وجدان صبري

محاسبة النفس

بقلم: وجدان الشوهاني عادت عواصف الأفكار لتسلب النوم منّي وتصيبني بالأرق، وكأنّها تتقصدني أين ما ذهبتُ، فمرة أخوض غمار الحوار مع بعض الفتيات، ومرة أتحاور مع نفسي فتثور ثائرتي على كثير من الأمور، وبحثت في كلِّ تلك الأمور التي أخوض غمارها، فوجدتُ أني نسيتُ أهم شيء وهي: محاسبة النفس. وبدأت أسأل: لماذا لا يشغل تفكيرنا كتلك الأمور الدنيوية الأخرى؟ أُفكر دائمًا بالأسباب التي تبعدنا عن محاسبة النفس، هل هو الهرب أو الخوف من أمر مجهول أو ماذا؟ لا أعلم! وفجأة استذكرت عبارة لأحد الأساتذة في الجامعة عندما قال: (كل انسان رئيس جمهورية نفسه) فقلت في نفسي: لِمَ لا أعقد اجتماعًا طارئاً مع نفسي، وفي ذات الوقت كنت أضحك من سذاجتي، ثم أعدتُ التفكير في العبارة، خصوصًا وأنّ القائل أستاذ جامعي وهذا يعني أنّها عبارة علمية. فلِمَ الضحك! فلست ساذجة، بالعكس، فأنا في كامل قواي العقلية، وما دعوت له قد أشارت له روايات كثيرة، لنجرب جميعنا، فلن نخسر شيئًا. فلنعقد الاجتماع لتلك القوى النفسية في داخل كل إنسان: القوى العقلية والغضبية والشهوية والوهمية، فكلها تدعو لنفسها وتريد الرياسة على ذلك المخلوق الإنساني لتصدر أوامرها، ومَن يحظى بمقبولية يترأس. ولو علم الإنسان مَن يترأس في جمهوريته العظيمة عند غالب بني البشر لطأطأ رأسه خجلًا... فكم منّا يترأسه الغضب أو الشهوة أو الوهم؟ وكلها مهلكة للإنسان! وكم منّا جعل العقل هو الرئيس لينجو من المهلكات؟! عجيب أمر هذا الإنسان، يفكر في كلِّ شيء إلّا نفسه، يتركها للأهواء لتتلاعب فيها، ويقف أمام ذلك موقف غير المسؤول، مع أنّها أهم شيء عليه أن يرعاه ويتحمّل مسؤوليته. ولذا نجد أنّ الله سبحانه تعالى حرّم أذيّتها وحرّم الانتحار، وحرّم أن يرميها الإنسان في التهلكة، ومع كل تلك الأحكام نجده مهملًا مع نفسه... وهذا هو سبب ابتعادنا عن محاسبة أنفسنا... فالإهمال قادنا إلى أعظم المهالك، بل قادنا إلى التسافل في كثير من الأحيان حتى أصبحت تصرفاتنا حيوانية... فمرة نتصرف بطريقة الافتراس وكأننا في الغابة، ومرة بالغرائز اللاشعورية، فنجد أنّنا نكسر كلّ قوانين الأديان، فضلًا عن الاعراف السائدة، ومرة بالمكر والحيلة، ونادرًا ما نفكر بالعقل لِنَسلَم... وللأسف فنادرًا ما نجد أنّ العقل يفرض سيطرته على تلك القوى، وتكون له الكلمة الفصل. فلو جعلنا الرياسة للعقل، لرأينا الغضب يكون لله فقط، والشهوة بالحلال، ولا نعطي مجالًا للمكر والشيطنة أن تحرض هذه على هذه، وحينئذٍ يكون الإنسان إنسانًا كما أراده الله تعالى. وعليه، فإن أردنا أن نكون كما أرادنا الله تعالى، فعلينا بمحاسبة النفس، وإن أردنا أن نتسافل، فطرق التسافل كثيرة، وليس علينا سوى أن نسجن العقل في زنزانةٍ حتى لا يحكم أبدًا، ونترك باقي القوى تتناوب في الرياسة... ليكون الهلاك مصيرًا لا محالة منه.

اخرى
منذ 9 أشهر
1419

احتفال بالخسارة (ليلة رأس السنة)

بقلم: وجدان الشوهاني تُرى ما الميزة في هذه الليلة؟ لماذا ينتظرها الكثير؟ جلسْتُ انتظر نهاية العام كالآخرين لأحتفل بالعام الجديد وإذا بهاتفٍ يهمس في أذني: لقد خسرتِ سنةً أخرى من سنين عمرك! إنها كأوراق الخريف تسقط بصمت! فبأي شيء تحتفلين، فهذا ليس يوم مولد السيّد المسيح وحسب، بل هو يوم سقوط أوراق الخريف، انظري إلى الشجرة، فليست شجرة الميلاد كما يقول البعض بل شجرة العمر، انتبهي لعدد الأوراق المتساقطة وقومي بعِّدها. وإذا بي استفيق وكأني كنت نائمة وصوت الهاتف افاقني من رقدتي، وفجأة بدأت احسب عمري وفي الأثناء انتابني شعور بأن استرجع ذكرياتي بأفراحها وأحزانها، فهناك أشخاص كانوا يملؤون حياتي وقد رحلوا وتركوني وهناك من دخل حياتي وفيهم من ترك أثرًا إيجابيًا وآخر ترك أثرًا سلبيًا وأمور كثيرة بدأت استرجعها، كصلاتي وصومي وكل عباداتي ورفقتي، ورحل عني فرح استقبال العام الجديد لأني استشعرت الخسارة... تبًّا لذلك الهاتف الذي همس في أُذني وازعجني، وإذا بالهاتف يعود من جديد ليهمس بنفس الأُذن فيقول: أنا صوت الضمير لم أفعل ما يستوجب الإزعاج فكل ما فعلته كان بدافع الحب، فقد رأيتك تغرقين في متاهات الدنيا ومن فرط حبي همست في أُذنك لتستفيقي، فأوراق الخريف إن سقطت لن تعود ولا يتمكن أحد أن يعيدها لكِ... فلقد أحببتُ أن أُخبركِ بإعادة النظر بالاحتفال وأن لا تنجرفي خلف الكثيرين، فالمتكلمون كُثر والجادّون بالعمل قلّة. فانتبهي! فسوف تُسألين عن عمرك في أي شيء أفنيتِه، وعندها لن ينفع الندم، فاغتنمي الفرص وحاولي اصلاح ما كان فاسدًا في عام كامل... عندها قررت أن أمسك القلم، وأعدُّ سيئاتي وأكتبها في ورق لأرميها في سلّة النفايات مع أوراق الخريف المتساقطة وأبدأ من جديد. وفجأة عادت الابتسامة لشفَتي، ولكن هذه المرة ليست للاحتفال، بل لأني استفقت من غفلتي، وأعلنت التوبة في يوم: 1\1 . فلقد أيقنت أن هذا اليوم هو يوم خريف العمر الذي تتساقط فيه أوراق أعمارنا بصمت، وأول عمل سأقوم به بهذا اليوم، هو أن أُصلي صلاة ليلة الدفن لأني سأدفن أوراق الخريف مع سيئاتي بعد أن تم تغسيلها غُسل الميت، لأطهّر نفسي وبعدها أبدأ من جديد حياتي، ولن أغفوا أبدًا بإذن الله.

اخرى
منذ 9 أشهر
776

حكاية عام

بقلم: وجدان الشوهاني سأروي لكم حكاية عام... كان يا ما كان... في سالف الأزمان والأيام... كان هناك اثنا عشرَ شهرًا وهبها الله للأنام... ليعشوا بأمنٍ وسلام، لهم ما يشاؤون بشرط أن لا يتجاوزوا على الأحكام. وأن يجعلوا العقل قائدًا فيأمنوا من الآلام... ولكن فجأةً، جاء من زرَع الأوهام بجلباب الدين، وقال: سأتلو عليكم ما جاء في القران "وأمرهم شورى بينكم" فلماذا لا نعقد برلمان؟ وأُعاهدكم بأني سأغيّر الأحكام... فالعقل عادل لكنّه متشدِّد، فكلُّ شيءٍ عنده إما حلال أو حرام... وقد أرهقتنا الحياة وتعبنا، فلنعطهِ دواءً لكي ينام. وسأُحقق لكم الأحلام... فاقتنع الجميع بهذا الكلام... وقالوا: بالروح وبالدم نفديكَ أيّها المقدام. وهكذا تحولت القيادة إلى زعيمٍ لا يفقه شيئاً من دين الإسلام... سوى جلبابٍ اشتراه بمالٍ حرام... وتاه الناس بالظلام. وفي نهاية العام... قال: وداعًا أيها الإسلام... فلم يبقَ منكَ سوى العنوان، فالكثير ينتظر بابا نويل ... ولا أحد منهم ينتظر الإمام وهكذا نام الجميع، وما زالوا نيامًا.

اخرى
منذ 9 أشهر
707

زهرة أبيها

بقلم: وجدان الشوهاني يتيمة الأم، صغيرة، عندما فارقت أمّها، عاشت في رعاية أبيها، الذي آذاه البعض حتى إنّهم كانوا يلقون بالقاذورات عليه، فكانت على صغر سنّها تأتي لتزيل كل ما كان يُرمى، وتتحنّن عليه وكأنها أمّه وليست ابنته. فاليُتم من جانب قد عصف بها، وأذى القوم من الجانب الآخر يعصف أيضًا... لكن تقبيل أبيها لها كان مرهمًا يداوي كل جراح الزمن. وشيئاً فشيئاً صار ذا مكانة، ورفعه الله تعالى لمقام عالٍ حتى لم يبق أحد إلّا وآمن به، وكبرت تلك اليتيمة وتزوجت، ولكن لم يمنعها زوجها من أبيها، بل على العكس كان صورة أخرى من أبيها، فبيتها كان البيت الذي يجد أبوها فيه الراحة، ويشمّ من زهرته رائحة تلك الزوجة التي انجبت هذه الزهرة. كم كان يطرق الباب قبل أن يدخل أمام مرأى الناس ليعلم الجميع أن مَن خلف الباب ذات مكانة عند الله تعالى. كم كان يُقبّل يَدي زهرته أمام جميع زوجاته ليعلمْنَ أنها ليست مجرد بنت، بل هي الجنة. فما أن تغضب، يغضب هو، وما أن ترضى، يرضى، كل ذلك جرى أمام الجميع، لم يخفَ شيء عنهم، فلقد كانت البنت التي لم يعادلها أي ابن في زمن كانوا ينظرون للمرأة نظرة دونية، فتغيرت نظرة المجتمع بفضلها، ولكن جرت المقادير على رحيل أبيها، وما أن رحل حتى تغير كل شيء، منعوها البكاء عليه فبنى لها زوجها بيتًا في أعتاب مدينة أبيها. أنكروا عليها إرثها من أبيها، مع أنه حقها الشرعي، ولم يكتفوا فجاء الاصحاب الذين كانوا يرون كيف يتعامل الوالد مع زهرته ليهجموا على بابها الذي كان (صلى الله عليه وآله) يطرقه استئذانًا، فهددوا واضرموا النار وتجاسروا على تلك الزهرة، فالتفّت بعباءتها وواجهت بكل قوة رغم الألم... وقالت أعلموا! ولكنهم جهلوا... وصمّوا آذانهم ... فكان ما كان حتى ذبُلت واعتزلت الجميع وأوصت بوصاياها ... فكانت كلما سمعت الآذان يُغشى عليها من الحزن حتى ذبُلت زهرة أبيها ولم تعد كسابق عهدها وما هي إلّا أيام وإذا بالخبر يعج بالمدينة: ماتت زهرة المدينة واظلّم كل شيء ... شُيّعت ليلًا ودفنَت سرًا وأُخفي القبر عن الجميع كما أوصت، لتعلن انتفاضتها في وصيتها، على من جهل حقها هل تعلمون مَن تلك الزهرة؟ هي فاطمة وأبوها محمد! وهم أعداؤه الذين ما رعوا في زهرته شيئاً فاستباحوا كل شيء ... وجعلوا له سنّة سيئة سنّوها وسار عليها كل مَن تابعهم وداعًا يا زهرة محمد وداعًا يا زهرة أذبلتها ايادي الحقد والحسد...

اخرى
منذ 8 أشهر
644

بعثـــــرة!

بقلم: وجدان الشوهاني رجعتُ مسرعةً إلى منزلي بعد أنْ كنتُ برفقةِ صديقتي وجارتي أحدثها عن حالي ومدى معاناتي مع عائلتي في المنزل، فقدّمت لي جملة من النصائح، منها وجوب وجود مَن أطمئن إليه، فأنا بحاجة إلى وطن ومقدار من الحرية لأشعر بكرامتي في منزلي وعليَّ أن أبحث عنهما في منزلي. ففكرت أنْ أبعثر ما في منزلي لأبحث عنها، تُرى أين هي، في أي مكان أجدها، ومِن أين ابدأ؟ نعم تذكرتُ... فصديقتي قالت لي بعثري أغراضك كلها! وجارتي قالت: لا تتركي شيء لا تبعثريه، ونحن نساعدك في إعادتها إلى مكانها وبشكل أفضل، فلا تهتمّي لذلك، فقط ابدئي. فبعثرتُ كلَّ شيء في منزلي بحثًا، ولم أترك شيئًا حتى مكتبتي التي لطالما كانت ملاذي حينما تعصفُ بي العواصف ولا أجدُ من يفهمني فألجأ إليها، أتصفّح، أحاكيها فتُلهمَني معانٍ كثيرة عن الحياة وتوجهني نحو الصحيح وتجعلني أميّز بين الحق والفاسد، فأثور على الفاسد وأقفُ مع الحق... حتى هي لم تسلم من بعثرتي! فلم أترك كتابًا ولا ورقةً جمعتني بها الذكرى إلا بعثرتها، وبينما أنا منهمكة في ذلك فإذا بكتاب الله، لكني وقفت أمامه حائرة، أأرميه على الأرض أم أتركه؟ وبعد ترددٍ لم يسلم من بعثرتي! ولم التفت إلى الزمن، فهو يمرُّ سريعًا وأنا منشغلة بالبعثرة! وبعد الانتهاء... توقفتُ؛ فلم يَعد هناك ما أُبعثره فكلّ شيءٍ انتهى، وجدتُ نفسي واقفةً على تلٍّ من الخراب، فمنزلي لم يَعد فيه شيء في محلّه الصحيح سوى الجُدران، فوقفتُ أنظرُ إلى تلك الجدران وأتأمل بها، فهي حدود ما أسكن. عندها عرفتُ أنّني أملكُ وطناً! وأما الحرية والكرامة فلم أجدهما، لأنهما تُصنعان، وأنا مَن أصنعهما، من خلال الالتزام بقوانين المنزل ومُراعاة الحقوق والواجبات، فلا حقوق بلا واجبات، ولا واجبات من دون حقوق، فلو أديت الواجبات لوجدتُ الحرية والكرامة، لكنني لم أؤدِها؛ لهذا وجدتُ نفسي أطلبها من الآخرين وأستجدي نصائحهم... ولكن للأسف عرفتُ ذلك بعد فوات الأوان ... فكلُّ ما أبحث عنه كان موجودًا... لكنني فقدتُ بعضها بسبب إهمالي وغفلتُ عن بعضها الآخر ... لا أعرفُ ما الذي جعلني أسمع كلام الآخرين؟ لعلّ الخلل بي فأنا من منحتهم مساحةً للتحكم بي، فجعلوني أبعثر ... فلم أُبقِ في منزلي شيئًا سالمًا... وفي خضمّ الخراب الذي وضعتُ نفسي فيه، وقفتُ حائرةً في كيفية إرجاع كلِّ شيء مكانه، بعد أنْ تركني الجميع حتى من نصحني بالبعثرة! لاح في مُخيلتي كتاب الله، وكأنّما هناك وحي أوحيَ اليّ... اذهبي واستخرجي كتاب الله الذي هو الآخر لم يسلم من بعثرتكِ. كنتُ خائفةً مرعوبةً مما فعلته بالقرآن، فلقد رميته! فعاد الوحي يُطمئنني... لا تخافي، ولا تحزني ... فكلنّا نخطئ، وتصحيح الخطأ ليس بالمحال. استخرجي قرآنكِ، ففيه ما تحتاجينه، لكنّكِ غافلة عن ذلك، تتهمين أفراد عائلتك جُزافًا مع إنّهم صُنع يديكِ! ألم تكوني المُعلم الأول لهم؟! ولا تُمعنين النظر بالأمور، فكم مِن مرةٍ خاطبك الله ولا تسمعين! وعندها قررتُ أنْ لأبحث عنه وألجأ إليه، فقررتُ أنْ أُلملِم ما بعثرتُه، وبدأتُ بالقرآن، فهو أولُ ما رتّبته .. القرآن النبوة الإمامة المرجعية ما زال لدينا وقت.. أعيدوا ترتيب ما بعثرتموه، وابدأوا... عندها ستجدون كلَّ شيء، فقط ابدأوا من حيث أراد الله تعالى.

اخرى
منذ 7 أشهر
448

شكرًا سيدتي

بقلم: وجدان الشوهاني عطايا أم البنين (عليها السلام) كثيرة، وهذه حكاية إحدى عطاياها: تتوالى الأزمات عليها، كالغيث الذي يسقي الأرض. لا أعرف ما السر؟ لعلّها محل اعتناء من الله سبحانه وتعالى؛ لنقاء قلبها وصفاء روحها، ولعلّه ابتلاء وعقاب اقترفته بلا قصد. ولكنّي استبعد ذلك، ليس لأني أعرفها، ولكن كلُّ مَن حولها يهفو إليها وكأنها كهفهم الحصين... حبٌ لا أعرف سره، فهذه تراها ملهمتها، واُخرى تراها أمها، وثالثة تراها قائدة... أيُعقل أن يعاقبها الله بكثرة الأزمات؟! حاشاه وهو الغفور الذي يعفو عن الكثير... فحتى لو عصت فليس عصيانها بالكثير بل هو عصيان بلا قصد، يسارع قلبها النقي ليستغفر ربه عن تلك المعصية غير المقصودة. كم فكرت في السبب الذي جعلها لا تقوى على مواجهة الأزمات. ففي كل مرة تواجهها، لكن الأزمة الأخيرة وكأنها القاضية، فقد ضعفت عن المواجهة، وهنا عندما شعر الجميع بضعف الحل، لجأ الجميع لأبوابٍ سخرها الله لنا لكي نطرقها عندما تستحكم بنا الحلقات، والكلُّ بدأ يطرق أبواب مَن جعلهم الله أبوابًا له. ولكن للأسف دون جدوى. فما زالت تشتد حتى قطع البعض الأمل بالانفراج، إلّا أنا والبعض اليسير جدًا، وها هي ذكرى وفاة حليلة المرتضى وأم الأقمار الأربعة المكناة بأم البنين (عليها السلام) قد حان واقترب، النية بأن نَطرق بابها، فكم تكلّموا عن بابها الذي لا يرد أحداً… وكم تكلموا عن جودها وعطائها... فكيف بمَن اعطت وجادت بأربعة أقمار أن لا تجود بفك أزمة هذه المؤمنة؟! ها هو يوم العزاء… ما هي إلّا ساعات ويقام المجلس؟ وإذا بالفرج يهل وكأنه هلال أول الشهر الذي ينتظره الجميع! فقبل أن يقام المجلس، جاء الخبر، فُرجت… فرأيت الدموع من الجميع قد رسم أجمل الصور على وجوه محبيها. دموع الفرح! لا، لا… أظنها دموع الامتنان لمولاتنا أم البنين (عليها السلام)، حينها أيقنت بأنها محل اعتناء إلهي، فصوتها وصوت مَن يدعو لها جميل يحبه الله تعالى، فيؤخر الإجابة... ولكن الإجابة كانت في ذكرى وفاة أم البنين (عليها السلام). كم كانت هذه المؤمنة وفية لأهل البيت (عليهم السلام). اقتدت بمولاتها أم البنين (عليها السلام)، فاختار الله لها الإجابة في يوم أم البنين (عليها السلام) التي اشتركت معها بالوفاء... ماذا عساي أن أقول سوى: شكرًا سيدتي، فلا أملك سوى الشكر…

اخرى
منذ 8 أشهر
541

تاريخُ أنثى

بقلم: وجدان الشوهاني أيتها الأنثى .. مِن أين يبدأ تاريخكِ؟ أردتُ أن أجعل لكِ عيدًا؛ يحتفي به كلُّ الناس .. فها أنا أقلِّبُ صفحات التاريخ، وتفاجأت بتاريخكِ المُظلم! فوجدتُ ما يندى له الجبين، فلقد قاسيتِ كثيرًا .. فمرة وجدتكِ كمتاعٍ يُباعُ ويُشترى .. أيُّ حياةٍ تلك التي كنتِ تعيشينها؟! ومرة يستورثكِ الاِبنُ الأكبر بعد موتِ زوجكِ لتكوني ملكه بعد أنْ كنتِ زوجة أبيه! ومرة يحسبونكِ عارًا، يتخلّص منه الرجال عبر دفنكِ وانتِ حيّة! أما إنْ رغبتِ بالزواج، فللزواج أنواعٌ، لو تحدثتُ عنها لما وجدنا للطهارة فيها مكانا! وها أنا أحاولُ أنْ أبحث، فقلتُ في قرارةِ نفسي: لعلَّ ما عانته الأنثى كان عند جاهلية العرب لنبحث في حضاراتٍ أخرى، فوجدتُ الأقسى! إذاً، كيف لي أنْ أضع تاريخًا للأنثى؟ وأنّى لي أنْ أرفع الظُلامة عنها؟ وإذا بذكرى ولادة الطهر البتول (عليها السلام) تحلُّ علينا وكأنها إعلان ببدءِ تاريخٍ جديدٍ للأُنثى، فها هي الزهراء (عليها السلام) تأتي لتُزهرَ دنيا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله ) لتكونَ بدايةَ تحوّلٍ في تاريخ الأنثى، فبعدَ أنْ كانت متاعًا يُباعُ ويُشترى هيّأها النبي (صلى الله عليه وآله) لتكون مشروعًا لبنتٍ صالحةٍ، وزوجةٍ طائعةٍ، وأمٍّ مربية، وقائدةٍ فذّة .. اجتمعت هذه المشاريع في ولادة الزهراء (عليها السلام) فاختارها الله لتكون سيدة نساء العالمين وليس ذلك وحسب، بل قَرنَ رضاه برضاها، وغضبه بغضبها، تُرى أيُّ مكانةٍ للأنثى كانت بفضل فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فهي نقطةُ التحوّل الحقيقي لكلِّ أنثى، فكانَ حقًا على كلِّ أنثى إذا ما سُئلت: متى يبدأ تاريخكِ؟ أنْ تُجيب: يبدأ بيوم العشرين من جمادي الثانية. وإنْ قال أحدهم: ما السبب؟ فالإجابةُ حتمًا ستكون: لأنه ميلاد مَن حوّلت تاريخ الأنثى من تاريخٍ مُظلمٍ إلى تاريخٍ تفخرُ به النساء من كلِّ الأطياف والأجناس.. فها أنا أعلن تاريخي كأنثى، وأعلن عن يوم عيدي الذي أعتزُّ به، فأنا كأنثى .. ميلادي الحقيقي هو نفس يوم ميلاد الزهراء (عليها السلام)، فأنا منها ولها في كلِّ شيء، بأخلاقي، والتزامي، وعفتي، وعباءتي .. لكنني اليوم وأنا في القرن الواحد والعشرين، أعاني .. فهناكَ مَن يراني مُتخلفةً، وهناك مَن يريدني أنْ أتحرر، وهناك مَن يقول: لا فرق بينكِ وبين الرجل فأنتما متساويان في كلِّ شيء... عجيبٌ أمرُ هؤلاء! ألا يفكرون بعقولهم؟! فإنْ كنتُ متخلفةً؛ لأنني أتبعُ مولاتي الزهراء (عليها السلام) فكيف لمتخلفةٍ أنْ تُغير تاريخ الأنثى؟ ولمَن يُريدني أنْ أتحرر أقولُ: مَن قال إنني لا أملكُ الحرية، فأنا لديّ كلّ الحريةِ لكني أرفضُ أنْ تكونَ حريتي أشبهَ بحريةِ البهائم، فحُريتي جعلتُ لها ضوابطَ لا تُخرجني من دائرةِ الإنسانية. أما التساوي، فنعم، أقبلُ بالتساوي الفكري، أما التساوي في كلِّ شيءٍ فذلك ظلمٌ لي كأنثى، فلقد كلّف الله تعالى الرجال بتكاليف أقوى من النساء، ليس ظُلمًا للنساء، وإنَّما هو من بابِ الإرفاق بجسدها الضعيف وحفاظاً على عفتها، فمَن يطلبُ منّي أنْ أقوم بما يقوم به الرجل، فإنه يُرهقني ولا أقوى على ذلك. إنهم يظلمون الأنثى، وهذا الظلم الذي رضيت به الكثيرات، أدى إلى التفكك الأسري والانحلال الأخلاقي، يريدوننا أن ننسى أنّ رفعة المرأة ومكانتها كانت بالدين، والزهراء (عليها السلام) خير مثال. دعوى التحرر والتساوي هي دعوى لنسيان تاريخ الأنثى الحقيقي، فإيّاكنّ أنْ تنسنَّ يوم العشرين من جمادي الثانية، فهو تاريخ الأنثى، احتفلْنَ به، اجعلنه عيدًا للمرأة، ولا ترضنّ بغيره عيدًا... هكذا نُعيدُ للمرأة مكانتها، لا بما يدّعيه الآخرون.

اخرى
منذ 7 أشهر
297

رفقًا بالقوارير

بقلم: وجدان الشوهاني في لغتي العربيةِ اتهاماتٌ مقتبسةٌ من عصبيةِ الجاهليةِ الأولى، ونظرتهم الدونية للمرأة، ممّا تركتْ تلكَ النظرةِ أثراً على اللغةِ حتى أنّه لَيَنكشفَ ذلكَ الأثر على ألسنِ البعض مهما بلغتْ ثقافتهم من خلالِ فلتات اللسان. فضمير المخاطبة (أنتِ) ما أن تتحدث يتهمونها بالأُنثويةِ ويسلبونها أبسط الحقوق وكأنها نكرةٌ في مجتمعٍ ارتقى بالضمير (أنتَ) ثم يطيلون النظر بكسرتها ليستنبطوا حكمًا ذوقيّا بأنّ منشأ تلكَ الكسرةِ هو نظرةُ المجتمعِ العربي الذي لا يعطي للمرأة أيّ مكانة، ولذا كانتْ المرأةُ منكسرةً؛ بسبب كسرتها، على عكس الفتحة التي أعطت شأنيّة للرجل مع أنّ بعضهم لا شأنيّة له من قبيح ما يصنع. ولم يلتفتْ ذلك المجتمع إلى أنّ الكسرة حركة من الحركات، وقلَّ من يفهم فلسفة الحركات، فبين مجتمع جاهلي ينظر للكسرةِ نظرةَ انكسارٍ وبين لغة تنظرُ للكسرةِ نظرةَ قوة. ولم يقف الاتهام عند (أنتِ) بل وصل الى تاء التأنيث الساكنة (تْ) التي لا محل لها من الإعراب، فقالوا: لا فائدة من المرأة، حتى اللغة لم يُجعل لتائها محلٌ إعرابي، وجعلتها ساكنة لا حراك بها كالأموات ، ولم يلتفت هؤلاء الى إنَّ السكونَ هي فطرة وهبها الله للأُنثى احترمًا لما بعدها من متحركٍ، وتَناسوا أنّ العربية أجازتْ للتاءِ أنْ تتحرك متى ما سكنَ ما بعدها، فتكسر منعًا من التقاء الساكنين. سبحان الله، فتلك الفطرة الربانية قد جسّدتها تاء التأنيث الساكنة؛ لترسم خارطة طريق للأُنثى فتتوافق اللغة مع تلكَ الفطرةِ، فمع أنها لغة لكنّها أشارت لبعض الفروقات التي فضّل الله تعالى بها الرجل على المرأة، فلا تساوٍ بينهما تاماً، ولا انعدام للأنثى بشكلٍ تام، ولكن للأسف هناك مَن لا يفقه من هذه الفلسفة شيئاً... وفي الختام ولكلِّ مَن لا يرى للمرأة مكانة نقول: احذروا من استمراركم في ظلمها ورفقًا بها، فها هي نون النسوة (نَ) قد غيّرتْ من حالِ المرفوع وجعلتهُ مبنيًا، فبعد أن كان الفعل المضارع مرفوعًا متباهيًا بضمتهِ إذ دخلتْ عليه النسوة بنونها فبنتهُ بسكونٍ، وكأنّها رسالة من النسوة بعدم استغلال وحدتها فالأنثى إن اتحدت مع رفيقاتِها واجتمعنَ تحت خيمة النون فستغيّر...! فالتغيير بأيدينا! أعيدوا النظر بأفكاركم التي اقتبستموها من عصبية الجاهلية… وختامًا نقول: رفقًا بالقوارير

اخرى
منذ 7 أشهر
427

نحتٌ على الماء

بقلم: وجدان الشوهاني على شاطئ النهرِ وبينما أنا جالسةٌ استمتعُ بمنظرِ النهرِ وسكونهِ وكأنّماهو مرآةٌ وليس ماءً، فلقد انعكس كلُّ الوجودِ على ذلك السطحِ المائي، وفي طيِّ تأمّلاتي لذلكَ المنظرِ راودتني فكرةٌ، فقلتُ لأُخرج دفترَ مدوناتي وأدوّن ما يراودني، ولكن للأسفِ يبدو أنني نسيتهُ في المنزلِ. تُرى ماذا أفعل؟ فالأفكارُ تمرُ مَر السحاب وإنْ لم اكتبْ ستذهبُ أدراجَ الرياحِ، فقلتُ في نفسي: لأكتبَ على الماء وأُدون أفكاري. وفعلًا بدأتُ أكتبُ ما يدور في مخيّلتي على الماءِ، وأسعدني ذلكَ الفعل، فالسعادة التي كنتُ اشعرُ بها بينما أنا اكتب لا يمكن أنْ توصف، ولم انتبه للوقتِ فقد طال ولكنّه من فرطِ سعادتي كأنّه ثوانٍ ليس إلّا. وإذا بالشمسِ تقتربُ من الغروبِ، ورأيتُ كيف أنّ الوجودِ بدأ يضمحل شيئاً فشيئاً، وبدأتْ السعادة تتحول إلى حزنٍ لقرب نهايةِ كلّ شيءٍ وزواله وكأنّهُ لم يكنْ. عندها ايقنتُ أنّ حياتنا ما هي إلّا أفكار والدنيا للمغرورين بمنظرها الخلّاب مثل ذلك السطح المائي الساكن في بعض حالاته، فرحين بمنظرهِ وبما يكتبون على سطحه ولا يشعر أحد منهم بالوقت الذي يمرُّ وهو غارقٌ في ملذات تلك الدنيا، ولا يفكر في جرس الانتهاء الذي سيدق في أي وقت ليعلن انتهاء كلِّ شيءٍ. فلا سعادة تبقى ولا أثر يُترك على الماء تُرى ماذا دوّنا، أكان خيرًا أم شرًا؟ ليتنا نفكر جيدًا قبل أنْ نُقبلَ على فعلِ أيّ شيءٍ، فاللبيب مَن يعمل في الدنيا ما يبقى أثره في الآخرة… فبعضنا كمَن يكتبُ على سطح الماءِ ليندثر والبعض الآخر كمَن يكتب على الصخرِ ليتركَ أثراً… نعم كنت سعيدة بما فعلتُ، ولكنها سعادةٌ زائلة ولم يكنْ هناك أثرٌ لما كتبتُ وأجهدتُ نفسي فيه… نسيتُ دفترَ مدوناتي، فتعلمتُ درسًا في حياتي… كن ناحتًا على الصخرِ، لا ناحتًا على الماء بلا أثر… فإنّ الآثار هي المرآة الحقيقة.

اخرى
منذ 7 أشهر
351

عذرًا أيّتها المرأة

بقلم: وجدان الشوهاني أردتُ تهنِئتُكِ بيومكِ الذي خُصّصَ لكِ، ولكن انقطعت بيَ السبل، فقد وجدتكِ في دورِ المُسنّين، وفي الطرقِ تستجدين، وفي المحاكمِ قضية بالافتراقِ ترفعين، وفي الإعلامِ متبرجة وبضاعة للجاهلية تروّجين، فأنتِ في مجتمعٍ أكثرهُ منافق، يعاملكِ في الخفاء كجاريةٍ وفي العلنِ كأميرة، يكتبون على جدران المدارس "المرأة نصف المجتمع"، ويردد الآخرون ويقولون بأنّكِ كلُّ المجتمعِ، ولم يلتفتوا إلى ذلك النصفِ أو الكلِّ، والحال الذي آلت اليه. فكم من مجتمعٍ تهاوى، وتخلّف، وهو اليوم يعيش في جاهلية متطورة بسبب هذا النفاق . عن أيِّ عيدٍ تتحدثون؟ كفى أيّها الممثّلون، فلقد انتهت المسرحية.. وضحك الغرب على نسائنا المسلمات، فلقد تمكّنوا من ترويج أكذوبة عيد المرأة، ونجحوا في تحويلها إلى بضاعةٍ تُباع وتُشترى.. ولذا أسدلتُ الستار عن الخوضِ في يومكِ الذي خصصوه لكِ وعزمتُ على تصفّح كتاب اتسلّى بهِ قبل أن أخلُد للنوم.. فوجدتكِ في طيّات الكتاب خصوصًا وإنّ أميرَ الكتاب هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلقد تقلّدتِ مناصب عديدة في حياة علي (عليه السلام).. فكنتِ سيدة النساء وكنتِ أمَّ البنين وكنتِ عقيلة الطالبيين أمّا من حيث العلم فكنتِ عالمة غير معَلّمة وكنتِ مُحدَّثة ولم تكوني خائنة ولا كاذبة وكنتِ مجاهدة ومدافعة عن الحقوق وكنتِ أمّاً وأختاً لأعظم الرجال فوددتُ أن أصرخ وأقول: ما الذي تغيّر؟ هل غاب علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ وغابت معه المرأة؟ ماذا جرى؟ تستهويكم حياة الغرب وبلدانهم وأعيادهم، آهٍ لو تعلمون الحقيقة، ماذا عساي أنْ اقول وأنا امرأة... قد يتهمني البعض بأنّيِ مُجحفةٌ بحق النساء! كلا لكن وجدتُ عيدي في حياة أئمتي (عليهم السلام) فاحتفلتُ به في كلِّ مولدِ معصوم ... فعذراً أيّتها المرأة... لن أُهنّئَكِ في يومكِ الذي خصصوه لكِ بل أُهنّئَكِ في ميلاد أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنّكِ كنتِ سيدة النساء أعيدوا عليًا بعد أن جعلتموه شعارًا فقط وستكون المرأةُ كلَّ المجتمع

اخرى
منذ 6 أشهر
337

حكايةٌ من كتاب الصبر

بقلم: وجدان الشوهاني تصفّحتُ في كتاب الصبر، فاستوقفتني حكاية. أحداثها مؤلمة، لا أعلم كيف تحمّلت البطلة كل تلك الآلام، فلقد صدق الراوي عندما وصفها بجبل الصبر. سأروي لكم ما قرأت: دق ناقوس الرحيل، هيا أختاه فقد شاء الله لنا أن نرحل عن مدينة جدنا... لم تسأل: كيف؟ ولماذا؟ بل كان لسان حالها يقول: سمعًا وطاعة. وبدأت الرحلة من المدينة، لم تكن رحلة استجمام ولا فرح بما سيحلّ، بل كانت رحلة إصلاح وتضرّع ودعاء مصحوبة بألم الفراق المترقّب. بدأ الرحيل، فقد انتقلوا إلى ضيافة الله تعالى ليكونوا في ضيافة الموت. وما هي إلّا أيام وجاء النداء... اختاه وصلنا، ها هنا رحالنا، هذه هي الأرض الموعودة. لم تسأله عن شيء، فلقد تعلّمت أن تلبي طلب مولاها، فأجابته، سمعًا وطاعة. نُصبت الخيام، وبدأ العد العكسي للأيام... لم تكن لوحدها، فهناك من رافقهم في الرحلة، صغار ورجال وشباب ونساء، أنصار وأخوة وأبناء وأخوات. وبدأ اجتماع القوم عليهم من كلِّ حدبٍ وصوب، فقد حاصرتهم جيوش بالآلاف، هنا ارتفع الصوت، أخي ماذا يريد القوم؟ فأجابها بكل حنان: إنهم يطلبونني. فارتسم الألم في عينيها وبدأ يرسم على وجهها أوّل لوحاته... مُنع الماء، الأطفال يصرخون من حولها العطش العطش... النساء تتضرع لله تعالى، الرجال متأهبون للنزال، ليس ذلك فحسب، بل يتسابقون ليبرزوا أمام الأعداء، وهي تنظر لكلّ ذلك، والألم يرسم على وجهها لوحة تلو أخرى، حتى بدأت تتغير ملامحها وهي صابرة... لا تبوح عن تلك الآلام مع أنّ أثره بدا يظهر على محيّاها. وجاء اليوم المنتَظر، وبدأ النزال، حتى الظهيرة. لم تتحمل، تريد أن تعرف ماذا حلّ بأخيها، فلم تجد سوى تلٍّ فصعدته وهي تناديه والألم مستمرٌ برسم لوحاته، لم ينفك عن الرسم ولم يتحنّن عليها، وكأنّه عدوٌّ لها، لكنّها اتخذت من الصبر جلباباً... وتحمّلت. للأسف لم يأتِها أيّ جواب. فاعتصر قلبها مجددًا، وبعد طول انتظار انجلت الغبرة فرأت أنياب الباطل كيف انغرست بجسد أخيها ثم رضّت جسده حتى لم يبقَ في جسده الطاهر جزء لم تصبه السهام والرماح والسيوف، وأخذ الباطل يحز النحر والنحر يأبى، فقد كان موضعًا لتقبيل سيد الكائنات، لكن الباطل مصرٌ على قطع الرأس... فقطعه من القفا. والألم مستمر… وا ويلاه… إيّها الألم توقف ولو لحظة عن الرسم، فأنياب الباطل وأنتَ أثقلتما الجراح في قلب مولاتي، رفقًا بها. للأسف، لا حياة لمن تنادي… وهنا جاء الصوت، لكنه صوتٌ لحقود... هيّا لنرحل… بعد جلباب الصبر لبست جلباب الشجاعة والكبرياء وقالت: إلى أين إيّها الحادي؟ فأجابها بكل حقد: إلى الشام… فتصبّرت وصَبّرت كلّ من بقي معها وبدأ الرحيل، ولكنه مختلف عن الرحيل الأوّل، فقد تبدّل الرجال بأشباه الرجال.... صاح الهاتف: تلك أبواب الشام، وقد بانت الأفراح على أهلها… وهنا بدأ الألم يعدُّ لوحاته التي رسمها ولكثرتها انصرف عن العد وواصل الرسم في وجهها. رأت ما رأت من أفراح وطبول ورقص... دخلوا القصر وكان للألم صولة، لكنّها بصبرها انتصرت، وتكلل النصر برجوعها لمدينة جدها، فعادت لتلك الديار التي رحلت عنها مع أخيها، لكن لم يعرفها أقرب الناس إليها، فالألم لم يترك فيها شيئاً إلّا وغيّره... عادت ولكن أيّ عودة! الديار خالية من الرجال، ولم يبقَ سوى الصغار والنساء، وقد تكفّلت بهم منذ أن رحل الرجال إلى بارئهم، ورغم كل تلك الآلام بدأت تروي للناس روايات البطولة وحقد الأعداء، ولكن لم يطب حديثها للأعداء فجاء الأمر بترحيلها إلى الشام مجددًا. الشام وما أدراك ما الشام؟! أرض صوّبت سهامها إلى قلبها المفجوع ولكنّها صبرت حتى جاء أمر الله تعالى، بعد أن أصبحت جبلًا للصبر، وصعدت روحها الى السماء بعد ذاك الصبر والألم. وداعًا يا جبل الصبر… وكانت النهاية بالرحيل… حكاية بدأت برحيل وانتهت برحيل والصبر والألم ما انفكّا عن بطلة الحكاية... فلقد كانت حكاية مؤلمة، تركت بي أثراً، ليت الجميع يقرأها، لنتعلم الصبر من جبل الصبر.

اخرى
منذ 7 أشهر
381

كيف السبيلُ إلى الحق؟

بقلم: وجدان الشوهاني غمامةُ أفكارٍ اجتاحتْ عقلي الصغير حتى ازدحمت الأفكار .. وبدأت ترتطمُ في جدار ولا أعلم هل هو جدار الحيرة أو جدار اليأس؟ وتشوّهت صورٌ كثيرة كنت أؤمن بها، وما عُدتُ أرى بوضوح ولسان حالي: أتُراكَ تتركني يا رب بلا دليل؟! وبلا معونةٍ أستعينُ بها على المُضي قدمًا في جادةِ الحق. تصفّحتُ الكتب وقرأتُ الكثير منها .. ولكن ما زالت الغُمامةُ تُعيقني عن الرؤية! شعورٌ غريبٌ ينتابني شعورٌ يقول لي: إنّكِ على حق لا عليكِ قفي، اصمدي، اصبري ولكن الاستيحاشُ قتلني طريقي موحشٌ، وغصّ بالمعارضين ولا أرى مِن أحدٍ حولي .. فالأغلبُ قد تفرّق عني ولا أملكُ سوى نفسي التي تأمرني بالسوء مرة؛ لأترك كلَّ ما أؤمنُ به وتلومُ نفسها مرات ولا أعلم متى تطمئنُ تلك النفس؟ وكيف تطمئن؟ وهناك مَن يُخالفني في توجُهاتي وأفكاري ولا أعرف طريقًا للخلاص ماذا أفعل؟ وإلى أين ألجأ؟ فليس لي سوى سجادتي وكتاب الله تعالى. فألجأ إليها وأقفُ للصلاة وبعد الانتهاء أردد : اللهم أرني الحق حقًا لاتبعه والباطل باطلًا لاجتنبه إلهي لا أملك سوى فقري وأنت الغني فلا تحرمني من غناك وارزقني رؤية الحق فينتابُني شيءٌ من الهدوء النفسي وبعدها أذهبُ إلى قرآني لأتصفح به فأجدُ نفسي عند سورة النبأ أرتّلُ الآيات وتطولُ وقفتي عند أول السورة وعند قوله (تعالى): "عمّ يتسائلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون" وأعجبُ، وكأنّ القرآن يُكلّمني ويقول لي: لقد اختلف الكثير في الحق، ولستِ الوحيدة فمع عظمة النبأ ووضوحه، فهناك من اختلف فيه ولكن آهِ الحسرة والندامة تكادُ تقتلني أينَ أنا؟ أريد أنْ أسير باتجاه الحق فعكفتُ أبحثُ عن الحقِّ فوجدتُ القرآن يُجيبني مجددًا "وأكثرهم للحق كارهون" هل هذا يعني أنَّ من علائم الحقِّ أنّ الأغلبَ يكرهه؟! أ أستدلُ على الحقِّ من كثرةِ مُعارضيه؟! أ لهذا السبب كان طريقه موحشًا؟! ومعارضوه كُثراً؟! وهنا ارتسمت في مُخيّلتي صورةُ أمير المؤمنين (عليه السلام) وحديثُ رسول الله (صلى الله عليه وآله ) فيه "عليٌّ مع الحقِّ، والحقُّ مع علي" فالحقُ وعليٌّ لا يفترقان فوجدتُ لساني يلهجُ بقول "اللهم احيني على ما أحييتَ عليه علي ابن أبي طالب وأمتني على ما مات عليه علي ابن أبي طالب" فاطمأنت نفسي وسكنت تلك الرياح العاتية التي اجتاحت فكري وكانت كغمامةٍ أرّقتني وشكّكتني بكلِّ ما أحملُ من مبادئ فقلتُ لتلك الغمامة ولتلك الرياح: أنا مع علي (عليه السلام) أنا مع النبأ العظيم ولن اختلف فيه وولده الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه) معي في كلِّ سكناتي سيُرشدني اكرهوني، العنوني، اقتلوني أنا مع علي ابن أبي طالب (عليه السلام) وانتهى فهو السبيلُ إلى الحق

اخرى
منذ 6 أشهر
341