تشغيل الوضع الليلي

انتحـارُ الطلبـة الأسباب والوقايــة (1)

منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 1370

بقلم: رضا الله غايتي
طلبةٌ بعمر الزهور، يتفجّرون طاقةً وحيويةً ونشاطًا، يعيشون آمالًا وأحلامًا بالغد الأفضل، عليهم الأمم والشعوب تعقد آمالها، ولا غرو في ذلك فهم قادة المستقبل وبُناته.. وإذا ببعضهم –وهم القلة القليلة- يعيش قمة اليأس من الحياة، فيتنازل عن حقه فيها، مُقدِمًا على شرابٍ دسَّ فيه السم، أو أنه يرمي بنفسه من شاهق، أو لافًا حبلَ المشنقة حولَ رقبته! مُعلنًا عن موتِ الأمل في نفسِه الذي دفعَه إلى فقدانِ الأملِ في الحياة كُلِّها..
هي لحظةٌ أو ربما لحظاتٌ قليلةٌ لا تُزهَقُ فيها روحٌ وحسب، بل هي تُثكل أمّاً وأباً وتُقطِّع نياط قلبِ أخٍ وأختٍ، وتُدخلُ الرعبَ على قلبِ طفلٍ وطفلةٍ، بل وربما تُجَرِّأُ بعض اليائسين لسلوكِ نفس السبيل، والحكم على نفسهم بذات المصير، فتتسعَ بذلك رقعة المُنتحرين شيئًا فشيئًا مُحدِثةً هزّةً في المُجتمعِ بأسره، مُخلخِلةً أمنه وطمأنينته..
فما الأسباب التي تدعو إلى ذلك يا تُرى؟ وكيف تُمكِنُنا وقاية أبنائنا من ذلك؟
بلا شكَّ أنَّ السببَ الأولَ والرئيسي هو الخواءُ الروحي، وضعفُ الوازعِ الديني، فعلى الرغمِ من بلوغِ الطلبةِ سنِّ التكليف لسنواتٍ عديدة، إلا أنَّ الكثيرَ منهم لم يوثِّقْ صلتَه بربِّ العالمين كما يجب؛ لأنّه لم يعرفْه كما ينبغي، ولذا لم يتيقنْ أنّه (سبحانه) هو مصدرُ كُلِّ خيرٍ في الحياة؛ لذا تجدُ بعضَهم ولشديدِ الأسف يتركُ حتى صلاته في فترةِ الامتحانات؛ لاعتقادِه أنّها تشغله عن الدراسة لبعض الوقت! فيتوسّلُ لبلوغِ النجاحِ والتفوّقِ بالأسبابِ المادية تاركًا مُسبِّب الأسباب! رغمَ أنّ الصلةَ به (جلَّ وعلا) هي التي تُضفي البركةَ على كُلِّ شيء..
كما لم يتيقنِ البعضُ منهم بمفهومِ سعةِ رحمتِه (سُبحانَه)، وأنْ لا يأسَ في مَحضرِه، وهو الحاضرُ منذُ الأزل، فلا يأسَ البتّة مهما صَعُبتِ الحياةُ وتكاثفتِ الهمومُ والأحزانُ، بل كُلُّ ذلك خيرُ دافعٍ للجوء إليه (جلّ جلاله) بصدقٍ؛ للفوزِ بالسكينةِ والطُمأنينةِ، ثمَّ النجاح والفلاح الذي لا يتحقَّقُ من دونِ الالتجاءِ إلى حولِه وقوتِه..
ورُبما أخيرًا عدم الإيمان بالقضاءِ والقدر هو الآخرُ له دورٌ كبيرٌ؛ وإلا فإن الاعتقادُ بأنَّ على العبدِ بذلَ غايةِ مجهودِه، فإنْ لم يتحقّقْ مُراده، فإنّ الخيرَ فيما اختارَه اللهُ (تعالى) بلا شك، وإنْ لم يبدُ له ذلك ظاهرًا، ومن يدري رُبّما هذا الطالبُ اليائسُ نفسُه لو اطلع على الغيب ورأى نتائج حصولِه على المعدلِ العالي لرُبّما رأى أنّها تقودُه إلى ما لا تُحمَدُ عُقباه.. هذا الاعتقاد له أثر مهم في تربية النفس وتصبيرها على ما يجري عليها من محن وآلام.
وأما ثاني الأسبابِ فهو الوعي المُتدني للطالبِ نفسِه، وضعفُ الثقةِ بالنفس، فإنْ هو أدركَ أنْ لا صعبَ يبقى صعبًا بعد الجدِّ والاجتهاد، وأنَّ الآمالَ مهما كانتْ كبيرةً فإنَّ العزمَ والإصرارَ بعدَ التوكُلِّ على اللهِ (تعالى) كفيلانِ في الوصول إليها، فإنْ أخفقَ فإنَّ الفشلَ طريقٌ آخر للنجاح، ولا بأس بتكرار المحاولة، حينها لن يفكر في الانتحار أصلاً.
كما أنَّ الثقةَ العاليةَ بالنفس تُشكِّل سدًا منيعًا أمامَ ما يسمعُه من تهويلاتٍ ومن وصفٍ مُبالغٍ فيه في وصفِ صعوبةِ الموادِ الدراسية، فيقفُ أمامَها بكُلِّ ثباتٍ مُستحضرًا في ذهنِه كُلَّ من عبروا هذه المرحلةِ بنجاحٍ باهرٍ وبمعدلٍ عالٍ، قائلًا في نفسه: لستُ أدنى منهم، فكما استطاعوا سأستطيعُ بعونِ اللهِ (تعالى)..
وأما السببُ الثالثُ، فهو سوءُ الحالةِ النفسية، ففي الكثير من الأحيان ما إن ينجح الطالبُ من الصفِ الخامسِ الإعدادي حتى يبدأ قلبُه ينبضُ قلقًا، وتُصدِّعُ رأسَه عباراتٌ يسمعُها من هُنا وهُناك، ورُبما ممن لم يدرسِ السادس حتى! وإن كان الغالب فيها أنها تكونُ بحُسنِ نيةٍ وبدافعِ الحرصِ والاهتمام.
وما إنْ يتصفّح وسائلَ التواصلِ الاجتماعي، حتى يجدُ البُكاءَ والتباكي من قِبَلِ طلبةِ السادس الإعدادي، ومن قِبَلِ الأهالي أيضًا، يتأمّلُ الصورَ التي تُنشَر بهذه المناسبة، صورةٌ لهيكلٍ عظمي يحبو، يُهنئه أهلُه وأصدقاؤه لعبورِه هذه المرحلةِ وهو على قيدِ الحياة، وصورةٌ لطالبٍ يهربُ من كتبِ السادس الإعدادي إلى حبلِ المشنقة، وصورةٌ وصورةٌ، وهي وإنْ كانت صورًا ربما أغلبها كاريكاتورية إلا أنّها تتضمن رسالة خطيرة جدًا، هدفها غرس القلق والهلع والكره والنفور من هذه المرحلة..
أضِفْ إلى ذلك دورَ الأهلِ السلبي سببًا رابعًا، فهم –بعضهم على الأقل- يُثيرون في قلبِ الطالبِ العديدَ من المخاوفِ وهم يحسبونَ أنّهم بذلك يدفعونه إلى الاهتمامِ بالدراسة، فيُصوِّرون له مُستقبلًا مُظلمًا إنْ هو لم يحصلْ على المُعدّلِ العالي، فلا عملَ ولا تقديرَ مُجتمعياً، ولا زواجَ ناجحاً، ولا بيتَ، ولا استقرارَ، ولا ولا، بل البعضُ يُطلِقُ تهديداتِه منذُ بدايةِ السنةِ الدراسية أنْ يا فُلان إما أنْ تحصلَ على المُعدّلِ الذي يؤهِلُكَ للالتحاقِ بالكُلية الفُلانية أو أنْ تتركَ الدراسةَ وتعمل معي أو مع عمِّك أو غيره، وما ذلك العملُ سوى تصليحِ السيارات أو ما شابه مع احترامِنا الكامل لجميعِ المِهَنِ الشريفة، أو إنْ لم تحصلْ على المُعدّلِ الذي يُرضيني فسأحوِّلُ حياتك إلى جحيم..!
وأما المقارنةُ فحدِّثْ ولا حرج، فبعضُ الأهالي لا يحلو لهم الحديثُ مع أبنائهم وحثّهم على الدراسةِ إلا بتطعيمِها بالمُقارنةِ إمّا بصديقِه أو بابنِ عمِّه أو ابنِ خالِه وسواهم، ومن المعلومِ أنَّ المُقارنةَ مِعولٌ يهدمُ الثقةَ بالنفس، ويُزعزِعُ الشعورَ برضا الوالدين عنه..
وعلاوةً على ذلك، فإنَّ تذكيرَه الدائمَ بما أنفقَه الأهلُ عليه من نفقاتٍ ماليةٍ وما هيأوه إليه من أجواءٍ دراسيةٍ والتي تصِلُ أحيانًا إلى أنْ يصطبغَ بصِبغةِ التعيير، مما يخلقُ عندَه عقدةَ الشعورِ بالذنبِ وتأنيبِ الضمير، ما إنْ يُخفق في امتحانٍ من الامتحانات، حتى تجلدَه بسياطِ اللومِ والتقريع..
فإنْ كان هذا الطالبُ أحدَ طلبةِ مُدرِّسٍ لا همَّ له سوى الراتب وممّن على تلك الشاكلة ليسوا بقليلين هُمُ اليومَ مع الأسفِ الشديد -مع كُلِّ إجلالِنا واحترامِنا إلى من لا زالَ يؤدي رسالتَه في التربيةِ قبلَ التعليم ويُدرِّسُ بكُلِّ جدٍ وإخلاص-، ومنهم من يُداوم دوامين ناسيًا أو مُتناسيًا أنَّه لو قصَّرَ في تدريسه في المدرسة الحكومية كان في راتبه إشكالٌ فقهي؛ لعدمِ تأديتِه ما عليه من واجبٍ على الوجهِ المطلوب، فكيف والبعضُ يتعمَّدُ عدمَ بذلِ جُهدِه في المدرسةِ الحكومية لادخاره للتدريس في المدرسة الأهلية أو الدروس الخصوصية وما إلى ذلك... فحينئذٍ يشرحُ المادةَ كيفما اتفق، ويتعاملُ مع الطلبة بصورة عشوائية ومُحبطة، ومن البديهي أنَّ الطالبَ إذا تُرِكَ وطبعه فإنّه يُحِبُّ المادةَ الدراسيةَ لحُبِّه لأستاذه، أو يكرهها لكُرهه إيّاه؛ مما يُزيدُ ذلك الطينَ بلةً.. فهذا هو السبب الخامس.
وأما السبب السادس، فصاحب السوء الذي يُبعِدُه عن محالِ رحمةِ الرحمن ويُزين له سُبُلَ الفسوقِ والشيطان، ويُنسيه العبادةَ ويُشجِّعه على اللهوِ والعصيان، فحتى وإنْ لم يشغلْه عن الدرسِ والمذاكرة فإنّه لرُبَما يحجبُه عن التوفيقِ الإلهي واللطفِ الربّاني، وهل من خيرٍ في الوجودِ أجمعه إلا وهو (سُبحانه) له المنبعُ والمصدر؟!
وقد أخّرتُ السبب السابع رغم أهميتِه؛ لأنّه قد يعملُ عملَ أكثر من سببٍ من الأسبابِ المتقدمة إنْ هو أُسيءَ استخدامُه، وهو جهاز التلفاز والجهاز الذكي، وما يحملانه من موادٍ إعلاميةٍ تُسمِّمُ فكرَ المراهقين والشباب، فتشغلُ وقتهم، وتجرُّ ضعيفي الإيمان منهم إلى معصيةِ الرحمن، كما توفِّرُ مناخًا مناسبًا للالتقاء برفقةِ السوء الذين يُهمِّشون الدينَ والقيمَ الأخلاقية، ويُفرِدونَ الاهتمامَ بالأمورِ الماديّة، فيكونُ الطالبُ حينئذٍ تربةً خصبةً لنموِ السُبُلِ الهدّامةِ كالإدمان، والانتحار..
ولا ننسى التأثير البالغ السلبية للألعاب الإلكترونية على فئة المراهقين والشباب؛ فهي تُسبِّبُ تشتت الانتباه وضعف التركيز والذاكرة، كما أنّ هَوَسَ الشباب بها قد يدفع بهم إلى السهر مما يؤثر سلبًا على المستوى الدراسي، فضلًا عن أنّها تُسبِّبُ اضطراباتٍ وأمراضٍ نفسيةٍ قد تصل إلى القلق والاكتئاب ثمَّ الاكتئاب الشديد، ومن المعلومِ أنّ الاكتئابَ الشديدَ أحدُ أهمِّ أسبابِ الانتحار..
فإنْ تجمّعت تلك الأسباب أمست وحشًا كبيرًا مُركّبًا من القلق والهلع والتشاؤم وضعف الثقة بالنفس، يدقُّ جرسَ الإنذارِ في نفسِ ذلك الطالب: أنْ يا أعضاءَ هذا الكائنِ المسكين إنّكم مُقبلون على خَطبٍ عظيم، فليدخلْ كُلٌّ منكم حالةَ الإنذار القصوى، فتبدأ رحلةُ الهَلَعِ والقلقِ، ورُبّما بدأتْ قبل ذلك عندَ البعض، بل منهم ممن رأيتُ عِظَمَ الخوفِ في عينيه، وسمعتُه يردِّدُ: يا ويلي من السادس الإعدادي وهو لم يزل في المرحلة الابتدائية بعدُ!



يتسع إن شاء الله تعالى.

اخترنا لكم

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (19)

بقلم: علوية الحسيني "وانصرني على من تعدّى محدودك" بعد أنْ يطلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) التوفيق لإقامةِ حدود الله (تعالى)، فإنّه يُردِفُ طلبه بأنْ ينصره على من تعدّى محدوده. وقد سبق وأن استظهرنا أنّ حدود الله (تعالى) هي الهرم الثلاثي للدّين, المتمثلة بالعقيدة والفقه والأخلاق, ومحدوده (تعالى) هو ذلك الهرم المنتهَك من قبل البعض؛ فالذين يتعدّون حدود أصول الدّين بجزئها أو كلّها, هؤلاء أعداءٌ لله (تعالى), يطلب الإمام أنْ ينصره عليهم, وكذا فروع الدّين, وأخلاقه. بل مع لوازمه المحققة لمجتمعه, كاقتصاد المجتمعات, وقوانينها, وطبّها. هذا كلّه نشير إليه بالخروج عن حدِّ الإجمال قليلاً؛ وذلك لاحتمال أنْ يكون نصر الإمام على من تعدّى على محدودات الله (تعالى), على عدّة أوجه, منها:- 1/ نـصرٌ فكري إنّ الإساءات التي توجهت لشخص النبي (صلى الله عليه وآله), والشبهات التي هدفها المساس بالإمامة وشخوص الأئمة (عليهم السلام)؛ كي يضعف التمسك بها لابُدَّ أنْ يدحضها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). فالحربُ هنا فكرية, ولا بُدّ أن يكون النصرُ فكريًا أيضًا؛ لذا يدعو الإمام أنْ ينصره الله (تعالى) على من أشعل نار تلك الحرب –وهم الكثير من أعدائه وذراريهم-؛ بإزاحة ستار كلِّ الشبهات عن تلك الشخوص المقدّسة, وتعريف الناس جميعًا بعصمتهم, ومقامهم المعنوي عند الله (تعالى). لذا روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إذا قام القائم لا يبقى أرض إلا نودي فيها شهادة أنْ لا إله الله وأنَّ محمدًا رسول الله"(1), وفي الحديث إشارةٌ إلى نصرِ دين الله (تعالى) مطلقًا -سواء على من يُشكك في ذلك الدّين أو على من يُحاربه-. والخلاصة: إنّ أصول الدّين ستنجلي عنها الشبهات, وسينتصر الإمام لأقدس الشهادات حين ظهوره, وهي شهادة (لا إله إلاّ الله, محمد رسول الله علي ولي الله). 2/نصرٌ فقهي إنّ الذين يتعدّون على فروع الدّين بالإنكار أو الاستخفاف أو الإيمان ببعض وعدم الإيمان بالآخر -كإنكار الخمس-, أو ينكرون السنة النبوية -قول وفعل وتقرير النبي والأئمة (عليهم السلام)- ويكتفون بكتاب الله (تعالى), ويزعمون أنّهم يستنبطون منه أحكامًا شرعية, ويكذّبون التراث الروائي الصحيح والمعتبر, أولئك هم حقًا أعداءٌ لرسول الله (صلى الله عليه وآله), وعدوُّ الرسول عدوٌ لله (تعالى), فلابُدّ للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الانتصار عليهم؛ لأنّهم لم يراعوا قدسية الحديث المتواتر الذي أوصى بالتمسك بالثقلين, ولم يُدركوا جهلهم بعلوم الدّين حتى وصل بهم الأمر إلى حدِّ إنكار التقليد والاجتهاد والاحتياط. فالإمامُ سينتصر على أولئك المنتهِكين لفروع الدّين بطرقٍ موكولةٍ إلى حين زمنها. والخلاصة: إنّ الفقه وأهله المخلصين سيُزكى ويُنصرون من قبل الإمام حين ظهوره. 3/ نـصرٌ أخلاقي الظلمُ خُلُقٌ قبيحٌ, فلا وجود له في الدولة العادلة, لذا يستعين الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالله (تعالى) ويطلب منه النصر على الظالمين الذين تعدّوا حقوق المظلومين, والظلم الذي تعرّض وسيتعرّض له الإمام هو ظلمٌ لأهل بيته ولجميع أتباعه. فلو أردت استضعاف دولةٍ ما لا يكفي أنْ تظلم فردًا أو عشرةَ أفرادٍ من تلك الدولة مثلًا, بـل تظلم قائدها وحينئذٍ سترى الاستضعاف بادٍ على جميع مفاصلها ومواطنيها. نعم, ممكن أنْ يُصب الظلم على الرعية بتعليمهم قبيح الأخلاق؛ حتى يُشكِّلوا عقبةً صعبةَ المعالجة في أوائل فترةِ ظهور الإمام, كتعليمهم السرقة والكذب والخيانة وما شابه ذلك, حتى روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ الأمر سيصل إلى حدِّ سرقة ثياب المصلي! وأيُّ سوءِ خلقٍ أشنع من هذا! فقد روي عنه أنّه قال: "... ورأيت الرجل يخرج إلى مصلّاه ويرجع، وليس عليه شيء من ثيابه"(2). وبالتالي إنّ النصر الذي سيحققه الله (تعالى) للإمام من هذه الناحية هو نصرٌ أخلاقي؛ بانتصار القسط والعدل والخلق الحسن على الظلم والجور والخلق السيء. والنصرُ متحققٌ جزمًا لا محالة, حيثُ إنّ الإمامَ نفسَه أولُ المظلومين المستضعفين, لذا نجد أنّ الوعد الإلهي صريحٌ بأنْ يجعله الله (تعالى) وارثَ الأرض وحاكمها بعد الظلم والاستضعاف. قال (تعالى): {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين}(3) فبوراثته الأرض سينتصر على العتاة الظالمين أخلاقيًا. والخلاصة: إنّ الأخلاق ستبلغ أوج درجاتها على يدِ الإمام حين ظهوره. 4/ نصرٌ اقتصادي من الواضح أن بعض التجار الكبار يحتكرون البضائع, ويستضعفون الصغار منهم, حتى بدا السوق وكأنّه ملكٌ لهم, فانتشر الظلم الاقتصادي بسبب لؤمهم, وسوء تصرفهم؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام): "... ويملك المال من لا يكون أهله، لكع [لئيم] من أولاد اللكوع [اللئام]"(4). هذا فضلًا عن سوء التدبير الاقتصادي كتلف المنتوجات بسبب سوء خزنها, فلعل ذلك يكون من أهم أسباب انتشار القحط والجوع قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، حيثُ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إنَّ قدّام قيام القائم علامات: بلوى من الله (تعالى) لعباده المؤمنين، قلت: وما هي؟ قال: ذلك قول الله (عزّ وجل): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ يعنى المؤمنين،... ﴿وَالْجُوعِ﴾ بغلاء أسعارهم، و ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ﴾ فساد التجارات وقلة الفضل فيها،... ﴿وَالثَّمَراتِ﴾ قلة ريع ما يزرع وقلة بركة الثمار، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ عند ذلك بخروج القائم (عليه السلام)..."(5). أضف إلى ذلك أنّ المجتمع الذي تتفشى فيه المعصية ترتفع البركة عنه, وتقل خيراته؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام): "إنَّ الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات، وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات"(6). لذا سينتعش الاقتصاد في زمن ظهور الإمام, حتى يخرج من الأرض بركاتها, ويضع قانونًا اقتصاديًا يحفظ منتوجاتها, وتكثر السماء ببركته مائها؛ رويَ أنّه "إذا قام القائم حكم بالعدل...وأخرجت الأرض بركاتها"(7). كما "وهناك أسبابٌ عديدة لا يسع المقام لنقلها فيها إشارة واضحة إلى كيفية النصر الاقتصادي الذي سيحققه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) حين ظهوره"(8). والخلاصة: إنّ الاقتصاد سيزدهر في دولة العيش الرغيد في زمن ظهور الأمام. 5/ نصرٌ قانوني لاشك أنّ القوانين الوضعية لم تُحِطْ علمًا بجميع مصالح البشر, كما أنّ عدم تطبيقها على الجميع نتيجةَ التمييز بين الطبقات الحاكمة والمحكومة, والمُتحزبة والفقيرة, أدى إلى عدم المساواة وتفشي الظلم. بل بات أخذُ الرشوة من بعض القضاة والمحامين وموظفي الدولة أمرًا طبيعيًا, حتى تجرّأ أقل المواطنين مهنةً على طلب الرشوة, وانتشر الفساد المالي, والخيانات الإدارية. فهذا وأمثاله لا يرضى به الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), وبالتالي سينتصر على كلِّ تلك الظواهر السلبية نصرًا قانونيًا؛ من خلال حكمه بالقانون الشرعي الإلهي, الذي يراعي مصالح جميع البشر, وينشر العدل. روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "...تاسعهم قائم أمتي ، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت جورًا وظلمًا"(9). كما وسيحكم الإمام بإلهامٍ من الله (تعالى)؛ يقول الإمام الصادق (عليه السلام): "إذا قام قائم آل محمّد (عليهم السلام) حكم بين الناس بحكم داود لا يحتاج إلى بيّنة، يُلهمه الله (تعالى) فيحكم بعلمه، ويخبر كلّ قوم بما استبطنوه، ويعرف وليّه من عدوّه بالتوسّم"(10), الأمر الذي ينفي كلَّ شكٍ في حكمه (عجّل الله فرجه الشريف), وإنّ هذا لنصرٌ عظيمُ على من يحكم بالظن, أو يرتشي ليقبل شهادة زور. ولا إشكالَ أبدًا بحكمِ الإمام وفقًا لحكم النبي داوود (عليهما السلام), ولا منقصة؛ لعدّة أسباب, أهمها: "إنّ النبي داوود (عليه السلام) كانت يشارك الإمام بتبليغ أركان الدّين, وهي التوحيد والنبوة, بالإضافة إلى عقيدتنا في عصمة الأنبياء جميعهم, وضرورة الإيمان بهم وأخذ الدروس من حياتهم, وأنّ النبي داوود ليس نبيًا لليهود فحسب, وإنّما بُعِثَ لهم, فلا مانع من أنْ يُعطي الله (تعالى) للإمام كيفية حكم ذلك النبي, وهو الحكم بالعلم اللدني"(11). والخلاصة: أنّ السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية لدولة الإمام ستتحلى بالعدالة والشفافية والنزاهة بقيادته (عجّل الله فرجه الشريف), فلا ارتشاء, ولا ظلم, ولا حكم مبني على الظن. 6/ نصرٌ طبّي باتتِ المجتمعات تعاني الويلات من التدهور الطبي لمرضاها, إمّا لعدم اكتشاف المسبب الحقيقي لبعض الأمراض, أو لقلّة الإمكانيات المادية لتوفير العلاج, أو لخطأ التشخيص, أو لسوء التدبير في الحدِّ من انتشار الأوبئة المعدية, وأمثلة كثيرة تشير إلى ذلك التدهور. وعلى الرغم من التطور العلمي الطبي, لكنك لا تجد ولو دولة واحدة تعيش بمجتمعٍ صحي نقي, إذ كلّ المجتمعات لا تخلو من العلل والأمراض، فمنها ما ينتقل بالعدوى, ومنها ما لا شفاء منها بصيرورتها مزمنة, فضلًا عن قلّة الثقافة الطبية عند أغلب الشعوب. فالإمامُ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في دولته سينتصر على جميع تلك الحالات غير الصحيحة في المجال الطبي, كيف لا وقد كان أجداده (عليهم السلام) ببركاتهم يشفى المريض, فالطب الجسدي والروحي علمه عندهم أيضاً. روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "من أدرك قائم أهل بيتي من ذي عاهةٍ برأ، ومن ذي ضعفٍ قوي"(12). والعاهةُ هي المرض, أما الضعفُ فهناك من العلماء من احتمل أمرين, هما: *أن يكون ذلك الضعف ضعفًا جسديًا بسبب الأمراض, ومعنويًا بسبب الحالات النفسية. *أو أنْ يزول ضعف المريض في دولةِ الإمام ويُبدله الله (تعالى) قوةً؛ اعتمادًا على قرينةٍ منفصلةٍ, وهي قولٌ رويَ عن الإمام السّجّاد (عليه السلام): "إذا قامَ القائمُ أذهب الله عن كلِّ مؤمنٍ العاهة، وردّ إليه قوّته"(13), وهذا بحدِّ ذاته انتصارٌ على المرض واستئصاله. ونصرٌ "كهذا الانتصار وغيره في المجال الطبي لا يسع المقام لاقتباسه, توكل مراجعته إلى مصدر تحليله"(14). والخلاصة: إنّ الإمام سينتصر على الأمراض, ويحقق مجتمعًا طبيًا واعيًا صحيًا. _______________________ (1) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, باب27 , ح89. (2) شرح اصول الكافي: للمازندراني, ج11, ص317. (3) سورة القصص: 5. (4) إلزام الناصب في اثبات الحجة الغائب: للشيخ علي اليزدي الحائري, ج2, ص261. (5) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, باب14, ح5. (6) نهج البلاغة, خ143. (7) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, باب27 , ح83. (8) ظ: دراسة مقارنة للوضع الاقتصادي بين الغيبة والظهور: للشيخ ماهر الحجاج, مجلة الموعود, العدد8/ ذي الحجة/ 1440هـ. (9) كمال الدين واتمام النعمة: للشيخ الصدزق, ج1, ص256. (10) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, باب 27, ح86. (11) إشكالية حكم الإمام المهدي عجل الله فرجه بشريعة داود: لحميد عبد الزهرة, مجلة التنتظار, العدد 12/ محرم/ 1429هـ. (12) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, باب27, ح68. (13) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, باب21, ح2. (14) ظ: دولة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف: السيّد مرتضى المجتهدي السيستاني, مصدر إلكتروني. اللهم انصره وانتصر به, وارزقنا العيش في دولته, بلطفك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

العقائد
منذ 5 سنوات
1949

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية (٩)

بقلم: علوية الحسيني الصحة ركنٌ أساسيٌ آخر قد تغفل عنه بعض النساء في شهر رمضان خصوصًا, وفي الأشهر الأخرى عمومًا, وهي (الـصحة), التي هي عماد الإنسان المعين له على ممارسة كافة نشاطاته. فينبغي أن تجعل له جانبًا من الأهمية, دفعًا للضرر الذي يصيب الجسم نتيجة اهمال الصحة, وانحدارها بالأمراض. وانطلاقًا من حديث نبوي شريف ينبغي أن تلتفت المرأة إلى أنّها مسؤولة عمن ترعاهم, أو تكون بحكم الراعية لهم، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، ...والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم" (1). ورعاية المرأة -زوجةً كانت أو بنتًا أو أختًا- يجب أن تُفعّل, إذ الإسلام فرض عليها تفعيل دورها من عدّة نواحي, ومنها ناحية الرعاية, إذًا يتحتم عليها أن ترعى الأبناء والزوج, والوالدين, والأسرة. وبما أنّ الرعاية مفهوم عام, فسوف يتم تسليط الضوء على أحد مصاديقها, وهي (الرعاية الصحية). فيا أختاه! بإمكانك أن تفعّلي تلك الرعاية من خلال إعدادكِ للطعام في شهر رمضان خصوصًا, وفي الأشهر الأخرى عمومًا. وحيث إنّ الصائم لا بد له من رعايةٍ صحيةٍ خاصة, فينبغي لكِ أن تراعي القواعد الصحية في طهي الطعام, وطرق تقديمه, وتقديم الأنفع على النافع منه. ومن هنا ينبغي عليكِ أن تكوني كالخبير الصحي في الأطعمة؛ حتى تؤدي رعايتكِ الصحية حق الأداء, بالرجوع إلى ما اعتمد عليه خبراء التغذية مباشرةً, أو اتباع ارشاداتهم. فبإمكانكِ أختاه قبل تقديم أيّ وجبة طعام أن تُراعي القواعد الصحية من حيث الفيتامينات, والتقديم والتأخير, وإمكان قرن أكلتين معًا, مع مراعاة التركيز على النقاط التالية: 1- بالنسبة لفوائد الأطعمة بإمكانكِ معرفتها من خلال الموروث الروائي الصادر عن أهل البيت (عليهم السلام), المجموع في كتاب اسمه "(الكافي), وذلك في جزئه الثالث تحديدًا" (2). 2- بالنسبة لوجبة الإفطار ينبغي مراعاة تقديم الطعام أوّلًا, ثم الأشربة -كالعصائر أو الشاي-؛ تطبيقًا لقاعدةٍ قرآنيةٍ صحيةٍ غذائية تقول: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَض} (3). 3- ضرورة طبخ الطعام الجيّد, والابتعاد عمّا يضر بصحة عائلتكِ, روي عن الإمام الصادق (عليه ‌السلام): "اعمل طعامًا، وتنوّق فيه" (4), والتنوّق هو المبالغة في الجودة. ويدخل ضمن مراعاة جودة الطعام الصحي: التقليل من الدهون والأملاح التي تسبب أمراضًا لا تحمد عقباها, فينبغي عدم التفريط في الصحة ولو بأكلةٍ واحدة؛ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "كَمْ مِنْ أَكْلَة مَنَعَتْ أَكَلاَت" (5). 4- قد تحتمل الضرر أسرتكِ من أكلها بعض الطعام, رغم احتوائه على فوائد عظيمة, فهنا بإمكانكِ تعليمها الدعاء المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في دفع احتمال الضرر من بعض الطعام؛ فيروى "أنّ الأصبغ بن نباتة دخل على أمير المؤمنين (عليه‌ السلام) وقدّامه شواء, فقال له الإمام: ادن فكل, فقلت: يا أمير المؤمنين هذا لي ضارّ, فقال: ادن اُعلّمك كلمات لا يضرّك معهنّ شيء ممّا تخاف، قل: "بسم الله خير الأسماء ، بسم الله ملء الأرض والسماء ، الرحمن الرحيم ، الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء ولا داء" (6). 5- لا تقدّمي الطعام الساخن جدًا؛ لزوال البركة منه, ومشاركة الشيطان فيه؛ حيث روي عن الإمام الصادق (عليه‌ السلام) أنّه قال: "إنَّ النبيّ (صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله) أُتي بطعام حارّ جدّاً ، فقال: ما كان الله ليطعمنا النار، أقرّوه حتّى يبرد ويمكن، فإنّه طعام ممحوق البركة، وللشيطان فيه نصيب" (7). 6- ذكّري أسرتكِ ببلوغ الصحة نصابها إذا تم الالتزام بمقدمات الطعام, كغسل اليدين قبل الطعام, والمضغ الجيد, وتصغير اللقمة, والأكل باليمين, وهذه, والمزيد غيرها كلّها سنن نبوية" (8). 7- ترك وجبة السحور قد تسبب خللاً في صحة الصائم, لذا حثّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على عدم تركها؛ روي عن علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "تسحروا ولو على شربة ماء ...وقال (صلى الله عليه وآله) السحور بركة ولله ملائكة يصلون على المستغفرين بالأسحار وعلى المتسحرين" (9). 8- عليكِ مراعاة الاستنان بسنة النبي وآله (صلوات الله عليهم) في نوع الطعام عند الإفطار, ففعلهم ليس عبثًا, وبالتالي تشخيصهم لغذاء معيّن هو أكثر صحة؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا افطر بدأ بحلواء يفطر عليها فان لم يجد فسكرة أو تمرات فإذا أعوز ذلك كله فماء فاتر وكان يقول ينقى المعدة والكبد ويطيب النكهة والفم ويقوى الأضراس ويقوى الحدق ويحد (يجلو - خ) الناظر ويغسل الذنوب غسلا ويسكن العروق الهايجة والمرة الغالبة ويقطع البلغم ويطفى الحرارة عن المعدة ويذهب بالصداع المقنعة" (10). ____________________ (1) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج72, ص38. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج3, باب الأطعمة والأشربة. (3) سورة البقرة: 187. (4) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج24, باب استحباب اتخاذ الطعام ، وإجادته, ح1. (5) نهج البلاغة, ج4, ص42. (6) ظ: وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج24, باب ما يستحبّ الدعاء به عند أكل الطعام الذي يخاف ضرره, ح1. (7)المصدر نفسه, باب كراهة أكل الطعام الحار جداً ، واستحباب تركه حتى يبرد أو يمكّن ، وتذكر النار عنده, ح5. (8) ظ: سنن النبي (صلى الله عليه وآله): للعلاّمة الطباطبائي, ب9, ص211. (9) جامع أحاديث الشيعة: للمحقق البروجردي, ج9, ص253. (10) المصدر نفسه, ص258. اللهم أدم عافيتك علينا, ولا تبتلنا بما يقعسنا عن تكليفنا.

المناسبات الدينية
منذ 6 سنوات
1489

متلازمة الصبر والصلاة في القرآن

بقلم :عبير المنظور تكرر الأمر الإلهي بالإستعانة بالصبر والصلاة في أكثر من موضع في القرآن الكريم مما يشكّل لدينا انطباعاً بأن هناك نوعاً من التلازم بين الصبر والصلاة ، فقد جاء في قوله تعالى بِسْم الله الرحمن الرحيم (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)(١) نجد الأمر الإلهي بفعل الأمر (استعينوا) بالصبر والصلاة والضمير في (إنها) عائد للصلاة. وفِي آية أخرى ورد ذات المعنى مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ ففي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٢). نلاحظ أيضاً الأمر الإلهي للمؤمنين بالإستعانة بالصبر والصلاة وذكرت الآية أيضاً المعية الإلهية مع الصابرين ولم تذكر المعية الإلهية مع المصلين! وبجمع الآيتين مع بعضهما بالكلمات المشتركة (استعينوا بالصبر والصلاة) نخرج بالمحصلة وهي أن الاستعانة يجب أن تكون بالصبر قبل الصلاة والاستعانة هنا هي طلب العون والمدد من الله تعالى كما ورد في المصطلحات الفقهية في المعاجم. وقد يتبادر للذهن سؤال وهو، لماذا تُقدّم الصبر على الصلاة في الاستعانة في الآيتين أعلاه؟ وبتأمل بسيط ندرك جيداً أن الدين كله عبارة عن صبر، صبر على الطاعات، صبر على المعاصي، صبر على الشهوات، صبر على المكاره والابتلاءات وما إلى ذلك، والصلاة هي عمود الدين إن قُبِلَتْ قُبِلَ ما سواها وإن رُدّت رُدَّ ما سواها وهي المقدّمة على سائر العبادات في الإسلام، ولعلّ تقدّم الصبر على الصلاة في الاستعانة لأن الصبر يهذّب النفس ويشذّبها ويحبسها عن المحرمات مما يُصفّي ساحة النفس من وساوس النفس الأمّارة ويعرج بها نحو عوالم الملكوت لتتجرّد من الأنانية والشهوات لتدخل حرم الصلاة بخشوع وحضور قلب لتكون بذلك الصلاة الحقيقية التي تنهى عن الفحشاء والمنكر وهكذا في سائر العبادات الأخرى، ولعلّه لهذه العلة ذكرت الآية المعية الإلهية مع الصابرين ومن هنا فإن تقديم الصبر على الصلاة في الاستعانة يساهم بشكل أو بآخر في تكامل الفرد فالصبر على المكاره يسبب حالة من الاستقرار والصفاء النفسي والرضا بقضاء الله وقدره وينطلق من تلك الروحية في الصلاة نحو معارج الكمال. ومن ناحية أخرى فإن الآيتين الآنفتي الذكر اللتين ذكرتا الاستعانة بالصبر والصلاة قد وردتا في سورة البقرة وهي مدنية ومن المعلوم أن حياة المسلمين في المدينة كانت تستلزم الصبر أكثر والالتزام بالصلاة لأنها رمز الإسلام وإيقونته الواضحة في العبادة ولانتشار الإسلام على نطاق أوسع مما كان عليه في المجتمع المكي ولتزايد أعداء الاسلام من قريش وحلفائها من القبائل العربية إضافة إلى يهود المدينة الذين نقضوا العهود والمواثيق مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وازدياد عدد الغزوات والمعارك وانعكاساتها على نفسية الفرد المسلم مما يستلزم منه الصبر سواء كان رجلاً أو امرأة أو طفلاً في ظل هذه المنعطفات التاريخية بالإضافة إلى مسؤوليات المسلمين في نشر تعاليم الإسلام إلى كافة الأصقاع، وكل هذه المسؤوليات الجسام تخفف حدتها الصلة بالله تعالى عن طريق الصلاة٠ وَفِي سورة طه ورد أمر إلهي آخر بشكل أمر مباشر وليس كاستعانة مقرونا الصبر بالصلاة، إلّا إن التعبير القرآني هنا تقدّمت فيه الصلاة على الصبر في قوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ) (٣)، نلاحظ جلياً الأمر الإلهي بالصلاة وأعقبته كلمة (واصْطَبِر عليها) والضمير في (عليها) عائد للصلاة، وهنا يرد سؤال آخر: لِمَ أمر الله تعالى نبيه الكريم (صلى الله عليه واله وسلم) أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبروا عليها مع أن الصلاة مع مقدّماتها لا تستغرق عدة دقائق؟! وقبل الإجابة على السؤال يجب التفريق أولاً بين مفهومي الصبر والاصطبار فالصبر في اللغة حبس أو منع النفس عن شيء معين وأما الاصطبار فيعني حسن الاحتمال والصبر دون شكوى. وفحوى الآية الكريمة أن الله تعالى يأمر بالصلاة والاصطبار عليها ولا يعقل أن يكون الاصطبار عنها لقيام أو ركوع أو سجود أو أركان الصلاة وإنما الأمر أعمق من ذلك بكثير فهو لا يخص مظهر الصلاة فقط وإنما يتعلق بجوهرها وباطنها المعنوي وانعكاساتها الخارجية على سلوك المصلي وكما قلنا سابقاً إن جميع العبادات تحتاج إلى صبر وحبس النفس عن الذنوب والمعاصي والمحرمات فكذلك الصلاة تحتاج إلى صبر كبير دون شكوى أو تذمر مما يسهّل ضبط النفس لاستحصال حضور القلب والخشوع وإبعاد طائر الخيال الذي غالباً ما يفسد لنا بعض الصلاة إن لم تكن كلها ونحن لا ندرك حقيقة ذلك، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها إلى العُشُر وإن منها لما تُلفُّ ما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها وما لك من صلاتك إلا ما أقبلت عليه بقلبك) (٤). وورد في هذا المعنى أيضاً عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام): (إن ما لك في صلاتك إلا ما أقبلت عليها فيها فان أوهَمها كلها أو غفل عن آدابها لُفَّت فضرب بها وجه صاحبها)(٥). وقد يسأل سائل: هل يعقل أن الصلاة وهي لا تتجاوز بضع دقائق قد يتشتت فيها ذهن المصلي فيصليها دون حضور قلب أو خشوع؟! فنقول: نعم ولا نغالي إنْ قلنا: إن من أصعب الأمور على الإنسان أن يجعل كل صلاته خاشعة وبحضور قلب ،ففي الصلاة يتجلى صبر الإنسان على الشيطان ووسوسته والتغلب عليه في حال حضور القلب وإبعاد طائر الخيال هو قهر للشيطان الذي يحاول جاهداً وقت الصلاة أن يغوي بني آدم، فالصلاة كما سائر العبادات هي محط الصراع بين القوى الرحمانية والشيطانية داخل النفس البشرية، فظاهر المصلي هو وقوفه متزناً ويؤدي ظاهر الصلاة من ركوع وسجود وقد يطيلهما ويحسن القراءة ولكن قلبه ساهٍ عن التفكر في جوهر صلاته وأهدافها أو قد يؤديها من باب العادة وليس من باب العبادة وأحياناً نجده لا يتورع عن ارتكاب المحرمات بعد الصلاة مباشرة وهذا ناتج عن الرؤية الخاطئة للدين عموماً والصلاة خصوصاً حيث يعتقد بعض المصلين أن نجاح صلاتهم وقبولها يعتمد فقط على التحلي بآداب الصلاة الظاهرية بل وحتى الباطنية منها في حال الصلاة فقط ولا يتعدى الأمر أبعد من ذلك فنجد أن شخصيتهم تتغير تماماً بعد الصلاة لأن صلاتهم لا تؤثر فيهم ولم تنههم عن الفحشاء والمنكر ، (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)(٦)، الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي تلك الصلاة التي يصطبر فيها المصلي على المصاعب التي تواجهه للحفاظ على جوهر تلك الصلاة والحفاظ على مكتسباتها الرحمانية وتطبيق تلك المكتسبات فكراً وسلوكاً في حركة الفرد المسلم في المجتمع ، فينقلنا الصبر على الطاعات والصبر عن المحرمات بقفزة نوعية في الصلاة الخاشعة -كما سائر العبادات- من حالة الإصلاح الفردي (للفرد في حال الصلاة) إلى حالة الإصلاح الذي ينطلق نحو المجتمع بطريقة متوازنة مما يجعل من منهج الاستعانة بالصبر والصلاة والاصطبار على الصلاة منهج حياة من حيث قبول الأعمال والطاعات الفردية والانطلاق منها بحركة إيجابية نحو المجتمع وإبقائه داخل دائرة الشريعة التي كفلت تنظيم وسعادة البشرية في المجتمع الملتزم حتى قيام الساعة . الهوامش (١) سورة البقرة الآية ٤ (٢)سورة البقرة الآية ١٥٣ (٣) سورة طه الآية ١٣٢ (٤) بحار الأنوار ج ٨١ ص ٢٦٠ (٥)وسائل الشيعة ،كتاب الصلاة ، أبواب افعال الصلاة ، باب ٣ - ح ١ (ج ٤ ص ٦٨٧) (٦) سورة العنكبوت الآية ٤٥

اخرى
منذ 7 سنوات
12953

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
87649

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
79169

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
59992

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
50947

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
48305

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
42412