رضا الله غايتي

شهيــدةُ الــولاية

بقلم: رضا الله غايتي لمْ تَنَلْ السيدةُ الزهراء (عليها السلام) لقبَ سيدةِ نساءِ العالمينَ اعتباطًا، ولمْ تتوسطْ النبي (صلى الله عليه وآله) والوصي (عليه السلام) في المباهلةِ مُصادفةً، بلْ كانتْ مُصطفاةً لذلكَ اصطفاءً، ولِمَ لا، وهيَ التي لم تَشهقْ شهيقًا إلا لرضا الله ولم تزفره إلا غضبًا له تعالى، كما كانَ لها الدورُ الأهمّ في الدفاعِ عنِ الولايةِ بل عن الإسلامِ بِرِمّتِهِ، فمُذ أنْ لاحظتْ انحرافَه عنْ مسارِهِ الصحيح لغصبِ الظالمينَ الخلافةَ حتى لَمْلَمْتْ بقايا قِواها المتناثرة ألمًا لفقدِ أبيها (صلى الله عليه وآله) ورَصَدَتْها جميعًا لمناصرةِ وصيِّهِ المستضعَف (عليه السلام)، فشرعتْ في استخدامِ مختلفِ الآلياتِ المُتاحةِ لِتُبرهنَ بالبراهين الساطعةِ والأدلةِ القاطعةِ على بطلانِ الخلافةِ الغاصبةِ، نذكر أهمَّها بنحوٍ من الإيجاز: الأول: قولها عليها السلام: "وأبعدتُم من هو أحقُّ بالبسطِ والقبضِ" (1) قاصدةً أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي الصادقة التي لا تنطِقُ إلا صدقًا ولا تَصِفُ إلا عَدْلاً بشهادةِ قولهِ(تعالى): "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" (الأحزاب33) الثاني: رويَ عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال لها عليها السلام: "إنَّ الله يغضبُ لغضبكِ ويرضى لرضاكِ" (2). وروي عن عائشة زوج النبيّ (صلى الله عليه وآله): "....... فغضبت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه [وآله]وسلم) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت" (3). مما يعني أنَه ممن غضب الله عليه لغضبها عليها السلام، وقد قال (تعالى): "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ"(الممتحنة13). وبذا أثبتَتْ الصديقة الكبرى عليها السلام عدم مشروعية خلافته لكلِّ المسلمين وعلى مرِّ الدهور. الثالث: روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله): "وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (4). وقد تقدّم أنّها لم تزل مهاجرةً أبا بكر حتى توفيت مما يؤكد أنّها لم تبايعه. وهنا احتمالان لا ثالث لهما: إما أنَّها (عليها السلام) ماتت ميتةً جاهليةً أو أنَّ أبا بكر ليس بالخليفة الشرعي للمسلمين. ولا يجرؤ عاقلٌ على التفوّهِ بالاحتمالِ الأولِ وأنّى له ذلك، وهي سيدة نساء العالمين ومَنْ يدخل مُحِبُّوها بشفاعتِها الجنةَ! فيتعيَّن الاحتمال الثاني من دون أدنى شك. نعم، قدّمت سيدة النساء كل ما أمكنها تقديمه رغم أنها لم تصل إلى بُغيتها في تنحية الخلافة الباطلة وإحلال الخلافة الحقّة محلها. لكنّها بذودِها عن الولاية ــ بكلِّ ما تتميز به من مكانةٍ وبكل ما أوتيت من قوةٍ ــ حتى الشهادة حقَّقت هدفها الأهم بصَونِ رسالة الإسلام من التزييف، وإعلائِها عن أن تطالها يدُ التحريف؛ راسمةً بدمِها الزكيِّ الطاهر الحدَّ الفاصل بين الحقِّ والباطل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)كلمة الزهراء(ع) ص25 (2)المستدرك على الصحيحين ج11ص38ح4713،كنز العمال ج13ص652 (3)صحيح البخاري ج3ص1126 (4)المسند الجامع ج10ص276

اخرى
منذ 7 أشهر
354

التوحيد الذاتي

بقلم: رضا الله غايتي يُعَدُّ التوحيد أصل أصولِ الدينِ؛ إذ إنَّها إليهِ تعودُ ومنه تتفرعُ، ومن هُنا أكدَّتْ عليهِ جميعُ الشرائعِ السماويةِ. ينقسم التوحيدُ -حسبما درجَتْ عليهِ كتبُ العقائدِ- إلى أقسامٍ ثلاث: التوحيد الذاتي، التوحيد الصفاتي، والتوحيد الأفعالي. ولمّا لا يسعُ المقامُ للتعرّضِ إليها جميعًا نقتصرُ في حديثِنا على التوحيدِ الذاتي فقط. للتوحيد الذاتي معنيان: التوحيدُ الأحدي، ويتلخصُ بإثباتِ بساطة الباري (جلَّ وعلا) ونفي التركيبِ عنهُ، فلو لم يكنِ اللهُ تعالى أحديًا، لاستلزم أن يكونَ مركبًا، ولو كان كذلك لاحتاج إلى أجزائهِ، والاحتياجُ نقصٌ، واللهُ سبحانَهُ كمالٌ محضٌ، بل ومنبعُ كلِّ كمالٍ، فيثبتُ أنَّهُ (جلَّ في علاه) أحدٌ لا يتجزأ. بالإضافة إلى الدليلِ العقليّ المتقدم، فقد أثبت النقلُ هو الآخر أحديته سبحانه، قال تعالى: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" (الإخلاص1)، ورويَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "لا ينقسمُ في وجودٍ ولا عقلٍ ولا وهمٍ" (1). لقد أثبتَ القرآنُ الكريمُ أحديتَهُ (جلّ وعلا)، فيما نفى أميرُ المؤمنين (عليه السلام) عنه سبحانَه كل أنواعِ التركيبِ: المادي والوهمي والعقلي، إذ إنَّ الوجودَ قد ينقسمُ إلى أجزائهِ الماديةِ في الخارجِ، كتحلُّلِ الماءِ إلى أوكسجين وهيدروجين. وقد ينقسمُ في الوهمِ (كانقسام قطعةِ الخشب إلى النصفين في التصور) (2). وقد ينقسم انقسامًا عقليًا كانقسام الإنسانيةِ إلى جزأين: ما بهِ الاشتراك: الحيوانية، وما بهِ الامتياز: الناطقية. وتعالى الله عن كل ذلك علوًّا كبيرًا. وأما المعنى الثاني للتوحيد الذاتي فهو التوحيدُ الواحديّ: ويتلخصُ في نفي الكثرةِ العدديةِ عنه تعالى، أيّ إنّهُ سبحانَه واحدٌ لا شريكَ له؛ لأنَه لو كانَ لهُ سبحانَهُ شريكٌ للزِمَ أن يكونَ كلٌّ منهُما مركباً من: ما بهِ اشتراكهما معًا كالألوهيةِ مثلًا، وما به امتياز كلٍّ منهُما عنِ الآخرِ ليكونا اثنينِ متمايزينِ. ويلزمُ من ذلكَ أنْ يكونَ سبحانَهُ مركبًا، وقدْ تقدَّمَ تنزهه عن ذلك؛ لاستلزامِهِ نسبةَ النقصِ إليهِ سبحانه واحتياجَهُ إلى أجزائهِ، وهو الغنيُّ المطلقُ، وبذا يثبتُ تنزهه (جلَّ وعلا) عن وجودِ الشريكِ. بالإضافةِ إلى الدليلِ العقليّ فقد أثبتت الأدلّةُ الشرعيةُ ذلك، كما في قوله تعالى: "وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ" (البقرة 163). علماً أن الوحدةَ هُنا ليستْ بمعنى الوحدةِ العدديةِ التي ينتهي فيها الواحدُ عندَ حدٍ فيبدأُ الثاني لينتهيَ عندَ حدٍ وهكذا، بل بمعنى أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ بالوحدةِ الحقيقيةِ الحقّةِ التي يكونُ الواحدُ فيها واحدًا لا نهايةَ لهُ، وبالتالي لا يقبلُ الثاني قطّ. وقد رويَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) -في ردِّه على أعرابيّ سألَه- قائلًا: "يا أعرابي، إنَّ القولَ في أنَّ الربَّ واحدٌ على أربعةِ أقسامٍ: فوجهانِ منها لا يجوزان على اللهِ عز وجل ووجهانِ يثبتان فيه، فأما اللذانِ لا يجوزانِ عليه فقولُ القائلِ "واحد" يريدُ بهِ بابَ الأعدادِ فهذا ما لا يجوزُ؛ لأن ما لا ثانيَ لهُ لا يدخلُ في بابِ الأعدادِ" (3) ويترتبُ على التوحيدِ الذاتيَ ثمارٌ أهمها: اثباتُ عدم محدوديةِ الحقّ سبحانَه وعدم تناهيهِ؛ لأنَّ وحدتَه الحقيقية الحقّة تأبى أن يتقدّمَه أو يخلفه وجود، فهو الأول لا أوليةَ لأوليتهِ وهو الآخِرُ لا آخِرَ لآخريتهِ، بالإضافةِ إلى ترتُّبِ ثمرة نفيِّ التثليثِ عنه سبحانَهُ؛ لِما ثبتَ أنّهُ لا مثيلَ لهُ ولا شريك من جِهةٍ، ولأنَّه ليسَ بمركبٍ ولا جُزءَ لهُ من جِهةٍ أخرى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)التوحيد للصدوق، ص85 (2)المصدر السابق (3) شرح أصول الكافي ج7 ص256و257

اخرى
منذ 5 أشهر
308

نَظِّمْي إعداداتكِ!

بقلم: رضا الله غايتي جميلٌ أنْ تهتمَي بالآخرين وتراعيهم، ومن الإنسانية بل والإيمان الراسخ أن تعيشي آمالهم وآلامهم، وأن تُجنِّدي جوارحكِ لمساندتهم ولمساعدتهم متى ما تمكنتِ.. ولكن عزيزتي... وأنتِ تُكافحين في زورقكِ؛ للاهتمام بسائر الزوارق ولو على حساب نفسكِ، بل وربما حملتكِ المُبالغة في الطيبة والعطاء على أنْ تُمثلي شخصية السوبرمان لتُسعدي كلَّ من حولكِ وتمدّي يد العون لكلِّ من هو بحاجةٍ إلى ذلك ولو على حساب راحتكِ وصحتكِ واهتمامكِ بالتزاماتكِ العملية والعائلية فضلًا عن الشخصية، احرصي عزيزتي على أن لا تنسي نفسكِ، فتنهمكي بالآخرين وتنشغلي بهم إلى حدِّ الذوبان، وتغفلي عن زورقكِ وهو يغرقُ شيئًا فشيئًا بين أمواج التزامات الحياة المتلاطمة، وعواصف نكران الجميل، ومكافأة تضحياتكِ بالأذى وإحسانكِ بالإساءة! وفي خضم تلك الظروف العصيبة لرُبّما تخسرين حتى ذاتكِ، فبِمَ ستعيشين الحياة؟ بذاتٍ مقهورة أم بنفسٍ مكسورة؟ وترى كيف ستحققين أهدافكِ الأخروية والدنيوية بهما؟! نظمي سُلّم اهتماماتكِ، الأهم فالأهم، وإيّاكِ أنْ تغفلي عن ذلك، فتُقدِّمي المستحب مثلًا على الواجب؛ لأنّ تقصيرك لن يقتصر على دائرتكِ الشخصية، بل سيطال واجباتكِ العائلية والتزاماتكِ العملية، فتأثمين من حيث كنتِ ترتجين الأجر والثواب.. واعرفي تمامًا من هو الذي أمامكِ جيدًا، وادرسيه أكثر، كُلّما تربّعت على عرش قلبكِ الرقيق مُبالغته في الطيبة؛ لأنّها إنْ تمكنت منه استطالت على عقلكِ، وحكمته لتسيّركِ كما تريد هي وإنْ خالفت قراراتُها العقل!! وما النتيجةُ حينئذٍ إلا أن تستهلكَ كلَّ قدراتكِ لخدمةِ الآخرين ونسيان ذاتكِ تمامًا ــ على حينٍ رُبّما كانت واجباتكِ الأخرى أولى بهذه القدرات ــ، ثم سرعان ما تجدين نفسكِ أمام جحودٍ مؤلم ونكرانٍ قاسٍ، فتركنين إلى تمثيل دور الضحية مُتنفسًا، لماذا هم فعلوا؟ لماذا هم أنكروا؟ لماذا هم؟ لماذا هم؟ فتجذبين آلامًا علاوةً على ما تُعانينه من آلام، وتواصلين السير في دروب الأوهام، ناشرةً ثقافة أن لا طيبةَ بعد اليوم بين الأنام.. وفي الحقيقة لا يسعني إلا أن أقول: عليكِ أن تلومي نفسكِ أولًا؛ لأنكِ سلكتِ السلوك الخطأ، ومضيتِ في الطريق الخطأ، ووثقتِ بالرفيق الخطأ، فليس من الصحيح انتظار نتائج صحيحة بُنيت على مقدماتٍ سقيمة، كما ليس كلُّ إنسانٍ يستحقُ التضحية، ولا كلّ من تُغدِقين عليه بالاهتمام يُبادلك بالمثل، فبعض النباتُ يموتُ إنْ أنتِ أغرقتيه بالماء حتمًا؛ رُبّما لاِفتقاره إلى لُغة العطاء، فتمتلئ جذوره ماءً حدّ التُخمة ولا يُفكر بالإنفاق ولو إنقاذًا لذاته حتى يموت غرقًا! فلا تُضيّعي جهودكِ بالتفكير بأفعالهم، ولا تُهدري وقتكِ الثمين بذلك، فهُما أهمُّ وبكلِّ تأكيدٍ من أيّ شخصٍ لا يعرفُ معنى الوفاء، ولا يُقدِّر قيمةَ الإحسان والعطاء، فاقصري نظركِ على عالمكِ الداخلي، وما فرضه الله (تعالى) عليكِ من واجبات أولًا، وما يُقربكِ إليه من مستحبات ثانيًا؛ لتعيشي بهدوءٍ وسلام، وأعيدي تنظيم إعدادات عالمكِ، وأعيدي ترتيب مكوناته، فلرُبّما ترتيبها القديم لم يعد يتماشى مع زمنٍ غلب على بعض أهله الجحود.. فلا تلومي إلا نفسكِ، وحاسبيها على ما صنعتْ، ولكن إيّاكِ أن تطيلي، لئلا تسقطي في هاوية جلد الذات، فهي لن تستحق منكِ كلَّ تلك القساوة رغم خطئها، إنّما احتضنيها بكلِّ حُبٍ وتقدير، واهتمي بها واعطفي عليها وراعِيها، فقد تعرضتْ إلى خطبٍ كبير، هزّة عنيفة لا زالت آثارها قاسية، وللعيان بادية، ولمشاعرها المُرهفة جارحة.. واحرصي على أن تصنعي بيديكِ الكريمتين مرهمًا، وكوني سخيةً بمقاديره من الشكر والاعتزاز؛ امتنانًا لمشاعرها المُرهفة وطيبتها الفائقة وإنسانيتها المتميزة، واحضني بذلك المرهم جروحكِ ومرّريهِ على آلامها؛ لتنقلبَ بحسنِ الظن بالله (تعالى) آمالًا كبيرة بالغد الأفضل، والمستقبل الواعد الأجمل.. ولا تنسي أن تهمسي في أذنها: يا عزيزتي ادخري تلك السمات الراقية بعيدًا بعيدًا، للنوادر جدًا جدًا من البشر، فقط وفقط لأهلِ الله (تعالى)، الذين هم لهُ أهلٌ بحقٍ ظاهرًا وباطنًا، من يذكرونكِ بالآخرة، ويخشون عليكِ الوقوع في الحرجِ والمكروه فضلًا عن المعصية، ويبغون لكِ حُسنَ العاقبة، ويدعونَ لكِ بجنان الآخرة، أولئك الذين يفوزون على الدوام باختباراتِ الحياة، فلا تجدينهم عند المصائب إلا مواسين، وعند المصاعب إلا مُساعدين، وعند الأفراح إلا مُهنئين، وفي كلِّ الظروف مُشجعين، وعند العطاء والإحسان بالوفاء والتقدير شاكرين.. وأخيرًا أُخيّتي، تمهّلي قبل الضغط على زر الحفظ، وتأكدي تمامًا تمامًا من أنك قد وازنتِ جيدًا في نظام إعداداتكِ الجديد بين عالمكِ الداخلي والعالم الخارجي، وبين واجباتكِ والتزاماتكِ وما تودّين تقديمه للآخرين من خدمات، ولا تتوقعي في ذلك دعوةً إلى الأنانية، فكلٌّ منا مسؤولٌ عن واجباتٍ، إنْ قصّر في أدائها كان مُعاقبًا شرعًا، أو مُلامًا عقلًا وعُرفًا، فيُصبحُ مأثومًا من حيث يرجو الأجر والثواب!! كما حرّم الشرع المقدس الإضرار بالنفس، أو تعريض الصحة إلى الأذى؛ ولذا حكم على بعض العبادات بالحُرمة كحكمٍ تكليفي وبالبطلان كحكمٍ وضعي إن سببت ضررًا لصحته، بل وإنْ أوقعته في الحرج أحيانًا، كالصوم والوضوء والغسل، أضيفي إلى ذلك، ما يلحق بالنفس من آلامٍ نفسية وأوجاعٍ عاطفية. وعليهِ فإنَّ الصحة النفسية والجسمية للإنسان أمانةٌ بيده، عليه أنْ يُحسنَ الحفاظ عليهما كيما يُحسنا مساعدته على أداء رسالته في الدنيا، والفوز برضا الله (تعالى) وأهل البيت (عليهم السلام) في الآخرة..

قضايا الاسرة
منذ 4 أشهر
283

الإمامةُ فرعُ التوحيد وبابُه

بقلم: رضا الله غايتي اتهِمَت مدرسة الإمامية بأنّها تقدّمُ الإمامةَ على التوحيد! على حين أنَّها تعدُّ التوحيدَ أصلَ أصولِ الدينِ؛ وأسَّ أسسِهِ؛ لذا تجدُ أنَّ الرواياتِ حوله في المجاميعَ الحديثيةِ كثيرةٌ، والمباحث العقلية في الكتبِ الكلاميةِ عنه وفيرةٌ، ولا غروَ في ذلك، فلقد رويَ عن الإمامِ علي (عليه السلام):"أوّلُ الدينِ معرفتُه"(1)؛ وذلك لأنَّ التوحيدَ الحقّ لا يكونُ إلا بمعرفتِهِ تعالى، فمن لم يعرفْه لا يمكن أنْ يوّحدَه توحيدًا حقًّا، وهذا ما حدثَ لإبليس إذ قال:" أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ "(الاعراف 12) واصفًا أمرَ اللهِ تعالى بالسجودِ لآدمَ (عليه السلام) بأنَهُ مخالفٌ للحكمةِ والعدالةِ، فتمرّدَ على طاعتِهِ تعالى تمرّدًا مقرونًا بالإِنكار للمقامِ الربوبي، مما دلَّ على أنَّ التوحيدَ في العبادةِ لا يُغني ما لم يكنْ مقرونًا بالتوحيدِ في الربوبية. ولذا، فإنَّ آياتِ التوحيدِ بعد أنْ ركزتْ على التوحيدِ في الألوهيةِ والعبادةِ في المكيّة منها كقوله تعالى: "لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ "(الأنعام102)، ركّزتْ على التوحيدِ في الربوبية في المدنيّةُ منها، كقولُه تعالى: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ"(المائدة55). وقد تضافرتْ الرواياتُ من الفريقينِ أنَّ المقصود بـ(الذين آمنوا) هو الإمام علي (عليه السلام)، منها ما رويَ عن عمار بن ياسر "وقف على علي بن أبي طالب سائل وهو راكع في تطوع فنزع خاتمه فأعطاه السائل فأتى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فأعلمه ذلك فنزلت على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم هذه الآية (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فقرأها رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ثم قال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه "(2). وعليه فإنَّ من لم يوالِ الإمام علي (عليه السلام) يكنُ قد تمرّدَ على اللهِ تعالى في مقامِهِ الربوبي، وهنا تكمنُ أهميةُ الإمامةِ. أضفْ إلى ذلك، أنه تعالى عندما ألزمَ المؤمنينَ بولايةِ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) بعد ولايتِهِ وولايةِ رسوله (صلى الله عليه واله) فإنّما يريدُ بذلك حصرَ الطريقِ إليهِ ببوّابةِ الإمامةِ الحقّة المتمثلة بالإمامِ علي والأئمة من بعده (عليهم السلام)؛ لما لها من دورٍ أساسي في رسمِ معالم التوحيدِ المرضيّ عنده سبحانه. وللأهميةِ البالغةِ للإمامةِ لم يتركْ الباري ولا رسولُه مناسبةً إلا وأشارا إليها وإلى الأئمة حتى قبل الدعوة إلى الإسلام نفسه! وما كرامةُ مولدِ الإمامِ علي (عليه السلام) في الكعبة ِالمشرَّفة وجوابُ النبي (صلى الله عليه وآله) له بعد أنْ خرجتْ والدتُهُ منها إلا دليلٌ على ذلك، فقد روي:" فلما خرجت قال علي (عليه السلام): السلام عليك يا أبه ورحمة الله وبركاته، ثم تنحنح وقال: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ" (المؤمنون1-2) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):" قد أفلحوا بك، أنت والله أميرهم، تميرهم من علمك فيمتارون، وأنت والله دليلهم وبك والله يهتدون، "(3). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)نهج البلاغة: الخطبة 1. (2)المعجم الأوسط ج6ص218 (3) بحار الأنوار ج35ص18

اخرى
منذ 5 أشهر
132

نجاةُ الخليقةِ بوجودِ الخليفة

بقلم: رضا الله غايتي لم يخلق الله تعالى الخليقة إلا وقد خلق قبلها الخليفة، والابتداء من الحكيم إنّما يكون بالأهم، فدلَّ ذلك على أنَّ الخليفة أهم. ولتأكيد هذه الحقيقة، أمر الملائكة بالسجود لآدم تعبيرًا عن انقيادهم لمقام خلافته الذي به يتم توحيد الله (تعالى) وطاعته، ولذا حكم على إبليس بالكفر به (سبحانه) في مقام الربوبية والخلود في جهنم عندما أبى واستكبر. ولا غرو في ذلك إذا علمنا أهمية الخليفة البالغة، فهو الأمان للأرض وأهلها، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام): "إنَ الأرض لا تكون إلا و فيها حجة أنّه لا يصلح الناس إلا ذلك ولا يصلح الأرض إلا ذلك"(1). كما أنَّه الهادي لخلق الله (تعالى) إليه والحجة له عليهم، فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهرًا مشهورًا وإما خائفًا مغمورًا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته"، حتى يقول: "بهم يحفظ الله حججه وبيّناته حتى يودعوها نظراءهم...."(2). ولا يُشترط في الخليفة أن يكون رسولًا، بل قد يكون وصيًا، لقوله تعالى: "قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ"(المائدة19)، فعلى الرغم من خلو هذه الفترة من الرسل، إلا أنها لم تخلُ من الخليفة لوجود أوصياء الرسل(3) وبذا لم تخلُ الأرض من خليفةٍ على مرّ الدهور بل وحتى يومنا هذا، دلّت على ذلك الأدلة الشرعية، منها ما روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): "إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض"(4). قال ابن حجر: "وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة على عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به الى يوم القيمة، كما أنَّ الكتاب العزيز كذلك"(5). وعليه، فإنَّ ما تقدّم يكفي في إثبات ولادة الإمام الثاني عشر(عجل الله تعالى فرجه) قبل استشهاد الإمام العسكري(عليه السلام)، كما يكفي في إثبات وجوده المبارك، وبقطع النظر عن الروايات التي دلّت على ذلك ــ نعم لابد منها لتشخيصه بشخصه المبارك (عجل الله فرجه)ــ. وإنَّ الإيمان بذلك إنَّما هو إيمانٌ بحكمته (تعالى) التي اقتضت عدم خلوّ الأرض من حُجة، والانقياد لمقام خلافته (عجل الله تعالى فرجه) كالانقياد لمقام خلافة آدم (عليه السلام)، وبالتالي فهو طاعةٌ لله (سبحانه) ومن دونه لن يتم التوحيد الحقّ بجميع مراتبه، وحكم الله (تعالى) على إبليس بالكفر خير شاهد على ذلك ودليل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)المحاسن ص253 ح193 (2)معجم أحاديث المهدي ج4ص61 (3) انظر تفسير الأمثل ج3 ص657 (4)السلسلة الصحيحة للألباني ج4ص330 (5)الصواعق المحرقة ص149.

العقائد
منذ 4 أشهر
201

التفسيرُ الصحيحُ للصفاتِ الخبريّة

بقلم: رضا الله غايتي صفاتٌ أخبرت ظواهرُ بعض الأدلة الشرعية بها؛ ولذا سُميت بالصفات الخبرية، كاليدين والوجه والعين وما شابهها، قال (تعالى): "بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء"(1)، وقال (عزَّ من قائل): "وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام"(2)، وقال (جلَّ شأنه): "وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا"(3). وقد اختلف المتكلمون في تفسيرها، وترتبَ على ذلك اختلافهم في عقائدَ مهمّة حول الذات الإلهية المقدسة أيضًا، فهناكَ من جمد على النص بحرفيته فوصفها بسماتِ الإمكان بنسبته التجسيم إليها، مُثبتًا لله (سبحانه وتعالى) وجهًا وعينين ويدين مثل أعضاء الإنسان الجسمية، وهم المُجَسّمة والمُشَبّهة، ونظريتُهم واضحةُ الفساد؛ لبطلانِ التشبيه والتجسيم عقلًا ونقلًا. ومنهم من تصوَّر أنَّه أكثر تنزيهًا لله (تعالى) من أصحاب القول الأول، فقال بالتجسيم دون التشبيه عِبر القول بـ(البلكفة)، فأثبت أنَّ له (سبحانه) يدًا لكن بلا كيف، ووجهًا بلا كيف، وعينًا بلا كيف، وهم الشيخ الأشعري وأتباعه، إلا أنَّ تصورهم لم يكن في محلِّه، فقد أضافوا على صفاته (سبحانه) هالةً من الغموض في دينٍ واضحٍ صريحٍ! ومن دون أيِّ دليلٍ قطعي على ذلك! فضلًا عن إثباتهم التجسيم كسابقيهم! ومنهم من عاملَ الآيات المشتملة على الصفات الخبرية معاملة الآيات المتشابهة، فأجرى الصفات عليه (سبحانه) وفوّض المراد منها إليه (جلَّ وعلا)، وهم جمعٌ من الأشاعرة، مع أنَّ تلك الآيات ليست من الآيات المُتشابهة بشيء! ومنهم من قال بتأويل الصفات الخبريّة، وأشهرهم المعتزلة، بدعوى أنَّ ظاهر القرآن يخالفُ العقل الصحيح! فيجب ترك النّقل لأجل صريح العقل! وهو قولٌ مجانبٌ للصواب؛ إذ إنَّ اللغة العربية كسائر اللغات زاخرةٌ بالكنايات والاِستعارات والمجازات، التي يستخدمها أهل اللغة أنفسهم، وعليه فإنَّ للآيات ظهورين: حرفياً وجُملياً. وفي المقام: فإن ما لم يوافق من الآيات ظهورُها الحرفيُّ العقلَ، فإنه يوافقه ظهورُها الجُملي، كاليدين مثلًا؛ فإنَّها وإنْ فُهِم منها طبقًا للظهور الأوّل (العضو الجسماني المعلوم الهيئة)، إلا أن ما يُفهم منها طبقًا للظهور الثاني هو (البراءة من البخل والعجز) مثلًا في قوله (تعالى): "بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ"، وهو موافقٌ للعقل تمامًا. وأما سبب ترجيحه فلقرينة قوله: "يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء"، فضلًا عن نزولها ردًّا على اليهود الذين قالوا: "يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ"، أيّ مقيدة بالسلاسل (والعياذ بالله). وتفسير الصفات الخبرية بإجرائها بالمفهوم التصديقي ــالذي يقتضيه الظاهر الجُملي للآيات مع ملاحظة القرائِنِ الموجودةِ فيهاــ، لا بالمفهوم التصوري ــالذي يقتضيه الظاهر الحرفي لهاــ هو التفسير الصحيح، وهو ما قال به الإمامية. فإن كان قصد المؤولة من التأويل ما تقدّم بيانه فهذا ليس بتأويل، وإنِّما اقتفاء الظاهر الجُملي، وإلا فإنَّ اختراع تفسيرٍ ما للصفات الخبرية من دون قرينةٍ قطعيةٍ لا يقل خطورة عن التجسيم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- المائدة64 2- الرحمن27 3- هود37

اخرى
منذ شهرين
208

ذريعة القسمة والنصيب!

بقلم: رضا الله غايتي كلٌّ يدلو بدلوه، منهم من يرفض ويُسطِّر السلبيات، ويضع الشروط التعجيزية، ويبني الحواجز الكونكريتية، ويختلق الأعذار وإن كانت وهمية. ومنهم من يُشجِّع ويُسطِّر الايجابيات ويُسهل الخطوات ويُقرِّب المسافات ويُعدِّد الأسباب المُشجعة وإن كانت غير واقعية. وبين هاتين المجموعتين فكران كلٌّ منهما وضع أولوياته، وخطَّط لحياته، وقلبان كلٌّ منهما حلّق بأحلامه، ورأيان لكلٍّ منهما أسبابه يعضدها طموحاته.. وبعد أخذٍ وردٍّ ومشاورة وفصل يُتوصل إلى رأي إمّا القبول أو الرفض.. فإذا مضتِ السنون، وتعاقبتِ الأحوال، وهبّتْ عواصف المواقف، وهطلت أمطار التجارب، لمعت المعادن الأصيلة وازدادت بريقًا وجاذبية، وزالت الأقنعة المزيفة، وبدت بشاعتها على حقيقتها الواقعية.. ففي الحال الأولى غالبًا ما تنتفخ صدور العقول التي دبّرت هذا الزواج السعيد صادحةً بأنّها أدقُّ من يُشخص وخيرُ من يختار.. وفي الحال الثانية غالبًا ما تحاول رؤوس تلك العقول أنْ تختفي خلفَ بعضها البعض مُتشدقةً بأنْ لم يحدث ما حدث إلّا بقسمةٍ ونصيبٍ من الله القادر القهار! ومن ثم قد تقوم تلكم العقول نفسها التي تسبّبت بشكلٍ أو بآخر في التشجيع على الزواج الذي فشل بجمع المعلومات وترتيب الخطوات واتخاذ القرارات بمحضِ اختيارها وبكاملِ إرادتها، فإنْ نجحت في مساعيها وصلُح الحال افتخرت بحنكتها ورأيها الحكيم، وإن خابت مساعيها وصار إلى الأسوأ لَوَت أعناقها مدّعيةً إنَّ هذه حكمة الرب العليم! فيا عجبًا لتلك العقول.. تُنزِّه من الخطأ ذواتِها الناقصة المحدودة، ولا تجدُ حرجًا في نسبته إلى ذات خالقها الكاملة اللامتناهية! وهو اعتقاد خاطئ خطير لم تعتقد به لو كانت لما تدّعي واعية، إذ لا قسمة ولا نصيب في الزواج، ولو كان الأمر كذلك لحقّ لنا أن ننسب القُبح إلى الله (تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا). إذ كيف يجبَر الله (تعالى) الرجل على الزواج بامرأةٍ معينة ومحددة دون غيرها، ومن ثم يأمره في محكم كتابه العزيز: "فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ" (1)؛ إذ إنّ جبره على الزواج من امرأة محددة قد يتعارض مع نكاحه بمن تطيب لها نفسه كما هو واضح. أم كيف يجبر الرجال والنساء على الزواج ممن حددهم أو حددهن مسبقًا ثم يعاقب من تزوجت برجلٍ كتابي ومن تزوج بامرأةٍ كافرة مثلًا.. نعم، الله (سبحانه) يعلم بعلمه الأزلي الذي لا يخفى عليه شيء أنَّ فلانًا من الناس سيختار فلانةً زوجةً له والعكس أيضًا. ولو كان كلُّ ما يعلم به الله (تعالى) عن الناس هو جبرٌ لهم لانتفت الحكمة من الثواب والعقاب، بل لكان من العبث أنْ يُثاب من كان مُجبرًا على الطاعة، ولكان من الظلم أنْ يُعاقب من كان مُجبرًا على المعصية.. كما أنَّ السُنّةَ المطهرةَ أكدت وبصورةٍ جلية على أنَّ الزواج اختيارٌ وذلك ضمن تأكيدها في الروايات الشريفة على حسن اختيار الزوج*. فقد روي عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام): "أتى رجلٌ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) يستأمره في النكاح، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): "انكح، وعليك بذاتِ الدين تربت يداك" (2). كما روي أنَّ رجلًا جاء إلى الإمام الحسن (عليه السلام) يستشيره في تزويج ابنته؟ فقال: "زوِّجها من رجلٍ تقي، فإنّه إنْ أحبّها أكرمها، وإنْ أبغضها لم يظلمها" (3). ثم لو كان الزواجُ قسمةً ونصيبًا فلِمَ شرّع الباري (عزّ وجل) تشريعي الطلاق والخُلع؟! فإنْ كان زواجُ الرجلِ بامرأةٍ محددة والعكس جبرًا من الله تعالى، انتفت الحاجة إلى تشريع الطلاق والخلع! وإنْ كانت الحاجة إلى تشريعهما ضرورةً لا بُدَّ منها، وجب أنْ يترك (سبحانه) أمر اختيار الزوج لهم، وهو كذلك. وبذا ثبت المطلوب بأنَّ الزواج اختيارٌ وليس بإكراه.. من كلِّ ما تقدم يتضح لنا جليًا أنْ لا صحة لمقولة (الزواج قسمة ونصيب). وإنْ هي إلّا ذريعة يتمسك بها البعض لإخلاء مسؤوليتهم، وشمّاعة يُعلقون عليها أخطاءهم وسوء اختيارهم.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *الزوج في اللغة العربية تطلق على كل من الذكر والأنثى بدليل قوله (تعالى):"وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ" (البقرة 35) (1) النساء 3 (2) الكافي ج5 ص472 (3) ميزان الحكمة ج4 ص188

اخرى
منذ شهرين
228

زيارةُ القبورِ طاعــةٌ للـّهِ لا شركٌ به (1)

بقلم: رضا الله غايتي المقدمـــــــة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين، حبيبنا محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين. وبعد يُعدُّ التوحيد أعلى أصول الدين وأهم القضايا التي أرسل الله (تعالى) من أجلها الأنبياء والمرسلين، وهو الحدُّ الفاصل بين الدين واللا دين، وبه تثبت للإنسان المسلم حقوقه، وبالحكم عليه بخلافه يُجرَّد من جميعها بما فيها حقّه في الحياة –في بعض الأحيان-، كما أنَّه يُحكم عليه بالخلود في النار الى أبد الآبدين؛ ولذا فقد كان احترامه وعدم المساس به من أكثر المسائل التي أكّد عليها حبيب إله العالمين، كما نهى عن التكفير والاتهام بالشرك لما له من الضرر العظيم والخطر الجسيم، فقد أخرج أبو داود عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "أيّما رجل مسلم أكفر رجلًا مسلمًا فإنْ كان كافرًا وإلا كان هو الكافر"(1) ولما تفطن أعداءُ الإسلام إلى هذه المسألة الحساسة اتخذوا منها سيفًا صارمًا للتفريق بين المسلمين، فزرعوا بينهم فرقةً أشبه ما تكون بالخلايا السرطانية التي لا همَّ لها سوى تدمير الجسد، وغذّوها بالدولارات ودعموها بالحكم والسلطان لتنشر وباءها الخبيث وتجتث من جسد الإسلام صفوة المؤمنين. ولمّا كان محبو أمير المؤمنين (عليه السلام) وعشاق الإمام الحسين (عليه السلام) هم تلك الصفوة؛ فقد تميّزوا بالعقائد المحكمة والتنمر بذات الله تعالى، وهم الذين أقضّوا مضاجع الاستعمار والمستعمرين، فقد سدّدَ الاستعمار سهامه لضربهم لتكون أول طائفةٍ يُكفِّرها أتباعهم من الجهلة الوهابيين. وبناءً على ذلك فقد وضعوا مبانيهم الاعتقادية وسنّوا أحكامهم الشرعية وكأنّها قد فُصِّلت تمامًا لغرضِ تكفير شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقالوا: "من قال: لا إله إلا الله لا يخلو أنْ يكون واحدًا من اثنين: إمّا أنْ يقولها دون أنْ يُشرك بالله شيئًا، أي لا يزور قبرًا، ولا يبنيه، ولا يُصلي عنده لله، ولا ينذر له، ولا يمسّه، ولا يتمسح به، ولا يطوف حوله، وإما أنْ يقولها، ويفعل شيئًا من ذلك، والأولُ لا يُسأل عن شيء، ولا يُحاسب على شيء، وإنْ أتى بمليء الأرض ذنوبًا "(2) وبناءً على ذلك فقد قسّموا الأمة الإسلامية إلى قسمين: قسم أشبه بما ادعوه اليهود (شعب الله المختار)، وقسم عاصٍ مُشرك لا يستحقُّ في الحياة الدنيا سوى قتلِ الأنفس وإزهاق الأرواح وسبي النساء والذراري واستباحة الأموال، ولا يستحقُّ في الحياة الآخرة سوى الخلود في النار! وقد أشاروا إلى القسم الأول بقولهم: «إنَّ التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب؛ لأنّه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه، وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب، ولو كانت قراب الأرض»(3) على حين أشاروا إلى القسم الثاني بقولهم: «كما هو الواقع في هذه الأمة ـ أي أمة محمد والواقع منهم هو العصيان ـ وهذا هو الشرك الأكبر المنافي للتوحيد ـ إلى أنْ قال ـ فأثبتوا ما نفته كلمة التوحيد، وتركوا ما أثبتته من التوحيد»(4) ومن هنا فقد عدَ الوهابيون زيارة القبور وما يستتبعها من التبرك بها والاستشفاع والتوسل بمن يرقد فيها من الصالحين وما إلى ذلك أولى علامات الكفر والشرك! ولأجل ذلك فقد استُبيحت الدماء، وانتُهِكت الأعراض، ونُهِبت الأملاك، بل وتحوّلت بعض البلدان الإسلامية التي ضمّت أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إلى ساحةِ حربٍ بينهم وبين هؤلاء التكفيريين بدعمٍ استعماري في وَضَحِ النهار وتأييدٍ صهيوني مُبين. ولأهميةِ مسألة زيارة القبور فقد ارتأيتُ أنْ أناقش أبرز ما توجّه للزائر الكريم من شُبُهاتٍ ترميه بالبِدعةِ تارةً وبالشركِ أخرى وبالكفرِ ثالثة، بدءًا من شدِّهِ الرحال لزيارة قبور الأنبياء والأولياء والصالحين، مرورًا بالتبركِ بقبورهم والتوسل بذواتهم الطاهرة والاستشفاع بمنزلتهم الرفيعة عند الله (تعالى)، إلى الصلاةِ عند قبورهم والإسراج عليها وانتهاءً بزيارةِ النساء لقبورهم المباركة. ولمناقشةِ هذه الشبهات بشيءٍ من العلمية، كان لابُدَّ من تقسيم البحث إلى فصلين: الأول منهما: يتناول التوحيد وخطورة التكفير. وقد جاء على ثلاثة مباحث: الأول منها: عن التوحيد الحق. أما الثاني فكان عن التوحيد وفقًا للرؤية الوهابية لتتضح مناشئ التكفير والاتهام بالشرك. ليكون الثالث عن خطورة التكفير. وأما الفصل الثاني: فقد تناولتُ فيه الشُبُهات التي أطلقها الوهابيون حول زيارةِ القبور وهي: شُبهة تحريم شدِّ الرحال إلى ما سوى المساجد الثلاثة. شُبهة تحريم التوسل والاستشفاع بمن يرقد في القبور من الصالحين واتهام المتوسل بالشرك في الربوبية. شُبهة تحريم التبرك بقبور الصالحين واتهام القائم بذلك بالشرك في الألوهية. شُبهة تحريم الصلاة عند القبور. شُبهة تحريم الإسراج على القبور. وأخيرًا شُبهة تحريم زيارة النساء للقبور. وقد أفردتُ لكلِّ شبهةٍ مبحثًا خاصًا، وللخروج من هذا البحث المتواضع بثمرةٍ مفيدةٍ فقد ختمتهُ بخاتمةٍ أدرجتُ فيها النتائج. ختامًا، أسأل الله (تعالى) أنْ أكونُ قد وُفِقت ببيان وتوضيح موضوع البحث ولو بشكلٍ يسير، كما أسأله القبول. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1ـ سنن أبي داود ج4 ص221 2ـ هذه هي الوهابية ص111 3ـ فتح المجيد ص54 4ـ المصدر السابق ص101

اخرى
منذ شهرين
148

زيارةُ القبورِ طاعةٌ لله لا شركٌ به (3)

بقلم: رضا الله غايتي المبحث الثاني التوحيد الوهابي ومنشأ التكفير. المطلب الأول التوحيد وأنواعه وفقًا للرؤية الوهابية ومناشئ التكفير المترتبة عليها أولًا: التوحيد وأنواعه وفقًا للرؤية الوهابية *تعريف التوحيد وفقًا للرؤية الوهابية عرّف محمد بن الوهاب التوحيد قائلًا: "اعلمْ رحمك الله أنّ التوحيد هو: إفرادُ الله بالعبادة، وهو دينُ الرسل، الذي أرسلهم الله به إلى عباده، فأولهم نوح (عليه السلام) أرسله الله إلى قومه، لما غلوا في الصالحين: ودٍّ وسواعٍ ويغوثَ ويعوقَ ونسرٍ، وآخر الرسل محمد (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، وهو الذي كسّر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى قومٍ يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، ولكنّهم يجعلون بعض المخلوقات وسائطَ بينهم وبين الله"(1) *أنواع التوحيد وفقًا للرؤية الوهابية وأما أنواعُ التوحيد فقد تطرّق إليها بقوله: "وأما التوحيدُ فهو ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. أما توحيد الربوبية: فهو الذي أقرَّ به الكفار على زمن رسول الله (صلى الله عليه [وآله]وسلم) ولم يُدخلهم في الإسلام وقاتلهم رسول الله (صلى الله عليه [وآله]وسلم) واستحلَّ دماءهم وأموالهم. وهو توحيد بفعله (تعالى)، والدليل قوله (تعالى): "قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ"، "قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ".... الأصل الثاني: وهو توحيدُ الألوهية، فهو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه، وهو توحيدُ الله بأفعالِ العباد، كالدعاء، والنذر، والنحر، والرجاء، والخوف، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والإنابة. ودليل الدعاء قوله (تعالى): "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" ................... . وأما النوع الثالث : فهو توحيدٌ الذات والأسماء والصفات، وقال (تعالى): "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ"(2) *تعريف العبادة وفقًا للرؤية الوهابية: ولتوقف تعرُّفِنا على الفهم الوهابي للتوحيد على التعرف على مفهومهم للعبادة، فضلًا عن أهمية التعرفِ على مفهومهم لها بحدِّ ذاته في البحثِ بشكلٍ عام، كان لا بُدّ من التعرفِ إلى أبرزِ كلماتِهم في العبادة. عرّف ابن تيمية العبادة قائلًا: "اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة"(3) وقال صالح ابن فوزان شارحًا لتعريف ابن تيمية: "العبادةُ هي فعلُ ما شرّعه الله (سبحانه وتعالى)، الصلاة عبادة، والصوم عبادة، والحجُّ عبادة، وصلةُ الأرحام عبادة، والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر عبادة، والإحسانُ إلى اليتيم عبادة إلى آخره، كلّ ما شرّعه الله فهو عبادة"(4). ثانيًا: مناشئ التكفير الوهابي للمسلمين يبدو الاضطراب واضحًا في الفهم الوهابي للتوحيد من خلال كلماتِ علمائهم المذكورة آنفًا، ويمكنُ توضيحُ ذلك من خلال النقاط الآتية: أولاً : عرّفوا التوحيد بالاقتصارِ على التوحيد في العبادة، على حين أنَّ التوحيدَ لابُدّ أنْ يكونَ أيضًا في الربوبيةِ والألوهيةِ والصفات والذات ...ألخ. وهو إلى هُنا وإنْ كان يُشكِّلُ خللًا في فهمهم للتوحيد القرآني، بيدَ أنّه لا يُشكل منشأً لتكفيرِ المسلمين لو أنّهم عرّفوا العبادةَ بمفهومها القرآني، وحدّوها بالحدِّ المنطقي الصحيح، ولكنّهم لم يفعلوا ذلك، بل عرّفوها بالأعم -كما سيأتي لاحقًا- مما أدّى إلى دخولِ ما ليس من العبادة في حدِّها، الأمر الذي أنتج عنه كثرة المصاديق التي بسببها كفّر الوهابيةُ المسلمين. ومن هنا كان تعريفهم للتوحيد بالاقتصارِ على العبادةِ، مع سوءِ فهمهم لحقيقتها أحدَ أهمِّ مناشئ تكفير المسلمين. ثانيًا: قطعوا بأنَّ الكفار في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانوا موحدين توحيدًا ربوبيًا، إلا أنّ ذلك التوحيد لم يُدخلهم الإسلام لشركهم في الألوهية، وقد فاتهم أنَّ الكفار يومئذٍ لم يكونوا يُميزون بين نوعي التوحيد، كما أنَّ قطعهم هذا باطلٌ جملةً وتفصيلًا وذلك للأسبابِ الآتية: 1/ خاطبَ القرآنُ الكريم المشركين بأنّهم اتخذوا من دونِ الله (تعالى) أربابًا، كما في قوله (عزّ من قائل): "وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا"(5)، و "وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ"(6). وعليه، فشركُ المشركين الربوبي واضحٌ جدًا لا ريبَ فيه. 2/ يعتقدُ المشركون أنَّ للآلهةِ التي يعبدونها تأثيرًا استقلاليًا في شؤونِ الكونِ أو في بعضها، ومن ثم فهم يعتقدون أنَّ لها قدرةً ذاتيةً على النفع والضر. وقد صرّحت بذلك العديد من الآيات منها قوله (تعالى): "وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا"(7)، وقوله (عز وجل): "وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ"(8)، وقوله (تعالى): "فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ"(9)، وقال (تعالى): "أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ"(10). 3/ يعتقدُ المشركون بشراكةِ الآلهةِ للهِ (سبحانه وتعالى) في المُلكِ وفي النُصرةِ الذاتية المستقلة عنه (جلّ وعلا)، قال (عزّ من قائل): "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا"(11). كما يعتقدون بشراكتِها له (عز وجل) في تدبيرِ السمواتِ والأرض، كما في قوله (تعالى): " قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ"(12) وهل الاعتقادُ بشراكةِ الآلهة لله (سبحانه وتعالى) في الملكِ وفي النصرةِ الذاتية وفي تدبيرِ السموات والأرض إلا الشرك الربوبي؟! 4/ قال (تبارك وتعالى): " فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ "(13)، و "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ"(14) والند: هو الشبيه أو المثيل، أي بمعنى (الكفؤ) في سورة التوحيد. وعليه، فإنَّ الكفار الذين في زمن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) يرون أنَّ آلهتهم مساوية لله (سبحانه وتعالى) في قدراته، ومن أبرز قدراته (جل جلاله) الخلق والتدبير والرزق وغيرها وكلها أمورٌ من شأن الرب. وعليه، فهم لم يوحدوه توحيدًا ربوبيًا كما ادّعت الوهابية. 5/ بل إنَّ الكفار في زمنِ الرسول (صلى الله عليه وآله) كانوا يعدّون آلهتهم أولياءً من دون الله (سبحانه وتعالى)، قال (تعالى): "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ"(15)، و"قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ "(16). و(الولاء والتوالي: أنْ يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويُستعار ذلك للقربِ من حيثُ المكان، ومن حيثُ النسبة، ومن حيثُ الدين، ومن حيثُ الصداقة والنصرة والاعتقاد. والوَلاية النُصرة، والوِلاية: تولّي الأمر)(17) وعليه، فسواء كان مقصود الكفار من اتخاذ الآلهة أولياءً من دون الله (تعالى) أنَّ الآلهة أنصارٌ لهم أو متولون لأمرهم، فهو شركٌ ربوبي بلا أدنى شك. ومن الجدير بالذكر، أنّ المنهيَّ عنه في تولّي الغير هو اتخاذُه ناصرًا بالاستقلال عن اللهِ (جلّ جلاله)، وإلّا لم يكنْ منهيًا عنه ومن بابٍ أولى فهو ليس بشرك. بل إنَّ الله (جلّ شأنه) قد دعا إلى ولاية غيره –بشروط- في كتابه الكريم، كما في قوله (عز من قائل): "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"(18) وقد أغمض الوهابيون أعينهم عن هذه الحقيقة الواضحة ليؤسسوا قاعدةً في تكفير كلِّ من يتخذ غير الله (تعالى) وليًا، وإنْ كان معتقدًا كلَّ الاعتقادِ بأنَّ ذلك الوليّ لا ينصره إلا بإذنِ الله (تعالى) وعونِه. 6/ إنَّ القرآن الكريم يُصرِّح باعتقاد الكفار أنَّ آلهتهم تضرُّ وتنفع، كما في قوله (تعالى): "أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ"(19)، إذ لو لم يكونوا يعتقدون بذلك الاعتقاد لما خوّفوا النبي (صلى الله عليه وآله) بها. ولا يعدُّ القرآن الكريم كلَّ نسبةِ نفعٍ أو إضرارٍ إلى من سوى الله (تعالى) من الشرك به (سبحانه)، فهناك مثل هذه النسبة لم يذكرها القرآن الكريم بذمٍ؛ وذلك لأنَّ الاعتقاد بها هي ضمن دائرة الإذن الإلهي. ومن أجلى مصاديقها الأعمالُ التي نسبها إلى النبي عيسى (عليه السلام) في قوله (تعالى): "أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ "(20). وعليه، فإنَّ الاعتقاد بأنَّ موجودًا ما يضر وينفع بإذن الله (تعالى) ليس من الشرك بشيء في المفهوم القرآني. بيدَ أنَّ الوهابيين قد أساؤوا –أو تعمدوا عدم- فهم ذلك، - وقد اعتدنا منهم أن يسيؤوا فهم أو يجهلوا ما يحلو لهم - فوضعوا كلَّ من ينسبُ نفعًا أو ضرًا إلى موجودٍ ما في خانةِ الشرك، وإنْ كان يعتقد بأنّه لا يضرُّ ولا ينفعُ إلا بإذنِ الله (تعالى)، بل وإنْ صرّح بذلك لهم أيضًا، وهذا أحد مناشئ التكفير أيضًا. 7/ ومن المعتقدات الضالّة للكفار إمكانيةُ آلهتهم على النفعِ والضرِ بالتوسطِ علاوةً على إمكانيتهم ذلك بصورةٍ مستقلة كما تقدّم في اتخاذهم أنصارًا. ويتجلى اعتقادُهم هذا في اتخاذهم شفعاءَ، قال (تعالى): "أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43)"(21) فتمسكوا بهذه الآية وسواها ممن تحدثت عن توسيط المشركين آلهتهم لأجل الشفاعة عند الله (تعالى)، وعمّموا الذمَّ على كلِّ طلبٍ للشفاعة، بل وقالوا بالنهي عنه، وإنْ كان طلب الشفاعة من خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله) نفسه! متناسين العديد من الآيات التي جوّزت الشفاعة ممن أذنَ الله (تعالى) له، منها قولُه (عزَّ من قائل): "مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ "(22) وفي مسألةِ الشفاعة تفصيلٌ يأتي لاحقًا بعون الله (تعالى). وقد فتح عدمُ فهمهم موقفَ القرآن الكريم من الشفاعة بابًا آخر لاتهام المسلمين بالشرك كما سيأتي.. ولمناشئ التكفير تتمة تأتي لاحقًا إن شاء الله (تعالى).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) كشف الشبهات ص14 (2) مجموعة التوحيد ص7و8 (3) مجموعة الفتاوى ج10ص91 (4) إعانة المستفيد ج1 ص39-40 (5) آل عمران 80 (6) آل عمران64 (7) مريم 81 (8) يس 74 (9) هود 101 (10) الأنبياء 43 (11) الإسراء 111 (12) فاطر 40 (13) البقرة 22 (14) فصلت 9 (15) الزمر 3 (16) الرعد 16 (17) المفردات للراغب ص533 (18) التوبة 71 (19) الزمر 36 (20) آل عمران 49 (21) الزمر 43 (22) البقرة255

اخرى
منذ أسبوعين
100

الإمامُ الصادق (عليه السلام) ومعالجةُ دعوى الإلحاد

بقلم: رضا الله غايتي شهد عصر الإمام الصادق (عليه السلام) إعصارًا فكريًا عنيفًا ــ لتظافر عواملَ لا يسع المقام لذكرهاــ ضربَ العديد من الأسس العقدية والأخلاقية التي شيّدتها تضحيات الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليه السلام)، فما كان من الإمام الصادق (عليه السلام) إلا أنْ بادر إلى تقويم تلك الانحرافات، جامعًا بين السلاسة في الأسلوب والرفق في المحادثة من جهة، وبين المتانة العلمية والبراهين القاطعة من جهةٍ أخرى. ومن أخطر تلك الانحرافات دعوى الإلحاد. والإلحاد: هو ترك الاعتقاد بوجود إله لهذا الكون (1)؛ لأسبابٍ نفسية ــ تحررًا من الأحكام الدينيةــ، أو بيئية ــ كالنشأة في بيئة ملحدةــ، أو أخرى يُدعى أنَّها علمية أو عقلية وهي ليست منهما بشيء! وقد تصدى الإمام (عليه السلام) للملحدين فدحض الشبهات التي دعتهم للإلحاد، مثبتًا الوجود الإلهي عبر طريقين: *الإدراك الفطري: وهو الشعور التوحيدي الراسخ في أعماق النفس البشرية، إلا أنَ الحجب الظلمانية لدى البعض قد تطمر ذلك الشعور الفطري وتحول دون توقّد الشعلة الإيمانية، فإنْ هم أصيبوا بهزةِ محنةٍ عنيفة استيقظ ممزقًا تلك الحجب ومعلنًا وجوده (سبحانه). وقد استعان الإمام الصادق (عليه السلام) بإثارة هذا الإدراك عندما سأله رجلٌ: يا ابن رسول الله دلني على الله ما هو؟ فقد أكثر عليّ المجادلون وحيروني، فقال له: يا عبد الله هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم، قال: فهل كُسر بك حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم، قال: فهل تعلق قلبك هنالك أنَّ شيئًا من الأشياء قادرٌ على أنْ يخلصك من ورطتك؟ قال: نعم، قال (عليه السلام): فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث (2) *الإدراك العقلي: فقد أثبت الإمام الصادق (عليه السلام) وجود الله (سبحانه وتعالى) بالبراهين العقلية، كبرهان النظم والإمكان والحدوث، وهي براهينُ مهمة في المقام لكننا نقتصر على أولاها روماً للإيجاز: *برهان النظم: ويتلخص في الاهتداء إلى الخالق (سبحانه) عن طريق التأمل في صفحات الكون، حيث هدفية كل خلقٍ، عبر التوازن الدقيق بين الاَجزاء، والترابط البديع بين الاَشياء، كالتوازن بين حياة النبات والحيوان، وكالترابط بين أعضاء جسم الإنسان. وقد أشار إليه الاِمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «أوّل العبر والأدلّة على الباري (جلّ قدسه) تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه، فإنّك إذا تأمّلت بفكرك وميّزته بعقلك وجدته كالبيت المبنيّ المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسّماءُ مرفوعةٌ كالسّقف، والاَرضُ ممدودةٌ كالبساط، والنجومُ مضيئةٌ كالمصابيح، والجواهرُ مخزونةٌ كالذخائر، وكلُّ شيءٍ فيه لشأنه مُعَدّ، والاِنسانُ كالمُملَّك ذلك البيت، والمُخَوَّل جميع ما فيه، وضروب النبات مهيأة لمآربه...»(3) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)انظر الإلحاد، محمد ناصرص27 (2)و(3) بحارالأنوارج3ص41و ص62

اخرى
منذ شهر
205

زيارةُ القبورِ طاعــةٌ للـّهِ لا شركٌ به (2)

بقلم: رضا الله غايتي الفصــل الأول التوحيد ومنشأ التكفير وخطورته: التوحيد هو أساس دعوة الأنبياء والمرسلين جميعًا (عليهم السلام)، فما من رسولٍ إلّا ودعا قومه إلى توحيد الله (جلَّ في علاه)، وما من نبي إلّا وقد دعا قومه إلى نبذ عبادة ما سواه. وهو أصلُ أصولِ الدين الإسلامي الحنيف وأساسها؛ إذ لولاه لما كان للنبوة وجود ولا للمعاد أثر. وهو الحدُّ الفاصل في الحكم على الإنسان بالإسلام من عدمه، وعليه يتوقف صون ماله وعرضه وحقن دمه، فلذلك كان للتوحيد في الفكر الديني الأهمية البالغة العظيمة، ولأجل ذلك فقد نُهيَ المسلمون عن التكفير لما يترتب عليه من آثارٍ خطيرةٍ وجسيمة. وللتعرف أكثر على ماهية التوحيد، وخطورة التكفير والاتهام بالشرك وآثارهما فقد ارتأيتُ أنْ نتناول معنى التوحيد ومراتبه في المبحث الأول، ولأنّ نقطة انطلاق التكفير تبدأ من الفهم المغلوط للتوحيد فقد تناولتُ ذلك في المبحث الثاني تحت عنوان: التوحيدُ وفقًا للرؤية الوهابية ومنشأ التكفير، ليكون المبحث الثالث والأخير عن خطورة التكفير والاتهام بالشرك.. المبحث الأول: التـوحيــــــد ومراتبــــه: التوحيد: هو (تفرُّد الله (عز وجل) بالألوهية والخلق والتدبير، وعليه يتفرع استحقاقه (تعالى) للعبادة، وتفرُّده بذلك) (1) والتوحيدُ أمرٌ فطري، فطر الله (تعالى) عليه الناس جميعًا وأودعه في أعماقِ قلوبهم وفي مطاوي ضمائرهم دونما حاجةٍ إلى برهان أو افتقار إلى استدلال. ولا يتجرّد عن هذه الفطرة أحدٌ أبدًا، ولكن قد تطمسها بعض الأمراض الخلقية أو الأفكار الفاسدة فتدعو صاحبها إلى أنْ يُكابر ويُغالط تلك الحقيقة الواضحة فينكر وجود الله (تعالى). بيدَ أنَّ نفس ذلك الناكر لوجوده (سبحانه) ما إنْ يتعرض إلى موقفٍ عسير يُشرف فيه على الهلاك حتى تنفض تلك الفطرة كلَّ ما ران عليها لتأخذ بعنقه إلى سبيل النجاة فتدعوه إلى التوجه إلى قوةٍ عظيمة تُقرُّ نفسه بأنها أعظم ما في الأكوان، وتتيقن روحه بأنّها وحدها القادرة على إنقاذه فيتوجه إليها طلبًا للعون والنجاة. وما تلك القوة العظمى في حقيقة الأمر سوى الله (جلَّ في علاه). وقد أشار الله (تعالى) إلى ذلك فقال: "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)" (2) كما ورد هذا المعنى أيضًا فيما روي أنَّ رجلًا قال للإمام الصادق (عليه السلام): "يا ابن رسول الله دلني على الله ما هو؟ فقد أكثر عليَّ المُجادلون وحيّروني فقال له: يا عبد الله هل ركبت سفينةً قط؟ قال: نعم قال: فهل كُسِر بك حيثُ لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أنَّ شيئًا من الأشياء قادرٌ على أنْ يُخلِّصك من ورطتك؟ قال: نعم قال الصادق (عليه السلام): فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا مُنجي، وعلى الإغاثة حيث لا مُغيث"(3) وللتوحيد مراحل لا بُدَّ أنْ يقطعها الإنسان جميعًا ليكون موحدًا، وهي: الأولى: التوحيد الذاتيّ: أي إنّ الله (تعالى) واحدٌ لا ندّ له ولا نظير ولا مثيل، وأنّ ذاته بسيطةٌ ليست مركَّبة: لا تركيبًا عقليًا من قبيل التركيب من الجنس والنوع، ولا تركيبًا خارجيًا من الأجزاء والأعضاء.. الثانية: التوحيد الصفاتي: أي إنَّ صفات الله (تعالى) على تعددها وتغايرها إنّما هي عينُ ذاته لا زائدةً عليها. الثالثة: التوحيد الخالقي: أي إنَّ الله (تعالى) وحده خالقُ الأكوان كُلِّها بالاستقلال. الرابعة: التوحيد الربوبي: أي ليس للأكوان ربٌّ ولا مدبرٌ سواه (جلّ في علاه) بالاستقلال. الخامسة: التوحيد في التشريع والتقنين: وذلك لأنّه هو وحده خالق الأكوان ومدبّرها، فله وحده حقُّ التشريع والتقنين أيضًا بالأصالة.. السادسة: التوحيد في العبادة: وذلك لأنّه وحده خالق الأكوان ومتولي أمر تدبيرها، وهو وحده المُقنن المُطاع فلا بد من حصر العبادة به وحده لا شريك له. ولذا فقد أكدت جميع الشرائع على هذا النوع من التوحيد ودعت إليه. وعلى الرغم من أنَّ القرآن الكريم والسنة المطهرة قد تكفلا ببيان التوحيد في كلِّ تلك المراحل وتوضيح حدوده، إلّا أنَّ بعض الفرق الإسلامية (الوهابية تحديدًا) قد أبت إلّا أنْ تجتهد في قبال النصوص الشرعية، فبدّلتِ المفاهيم الإسلامية وغيرت حدودها. وعلى الرغم من انحرافها الواضح عن جادة الصواب فقد اتهمت غيرها بالانحراف فأصبحت تُكفِّر بعض المسلمين وتتهم بعضهم بالغلو ظلمًا وتحكم بالشرك على آخرين. ولكي يتضح لدينا موضع انحراف الوهابية عن الفهم القرآني للتوحيد لنصل إلى منشأ تكفيرهم للمسلمين لا بُدَّ من التعرف على عقيدتهم في التوحيد على نحوٍ من الإيجاز أولًا، وهذا ما سنتناوله في المبحث القادم إنْ شاء الله (تعالى). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أصول العقيدة ص55 (2) يونس 22 (3) بحار الانوار ج89 ص240

اخرى
منذ شهر
150

العصمةُ جوهرُ الإمامةِ

بقلم: رضا الله غايتي العِصْمَةُ: لغةً: الإمساكُ والمنعُ(1)، واصطلاحًا: هي التنزّه عن الذنوب والمعاصي، صغائرها وكبائرها، وعن الخطأ والنسيان، وإن لم يمتنعْ عقلاً صدور ذلك عن المعصوم. وقد اختلفت المدرستان (الإمامية والعامية) في شرطيّة العصمة في الإمام، تبعًا لاختلافهما في تفسيرها (الإمامة)، فذهبت مدرسة الخلفاء إلى أنَّ الإمامة لا تعدو أنْ تكون منصبًا دنيويًا يتصدى من يتسنمه للحكم، بقطع النظر عن كيفية الوصول إليه، ومقامه العلمي، ومدى مطابقة سلوكه للأحكام الدينية؛ ولذا فهي لا تشترط العصمة. على حين عَرّفت المدرسةُ الإماميةُ الإمامةَ بأنَّها منصبٌ إلهي يخلُفُ فيه الإمامُ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) في القيام بجميع وظائفه سوى تلقّي الوحي الرساليّ، أيّ إنَّها امتدادٌ للنبوة؛ ولذا ذهبت إلى أنَّ العصمةَ عنصرٌ ذاتيٌّ من ذاتيات الإمامة، مُستندةً في ذلك إلى الأدلة العقلية والنقلية، فأما عقلًا، فلأنَّ الإمامَ واسطةٌ بين الله (تعالى) وخلقه، يبلِّغهم بأحكامه، ويكونُ لهم أسوةً ليهتدوا به، ولله (تعالى) عليهم حجة. وكلُّ هذه المقامات: مقام التبليغ، ومقام الأسوة، ومقام الحُجيّة لا تتحقق إلا إذا كان الإمامُ معصومًا؛ إذ لو كذب مثلًا، فلا يُمكِنُ الوثوقُ بتبليغِهِ الأحكامَ حينئذٍ، كما لا يكونُ أهلًا للاهتداءِ به، فضلًا عن قُبح الاحتجاج به واللهُ (سبحانه) منزَّهٌ عن كلِّ قبيح، فيلزمُ من كلِّ ذلك أنْ يكونَ معصومًا علمًا وعملًا، أي لا يُخطِئُ في استقبال المعلومةِ ولا في تحليلها ولا في تبليغها، مثلما أنَّه لا ينحرفُ، ولا يسهو، ولا ينسى. وأما نقلًا فهناك الكثيرُ من الأدلةِ، منها قولُهُ (تعالى): "وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"(2)، والمقصود من الظلم في كلمة (الظالمين) ما يقابل العدل، وبما أنَّ العدل: وضعُ الشيءِ في محلِّهِ، إذن فالظلم يشملُ كلَّ ما هو عكس ذلك من مصاديق، فالشركُ ظلمٌ عظيمٌ؛ لأنّه يضع العبادةَ في غير محلها، وعليه لا يقتصر معنى الظلم هنا على ظلم الآخرين فقط، بل يشمل مطلق الظلم، بما فيه ظلم النفس. والناسُ بحسب القسمة العقلية بالنسبةِ إلى الظلم على أربعةِ أقسامٍ لا خامس لها: من كان ظالمًا طوال حياته، ومن هو ظالمٌ في أول حياته فقط، و من هو ظالمٌ في آخرها فقط، ومن لم يظلم طوال حياته. ولا يستحقُّ الإمامةَ أيٌّ من الأقسام الثلاثة الأولى؛ لأنّ الله (جل جلاله) قد استثنى كلَّ من ارتكب ظلمًا ولو بمقدار ذرّة، فيتعيّن أنْ لا أحد يستحقُها سوى القسم الرابع؛ لأنّه لم يرتكبْ ظلمًا قط وهذا هو المراد من المعصوم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)معجم مقاييس اللغة ج4ص331 (2) البقرة 124

اخرى
منذ شهر
117