمي غاضبة لتأخرك هل تصدقني؟ -بالطبع لا، بل لعلها خائفة عَلَي لأني تأخرت عن وقت عودتي المعتاد... دخل أبو آمنة غرفة الجلوس فقلت له: حمدًا لله على سلامتك. -اعذريني لقد تأخرت بسبب حالة طارئة حصلت، فقد تدهورت صحة أحد أصدقائنا سريعًا وأسعفناه للمشفى حتى أنني لم أنتبه لمكالماتك لي. -ألبسه الله ثوب العافية، لا بأس عزيزي وحسنًا فعلتم. -أليس غريبا أن تظل ابنتنا لهذا الوقت المتأخر وغدًا لديها مدرسة؟ فقلت له: اسألها هي تجيبك. نظرت إلينا آمنة بنظرات كلها خجل ثم قالت: لقد اشتقت لك يا أبي، فبالنهار لا أراك لانشغالك بالعمل. قبّلت رأس أبيها وقبلتني وقالت: تصبحون على خير، وسامحاني ... وذهبت مسرعة لغرفتها... وأنا دعوت الله بقلبي وتوسلت بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها بالهداية والثبات لابنتنا ولنا -وأن تكون هذه آخر الانقلابات..

اخرى
منذ 5 أشهر
296

إضاءة..

بقلم: صفاء الندى إن استذكار ولادة الامام المهدي (عليه السلام) ليست أمرًا ترَفيّا ولا ترفيهيًا ولا بسيطًا.. فإن إحياء ذكرى ولادة الإمام (عجل الله فرجه) تُثبت حقيقة ولادته (عليه السلام) وأنه شخصية واقعية غير افتراضية نسجها خيال المقهورين والمضطهدين للتخفيف عن معاناتهم كمقولة النور في آخر النفق.. وتؤكد أيضًا أنّ الإيمان بولادته (عليه السلام) واستمرارية وجوده بقدرة الله (عز وجل) عقيدة متجذرة بالوجدان وليس قضية مفتعلة دعا لها رجالات دين لإحكام سيطرتهم على المؤمنين بحجة الوكالة العامة للإمام الغائب.. عندما نحتفل بهذا اليوم نحن نقول للإمام المهدي (عليه السلام) إننا وأولادنا وأهلينا مؤمنون بك وأنك حي على هذه الأرض وأننا ننتظر ظهورك المبارك، ولم تتزلزل ثقتنا بوعد الله تعالى بإظهار دينه الحنيف على الأديان كلها ولو كره المشركون والمنافقون وأنكر الملحدون والمستكبرون.. عندما نعرف أنّ الأمر بهذا القدر من الأهمية سنرتقي بطريقة احتفالنا واحيائنا للمناسبات ولا نركز فيها على الجانب الشكلي لنستهلك من أجلها الكثير ونهمل الجانب التثقيفي والتوعوي للقضية المهدوية في بيوتنا والمجتمع ككل.. فإثبات ولادة المهدي (عليه السلام) وتجديد إحيائها هو إثبات لقواعد الدين بأجمعها. هل علمتم أنه ليس مجرد احتفال واستذكار عابر وبسيط؟!

اخرى
منذ 3 أشهر
107

صورٌ من حياة الإمام الكاظم (عليه السلام)

بقلم: صفاء الندى قالوا: السجنُ مقبرةُ الأحياء.. فأزهرَ قَبوه روضةً يانعةً واعشوشب ترتيلًا ودعاءً.. يتباهى بضمِّ الإمام بين جدرانه، يبرقُ لأهلِ السماء.. سنونه الطوال رافقتها سجداتُه الطوال.. جرت دموعُه على أرضه شلالاً.. خشيةً وشوقًا لربِّه ذي العزة والجلال.. **** قالها هارون بنفاقٍ عند قبر الرسول: السلامُ عليكَ بابن العم.. وقال الإمام الكاظم تحديًا: السلام عليك يا أبَه.. جهاده سلميٌ بعزيمتِه يمضي.. يرفضُ الركون للطغاة.. فجعل كفارة عمل السلطان في استيفاء حاجات الإخوان.. **** قالوا: سيخضع.. أدخلوها بحضرة الإمام وهو ساجد.. وانتظروا خارجه يُمنّون أنفسهم برفع راية إبليس منتصرةً بعد دقائق.. هلوساتٌ اختمرت في أذهانهم العليلة.. ظل ساجدًا.. عابدًا.. زاهدًا.. بربه عائذًا.. أصاب تبخترها بمقتل... هزَّ حُجُب الرذائل فيها فتهاوت بعضها فوق بعض.. ارتعدت.. سجدت وهي تقول: قدوس.. سبحانك.. سبحانك بلا شكٍ ولا ريبة.. انتصرت فضيلة الإمام وطهارته على مكائد الشياطين وأمانيهم.. **** قالوا: هو المهدي.. نعم هو المهدي وكلهم عليهم السلام مهديون.. إلا أنّه ليس الذي يملأ به الله الأرض عدلًا وقسطًا.. فالإمام المهدي(عجل الله فرجه) محجوبٌ في غياهب الأزمان.. والإمام الكاظم(عليه السلام) قد حُجب في غياهب السجون.. وإننا كموالين في كلا العصرين لسنا أهلًا لظهور كلا الرحمتين.. وما زلنا كذلك... إلى أن نصحو من غفلتنا ويرانا الله أهلا لرحمته **** قالوا : سمعًا وطاعةً للأمير.. وضعوا طبق الرطب بين يدي الإمام.. تناول منه حباتٍ تراءت له كالحيّات.. سمٌ زعافٌ يسري.. مركب الموت يجري.. يجري سريعًا إلى حيث النهايات.. أهلًا بلقاء ربي فلقياه أسمى الغايات.. قد كنتُ رجوته أن يخلصني.. وبرحمته أخذني إليه.. **** قال: موعدنا على الجسر.. فطرق ابن سويد الأبواب مبشرًا.. جاء من جاء.. وغاب من غاب.. رأوا التابوت مطروحًا أمامهم.. يا للفجيعة.. إمامنا مسموم.. قتله هارون.. إمامٌ بعد إمام، ومصلحٌ بعد مصلح.. وسؤال الشيعة الأبرز والمتجدد.. مَنْ بعدَه؟! ليتنا نقول: نهلك ولا نبقى بعدك..

اخرى
منذ 4 أشهر
136

صديقٌ حائــرٌ

بقلم: صفاء الندى سألني صديقي -متعجبًا-: لماذا لا نقدّم نصرةً لإمامنا الغائب جهدًا أكبر؟! - قلت له - مبتسما-: أجيبك وتُعطيني الأمان؟ - نعم، تفضل.. - لأننا لا نعرفه.. فقط نعرف أنّه إمامُنا الثاني عشر وأنّه غائبٌ وكفى .. وأما غيرها من الحقائق المتعلقة بعقيدتنا به فلا نكترثُ لتفاصيلها.. لم نستشعر بعدُ عظمة شخصٍ بدرجة إمام يختاره الله (تعالى) لنا ويعيش بيننا.. فالولايةُ لهم عندنا إقرار وتسليم يرتكز فقط على موروثاتٍ ساقها لنا العقل الجمعي منذ سنين. ولأننا لم نُحِبُّه بإخلاص.. نحنُ نُحِبُه بالتأكيد، ولكن غيره من الأشياء وعلى بساطتها تمثل أولويةً عندنا.. نحبه، ولكن غيره من الشخصيات حولنا تتملّك قلوبنا وتُنْسينا وجوده.. طالما لم نستطعْ أنْ نجعل حُبَّه هو الغالب على كلِّ ما عداه ستتشتتُ أهدافَنا.. وكلُّ ما نرميه ونبغي أنْ يصل إليه لن يصل إليه. كما أننا غيرُ مُجدّين كسولون، كثيرو التأجيل.. توبتنا... فلتكن غدًا.. شحنُ ثقافتنا بالمعارف المتجددة والمتنوعة ليس مُهمًّا.. نكتفي بقراءةِ كتابٍ في سنة، ولعله عن مهارة الطبخ أو سيرة أحد لاعبي كرة القدم ليس إلا! وأيضًا لأننا نفكرُ أنّه سيظهرُ(عجّل الله فرجه) ويُنهي الأمر.. السوادُ الذي لفَّ الدنيا بأجمعها ما شأننا به.. لقد أصلحنا أنفسنا وننتظره لنقطفَ ثمار دولته العادلة ونتمتع نحن والمؤمنين بها.. أما الغافلون والمفسدون فعاقبتهم ستكون تبعًا لأعمالهم .. ما عساي أنْ أعدد يا صديقي عن لسان حالي وحال الآخرين تتعدد الأسباب والنتائج أيضًا.. عدمُ معرفةٍ، حُبٌّ مُفتت، عدمُ مثابرةٍ، اتكالٌ على الآخرين، وطغيانُ الأنا.. أراك صامتًا؟! قد أنهيتُ حديثي.. -فأجابني -مُغتمًا- : واحدةٌ مما ذكرتَ أجدها بي. واسيته قائلًا - لعلّي أخففُ وطأة حديثي على قلبه فلعلي استرسلت بالكلام كالعادة -: لا بأسَ عليكَ يا أخي، بما أنّها واحدةٌ وواضحةٌ لديك ستقدر على معالجتها، فكيف بي وأنا جمعتهن كلهن؟! ضحكنا قليلًا.. كلانا موقنٌ أنَّها ضحكةٌ رسمناها على وجوهنا ويقبعُ خلفها قلبان محزونان فأردفتُ جرعةَ الأملِ له قائلًا : يا عزيزي.. إنَّ بذرة الخير مغروسةٌ في كلِّ بيتٍ فيه موالٍ لأهل البيت (عليهم السلام) تنتظرُ السقي المتواصل بالماء الصافي لتزهرَ وتتفرع فتغطي بظلالها الوارف كلَّ بقاعِ الأرض، وهذا يتطلبُ منا السعي نحو هذا الأمر بخطواتٍ ثابتة، وبقدرِ ما نستطيعُ، والله (جل وعلا) يتكفلُ بالعواقب، فلا تحزنْ (إنَّ اللهَ معنا)، ورأفة الإمام (عجل الله فرجه) تحفُّ بنا.

اخرى
منذ 3 أشهر
154

ليالي العطاء

بقلم: صفاء الندى إنَّ لكلِّ شيءٍ حقيقة، فالإنسانُ قوامه بروحه، والعبادةُ مخها الدعاء، والشجرةُ أصلُها بجذورها، فكذلك شهر رمضان عِماده وحقيقته ليلة القدر. نعم، هي ثلاثُ ليالٍ جعلها الله (عزَّ وجل) فرصًا إضافية ثمينة لعباده؛ لكي يتلقفوا فيها نفحات رحمته وعفوه وكرمه وجزيل هباته المعنوية والمادية. وإنّ الحديث عن واحدةٍ منها يشمل أخواتها وإنْ كان بينهن مفاضلة فهي غير جوهرية، فبعضُ الروايات تجمع الليالي الثلاث وتُعطي كلَّ ليلةٍ وظيفة محددة في منظومة عملٍ واحدة. فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "التقدير في ليلة تسعة عشر، والإبرام في ليلة إحدى وعشرون، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرون". ولفهم الرواية أكثر نستتبعها برواية أخرى وهي الواردة عن هشام بن الحكم أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) قال: "إنَّ الله إذا أراد شيئًا قدّره وإذا قدّره قضاه وإذا قضاه أمضاه". ولنقرب المعنى نوضح مراحل التقدير الإلهي مع مثالٍ من حياتنا اليومية: المرحلة الأولى: التقدير، بمعنى وضع المخطط (لبناء المنزل) المرحلة الثانية: القضاء، بمعنى إعداد الأسباب ( شراء المواد) المرحلة الثالثة: وهو الإمضاء (إتمام المنزل).'١ كم هو مهمٌ المنزل الذي سنسكن فيه سنوات معدودة؟ ولكن منزلنا في الآخرة أهم؛ لأننا سنكون مخلدين فيه إلى ما لا نهاية. فلننظر كيف نحيي ليلتنا المصيرية هذه التي جعلها الله (عزَّ وجل) في الثلث الأخير من الشهر كمادة امتحانٍ نهائي استمر لأسابيع يُختم بنتيجةٍ معينة، تتبع جهد الطالب نفسه ومدى رغبته بالتفوق أو النجاح المستحق أو مكتفيا باكتساب درجات متدنية وليس مهتمًا لبلوغ الدرجات العالية التي بها رضا الأستاذ وينال التكريم بسببها من الجميع. ولا يعتمد إحياء ليلة القدر على كثرةِ الأعمال التي تؤدى، وعدد ساعات القيام، فمن الحسن إشغال ليالي شهر رمضان بالعبادة والذكر المتواصل والتضرع وبالخصوص ليالي القدر، ولكن الأحسن ويجب التمعن جيدًا ومراجعة استحضار القلب في كلِّ حينٍ وآن أيضًا في هذه الليالي وغيرها. ويمكننا القول: إنَّ من يُحدد ليلة القدر هو العبد نفسه ومقدار خشوعه وعمله وإخلاصه وتفكره في هذه الليلة العظيمة، فالتفكر ومذاكرة العلم أيضًا من أفضل العبادات في ليلةِ القدر كما تذكر بعض الروايات. فإن وفقني الله (تعالى) في ليلة التاسعة عشر وكنتُ أكثر قربًا وإخلاصًا إليه، وواصلتُ أعمالي وفق ما يرضيه كانت ليلة قدْري هي، وإن وُفِّق آخرٌ لإحياء ليلة الحادية والعشرين على أتمِّ مقاييسِ العبودية الحقّة فهي ليلة قدره، وإن أحيى ثالثٌ ليلة الثالثة والعشرين مُستحضرًا قلبه وروحه فيها كانت هي ليلة قدْره. فلكلِّ منّا ليلة قدر خاصةٍ به، وهذا الأمرُ يُستشف من رواية زرارة حيثُ أنّه سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن ليلة القدر، فقال (عليه السلام): "هي إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، قال زرارة: أليس إنَّما هي ليلة؟ قال الإمام (عليه السلام): "وما عليك أنْ تفعل خيرًا في ليلتين" . أو في روايةٍ أخرى "أيسر ليلتين عملت بها"٢ لننثر بذورنا الطيبة في هذه الليالي المباركة، ولنحرص أنْ تكون خاليةً من كلِّ رياءٍ وسمعةٍ؛ لنجني ثمارَ أعمالنا الصالحة، وتكون مقبولة عند الله (تعالى) فيجازينا بالمدة القصيرة الفانية الثواب الجزيل الباقي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١-محاضرة للسيد منير الخباز ٢-بحار الانوار ج٩٤ ص٤

اخرى
منذ شهرين
155

خواطر تائب

بقلم: صفاء الندى - كفى إخلاداً إلى الأرض، لم يخلُقني الله تعالى لهذا... -لا تستطيع الفَكاك مني، أنا أنت وأنت أنا -لستِ وحدكِ من يُعيق انعتاقي وخلاصي من هذا التسافل ولكنكِ الأقرب لي والأصعب.. - ومن يشاركني بإغوائك واضلالك؟! -هناك ابليس أيضًا.. -قالت ضاحكة: ابليس هو الآخر صريع ألاعيبي وخُدعي.. - ليتكِ تتركيني أُراجع نفسي لوحدي وبصفاء نية، اذهبي بعيدًا عني... - كيف لا يمكنني ذلك؟ أنا حقيقتك أنا صنيعة يديك لا مكان لي أسكن فيه إلّا أنت.. - ألستِ صنيعتي إذن امتثِلي لأوامري الآن أطلب منكِ المغادرة.. - حاضر سيدي سأغادر، على أن لا تُناديني بعد ثوانٍ فقد ملَلْت الذهاب والإياب ولعبة التوبة التي طالما تزعجني بها.. - كلهم يستهزؤون بتَوبتي، الشيطان اللعين وهذه المتكبّرة التي تقول إنها أنا، يا الله أنا أريد حقًا أن أتوب، يا مولاي يا صاحب الزمان أغثني.. آه.. آه لقد أذّن الفجر.. وفي كل مرة أقول إني سأُصلي الصبح بوقتها يخيب مسعاي.. أسهر ليلي أتسامر مع من حولي.. وأتجوّل في هاتفي الحبيب وما يُقدمه لي من منوعات وممنوعات، فإذا حل الفجر نِمتُ مثقلةً روحي منهكةً أعضائي.. كم أنا ضعيف وساذج أيضًا.. لم أعد أحتمل هذا العبث.. فاليوم عندما وقعت -الروزنامة- بيدي وعلمتُ بقرب شهر رمضان اعتصر قلبي ألمًا وخجلًا، تذكرت أني كنت قد وعدتُ الله (جل وعلا) في شهر رمضان الفائت بتوبة نصوح ألتزم بها طوال حياتي.. والذي حصل أني لم أفعل! يا حسرتي كيف سأفِد على ربي في شهر رمضان المقبل بعد أيام وأنا أخلفت وعودي المغلّظة معه؟ وتكفيرًا لهذا الذنب العظيم قرّرتُ وعزمت أني لن أنتظر حلول شهر رمضان لأتوب، بل من الآن.. نعم من الآن… لذا سأقوم مصليًّا الصبح التي اعتدت أن أصليها بوقتها في شهر رمضان فقط، سأُصلّيها الآن.. فما زال الفجر حاضرًا وبكل بهائه ينشر خيوطه الرقيقة في الأفق مناديًا بنا للتعلق بإحداها والنجاة من ملهيات الدنيا الفانية.. أنهى صلاته بكل توجّه وخشوع، سلّم على إمام زمانه، وما أعذب السلام على الإمام بهذا المقام.. جذب شهيقًا بعمقٍ حلّق به مع نسائم الفجر العليلة، وبزفيره الهادئ أخرج كل خاطرة سوء ورذيلة. تذكّرها.. فهي لم تأتِ إليه بعد ثواني كما ظنّت وتبجّحت.. - خاطَبتْه بأدب: أنا لم أتركك لحظة فأنا أنت كما قلتُ لك! ولكن.. كما تريدني يا سيّدي سأكون..

اخرى
منذ 3 أشهر
144

هُنــا وهُنــاك الحلقة (٢)

بقلم: صفاء الندى ــ لقد أصِبتُ بالعدوى منكم منذ زمنٍ، منذ جئتكم، بل قبل أنْ تطأ قدماي أرضكم التي ظننتها المدينة الفاضلة الموعودة.. نعم، أصِبتُ بالعدوى عندما انبهرت بالتكنولوجيا بلا حدود، عندما جعلت نظرياتكم وأفكاركم دستورا لحياتي .. إنني مصابٌ بالعدوى حقًا ووباؤكم على وشك أنْ يقبض روحي.. يا الله، إنّي أشعر بالاختناق.. جَثا على الأرض .. اشتد إحساسه بصعوبة التنفس .. هل حقًا سأموت؟! ليس الآن يا ربي! تمدّد على الأرض .. نظر إلى السقف .. تواترت أمام ناظريه خيالاتٌ متداخلة .. أصبح بالكاد يرى بعينيه لغزارةِ دموعهما المنهمرة.. صورٌ مرّت متسارعةً أمام ناظريه.. بيتُ العائلة المتهالك، شوارع مدينته الترابية، مجموعاتٌ من الناس يلطمون، شاهد نفسه يدفع عربة، شهادةٌ معلّقة على حائط، حقيبةُ سفرٍ، قاربٌ مطاطي على وشك الغرق، جزيرةٌ خضراء، ولاحت آخر صورةٍ لامرأة .. ابتسم عندما رآها لوهلةٍ.. وحدثها معاتبًا: ليتكِ لم تلِديني، حتى أنتِ تركتِني وحيدًا يا أمّي، فمنذ سنة لم تتصلي بي والآن سأموت لوحدي.. وفي هذه الأثناء رنّ الهاتف رنينًا طويلًا.. لم يصدق أنَّ هاتفه يرن، مسح دموعه تحسس جسده، قلبه ما زال يخفق، ما زلتُ حيًا.. تمتم مع نفسه: هل أستطيع النهوض يا ترى؟! ما زال الهاتف يرن، قام بتثاقل يرمق هاتفه الذي كان قد رماه بعيدًا وصل إليه، قبض عليه ويده ترتعش، أجاب وإذا به يسمع صوتًا يذوب حنينًا إلى سماعه: ــ ولدي، حبيبي، كيف حالك؟ أنا أمك .. ــ أمّي! ــ هل أنت بخير يا ولدي؟ أين أنت الآن؟ صمت محمود ولم يُجِبها؛ لشدة دهشته ــ فلتأتِ إلينا .. محمود لمَ لا ترد؟! ــ أنا بخير، لقد اشتقت إليكِ يا أمي.. لماذا انقطعتِ عني؟! ــ الحمد لله أنَّك بعافية، لقد ضاع هاتفي وأنا لم أكن أحتفظ برقم هاتفك .. وكنت أنتظرك أنْ تتصل أنت بي. ــ أنا ظننت إنَّ إخوتي يمنعونك من الاتصال؛ ولذا لم أتصل لئلا أتسبب بإيذائك. ــ الآن يا ولدي وأنا على وسادتي وقد جفاني النوم أتحسر على رؤياك وخائفة عليك، تذكرتُ أنّي كنت قد كتبتُ رقم هاتفك بقُصاصة ورق وضعتها في أحد الأدراج، فقمت مسرعة نبشتها واحدًا واحدًا حتى وجدته وسجدت شكرًا لله (تعالى).. إنَّ الله قد رفق بحالي يا ولدي إذ ذكّرني بهذه القصاصة. ــ نعم يا أمي، الحمد لله، الله رحمني أيضًا، فإنَّ صوتكِ أراحني بل أحياني. ــ أدعو الله تعالى أنْ يقرَّ عيني بك. ــ لا أستطيع المجيء إننا محجوزون هنا. ــ بل ستعود يا محمود، كثيرٌ من الناس قد عادوا إلى أوطانهم، فكل دولة تُجلي مواطنيها. ــ نعم سأرى ما سأفعل. ــ ولدي مضطرة لإنهاء المكالمة، سأتصل بك غدًا، بحفظ الله ورعايته. وحصّن نفسك بالقرآن، فهذا الوباء حتى الآن ليس له علاج، التجئ إلى الله تعالى وستطمئن.. ــ نعم، في أمان الله يا أمي.. أخذ نفسًا عميقًا، فكّر بحديث أمّه وبأمر القصاصة، شغّل التلفاز ليرى أخبار المدينة .. مذيعُ الأخبار يُصرّح أنَّ أعلى نسب الإصابة في مدينته، ومنذ الصباح قد تمَّ عزلها عن جميع المدن للسيطرة على الوباء الذي ينتشر بلا توقف.. عاوده الخوف، بدأ يتسلل داخل نفسه من جديد.. أطفأ التلفاز مُتأفّفا، تذكر نصيحة أمّه، قلّب هاتفه سريعا اختار سماع آياتٍ من القرآن، اطمأن قلبه .. سرَت القشعريرة في جسده وكأنها صعقاتٌ خفيفةٌ لمكامن العربدة والعبث في داخله، طاردةً لها من حياته. اعترف مع نفسه: ما أروعه من صوت! لماذا كنت أحرم نفسي من هذه السكينة؟! إنّه شعورٌ بالأمان الحقيقي.. ظل مستمعًا متفكرًا ليلته حتى غلبه النوم فاستسلم له بهدوء. وعند الصباح استيقظ على صوتِ جلبةٍ في الشارع، نظر من الشرفة فرأى سيارة إسعافٍ تقف أمام أحد المنازل، وطواقم طبية تحمل شخصًا على السرير.. دقّق محمود النظر وقال: يبدو ميتًا.. تسمّر في مكانه محدقًا بسيارة الإسعاف حتى غادرت المكان، نظر إلى السماء رأى الطيور تحلق بكثافة فوق المدينة والقطط تسير آمنةً في الطرقات.. تساءل مع نفسه: هل استبدل الله تعالى وجودنا بالحيوانات وغيّبنا عن وجه الأرض، لتتنفس الصعداء وتنبسط باستنشاق هواء لا تشوبه ملوثات الإنسان المعتادة؟! يا الله، أين أمي لم تتصل، ما بالك يا محمود، لا تنسَ فارق الوقت ركّز كفاك تشتتًا، نعم صحيح .. صِرت أحدث نفسي كثيرًا، جيدٌ أنْ أتعرف على نفسي من جديد! سأحاول الخروج اليوم أيضًا .. يتبع...

اخرى
منذ شهرين
191

هُنا وهُناك/ الحلقة (١)

بقلم: صفاء الندى ذهبتُ بعيدًا ولم أرد العودة فقد انتهى الأمر.. أسمع همهماتٌ وأصواتٌ خافتة تُناديني لن أكترث.. ذاك الطريق سالك أمامي فلست بحاجةٍ لأحد.. سيظلون صخرةً تعترض مسيري.. وأخيرًا تحررتُ من قيودهم البائسة، وحروبهم التي لا تنتهي، وشظف العيش الذي أكل شبابي وجعل مني ركامَ إنسانٍ.. كم هي الحياةُ رائعةٌ هنا! الكلُّ يضحك، ليس فقط يضحك وكفى بل بعضهم يُغمى عليه من شدةِ الضحك. -لا بأس سيعود له وعيه بعد قليل- أمرٌ مثيرٌ حقًا، الكلُّ هنا بمتناول اليد سواء كانوا نساءً ورجالًا، بعضهم لبعضٍ ملتحمون من شدةِ القرب، لستُ مضطرًا أنْ أشعر بالحرمان وحسرة اللذة كلّ ليلةٍ وأنا وحيدٌ على فراشي.. استوقفه أمرٌ ما.. ولكني أخشى الأمراض المُعدية.. اقتحمت وسوسةٌ خفيفةٌ قلبه: لا تخف كلُّ شيءٍ على ما يرام، لقد تطور العلم جدًا حتى وإنْ مرضت -إن مرضت- وهو احتمالٌ ضئيلٌ جدًا، ستجد المصل والعلاج المناسب.. نعم، صحيح، فالوضعُ هنا بهذا العالم الجميل يختلف، سيجدون لي حلًا.. يا لسعادتي! أنا حرٌ بأموالي أفعلُ بها ما أشاء، فلا خمس ولا زكاة، مللتُ هذه المنغصات.. - ولكنهم يفرضون ضرائبَ على كلِّ شيءٍ هنا- تسللت سريعًا بذهنه خاطرةٌ خبيثةٌ: لا بأس يا عزيزي، كلُّ ما ستدفعه سيعود بالنفع عليك ألا ترى ما هيأوه لك من أسبابِ السعادة.. ــ نعم أكيد أنا سعيدٌ هنا.. تمضي السنون سريعًا على محمود، وكلُّ أموره ظاهرًا تبدو تسير على ما يرام ..وفي إحدى الليالي عاد إلى البيت متأخرًا هالكًا من عبثه الليلي، رمى بنفسه على السرير، نام كعادته وهو لا يعلم.. استيقظ متثاقلا على صوت المنبه، كم يتمنى أنْ لا يعمل ولكنه من دون العمل لا يمكن أن يوفر متطلبات حياته.. توجه إلى النافذة أشاح الستارة ليدخل ضوء الشمس لمح كائناتٍ غريبة تمشي في الشارع، أعاد النظر مجددًا، أخرج رأسه من النافذة: يا للعجب إنّهم بشر، ما لهم يلبسون هذه الملابس المضحكة؟! ذهب إلى الحمام استحمَّ سريعًا، وتأنق ببدلةٍ فاخرة، سرّح شعره وتأكد من ثبات خصلاته كالدبابيس فوق رأسه.. نظر إلى ساعته محدّثًا نفسه: لعلّي تأخرتُ، ولكن لن أعجز عن أنْ أصل للعمل بالوقت المناسب سأقود سيارتي كالبرق وأصل حتمًا.. فتح باب منزله لم يكد يضع رجله خارجه، حتى وجد تلك الكائنات التي استهزأ بها قبل دقائق تأمره بالبقاء في البيت وتمنعه من الخروج بأمرٍ قضائي.. ــ ما هذا؟! أنا لم أفعل ما يخالف القانون؟! ــ ابقَ في البيت حرصًا على سلامتك ــ أنا بخير وصحتي جيدة، وسأطرد من وظيفتي إنْ تأخرت دعوني أذهب، ولماذا ترشون بيتي بالمبيدات مَن أذِنَ لكم؟! ــ ما بك يا هذا؟ إنّه الحجر الصحي ألا تفهم؟! هناك وباءٌ مستشري والناس تموتُ، ألم تسمع بكورونا؟ ونحن نرشُّ المعقمات في الأماكن العامة وليس المبيدات! ــ كورونا! ذاك اللعين لقد سمعت به، ولكنه فيروس انتشر في الصين بعيدًا جدًا، كيف وصل إلى مدينتي؟ توقعت أنَّه لن يصيبنا بسوء، بالتأكيد ستجدون له علاجًا، أليس كذلك؟ سَئِموا من الحديث معه .. ــ ليس له علاجٌ، اصمت والزم بيتك فقط، وإلا سيتم إلقاء القبض عليك من قبل الشرطة. صرخ محمود متسائلا: كم الساعة ينتهي حظركم هذا؟ عاد إليه أحدهم وقال له: لعله سيطول أيامًا أو أسابيعَ، لا نعلمُ فالأمرُ خطيرٌ٠ ــ لا استطيع البقاء لوحدي سأموت كمدًا ــ ألست مسلمًا؟! إذن أنت لست وحدك فمعك ربك، ألستم تقولون ذلك دومًا؟! -أنا .. ربي.. كيف عرفت أنّي مسلم؟! نظر الرجل باتجاه لوحةٍ صغيرة كان قد وضعها محمود على خجل في زاويةٍ فوق المدفأة وخرج من المنزل مسرعًا ملتحقًا برفاقه.. إنَّها هديةٌ يعتزُّ بها من أمّه تضمُّ صورةً للكعبة المشرفة. حدّق محمود بالصورة ممتعضًا وقال: ما زلت مسلمًا.. ما زالوا يروني مسلمًا رفس الكنبة بغضبٍ وجلس قليلًا.. شعر بالنعاس ففضّل العودة للنوم .. استيقظ قبل مغيب الشمس ناسيًا الأمر، متشوقًا لأكل وجبةٍ تسدُّ جوعه الشديد، ملأ معدته ونهض ليخرج، حينها تذكر أمر الحجر الصحي.. ضرب جبهته قائلًا: تبًّا لحظي التعيس، ولكن لعلهم غادروا المكان.. فتح الباب بهدوءٍ نظر بخفية، رآهم يحومون في الشوارع يذهبون وتأتي مجموعة أخرى تفرض على الناس البقاء في منازلهم. حدّث نفسه: يبدو الوضع خطيرًا حقًا، لم يخطر في بالي أنْ يحدث مثل هكذا يومٍ هنا.. ضرب الحائط بيده متململًا.. يا الهي سيحلُّ الليل وأنا لوحدي، هل نحن سجناء؟! كيف يعاملوننا بهذه الطريقة؟! رمى بنفسه على كرسيه الهزّاز، استرخى دقائق ثم عاد إليه الاضطراب.. أمسك بهاتفه وقرر الاتصال بصديقته الأقرب إلى قلبه لورا .. لن تخذلني ستقف معي في هذه المحنة. ــ حبيبتي أين أنت الآن؟ (حدّثها بلهفة) إنّي لستُ بخير، أرجو أنْ تأتي إليّ بأيةِ طريقة.. ــ لا يمكنني المجيء (أجابته ببرود) ــ لماذا لورا؟! أكاد أنْ أُجَن، أحتاجكِ بقربي ــ أنا أيضًا لست بخير، العالم كله ليس بخير وأنت تفكر بنفسك فقط، ثم إنني غادرت المدينة قبل إغلاقها ورجعت إلى بلدتي، لا أريد البقاء هنا.. (قالت بغضب) دمعت عينا محمود بصمتٍ، وشعر أنَّ قلبه يكاد ينصهر جرّاء صدمته من تصرفها الأناني.. أنهى المكالمة، وغاص بالأفكار عميقًا لبعض الوقت حينها تذكر صديقه أمجد، اتصل به مستبشرًا.. تأخر صديقه بالرد ألحَّ محمود بالاتصال، فأجابه مستعجلًا: ــ محمود إنني في كارثة، زوجتي مصابة بالفايروس ونحن جميعًا مشكوكٌ بسلامتنا، إنَّه يوم القيامة، إنَّ الله غاضبٌ علينا، وأغلق الهاتف بوجهه.. غضب محمود ورمى الهاتف بعيدًا، وارتعشَ من أم رأسه لأخمص قدميه.. ــ يوم القيامة! هاج صارخًا لوحده في ظلمة الليل جَلجَل سكون منزله الموحش أيُّها المخادعون.. الآن يذكرون يوم القيامة.. الآن يتحدثون عن غضب الله، وهم من سلبوا مني إيماني وقالوا: كلُّ ما لا نراه لا نؤمن به.. كلُّ رجالِ الدين كاذبون وسارقون ومخادعون.. كلُّ مشاكلنا وآلامنا يخلصنا منها العلم.. وكلُّ أحلامنا يحققها لنا التطور.. وماذا بعد؟ وما النتيجة؟! أسجنُ في بيتي خشية فيروس حقير أعجز البشرية بأجمعها.. ولكنكم آمنتم به الآن .. وتريدون مني أنْ أؤمن به أيضًا.. اللعنة عليكم.. يتبع..

اخرى
منذ شهرين
141