وجدان صبري

محاسبة النفس

بقلم: وجدان الشوهاني عادت عواصف الأفكار لتسلب النوم منّي وتصيبني بالأرق، وكأنّها تتقصدني أين ما ذهبتُ، فمرة أخوض غمار الحوار مع بعض الفتيات، ومرة أتحاور مع نفسي فتثور ثائرتي على كثير من الأمور، وبحثت في كلِّ تلك الأمور التي أخوض غمارها، فوجدتُ أني نسيتُ أهم شيء وهي: محاسبة النفس. وبدأت أسأل: لماذا لا يشغل تفكيرنا كتلك الأمور الدنيوية الأخرى؟ أُفكر دائمًا بالأسباب التي تبعدنا عن محاسبة النفس، هل هو الهرب أو الخوف من أمر مجهول أو ماذا؟ لا أعلم! وفجأة استذكرت عبارة لأحد الأساتذة في الجامعة عندما قال: (كل انسان رئيس جمهورية نفسه) فقلت في نفسي: لِمَ لا أعقد اجتماعًا طارئاً مع نفسي، وفي ذات الوقت كنت أضحك من سذاجتي، ثم أعدتُ التفكير في العبارة، خصوصًا وأنّ القائل أستاذ جامعي وهذا يعني أنّها عبارة علمية. فلِمَ الضحك! فلست ساذجة، بالعكس، فأنا في كامل قواي العقلية، وما دعوت له قد أشارت له روايات كثيرة، لنجرب جميعنا، فلن نخسر شيئًا. فلنعقد الاجتماع لتلك القوى النفسية في داخل كل إنسان: القوى العقلية والغضبية والشهوية والوهمية، فكلها تدعو لنفسها وتريد الرياسة على ذلك المخلوق الإنساني لتصدر أوامرها، ومَن يحظى بمقبولية يترأس. ولو علم الإنسان مَن يترأس في جمهوريته العظيمة عند غالب بني البشر لطأطأ رأسه خجلًا... فكم منّا يترأسه الغضب أو الشهوة أو الوهم؟ وكلها مهلكة للإنسان! وكم منّا جعل العقل هو الرئيس لينجو من المهلكات؟! عجيب أمر هذا الإنسان، يفكر في كلِّ شيء إلّا نفسه، يتركها للأهواء لتتلاعب فيها، ويقف أمام ذلك موقف غير المسؤول، مع أنّها أهم شيء عليه أن يرعاه ويتحمّل مسؤوليته. ولذا نجد أنّ الله سبحانه تعالى حرّم أذيّتها وحرّم الانتحار، وحرّم أن يرميها الإنسان في التهلكة، ومع كل تلك الأحكام نجده مهملًا مع نفسه... وهذا هو سبب ابتعادنا عن محاسبة أنفسنا... فالإهمال قادنا إلى أعظم المهالك، بل قادنا إلى التسافل في كثير من الأحيان حتى أصبحت تصرفاتنا حيوانية... فمرة نتصرف بطريقة الافتراس وكأننا في الغابة، ومرة بالغرائز اللاشعورية، فنجد أنّنا نكسر كلّ قوانين الأديان، فضلًا عن الاعراف السائدة، ومرة بالمكر والحيلة، ونادرًا ما نفكر بالعقل لِنَسلَم... وللأسف فنادرًا ما نجد أنّ العقل يفرض سيطرته على تلك القوى، وتكون له الكلمة الفصل. فلو جعلنا الرياسة للعقل، لرأينا الغضب يكون لله فقط، والشهوة بالحلال، ولا نعطي مجالًا للمكر والشيطنة أن تحرض هذه على هذه، وحينئذٍ يكون الإنسان إنسانًا كما أراده الله تعالى. وعليه، فإن أردنا أن نكون كما أرادنا الله تعالى، فعلينا بمحاسبة النفس، وإن أردنا أن نتسافل، فطرق التسافل كثيرة، وليس علينا سوى أن نسجن العقل في زنزانةٍ حتى لا يحكم أبدًا، ونترك باقي القوى تتناوب في الرياسة... ليكون الهلاك مصيرًا لا محالة منه.

اخرى
منذ شهر
546

احتفال بالخسارة (ليلة رأس السنة)

بقلم: وجدان الشوهاني تُرى ما الميزة في هذه الليلة؟ لماذا ينتظرها الكثير؟ جلسْتُ انتظر نهاية العام كالآخرين لأحتفل بالعام الجديد وإذا بهاتفٍ يهمس في أذني: لقد خسرتِ سنةً أخرى من سنين عمرك! إنها كأوراق الخريف تسقط بصمت! فبأي شيء تحتفلين، فهذا ليس يوم مولد السيّد المسيح وحسب، بل هو يوم سقوط أوراق الخريف، انظري إلى الشجرة، فليست شجرة الميلاد كما يقول البعض بل شجرة العمر، انتبهي لعدد الأوراق المتساقطة وقومي بعِّدها. وإذا بي استفيق وكأني كنت نائمة وصوت الهاتف افاقني من رقدتي، وفجأة بدأت احسب عمري وفي الأثناء انتابني شعور بأن استرجع ذكرياتي بأفراحها وأحزانها، فهناك أشخاص كانوا يملؤون حياتي وقد رحلوا وتركوني وهناك من دخل حياتي وفيهم من ترك أثرًا إيجابيًا وآخر ترك أثرًا سلبيًا وأمور كثيرة بدأت استرجعها، كصلاتي وصومي وكل عباداتي ورفقتي، ورحل عني فرح استقبال العام الجديد لأني استشعرت الخسارة... تبًّا لذلك الهاتف الذي همس في أُذني وازعجني، وإذا بالهاتف يعود من جديد ليهمس بنفس الأُذن فيقول: أنا صوت الضمير لم أفعل ما يستوجب الإزعاج فكل ما فعلته كان بدافع الحب، فقد رأيتك تغرقين في متاهات الدنيا ومن فرط حبي همست في أُذنك لتستفيقي، فأوراق الخريف إن سقطت لن تعود ولا يتمكن أحد أن يعيدها لكِ... فلقد أحببتُ أن أُخبركِ بإعادة النظر بالاحتفال وأن لا تنجرفي خلف الكثيرين، فالمتكلمون كُثر والجادّون بالعمل قلّة. فانتبهي! فسوف تُسألين عن عمرك في أي شيء أفنيتِه، وعندها لن ينفع الندم، فاغتنمي الفرص وحاولي اصلاح ما كان فاسدًا في عام كامل... عندها قررت أن أمسك القلم، وأعدُّ سيئاتي وأكتبها في ورق لأرميها في سلّة النفايات مع أوراق الخريف المتساقطة وأبدأ من جديد. وفجأة عادت الابتسامة لشفَتي، ولكن هذه المرة ليست للاحتفال، بل لأني استفقت من غفلتي، وأعلنت التوبة في يوم: 1\1 . فلقد أيقنت أن هذا اليوم هو يوم خريف العمر الذي تتساقط فيه أوراق أعمارنا بصمت، وأول عمل سأقوم به بهذا اليوم، هو أن أُصلي صلاة ليلة الدفن لأني سأدفن أوراق الخريف مع سيئاتي بعد أن تم تغسيلها غُسل الميت، لأطهّر نفسي وبعدها أبدأ من جديد حياتي، ولن أغفوا أبدًا بإذن الله.

اخرى
منذ شهر
472

حكاية عام

بقلم: وجدان الشوهاني سأروي لكم حكاية عام... كان يا ما كان... في سالف الأزمان والأيام... كان هناك اثنا عشرَ شهرًا وهبها الله للأنام... ليعشوا بأمنٍ وسلام، لهم ما يشاؤون بشرط أن لا يتجاوزوا على الأحكام. وأن يجعلوا العقل قائدًا فيأمنوا من الآلام... ولكن فجأةً، جاء من زرَع الأوهام بجلباب الدين، وقال: سأتلو عليكم ما جاء في القران "وأمرهم شورى بينكم" فلماذا لا نعقد برلمان؟ وأُعاهدكم بأني سأغيّر الأحكام... فالعقل عادل لكنّه متشدِّد، فكلُّ شيءٍ عنده إما حلال أو حرام... وقد أرهقتنا الحياة وتعبنا، فلنعطهِ دواءً لكي ينام. وسأُحقق لكم الأحلام... فاقتنع الجميع بهذا الكلام... وقالوا: بالروح وبالدم نفديكَ أيّها المقدام. وهكذا تحولت القيادة إلى زعيمٍ لا يفقه شيئاً من دين الإسلام... سوى جلبابٍ اشتراه بمالٍ حرام... وتاه الناس بالظلام. وفي نهاية العام... قال: وداعًا أيها الإسلام... فلم يبقَ منكَ سوى العنوان، فالكثير ينتظر بابا نويل ... ولا أحد منهم ينتظر الإمام وهكذا نام الجميع، وما زالوا نيامًا.

اخرى
منذ شهر
400

زهرة أبيها

بقلم: وجدان الشوهاني يتيمة الأم، صغيرة، عندما فارقت أمّها، عاشت في رعاية أبيها، الذي آذاه البعض حتى إنّهم كانوا يلقون بالقاذورات عليه، فكانت على صغر سنّها تأتي لتزيل كل ما كان يُرمى، وتتحنّن عليه وكأنها أمّه وليست ابنته. فاليُتم من جانب قد عصف بها، وأذى القوم من الجانب الآخر يعصف أيضًا... لكن تقبيل أبيها لها كان مرهمًا يداوي كل جراح الزمن. وشيئاً فشيئاً صار ذا مكانة، ورفعه الله تعالى لمقام عالٍ حتى لم يبق أحد إلّا وآمن به، وكبرت تلك اليتيمة وتزوجت، ولكن لم يمنعها زوجها من أبيها، بل على العكس كان صورة أخرى من أبيها، فبيتها كان البيت الذي يجد أبوها فيه الراحة، ويشمّ من زهرته رائحة تلك الزوجة التي انجبت هذه الزهرة. كم كان يطرق الباب قبل أن يدخل أمام مرأى الناس ليعلم الجميع أن مَن خلف الباب ذات مكانة عند الله تعالى. كم كان يُقبّل يَدي زهرته أمام جميع زوجاته ليعلمْنَ أنها ليست مجرد بنت، بل هي الجنة. فما أن تغضب، يغضب هو، وما أن ترضى، يرضى، كل ذلك جرى أمام الجميع، لم يخفَ شيء عنهم، فلقد كانت البنت التي لم يعادلها أي ابن في زمن كانوا ينظرون للمرأة نظرة دونية، فتغيرت نظرة المجتمع بفضلها، ولكن جرت المقادير على رحيل أبيها، وما أن رحل حتى تغير كل شيء، منعوها البكاء عليه فبنى لها زوجها بيتًا في أعتاب مدينة أبيها. أنكروا عليها إرثها من أبيها، مع أنه حقها الشرعي، ولم يكتفوا فجاء الاصحاب الذين كانوا يرون كيف يتعامل الوالد مع زهرته ليهجموا على بابها الذي كان (صلى الله عليه وآله) يطرقه استئذانًا، فهددوا واضرموا النار وتجاسروا على تلك الزهرة، فالتفّت بعباءتها وواجهت بكل قوة رغم الألم... وقالت أعلموا! ولكنهم جهلوا... وصمّوا آذانهم ... فكان ما كان حتى ذبُلت واعتزلت الجميع وأوصت بوصاياها ... فكانت كلما سمعت الآذان يُغشى عليها من الحزن حتى ذبُلت زهرة أبيها ولم تعد كسابق عهدها وما هي إلّا أيام وإذا بالخبر يعج بالمدينة: ماتت زهرة المدينة واظلّم كل شيء ... شُيّعت ليلًا ودفنَت سرًا وأُخفي القبر عن الجميع كما أوصت، لتعلن انتفاضتها في وصيتها، على من جهل حقها هل تعلمون مَن تلك الزهرة؟ هي فاطمة وأبوها محمد! وهم أعداؤه الذين ما رعوا في زهرته شيئاً فاستباحوا كل شيء ... وجعلوا له سنّة سيئة سنّوها وسار عليها كل مَن تابعهم وداعًا يا زهرة محمد وداعًا يا زهرة أذبلتها ايادي الحقد والحسد...

اخرى
منذ 3 أسابيع
289

شكرًا سيدتي

بقلم: وجدان الشوهاني عطايا أم البنين (عليها السلام) كثيرة، وهذه حكاية إحدى عطاياها: تتوالى الأزمات عليها، كالغيث الذي يسقي الأرض. لا أعرف ما السر؟ لعلّها محل اعتناء من الله سبحانه وتعالى؛ لنقاء قلبها وصفاء روحها، ولعلّه ابتلاء وعقاب اقترفته بلا قصد. ولكنّي استبعد ذلك، ليس لأني أعرفها، ولكن كلُّ مَن حولها يهفو إليها وكأنها كهفهم الحصين... حبٌ لا أعرف سره، فهذه تراها ملهمتها، واُخرى تراها أمها، وثالثة تراها قائدة... أيُعقل أن يعاقبها الله بكثرة الأزمات؟! حاشاه وهو الغفور الذي يعفو عن الكثير... فحتى لو عصت فليس عصيانها بالكثير بل هو عصيان بلا قصد، يسارع قلبها النقي ليستغفر ربه عن تلك المعصية غير المقصودة. كم فكرت في السبب الذي جعلها لا تقوى على مواجهة الأزمات. ففي كل مرة تواجهها، لكن الأزمة الأخيرة وكأنها القاضية، فقد ضعفت عن المواجهة، وهنا عندما شعر الجميع بضعف الحل، لجأ الجميع لأبوابٍ سخرها الله لنا لكي نطرقها عندما تستحكم بنا الحلقات، والكلُّ بدأ يطرق أبواب مَن جعلهم الله أبوابًا له. ولكن للأسف دون جدوى. فما زالت تشتد حتى قطع البعض الأمل بالانفراج، إلّا أنا والبعض اليسير جدًا، وها هي ذكرى وفاة حليلة المرتضى وأم الأقمار الأربعة المكناة بأم البنين (عليها السلام) قد حان واقترب، النية بأن نَطرق بابها، فكم تكلّموا عن بابها الذي لا يرد أحداً… وكم تكلموا عن جودها وعطائها... فكيف بمَن اعطت وجادت بأربعة أقمار أن لا تجود بفك أزمة هذه المؤمنة؟! ها هو يوم العزاء… ما هي إلّا ساعات ويقام المجلس؟ وإذا بالفرج يهل وكأنه هلال أول الشهر الذي ينتظره الجميع! فقبل أن يقام المجلس، جاء الخبر، فُرجت… فرأيت الدموع من الجميع قد رسم أجمل الصور على وجوه محبيها. دموع الفرح! لا، لا… أظنها دموع الامتنان لمولاتنا أم البنين (عليها السلام)، حينها أيقنت بأنها محل اعتناء إلهي، فصوتها وصوت مَن يدعو لها جميل يحبه الله تعالى، فيؤخر الإجابة... ولكن الإجابة كانت في ذكرى وفاة أم البنين (عليها السلام). كم كانت هذه المؤمنة وفية لأهل البيت (عليهم السلام). اقتدت بمولاتها أم البنين (عليها السلام)، فاختار الله لها الإجابة في يوم أم البنين (عليها السلام) التي اشتركت معها بالوفاء... ماذا عساي أن أقول سوى: شكرًا سيدتي، فلا أملك سوى الشكر…

اخرى
منذ أسبوع
155