أفلا تكون عبدًا شكورًا؟!

بقلم: شمس الغدير الجبوري في بيتها الصغير المتواضع الذي لا يتجاوز الـ٦٠ م٢، تحاولُ أمُّ جعفر أنْ تجعله بيتًا ينبضُ بالحياة. فهي تنظرُ من منظورها أنَّ السعادة لا تكمن في القصور الفارهة، فكمْ من هذه القصور لا تدبُّ بها الحياة، خاوية على عروشها، قد تحولت جُدارنُها إلى سجنٍ كبير. هي تؤمن أنّ البيت الذي يملأُه الحُب والحنان والألفة حتمًا سيغدو قصرًا نيّرًا. كالمعتاد، وفي كُل يوم تقفُ في مطبخِها الصغير جدًا المطلي بطلاءٍ بنفسجي فاتح اللون، الباعث للطاقة الإيجابية، حامدةً الله (تعالى) وشاكرةً فضله وإحسانه. ذلك المطبخ الذي تفوحُ منه رائحةُ الأطعمة الشهيّة المُتبّلة، تلك الرائحة الطيبة التي تُداعبُ أنفَ كُلّ من يدخله. تعملُ وتستمعُ، وترددُ مع قارئ القرآن وهو يرتل سورة الواقعة في كلِّ ليلةٍ عند تحضيرها وجبة العشاء. تشعرُ أنَّ لذلك الاستماع أثرًا طيبًا على نفسها، فكانت تقول لصديقاتها وجاراتها كلّ يومٍ: أعطِّر وأطهِّر البيت بقراءة القرآن بدلًا من رشِّ الملح في زواياه.. وذاتّ يومٍ وأثناء انشغالها بتحضيرِ الطعام وإذا بولدها جعفر يدخل، رمقته بنظراتها متعجبة! وقد اغرورقت عيناه بالدموع، ووجهه مصفرٌ شاحبٌ تبدو عليه علامات الاكتئاب! وعلى ما يبدو أنّ ذلك من آثار الحجر المنزلي بسبب جائحة كورونا؛ وقد اعتاد جعفر على الركض ولديه شغف بلعبة كرة القدم. سألته قائلة: ما بك عزيزي جعفر لِمَ تبدو بهذا الشكل؟! جعفر : أمّي أشعر بالمللِ والضجر دعيني أخرج قليلًا إلى الشارع، عسى أنْ أجد أحدًا من أصحابي؟ أجابته وعلى ملامحها ابتسامةٌ لطيفة وهي تمسح بيدها على رأسه: لا يا حبيبي، فالوضع كما ترى وتسمع ليس على ما يرام، ولكن دعنا نتكلم قليلًا. على الرغمِ من كونك صغيرًا ولست مُكلفًا بعد ولكن أنت مؤمنٌ إن شاء الله (تعالى)، ولا ينبغي للمؤمن يا عيناي أنْ يُقابل نِعم الله (تعالى) بالمللِ والضجر والتأفف، بل لابدّ من عملٍ مفيدٍ يُنظِّم وقتك، ويكسر لديك هذا الحاجز المصطنع من التذّمر. ولكَ في أختك حوراء أسوة، شاهد كيف هي تُنظِّم وقتها بين الجدِّ واللعب ، فقد خصصت وقتًا ونظّمت جدولًا لتعلّم كتاب الله (تعالى) قراءةً وتدبرًا وحفظًا. وما دمت في بحبوحةٍ من العيش ولم تَذُقْ طعم الضنك فأحمد الله (تعالى) واشكره على نعمه المتتالية, وآلائه المتوالية, وعطاياه التي لا تُعد ولا تحصى .. وأذكر لك يا حبيبي، أنَّ إبليس اللعين عندما أمره الله (تعالى) بالسجود لآدم أبى واستكبر وكان من العاصين لله (تعالى) وأخذَ بالمعاندة والتّوعد بقوله: "قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ". ولا تجد أكثرهم شاكرين لله (تعالى)؛ وذلك لابتعادهم عن التوحيد وإيقاعهم في دائرة سوء الظن بالله (تعالى). واعلم يا قرةَ العين أنَّ في هذه الدنيا لن يكون إنسانٌ بمنجى من مواجهةِ المُنغِّصات كالاحتياجات والأمراض والعداوات وأنواع الحسد وغيرها، وفي نهاية المطاف الموت الذي لابدّ منه. فلا يستطيع إنسانٌ أنْ يهربَ من هذه الحياة! وليس له إلا الصبر وانتظار الفرج وذكر الله (سبحانه) وشكره على أيّ حالٍ يمرُّ به، وأُذكِّرُك وأذكِّرُ نفسي أنَّ الانقطاع عن الله تعالى هلاك الدنيا والآخرة .. لقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته كثيري العبادة والخضوع والتهجد على الرغم من معرفة مكانهم في الجنّة، فقد ورد عن الإمام السجاد (عليه السلام) قوله: "إنَّ جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله و) قد غَفر الله (تعالى) له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فلم يدعِ الاجتهاد، وتعبّد ـ بأبي هو وأمّي ـ حتّى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبدًا شاكرًا؟ جعفر: فعلًا يا أمي، لقد بعث كلامكِ إليّ الراحة والسكينة، وأعدُكِ بعدم تكرار هاتين الكلمتين (الملل والضجر) الأم: أحسنت يا قرةَ عيني، يبدو أنَّ الطعام قد جهز، بعد قليل سأحضره لكم، ولكن ما رأيك أنْ تصعد إلى سطح المنزل تتوجه نحو القبلة تدعو الله (تعالى) بالفرج، وتُسلِّم على الإمامين الكاظم والجواد (عليهما السلام)، وأنت تشاهدُ القبتينِ والمنائر، تأملْ في شموخها على مدى السنين وخلودها، وما السرُّ في ذلك الشموخ والخلود؟ جعفر : نعم يا أمّي سأصعد إن شاء الله.. وقد بدت على وجهه ملامح الرضى والابتهاج والانشراح ..

اخرى
منذ أسبوع
100

الغزو الثقافي وتداعياته على الفئة الشابة/ الجزء الرابع

بقلم: دعاء الربيعي نرى الشبابَ اليوم مغترين بشبابهم وقوتهم ظنًا منهم أنها تدوم، فتراهم يرتكبون المعاصي ويتبجحون بها غير مبالين بما يقال عنهم، لكن ليعلموا أنّ هذا الشباب فانٍ، وهذه القوة زائلةٌ لا بد لها من الأفول يومًا ما. وآنذاك لن ينفع الإنسان إلا أعماله الصالحة، كما ورد في الحديث الشريف: "اغتنم خمسًا قبل خمسٍ: شبابُك قبل هرمك، وصحتُك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" وعلى الرغم من قوة الشباب ونشاطهم في هذه المرحلة، إلا أننا نجد تثاقلًا من بعضهم عن أداء الفرائض خصوصًا الصلاة لا سيما صلاة الصبح، فتراهم يسهرون طوال الليل، وبالتالي يصعب عليهم أداؤها في وقتها المخصص. كما نجد تكاسلًا عن قراءة القرآن الكريم، مما يتوجب علينا حثهم دائمًا على العبادات، وترغيبهم بها وبالثواب المترتب عليها، وتذكريهم بالعقوبة المترتب على التهاون في أدائها. كما ينبغي استثمار هذه المرحلة من العمر في السعي إلى إتقان مهنة أو كسب تخصّص، وإجهاد النفس والكدح لأجله؛ فإنّ فيه بركاتٍ كثيرةً يشغل به الشاب قسمًا من وقته، فيقضي على الفراغ، وينفق به على نفسه وعائلته، فينفع به مجتمعه، ويستعين به على فعل الخيرات، ويكتسب به التجارب التي تصقل عقله وتزيد خبرته، ويطيب به ماله، لأنّ المال كلّما تعب الإنسان في تحصيله أكثر كان أكثر طيبًا وبركةً. كما أنّ الله (سبحانه وتعالى) يُحبّ الإنسان الكادح الذي يُجهد نفسه بالكسب والعمل، ويبغض العاطل والمهمل ممّن يكون كلًا على غيره، أو يقضي أوقاته باللهو واللعب. فلا ينقضينَّ شباب أبنائنا من دون إتقان مهنة أو تخصّصٍ؛ فإنّ الله (سبحانه) جعل في الشباب طاقاتٍ نفسيّةً و جسديّةً ليكوّن المرء من خلالها رأسُ مالٍ لحياته، فلا يضيعنّ بالتلهّي والإهمال. نرى اليوم الكثير من الشباب المسلم عاطلاً عن العمل بحجةِ عدم توفر الفرص المناسبة، أو لأن الأهل هم من ينفقون على الشاب، وهذا أحد الأسباب التي تؤدي بالشباب إلى الضياع؛ فالشاب الذي ليس لديه ما يشغل به وقت فراغه، تراه يتصفح مواقع التواصل بلا فائدة وبلا هدفٍ يُذكر، وبالتالي يؤدي ذلك إلى انحرافه عن جادة الصواب. أما إذا شغل وقته بعمل أو بوظيفة نافعة يكسب منها رزقًا حلالًا يُنفق منه على نفسه وعلى أسرته، فلا يشعر بالممل أو الضجر؛ لذلك حفزوا أولادكم العاطلين عن العمل وخصوصًا الشباب على البحث عن عمل أو وظيفة ما. وأما بالنسبة للفتيات، فما أجمل تعليمهن بعض الأعمال اليدوية مثل الخياطة أو الحياكة أو غير ذلك من الأعمال اليدوية، خصوصًا في فترة العطلة الصيفية ليشغلن بذلك وقت فراغهن بها، بدل أنْ تهدر معظم وقتها أمام شاشة التلفاز وما يبث من مسلسلات وأفلام تشوّه عقل البشر، أو في تصفح مواقع الإنترنت الخادعة. ومما تنبغي الإشارة إليه: أن ليس جميع البرامج التلفازية أو المواقع التواصلية هي غير مفيدة، لكن الاستعمال الغالب لها هكذا، فلا بأس أن تشاهد الفتاة أو الشاب بعض المسلسلات الهادفة التي لا يوجد فيها وفي سياق أحداثها ما يُخلُّ بالحياء والعفة، ولا بأس بأن يتصفحا بعض المواقع المفيدة ليتعلما بعض الأمور، ولاسيما بالنسبة إلى الفتيات بعض التطبيقات التي تتضمن الكثير من الأفكار المنزلية الرائعة والوصفات وغير ذلك. ومن الضروري جدًا تحبيب الالتزامات إلى الشباب وتبغيض النواهي إليهم بطريق الترغيب وبلغة العصر وبما تميل إليه أنفسهم، كتوجيههم إلى الالتزام بمكارم الأخلاق وتجنّب المذموم منها، عن طريق بيان أنَّ ما من سعادةٍ وخيرٍ إلا ومبناها فضيلة، وما من شقاءٍ وشرٍ ــ عدا ما يختبر الله (تعالى) به عباده ــ إلاّ ومنشؤهُ رذيلة. والأخلاق الفاضلة: هي العفاف في المظهر والنظر والسلوك، والصدق في القول، والصلة للأرحام، والأداء للأمانة والوفاء بالعهود والالتزامات، والحزم في الحق، والترفع عن التصرّفات الوضيعة والسلوكيّات السخيفة. وأما الأخلاق الرذيلة: فالعصبيّات الممقوتة، والانفعالات السريعة، والملاهي الهابطة، ومراءاة الناس، والإسراف عند الغنى، والاعتداء عند الفقر، والتبرّم عند البلاء، والإساءة إلى الآخرين، ولا سيّما الضعفاء، وهدر الأموال، وكفران النعم، والعزّة بالإثم، والإعانة على الظلم والعدوان، وحبِّ المرء أنْ يُحمد على ما لم يفعله. ولا بُدَّ للمرء لكي يضمن من نفسه التحلّي بالأولى والتخلّي عن الثانية من الالتزام ببرنامج محاسبة النفس، بدءًا بمشارطتها ومراقبتها ومحاسبتها وانتهاءً بمعاقبتها إن هي لم ترتدع إلا بها. وعلى الرغم من أنَّ العفاف خلقٌ يجب أن يتسم به الشاب والشابة على حدٍ سواء، إلا أنّها للفتيات أهم؛ فإنّهن لظرافتهن أكثر تأذّيًا وتضرّرًا بالسلبيات الناتجة عن عدم الحذر تجاه ذلك. فلا ينخدعن بالعواطف الزائفة ولا يَلِجن في التعلُّقات العابرة مما تنقضي ملذّتها، وتبقى مضاعفاتها ومنغّصاتها. فلا ينبغي للفتيات التفكير إلاّ في حياةٍ مستقرّة تملك مقوّمات الصلاح والسعادة. وما أوقر المرأة المحافظة على ثقلها ومتانتها المحتشمة في مظهرها وتصرفاتها، المشغولة بأمور حياتها وعملها ودراستها! فلا تنخدعي أختي المؤمنة وخصوصًا أنتِ الشابة التي تذهبين للجامعة أو مقرِّ عملكِ، ولا تغتري بالموضة في ارتداء الحجاب والملابس؛ فإنّ هدف الغرب هو إماتة اللباس والزي الإسلامي وتبديله بأزياءٍ غربية تُحاكي الموضة وتجعل من جسمكِ عرضةً للآخرين. وتأملي أخيتي الفاضلة بالفاكهة، فإنّكِ تفضلين ما كان بقشره منها على منزوع القشر؛ لاحتمال تعرض الأولى إلى التلوث والأتربة وما شابه ذلك. وكذلك الشاب المؤمن لو فكّر في الزواج حتمًا سيختار المرأة العفيفة الطاهرة التي لم تُبرِز مفاتنها أمام الآخرين. كما لا تغفلي عن الاهتمام بتكوين الأسرة بالزواج والإنجاب من دون تأخير؛ فإنّ ذلك أنسٌ للإنسان، وباعثٌ على الجدّ في العمل، وموجبٌ للوقار والشعور بالمسؤولية، واستثمارٌ للطاقات ليوم الحاجة ووقايةٌ للمرء عن كثيرٍ من المعاصي المحظورة والوضيعة حتى ورد: أنّ من تزوّج فقد أحرز نصف دينه. وهو قبل ذلك كلّه سُنّةٌ من أوكدِ سنن الحياة، وفطرةٌ فُطِرت النفس عليها، ولم يفطم امرؤ نفسه عنها إلاّ وقع في المحاذير، وابتلى بالخمول والتكاسل. وبالنسبة إلى الشباب، فلا يخافنّ أحدكم فيه فقرًا فإنّ الله (سبحانه) جعل في الزواج من أسباب الرزق ما لا يحتسبه المرء في بادئ نظره. وليهتم بخلق من يتزوجها ودينها ومنبتها، ولا يبالغن في الاهتمام بالجمال والمظهر والوظيفة؛ فإنّه اغترارٌ سرعان ما ينكشف عنه الغطاء عندما تُفصِحُ له الحياة عن جدّها واختباراتها، وقد ورد في الحديث التحذير من الزواج بالمرأة لمحضِ جمالها. وليعلم أنّ من تزوّج امرأة لدينها وخُلُقها بوركَ له فيها. ولتحذر الفتيات وأولياؤهن من ترجيح الوظائف على تكوين الأسرة والاهتمام بها، فإنّ الزواج سُنّة أكيدة في الحياة، وأما الوظيفة فأشبه بالنوافل والمتمّمات، وليس من الحكمة ترك تلك لهذه. ومن غفل عن هذا المعنى في ريعان شبابه ندم عليه عن قريبٍ حين لا تنفعه الندامة، وفي تجارب الحياة شواهد على ذلك. ولا يحقُّ لأوليائهنّ عضلهن عن الزواج أو وضع العراقيل أمامه بالأعراف التي لم يلزم الله (تعالى) بها، مثل الغلاء بالمهور، والانتظار لبني الأعمام أو السادات، فإنّ في ذلك مفاسد عظيمة لا يطلعون عليها. وليُعلم أنّ الله (سبحانه) لم يجعل الولاية للآباء على البنات إلاّ للنصحِ لهن والحرصِ على صلاحهن، و من حبس امرأةٍ لغير صلاحِها فقد باء بإثمٍ دائم ٍ ما دامت تعاني من آثار صنيعه وفتح على نفسه بذلك بابًا من أبواب النيران. لذا نأمل من أعزِّتنا شباب اليوم، ورجال المستقبل أن يكونوا على قدر المسؤولية التي أُنيطت بهم؛ فهم عماد أُمة الإسلام وسِرُّ نَهضتها، ومَبعث حضارتها، وحاملو لوائها ورايتها، وقائدُو مَسيرتها إلى المجد والنصر. فأنتم أيُّها الشباب أغلى ما تمتلك الأمة، فالأمم تمتلك كثيراً من المقدرات: مقدرات اقتصادية، عسكرية، ومقدرات جغرافية، إنسانية وأغلى ما تمتلك الأمة من المقدرات الإنسانية هم الشباب. فإذا أردت أن تعرف مستقبل أيّ أمةٍ فلا تسَلْ عن ما تملك من أموال وثروة، بل انظر إلى شبابها واهتماماتهم، فإذا رأيته شبابًا متدينًا يُفدي نفسه من أجلِ نصرة معتقده ودينه ومقدساته كما هو حال بعض شباب العراق الباسل الذي التحق للدفاع عن تراب بلده من دنس الحاقدين، فاعلم أنّها أمةٌ جليلةٌ الشأن، قويةُ البناء، لا تُهزم بسهولةٍ، ولن تستسلم للطغاة أبدًا. وإذا رأيته شبابًا هابطَ الخلق، منشغلًا بسفاسف الأمور، يتساقط على الرذائل فاعلم أنّها أمةٌ ضعيفةٌ مفككةٌ، سرعان ما تنهار أمام عدوها. ونحن إنْ شاء الله (تعالى) أمةٌ قويةٌ بإيمانها وبشبابها الواعي الذي يُحارب أعداء الله ليظفر بالنصر الذي بات قريبًا. وأخيرًا أوجِّه رسالتي إلى المربين وأقول لهم: اتقوا الله في فلذات الأكباد، ولا يقودنكم الغضب لظلمِ أبنائكم والإساءة إليهم والتفريط بهم، ثم تطلبون صلاحهم وطاعتهم، فذلكم النقيض وضده، ولا يلتقي النقيضان. وربما كان هناك آباء فقدوا زمام التربية وتركوا أولادهم دون مراقبة، فانحلّوا، وضاعوا، ولم ينصاعوا لأوامر آبائهم. أخواتي إخوتي، إنّ الغيور ليتساءل: كيف لأبٍ أو أمٍ أنيطت بهما أمانة عظيمة ينامان قريري العينين، يكتحلان بالنوم ملء جفنيهما، وأبناؤهما خارج منزلهما. فلا بُدَّ من رعاية الشباب والناشئة ومراقبتهم مراقبةً جدية، والتقرب منهم وكسبهم كأصدقاء ليتحدثوا إليكم عن مشاكلهم وما يجول في خواطرهم من أسئلة وأفكار. كما يتوجب عليكم أنْ تُرشدوهم إلى الطريق الصحيح الواضح حتى يكونوا نواةً صالحةً لدينهم ومجتمعهم، ولا يكونوا عالةً على المجتمع، ولا يشوّهوا صورة الإسلام والمسلمين ولا تتزعزع عقيدتهم بدينهم. فاتقوا الله معشر العباد، واحفظوا وصية الله (تعالى) إيّاكم في الأولاد، وتذكروا موقفكم يوم المعاد: " يَوْمَ لاَ يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ". فأنتم مسؤولون عن انحراف الشباب، ومُحاسبون على تربيتهم أمام رب الأرباب. اللهم انفعنا بالقرآن الكريم، وبهدي النبي العظيم، واجعل شبابنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اخرى
منذ أسبوع
71

نَشْكُو إِلَيْكَ...

بقلم: ضحى المهدي ربّاه.. الرَّوْحُ فَسّختْها بَكتريا الذُنُوب.. وهذهِ العيُونُ ستعمى إذا لم تَبكِ.. والقَلْبُ.. القَلْبُ يا ربّـاه قد رانَ عَلَيه مُذْ آخرُ ليَّلةٍ مِنْ شهرِ رَمضان.. أكادُ لا أحصي عَددَ المراتِ الّتي قُلتُ لكَ فيها: أن تأخُذني إليه، ورئتاي متهالكة.. سيُعيد هو ترميمها.. إذا لم يُمت جسدي الوَباء.. سأموت كَمَدًا عليهِ.. ستحرقُني نارُ البُعْد.. بقيَ القَليِلُ لعَاشُورَاءَ، ولا زِلْت بعيدةً.. ربّـاه.. كلّ هذهِ السَّنوات مِن البُعْد وَوَشَقْتني في فلاةِ المُذنبين.. عَاقَبْتَهُم بالبُعْد لِعدّةِ أشهر.. وَعُقُوبَاتي تكأكأت على روحٍ هَزِيلة.. أَيُّها العَادِل رَحمَتُك.. ربّاه.. أنا أَعْلمُ بأنّ ذُنُوبَنَا سَوَّدت وُجُوهَنا.. أسقَطتنا مِنْ عَيِّنك، وأَخْرَجَتنا مِنْ فَضَاءِ رَحَمتك.. لك العُتْبَى.. عُقُوبَتنا تَبكي لها السَمَاوات والْأَرْض.. صُعِقت لها الْجِبَال.. هذا الجَوَى سيُهلِكنا.. بتنا نَجهَضُ قُلُوبنا كلما تذكرنا أننه رُبما نُحْرم من رَائِحة اللَيَالي العَشْر.. من أَصْواتِ المواكب.. من تَجْهِيز النذورات، تشابيه الرَّضِيع... لا إله لنا إلاكَ إلىٰ منْ نشكو وجعنا؟ إلى من نَشْكو وَجع الفراق هذا.. ربّاه لا تَحرِمنا من الحُسين.. مِن البكاءِ عَليه.. مِنَ الجزعِ لمصابهِ.. يا رَبّنا الحَبيب، يَمينٌ مُغلّظة نَحنُ نَعيش لهُ ومِنْه.. يا واهبَ الهواء وَالحياة، أوَ تأخذُ مِنا كلّ ما نملكُ مِن هواءٍ وَحَياةٍ وَمأوىٰ، خَيمتنا وَرُوحنا، وَدُنيانا وَآخِرَتنا؟ ربّاه إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ.

اخرى
منذ أسبوع
91

تمزّقَ ثوبَ عيدي

بقلم: حنان الزيرجاوي حلمٌ ظلَّ يُراودُ مُخيّلتي، ويكادُ يُطيّر النومَ من جفوني بانتظار الصباح التالي، الكلّ في حركةٍ نشطة، يُجهِّزُ نفسَه وملابسه الجديدة، ويُجهِّزُ حلويات الضيافة وأنا منهم، إذِ اشترى لي أبي ملابسَ مزركشةً بالألوان الزاهية، فقد كانت لي الحظوةُ لديه؛ لأنّي آخرُ العنقود، وأمّي تحاولُ أخذها مني وتعِدُني أنّها ستلبسنيها صباحًا حال استيقاظي من النوم. كنتُ أنتظرُ الصباحَ والشوقُ يحرقُ أوصالي؛ لأنّي لم أفهم حينها ما هو العيدُ لصغرِ سنّي، لكنّي الآنَ انتظرُه بلهفة، حتى وددتُ لو لم يكنْ هناك ليل. في تلك الليلةِ كان صوتُ أبي يعلو بالدعاء كأنّه سيمفونية.. مترنمًا بتلك الكلماتِ الجميلة من الأدعية، وكانت أمّي في حركةٍ دائبةٍ رغمَ انتصاف الليل، وكنتُ أستعجلُ الزمن لأحظى بعدَ تقبيلِ يدِ أبي بالعيدية.. تطرقُ سمعي همهماتُ أمّي وهي تُخبِرُ أبي عن فرحتي بالعيد، وتُشبِّهُ ضحكاتي بحباتِ ماءٍ تناثرت على وجهي الطفولي، فجأةً شعرتُ بيدين تلامسان وجنتي بلُطفٍ وتحنو لترسمَ قبلةً كانت تختلفُ هذه المرة عن كلِّ القُبُلات السابقة، لم أشعِرْهُ بأنّي لم أستطع النومَ بعد. آهٍ.. لم أكنْ أدركُ أنَّ هناك شبحًا يُمكِنُه أنْ يخطفَ البسمةَ من الشفاه، ويحوِّلها إلى صرخاتٍ وآهات، لم أكنْ أدرِكُ أشياءً مؤلمةً كثيرةً يُمكِنُ أنْ تحدثَ دون سابقِ إنذار، تُفسِدُ أصفى لحظاتِ سعادتِنا وفرحنا البريء.. نعم، سبقني ذلك الشبحُ ليخطفَ تلك الروح التي كانتْ سرَّ سعادتي بوجودي في الحياة، ففي ساعاتِ فجرِ العيد يصلُ مسامعي صراخُ أمّي بتلك الشهقةِ التي زلزلتْ هدوءَ السكون، وهي ترجوه أنْ يبقى، تنادي عليه ليتوقف، شعرتُ بأنفاسي تضطربُ وجسدي يرتجفُ كسعفٍة في ريحٍ عاصف، شُلَّ تفكيري، وكادَ قلبي أنْ يتوقفَ عن الضربات، الرؤيةُ انعكست عندي اتجاهاتها، رافضةً الثبات، انتابَني شعورٌ بالخوفِ والضياع، وداهمَني عجزٌ تام عن الحركة، ومرّتْ سريعًا ذكرى ثوبِ العيد.. بدا لي ممزقًا.. وبهتت ألوانُه الزاهية إلى حدِّ السواد، لا.. لا أريدُ أنْ أرى ثوبَ عيدي وقد تمزّقَ قبلَ أنْ ارتديَه؛ لأنّ أبي لن يكونَ هنا بعدَ الآن.. فقد فارقَ الحياة.

اخرى
منذ أسبوع
118

خاطرة

أيُّها الإنسانُ، يا من حَباكَ اللهُ (تعالى) بنعمةِ العقلِ ومنحَكَ القُدرةَ على التفكير، وجعلكَ في عالَمٍ تَطّلعُ فيه كلَّ يومٍ على مزيدٍ من الروعةِ والتقنين. استثمر وقتَكَ فيما يُرضي الله (سبحانه)، كي تسلمَ من حريقِ الآخرة، وتنعمَ بجنةٍ عرضُها السمواتِ والأرضِ أعدّها ربُّكَ للمُحسنين.

اخرى
منذ أسبوع
99

هل ضحّيتَ بإسماعيلك؟

بقلم: وفاء لدماء الشهداء صحراءُ قاحلةٌ، أرضٌ جرداء، لا زرعَ فيها ولا ماء، شدَّ إليها الرحال أبٌ وأمٌّ وطفلهما الوحيد، الذي انتظراه منذُ زمنٍ بعيد.. وهناك تركَ الأبُ الشفيقُ زوجَه وطفلَه الرقيق، وقفلَ راجعًا وهو يلهجُ: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ". وما هي إلا لحظاتٌ حتى كوتْ شمسُ الحجازِ الحارقةُ الأمَّ ووليدَها، وأضرَّ بهما العطش، فانطلقتْ تسعى بحثًا عن الماء في تلك الصحراء، وكُلُّها ثقةٌ بربِّ الأرضِ والسماء الذي اختار لها هذا البلاء، وإذا بربِّ العالمين يُكافئُ تلك الأمةَ المُطيعة المُضحية، فيفجرَ بئرَ زمزم ويتدفقُ الماءُ كأغلى هدية. وتأتي الطيورُ وتصيرُ أرض التضحياتِ مهوى الأفئدة، ويكبرُ الصغيرُ، ويشتدُّ عودُه ويتألقُ شبابُه، وتكبرُ أحلامُ الأمِّ الصابرة فيه... ويأتي الأبُ من جديد؛ ليرى عظيمَ صنعِ الله (تبارك وتعالى) بعبادِه المُخلصين، وأوليائه المُضحين، فيرفع القواعدَ من البيت بمعيّةِ ولدِه الذي تركَه قبلَ سنين. وتأتي لحظةُ اختبارٍ أخرى لم يُخفِ القرآنُ هولَها حتى أسماها البلاء المبين، تلك اللحظةُ التي رأى بها الأبُ أنَّ عليه أنْ يضحيَ بفلذةِ كبدِه وحلم عمره على مذبحِ الحُبِّ الإلهي، "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ". ما أروعه من عبدٍ قد تشرَّبَ الحُبَّ والطاعةَ من أبيه لينجحَ في هذا الاختبار العسير كما نجحَ أبوه وأمَّه من قبل. ويمسكُ الأبُ الشفيقُ السكينَ ليضعَها على رقبةِ ولدِه ليحزَّ بها جلدَه الرقيق، ليُسكِتَ أنفاسَ الأمل الذي انتظره طويلًا، لحظةٌ شديدةٌ عسيرةٌ مرّت على الأبِ وابنِه أظهرا فيها منتهى الطاعةِ والحُبِّ والتفاني والإيثار والإخلاص. ولكن شاءتْ إرادةُ الله (تعالى) أنْ تفقدَ السكينُ خاصيّةَ الذبحِ تمامًا كما فقدتِ النارُ خاصيّة الإحراق منذُ سنين خلتْ عندما كانَ الأبُ يخوضُ أصعبَ اختبار. ويأتي النداءُ الإلهي مُفعمًا بالبشائر: "...وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ *قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ* وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ *وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ *سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ". قصةٌ نذكرُها في كلِّ أضحى، لتنطلقَ العقولُ والقلوبُ بالتفكرِ والتأمل في معانيها وأسرارها وألطافها. وهي قصةٌ تعنينا جميعًا، فقصةُ تضحيةِ نبيّ اللهِ إبراهيم (عليه السلام) بولده إسماعيل (سلام الله عليه) وصبر أمِّه هاجر، لم تكنْ يومًا للتسليةِ والترفيه، وإنّما لأخذِ الدرسِ والعبرةِ والتنبيه. إنَّ هذه القصة تنطقُ فتقول: إنّ الابنَ هو رمزٌ لأغلى ما يُمكِنُ أنْ يملكَه الإنسانُ في الحياةِ، كيف لا وهو فلذةُ الكبد، وقطعةٌ من الروح والجسد، تتعلقُ به القلوب والألباب، ويُخاضُ من أجلِه في غمراتِ المِحَنِ والصعاب، فيا تُرى كيفَ استسهلَ النبيُّ إبراهيم (عليه السلام) ذبحَ ولدِه؟ وما هو الشعورُ الذي خالجَه عند إمرارِ السكينِ القاطع على رقبته؟ وكيف استسلمَ الابنُ لإرادةِ ربِّه وخالقه؟ وكيف استقبلتِ الأمُّ كلَّ ذلك؟ حقائقُ ينبغي أنْ نُمعنَ فيها النظر، ونطيل فيها التأمّل والتفكر، لنرى سرَّ التسليم والصبر. إنّه الحُبُّ الإلهي الذي ملأ شغافَ القلوب النقيّة الطاهرة، هو الذي يجعلُ كلَّ عسيرٍ يسيرًا، فيهونُ الفقدُ وتصغرُ التضحيةُ، ويعظمُ الخالقُ (عز وجل) فتُفدى له كلُّ الأشياءِ مهما كانت نفيسةً عزيزةً. واليوم ونحنُ نعيشُ أجواءَ عيدِ الأضحى المُبارك الذي يُذكّرُنا بقصةِ التضحيةِ والفداء، ويرسمُ لنا صورةَ الحُبِّ الأوحد لله (تعالى) وإيثارَ طاعتِه ورضاه في الشدِّة والرخاء، ألا يجدرُ بنا أنْ نقفَ مع أنفسِنا وقفةَ تأملٍ لنتساءلُ: تُرى هل ضحّينا بإسماعيلنا؟ هل نحرنا على مذبحِ الحُبِّ الإلهي كلَّ تعلقاتِنا؟ هل أفرغنا قلوبَنا لخالقِنا؟ هل حبُّه وقربُه ورضاه هو المُسيطر على أفئدتِنا؟ هل رضاه هو مُنانا وغايةُ آمالِنا؟ تُرى هل نستطيعُ الانتصارَ على النفسِ كما انتصرَ إبراهيمُ وإسماعيلُ وهاجر؟ هل يُمكِنُ أنْ نضحيَ بالمحبوباتِ والمرغوباتِ وكلِّ المُتعلقاتِ من أجلِ المحبوبِ الأكبر؟ أسئلةٌ ينبغي أنْ نُكرّرَها في كلِّ عامٍ، ومع كلِّ ذكرى أضحى، لنرى أينَ نحن؟ وفي أيّ طريقٍ نسيرُ؟ وما هو موقعُنا على خريطةِ الحُبِّ الإلهي؟ لنُكمِلَ بعدَها المسيرَ على بيّنةٍ من أمرِنا إنْ شاءَ اللهُ (تبارك وتعالى).

اخرى
منذ أسبوع
222

بدايةُ النهاية

بقلم: شفاء طارق الشمري في الكوفة: بعدَ كثرةِ الهتافاتِ التي تعلو بذكر الحسين (عليه السلام)،ومبايعة أهل الكوفة لمسلم، كتب الأخير قائلًا: "أما بعد: فإنَّ الرائدَ لا يُكذِبُ أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا، فعجِّل حين يأتيك كتابي فإنّ الناسَ كُلَّهم معك، ليس لهم في يزيدَ بن معاوية رأيٌ ولا هوى" هذا ما خطّه مسلمُ بن عقيل في رسالتهِ التي تحملُ بين طيّاتِها معاني الأمل والتشجيع على المبادرة بالعمل والتوجه نحو الكوفة. تغادرُ هذه الرسالة الكوفة لتصل بين يديّ الحسين (عليه السلام).. في مكةَ: ينتظر الإمامُ رسالةَ سفيره مسلمٍ ليُعلِمَه فيها بأوضاعِ الكوفة. رأى الإمامُ في الرسالة صوتَ الهتافِ يعلو من بين أسطرِها، ولهفةَ الناس وهي تدعوه: أنْ أقبل علينا. يشدُّ أبو عبد الله الرحال، ويستعدُّ للسفر؛ ليلتقيَ بابنِ عمِّه الوفي، وبشيعته المنتظرين قدومه بفارغ الصبر واللهفة.. في الكوفة: مسلمٌ يقول في رسالته للحسين (عليه السلام): "ثمانية عشر ألفًا"، لكن لماذا نجدُ مع الحسين (عليه السلام) أقلَّ من مئة؟ أين ذهبت تلك الألوف؟ الحسينُ قادمٌ إلى الكوفة، ومسلمُ يستعدُّ لاستقبالِ ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).. لكن ما بين ليلةٍ وضحاها، يلتفتُ مسلمُ إلى الثمانيةِ عشر ألفًا الذين كانوا معه، والذين قد أخبر الإمام الحسين (عليه السلام) عنهم، فلا يجد منهم أحدًا.. يلتفتُ ليجدَ نفسه وحيدًا تحتَ سماءِ الكوفة.. لكن كيفَ تفرّقت عنه هذه الجموع الكثيرة؟ كيف تخلّوا عنه؟ ماذا عن تلك الكلمات؟ وتلك الهتافات بـ "لبيك يا حسين"؟ مسلمُ الذي كانت معه تلك الآلاف تسيرُ خلفه وتهتفُ باسم "الحسين" وتستعدُّ لأن تُفدي ابن الرسول بنفسها، لكن ... اليومَ تفرقتْ بإشارةٍ من ابنِ مرجانة ببريقِ لمعانِ الذهب يبيعُ أشباهُ الرجالِ دينهم ومروءتهم وحميتهم ها هو مسلمُ يسيرُ وحيدًا في ليلةٍ قمريةٍ في الكوفة حيثُ اعتلى القمرُ السماءَ وبرقَ بين النجوم كان مسلمُ ينظرُ إليه فيتذكر القمرَ المُشعَّ في مكة وفي بني هاشم "أبا الفضل العباس" هدوءٌ، وسكونٌ، وكأنّه يسيرُ في مقبرةٍ موحشةٍ، غربةُ ألمٍ في الكوفة "الكوفةُ" تلك العجوزُ البائسةُ والغادرةُ بأهلِها، تُصفِّقُ وتُرحِبُ بكلِّ من يأتيها، ولا تعرفُ الحقَّ من الباطل، وتقلب الباطلَ إلى حقٍّ فتُضلّ أهل الحقيقة كان مسلمُ ينظرُ إلى الكوفةِ ببأسٍ، ويتوعَّدُ ما سيجري عليها بالويل والثبور لكنّه ترك أمرَ غربتِه جانبًا وسيره وحيدًا في أرجاء الغربة وردّد قائلًا "الحسين" هل وصلت الرسالة إليه؟ مكة: الحسينُ (عليه السلام) يتركُ مكةَ ليذهب إلى شيعته الأوفياء، لكن أيّ وفاء؟! الأوفياءُ الذين باعوه وباعوا دينهم وباعوا سفيرَ إمامِهم الحسين (عليهما السلام). الحسينُ يودِّعُ الكعبةَ بعد أن ودّع قبلاً قبرَ جدِّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) الحسينُ قيل له: بايعْ يزيدَ، قال بقوة وشموخ ولم يهاب أحدًا: "مثلي لا يُبايع مثله". الكوفة: أرادَ مسلمُ أنْ يوصل رسالةً للحسين (عليه السلام) يُخبره فيها بعدم وفاء أهل الكوفة الذين غدروا به وحتمًا سيقتلونه، فلا وفاءَ لمثل هؤلاء. أراد مسلمٌ أنْ يمنع الحسين (عليه السلام) من إكمالِ طريقِه إليهم. لكن جرى القلمُ وشاء القدرُ وكتب في صحف القدس "شهادة مسلم بن عقيل "، وقربان "الحسين بن علي" إلى السماء .. الكوفة: ها هو مسلمُ يركبُ في ركبِ المسافرين مودعًا حياةً لم يأبه لها يومًا ... ها هو مسلمُ يقفُ فوقَ قصرِ الإمارة وينظر إلى الكوفة، وهي تجلس لتتهيأ لعزائه وتندبه ... آهٍ ..من غدركِ، تُقدّمُ الصالحين إلى الموت، ثم تتهيأ لتتّشحَ بالسواد، وتبدأ بالنحيب! ها هو يقفُ عندَ أعتابِ الزمانِ مودعًا وينظرُ إلى الدنيا محتقرًا ونحو مكةَ متجهًا بكلِّ حبٍّ وولاءٍ قائلًا: "السلامُ عليك يا أبا عبد الله الحسين" كيف ستُقبلُ يا حسين إلى الكوفةِ وليس لك فيها من ناصرٍ ولا معين، ستذهبُ يا حسين وستجدُهم يستقبلونك بالسيوف والرماح، وتراهم ينثرون الأرضَ وردًا وريحانًا ليزيد وابن زياد، يدعونك ثم يقتلونك فواويلاه من هكذا رزيةٍ عظمى ... لا تأتي يا حسين .. مكة: وفي طريقِ الحُسين إلى موكبِ الملكوت يسيرُ مع إخوته وأولاده ونسائه وأطفاله أحدُهم يوقفُ الحسين قائلًا: "لِمَ تصحبُ النساء والأطفال معك؟" الحسين يُجيب: "شاء اللهُ أنْ يراني قتيلًا، ويراهم سبايا" ما أعظمَك يا حُسين، بل تصاغرتْ أمامَك حروفُ العظمةِ فما أعظمَ كلمات العظمة التي تنطقُ بها حروفُك العظيمة. بعدَ السيرِ لمسافاتٍ ينظرُ الحسينُ (عليه السلام) إلى الكعبة نظرةً أخيرة ... وإلى قبرِ المصطفى رسول الانسانية ... ولسان حاله يقول: "إنْ لم يستقِم دينَ محمدٍ إلا بقتلي فيا سيوف خذيني" وفي طريقهم إلى الكوفة الغادرة سأل الحُسينُ (عليه السلام) الفرزدق عن الأوضاع، فلخّص الفرزدقُ له الحكاية بأربعِ كلماتٍ حيث قال: "القلوبُ معك والسيوفُ عليك" ولكن هل انتهت الحكاية؟ وهل كسر التاريخُ أقلامه وأغلق كتبه؟ بل هُنا بدأتْ حكايةُ بداية النهاية وانتهت البداية.. النهايةُ التي وضعها الحسين (عليه السلام) لتبدأ بدايةُ الخلود الأبدي، لأسماءٍ شاء الله (تعالى) أنْ تُرفعَ وتُنير السماء، النهايةُ التي وضعها الحُسينُ (عليه السلام) حتى تُرفع الأقلامُ لتكتب، وتُرفع السيوفُ لتحارب، وتُرفع الأصواتُ بوجهِ الطغاةِ لترفع صوت الإباء.. يزيدُ كان يرى بقتلِ الحسين (عليه السلام) نهايةً لمن يرفعُ صوته ويشهرُ السيف بوجهه ويُعارضُ حكومته، لكنّه اكتشف أنّها ليست النهايةَ بل هي بدايةٌ لكتابِ الثورةِ الذي وضعه الحسين (عليه السلام) لكلِّ ثائرٍ حُرٍّ رفضَ العيشَ مع الظالمين والاستعباد تحت ظلِّ حكمهم. يزيد رأى أنْ يضعَ نهايةً لقصةِ الحسين (عليه السلام) الثورية، لكنّه وجد أنْ بدايةَ الحكاية ما كانت إلا من مسلمٍ الذي علَّمَ الناسَ معنى الفداء، فكان أولَ شهداءِ هذه الحكاية التي كان عمرُها بعمرِ الشموع التي أوقدت في كربلاء، فأطفأها الحسين (عليه السلام) حيث قال: هذا الليلُ ساترٌ.. طالبًا منهم أن يتركوه، حيثُ طلب من كلِّ رجلٍ من أصحابه أنْ يأخذَ بيدِ رجلٍ من أهلِ بيته. وابتدأت حكايةُ الحسينُ بدمِ مسلمٍ الزكيّ حيث خطَّ بدمه بداية الحكاية، وأكمل الحسين باقي كتاب الخلود هذا ما رآه يزيد في حكاية الحسين (عليه السلام). أما الحسين (عليه السلام) فقد رأى في ثورته بدايةً لقرنٍ جديدٍ من الزمن، تفتتحُ به عقول البشرية على نورِ الحقيقة فتخرج من ظلماتِ يزيد وطغيانه إلى نور الحسين (عليه السلام) وإشراقة شمسه الخالدة... كان يرى أنّ سرَّ النهاية في كلِّ قصةٍ هو ما يبدأُ به القصة. وسرُّ النهايةِ في البداية. وقد ابتدأت قصةُ الحسين (عليه السلام) من النهاية التي ظنَّ يزيد أنّها نهايةُ الحسين (عليه السلام)؛ لكنّها لم تكنْ سوى البداية فلو كانت النهايةُ في حكايةِ الحسين (عليه السلام) هي استشهاده لما وجدنا له أثرًا اليوم يذكر. وكانت ثورةُ الحسين (عليه السلام) بدايةً لنهايةِ كلِّ ظالمٍ حاولَ كسرَ الضعفاء وسلبَ حقوقهم، وتذكرةً لكلِّ طاغٍ مستبدٍ وظالم: أن اعرف ما كانت نهاية الظالم في حكاية الحسين (عليه السلام).. وكانت بدايةً لكلِّ من أراد أنْ يشقَّ طريقه ليعرفَ مبادئ الإسلام وحقيقته، كانت بدايةً لكلِّ صاحبِ مبدأٍ وعزةٍ، لكلِّ إنسانٍ لديه إنسانيةٌ وكرامة. الحسينُ (عليه السلام) جعلَ من الموتِ حياةً، ومن الحياةِ موتًا إنْ كانت مع الظالمين.. فأحيانًا يكونُ الموتُ هو بدايةٌ للحياةِ، بدايةٌ لحياةِ الخلود، بدايةٌ لمعرفةِ الحقيقة.. فكمْ من نهايةٍ ظنّوا أنّها نهايةٌ، فلم تكن إلا بدايةً، فكانت بدايةُ النهاية بدايةً.

اخرى
منذ أسبوع
89

لا محيصَ عن يومٍ خُطَّ بالقلم

بقلم: غدير الكربلائي خُذني... فالظُّهرُ كاشِحٌ يختطِفُ مَلامحَ انتمائي، يصهرُ عُروقي؛ يُطارِدُ نشغتي، ينضبُ نبضَ شراييني التّائقة... يُلاحِقُ آمالي الكفيفة، وينبذني مَثقوبًا، قد رشقَ القَتادُ آلاميَ الحافية، يفركُ مُقلتيَّ بالملح الجريش... أتفلّتُ وَهنًا من بينِ أناملَ قبضتِه الماردة؛ تُفلِّلُني البِيضُ والهنادي، أتلوّى ذائبًا من قيظِ قيدِه؛ وما أولَهني إلى نفحةٍ من رؤياك لتنحتَ وطنًا لذبولِ بصَري وصَبري. خُذني... تموجُ حُشاشتي شوقًا لِفُلكِ نجاتك، تغطسُ شُطئان الموت، تغوصُ غُصصَ الطُّوفان القُرمُزيّ فتستقِرُ بي عند الجودي بين النّواويس وكربلاء. تنتشلُني من حضيضِ الغضاضة لألقِ الزّنبق إلى رحلةِ الرّكبِ والحجِّ القاني، تطوفني عُسلان الفلوات عند مشاعر القرابين، فيملأنَ منّي أكراشًا جوفًا، وأجربة سغبًا... أخُطُّ الشّهادة قلادةَ مجدٍ أحمر، على جِيدِ سنابلي المائسة؛ أنثرُ دموعيَ سَديماً ثائرًا في حظيرةِ القُدس؛ عندَ السِّدرةِ النّوراء، أُعمِّرُ عُشّاً دافئًا ليلتحقَ مُدرِكاً الفتح، يرتقبُ فخرَ نداء الفجر... "مَن كان باذلًا فينا مهجتَه، وموطِّنًا على لقاءِ الله نفسه، فلْيَرْحل معنا، فإنّي راحلٌ مُصبحًا إنْ شاءَ الله".

المناسبات الدينية
منذ أسبوعين
116

سِفر

بقلم: غدير الكربلائي تُراوِغُ الأزقّةُ الشّاغِرةُ حَشدَ نظرتِك، ترشُّها بالعطشِ المُنفهِق؛ مُشتاطةٌ من ألسنةِ غدرٍ صَلِف؛ تنوءُ باهتراءِ القرميد ودنفِ السّجُف. وتلكمُ الشروخُ المُتدلّية من الجُدران السّاهرة، تَبوحُ لَكَ أسرار كوفانَ واعتذار العراجين... تُمرِّرُ لَكَ أسفار السِّفارة والطّرس البيضاء المُضمّخة بالنّجيعِ الآتي.. وها أنتَ يا ابنَ الجحاجحة تستفيضُ خارطة اللّيل لمدينة الأشباح، تُشعِلُ قناديلَ آماقِك، تومِضُ الضّياءَ مِعراجًا كربلائيّا.. تُحاوِرُ عيناكَ السُّقُف المشنوقة، فتتبدّى الحكايا مُنهكةً في المنافي القاصية، وتنبري شازرةً برواز الأوطان وصور الانتماء... تُرنِّم للخراب أغانيه، فتزُمُّ قصائد الأُزوف وتواشيح الإياب... كيف يلتحف الشَّوك بآبيهم! فتصبُ في محجرَيكَ نوائرهم وتحتسبُ الله في ذلك وكيلًا... تولجُك الغُربةُ سرادقاتِها الموحشة، تفرشُ لك بساطَ النّزوح، حتّى أوقفتكَ بابٌ تشُعُّ ولاءً، تُمضّخُ الوفاء خرسانة أعتابه، تسقيكَ سلسبيلًا تَشريهِ بنحرٍ مشدوخ، فتخُطُّ رسالةَ دمائك سِككُ الكوفة...

المناسبات الدينية
منذ أسبوعين
111

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
50967

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
38028

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30699

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30456

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
24504

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
23778