ماذا لو

ماذا لو؟180 بقلم: فاطمة الركابي. ماذا لو سألكَ الإمامُ (عجّل الله فرجه): لماذا آذيتَ جارك بصوتِ تلفازِك العالي؟ أو برميك النفاياتِ في طريقه؟ أو بركنِ سيارتِك حيث تُضايقه؟ .................. قال (تعالى): "وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ..."(1) قيلَ في معنى نوعي الجار: هو الجارُ القريبُ في النسب، والجارُ الأجنبي الذي ليسَ بينَك وبينَه قرابة. إنَّ الآيةَ لخّصتْ علاقةَ الإنسانِ مع معبوده ومع العباد، ضمنَ دائرةِ العلاقاتِ الخاصةِ المُتمثِّلةِ بالأسرة، ودائرةِ العلاقاتِ العامةِ الأقرب ثم الأبعد فالأبعد، المُتمثّلةِ بالعلاقةِ بالمُجتمعِ بشكلٍ عام. ومن الالتفاتاتِ الجديرةِ بالذكرِ في ورودِ لفظِ (العباد) فيما يخصُّ أنواعَ العبادة هي: ما وردَ في قولِه (تعالى): (عِبَادَ الله) (2)، وفي موردٍ آخر: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ) (3)، فكما يُقال: إنَّ الأولى تخصُّ العباداتِ الخاصةَ بينَ العبدِ وسيّده، فأتت بلفظِ الجلالة، أما الثانية فهي تُمثِّلُ العباداتِ الإنسانيةِ بينَ العباد، والمبنيّةِ على التراحُمِ والأخوّةِ والإحسان. بالنسبةِ للعلاقةِ بالجارِ القريب، نستطيعُ أنْ نقول: هي اللبنةُ الأولى التي يتوقّفُ عليها سلامةُ أو سقمُ العلاقةِ في المُجتمعِ بشكلٍ عام لكُلِّ فرد؛ لذا فالذي ينجحُ في علاقتِه مع جاره، فيكونُ من أهلِ الإحسانِ والفضلِ معهم، وسيكونُ من الأفرادِ الذين يُعوَّلُ عليهم في بناءِ علاقاتٍ اجتماعيةٍ جيّدةٍ وطيبةٍ أينما وُجِدَ في المُجتمع. فالإنسانُ المؤمنُ يجبُ أنْ يحرصَ على معرفةِ ما هي واجباته تجاهَ الآخرين، وهو سيعرفُ بذلك حقوقَه أيضًا كما بيّنَ إمامُنا زينُ العابدين (عليه السلام) في رسالةِ الحقوقِ فيما يخصُّ حقَّ الجارِ بقوله (عليه السلام): "وحقُّ جارِك فحفظُه غائبًا، وإكرامُه شاهدًا، ونصرتُه إذا كانَ مظلومًا، ولا تتبعْ له عورة، فإنْ علمتَ عليه سوءًا سترته عليه، وإنْ علمتَ أنّه يقبلُ نصيحتَك نصحته فيما بينك وبينه، ولا تُسلمه عند شدائده، وتُقيلُ عثرته، وتغفرُ ذنبَه، وتعاشرُه معاشرةً كريمة، ولا تدّخرُ حلمك عنه إذا جهلَ عليك، ولا تخرجُ أنْ تكونَ سلمًا له، تردُّ عنه لسانَ الشتيمة، وتبطلُ فيه كيدَ حاملِ النميمة. ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله" فالفيصلُ في نوعِ التعامُلِ الذي يصدرُ من الإنسانِ المؤمنِ هو ما تمليه عليه مبادئُه وقيمُه، سواء كانَ الجارُ مؤذيًا وسيئًا أو كانَ جارًا جيّدًا وطيّبًا، كما قالَ العبدُ الصالح (عليه السلام): "لَيْسَ حُسْنُ الْجِوَارِ كَفَّ الأَذَى، ولَكِنَّ حُسْنَ الْجِوَارِ صَبْرُكَ عَلَى الأَذَى"(4) إنَّ تَحقيقَ هذه العلاقاتِ الطيّبةِ بينَ الجارِ مع جاره، يساعدُ على تنميةِ مُجتمعٍ مُسالمٍ ومُتآلفٍ وصالح، ومن ثم يكونُ مُمهِّدًا لمُجتمعِ دولةِ العدلِ الإلهيةِ التي هذه سمةٌ من سماتِه البارزة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) النساء: 36 (2) الصافات: 40 (3) الفرقان: 63 (4) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج2 ، ص98 .

اخرى
منذ 8 ساعات
17

أعظَمُ الأنباءِ

أعظَمُ الأنباءِ بقلم: عدنان الموسوي هَزَّ المُصابُ مَسمَعَ الجَوزاءِ وأحزنَ الأملاكَ في العَلياءِ حُورُ الجِنانِ قد غَدَتْ من حُزنِها لاطِـمـةً لأَعظَمِ الأنباءِ وأرضُ سَامَرّاءَ لمَّا قَد نَعَتْ بنَعيها هَدَّتْ عُرَى الأرجاءِ يا وَيلَ مَنْ سامَ بَني خَيرِ الوَرَى بالقَهرِ والتَنكيلِ والإيذاءِ فالعَسكريُّ قد قَضَى يا حَسرةً غَدرًا بِسُمٍّ غَاصَ في الأَحشاءِ يَقضي قَصيَّ الدارِ يا لهفي لهُ عن مَوطِنِ الأجدادِ والآباءِ مُصيبةٌ أبكتْ عُيونَ المُصطَفى والمُرتضى والبَضعةِ الزِّهراءِ كأنَّ بِنتَ المُصطَفى قَد وَفَدَتْ لِعَسكرِ الآهاتِ والأَرزَاءِ جَاءَتْ فنادَت: يا لعُظمِ ما جَرَى بِالسُّمٍّ ظُلمًا قد قَضَى أبنائي لَمَّا رَأَتْ حَفيدَها وقد غَدا يا للمُصابِ ناحِلَ الأعضاءِ أجرتْ عليهِ حَسرةً فاطمةٌ وَدَمعُها سَالَ على الغَبراءِ ناحَتْ مع المَهديِّ واسَتهُ وقد وَاسَتْ فؤادًا غَصَّ بالبَلوَاءِ ليلة ٨ ربيع الأول ١٤٤٤ هـ

اخرى
منذ 12 ساعة
18

تعميمُ الأحكامِ ووضعُ النِسب

تعميمُ الأحكامِ ووضعُ النِسب بقلم: حسين فرحان يحلو لبعضِ البشر عندما لا تنسجمُ ثقافتُه مع ثقافاتٍ أخرى، أنْ ينتقدَهم ويذمّهم ويلصقَ بهم من التُهَمِ بما لا يتلاءمُ والخُلُق الإسلامي الذي يُفتَرَضُ به أنْ يكونَ المنهجَ والمرجعَ في التعامُل. ولعلَّ تعميمَ الأحكامِ ووضعَ نِسَبٍ مُرتفعةٍ للمُتهمين بمثلبةٍ ما؛ قد أصبحَ من الظواهرِ الكلاميةِ الشائعةِ في مُجتمعنا، وأقلُّ ما يُقالُ عنها إنّها ظاهرةٌ تُنافي المروءةَ، ولا تمتُّ للخُلُقِ الإسلامي بِصِلة. وقد لوحظَ هذا الأمرُ في الحواراتِ اليوميةِ المُباشرةِ وعلى صفحاتِ التواصُلِ الاجتماعي عندَ تناولِ موضوعٍ مُعين، فمثلًا عندَ التطرُّقِ لموضوعِ عملياتِ السلبِ والنهبِ التي حدثتْ أثناءَ الغزوِ الأمريكي للعراقِ نُلاحظُ هذه المقولة: (تسعون بالمائة من الشعبِ سرقوا ونهبوا...)، وكذلك عبارة: (تسعون بالمائة من الشعبِ جهلةٌ )، و(تسعون بالمائة لا ينفعُ معهم إلا لغةُ القوة)، والكثيرُ من هذه العباراتِ مُضافاً إليها عباراتٌ تنتقصُ من قدرِ المُجتمعِ العراقي الكريم، وتنسِبُه إلى الغدرِ والشِقاقِ والنفاق، مُستشهدين ببقايا إرثٍ حاقدٍ مُزيّفٍ عمِدَ فيه الأعداءُ إلى أنْ يكونَ ثقافةً سائدةً تقتلُ كُلَّ أملٍ لدى الإنسانِ العراقي، وتجعلَه يؤمنُ بأنَّ عليًا (عليه السلام) قد خصَّه بصفةِ الشِقاقِ والنِفاقِ، وأنَّ أسلافَ هذا الشعبِ هم الذين تخلّوا عن مسلمٍ بن عقيل (عليه السلام)، وأنّهم هم مَنْ قتلَ الإمامَ الحُسينَ (عليه السلام)، وهم الآنَ يبكون عليه! وغيرها الكثيرُ من المفاهيمِ الخاطئةِ التي لوحِظَ أنّها راسخةٌ في بعضِ العقولِ قلّتْ أو كثُرَتْ، فهي مصدرٌ مهمٌ في نشرِ هكذا فكرٍ هدّام. أتذكّرُ ذات يومٍ أنّني اطلعتُ على تعليقٍ لأحدِ مُدّعي الثقافةِ يصفُ المُجتمعَ العراقي بأبشعِ الصفاتِ (النفاق) تحديدًا، وقد نالَ طرحُه من الإعجاباتِ والثناءِ ما لا يحتمل، كُنتُ أتابعُ الموضوعَ باهتمامٍ حتى سألَه أحدُ المُتداخلين معه هذا السؤال: عزيزي أُستاذ فلان أنتَ وضعتَ نسبةَ تسعين بالمائة لمُجتمعٍ يتكوّنُ من أربعين مليونَ إنسان، وقُلتَ إنّهم مُنافقون، وأنتَ من أبناءِ هذا المُجتمعِ فمن أيِّ الفريقينِ أنتَ؟ أمِن فئةِ المُنافقين، أم من المؤمنين؟ فإنْ كُنتَ من المُنافقين فلا يهمُّنا رأيُك وتقييمُك، وإنْ كُنتَ من المؤمنين فعلى أيّ شيءٍ استندتَ في استثناءِ نفسِك وتزكيتِها؟ ثم أضاف: وإنّي أستغربُ من هؤلاءِ المُعجبين بطرحكَ، كيفَ ارتضوا لكَ أنْ تصفَهم بالنفاقِ وتُعمِّمَ حكمًا جائرًا عليهم ويسكتوا عنك؟ هذا نموذجٌ بسيطٌ لهذه الظاهرةِ التي أتمنّى أنْ لا تكونَ ظاهرةً بالمعنى الحقيقي؛ لأنّها ثقافةٌ تهدمُ ثقةَ المُجتمعِ بشخصيتِه، ولا بُدّ من التصدّي لها.

اخرى
منذ 16 ساعة
18

فراشة الصيف

(١٨) قد تقفُ الفراشةُ في مكانٍ مُعيّنٍ لفتراتٍ طويلةٍ إذا شعرتْ بالأمان دَعْ ولدَك يشعرُ بالأمانِ في أحضانِك حتى وإنْ أخطأ... ولا تكُنْ مُتسرِّعًا وتوبِّخه كثيرًا؛ لأنّه بذلك سيفرُّ منك ليقعَ في شباكِ مُجتمعٍ ظالم.. #فراشة_الصيف

اخرى
منذ 18 ساعة
21

عزاءُ الرّمال

عزاءُ الرّمال بقلم: سلمى عبد الرضا ثلاثةُ أيامٍ ويختفي بهاءُ الدُنيا برحيلِ الشمسِ نحوَ المغيب، ويتمزّقُ قميصُ القمر بعدَ تغسيلِه من بحرِ النور.. عجبًا! أيُغسّلُ الطهرُ الطاهرُ المُطهّرُ قبلَ أنْ يولد؟! أيُغسَّلُ من وصلَ قابَ قوسين أو أدنى فأوحى له الجليلُ ما أوحى؟! أم أنَّ قطراتِ الماءِ الفارّةَ من عينِ الحياةِ توسّلتْ بالحبيبِ لأجل الجريان على جسدِه لتكونَ به حيّةً طاهرةً نقيةً؟! سجدَ له كُلُّ شيء، الملكُ والفلكُ، الشجرُ والحجرُ، بل كُلُّ الجمادات.. ولأنَّ اللهَ (تعالى) وملائكتَه يُصلّون عليه استمرّتِ الصلاةُ عليه إلى ما شاءَ الله. ثلاثة أيامٍ ويُدفَنُ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله).. الأرضُ أمٌّ ثكلى، لم تفقدْ أمٌّ وليدًا خيرًا منه، حقًّا عليها إنِ اضطربتْ واهتزّتْ لهولِ ما فقدت، ولا تُلامُ أنْ تزلزلتْ وأخرجتْ ما فيها وتخلّتْ، فمن يعدلُ ثقل صلاتِه عليها، وبجبينِ مَنْ تتيمّمُ بعده، ومن يمسحُ على وجهِها ليُعيدَ لها البهاءَ ويزيلَ عنها ألمَ الحِرمان؟ بعدَ ثلاثةِ أيامٍ يُدفَنُ النبي مُحمّدٌ (صلى الله عليه وآله)، أيّ رمالٍ ستوافقُ على هذه الفجيعة؟ أيُّ رمالٍ تتجرّأُ لترقدَ فوقَ صدرِ طه؟ هل ستبقى تُسبِّحُ للهِ (تعالى) بينَ أصابعِ يديه، كما تُسبِّحُ له كُلُّ ذرّاتِ الكون؟ أم ستصمتُ لتأتمَّ بتسبيحِه؟ ثلاثة أيامٍ ورمالُ يثربَ تتلاطمُ بينها؛ فقد أقامتْ لفقدِه العزاءَ قبلَ أنْ تحتضنه، وجُدرانُ المدينةِ تصرخُ، يا رمالَ يثرب لا مقامَ لكم بها فقد تحطّمتْ أركانُ الهُدى.. والتحقَ الحبيبُ بالرفيقِ الأعلى.. ونعى الوجودُ وجودَه، صوتُ القرآنِ حزين، آياتُه تنعى حروفَه، فقد أتمَّ معانيه الأخيرة لتتكامَلَ العقيدةُ ويتمّ الدين نعمته على البشرية.. "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا"(1) انكبّتْ رمالُ المدينة تلثمُ أطرافَه؛ لتحفظَ آثارَ أقدامِه التي سارَ بها على وجهِ الأرض، ولتدلّ بها السائرين على طريق الحقّ.. يا لحزنِ المدينةِ المنورة؛ فبعده فقدتْ نورَها.. ودخلَها الظلامُ من كُلِّ باب، إلا باب عليٍ والزهراء (عليهما السلام)؛ فقد بقيَ نورُه هاديًا للسالكين، رغمَ طعنِ المسمار، وإشعالِ النيران.. "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ..."(2) ــــــــــــــــــــــــــــ (1) المائدة: 3 (2) التوبة ٣٢

اخرى
منذ يوم
40

أوراقٌ عقائدية(138)

أوراقٌ عقائدية(138) الإمامُ الأولُ بعدَ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)(7) "........ثم قالَ لهم بعدَ أنْ شبعوا من الطعامِ ورووا من الشراب: "يا بني عبدِ المطلب، إنَّ اللهَ بعثني إلى الخلقِ كافة، وبعثني إليكم خاصة، فقالَ (عزّ وجل): "وانذرْ عشيرتك الأقربين"(1)، وأنا أدعوكم إلى كلمتينِ خفيفتينِ على اللسان ثقيلتينِ في الميزان، تملكونَ بهما العربَ والعجم، وتنقادُ لكم بهما الأُمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار، شهادةَ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنّي رسولُ الله ، فمن يُجيبُني إلى هذا الأمرِ ويؤازرني عليه وعلى القيامِ به يكُنْ أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي، فلم يُجِبْ أحدٌ منهم. فقالَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام): "فقُمتُ بينَ يديه من بينهم -وأنا إذ ذاك أصغرُهم سنًا، وأحمشهم ساقًا، وأرمضهم عينًا- فقلت: أنا -يا رسولَ الله- أؤازرك على هذا الأمر. فقالَ: اجلسْ، ثم أعادَ القولَ على القومِ ثانيةً فاصمتوا، وقُمتُ فقُلتُ مثلَ مقالتي الأولى، فقال: اجلسْ. ثم أعادَ على القومِ مقالتَه ثالثةً فلم ينطقْ أحدٌ منهم بحرف، فقلتُ: أنا أؤازرك -يا رسولَ الله على هذا الأمر، فقال: اجلسْ، فأنتَ أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي" فنهضَ القومُ وهم يقولون لأبي طالب: يا أبا طالب، ليهنك اليوم إنْ دخلتَ في دينِ ابنِ أخيك، فقد جعلَ ابنَك أميرًا عليك… وهذه منقبةٌ جليلةٌ اختصَّ بها أميرُ المؤمنين (عليه السلام) ولم يشركه فيها أحدٌ من المُهاجرين الأولين ولا الأنصار، ولا أحدٌ من أهلِ الاسلام، وليسَ لغيرِه عدلٌ لها من الفضلِ ولا مقاربٌ على حال، وفي الخبرِ بها ما يُفيدُ أنَّ به (عليه السلام) تمكّنَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله) في تبليغِ الرسالة، وإظهارِ الدّعوةِ، والصدع بالإسلام، ولولاه لم تثبتِ الملّة، ولا استقرّتِ الشريعة ولا ظهرتِ الدعوة. فهو (عليه السلام) ناصرُ الإسلام، ووزيرُ الداعي إليه من قبلِ الله (عزّ وجل) وبضمانِه لنبيِّ الهُدى (عليه السلام) النُصرةَ تمَّ له في النبوةِ ما أراد، وفي ذلك من الفضلِ ما لا توازنُه الجبالُ فضلًا، ولا تعادله الفضائلُ حلمًا محلًا وقدرًا"(2). ـــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الإرشاد, الشيخ المفيد, ج 1, ص 48 – 51

اخرى
منذ يوم
22

ماذا لو

ماذا لو؟(179) بقلم: فاطمة الركابي ماذا لو سألك الإمامُ (عجّل الله فرجه): ماذا قُلتَ عندما أصابَك مرَضٌ أقعدك عن الخروج؟ هلِ استغفرتَ اللهَ (تعالى)؛ لأنّك احتملتَ أنَّ هذا المرضَ عقوبةٌ على ذنب؟ وهل حمدتَ اللهَ (تعالى)؛ لأنّك احتملتَ أنّه غفرانٌ لذنب؟ ..................... قال (تعالى): "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"(1) من السُنَنِ الإلهيةِ الثابتةِ أنَّ كُلَّ إنسانٍ ينتمي لأهلِ الإيمانِ ويعيشُ في دارِ الدُنيا التي هي دارُ امتحان، فإنّه لا بُدّ أنْ يُختبرَ ويُمتحَنَ ليُعلَمَ صدقُ انتمائه، فإنْ صبرَ بلغَ الثبات، ورسخَ إيمانُه وبلغَ درجةَ الصدقِ وكانَ من الصادقين، هذا من جانب. ومن جانبٍ آخر: يُمتحَنُ لغاياتٍ أخرى كما في قولهِ (تعالى): "... فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ"(2) حيثُ يُمكِنُ فهمُ وجهٍ من أوجُهِ فلسفةِ وحِكمةِ هكذا ابتلاء، فالتضرُّعُ حالةٌ تُربّي الإنسانَ على التذلُّلِ والتواضُعِ والشعورِ بالفقرِ والحاجةِ للهِ (تعالى)؛ لأنَّ الإنسانَ بطبيعتِه إذا كانَ سليمًا مُعافى البدنِ ومُمتلئَ الجيبِ فإنّه يشعرُ بالاكتفاءِ الذاتي، فقد يغفلُ عن مصدرِ العطاءِ الحقيقي، كما قال (تعالى): "كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى"(3)، فيحصلُ نقصٌ في تغذيةِ وجودِه الإنساني والروحي الذي لا يسدُّه ولا يُكمِلُه إلا التضرُّع، كما في قوله (تعالى): "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللهِ واللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ"(4) فنزولُ البلاءِ لأهلِ الإيمانِ موجبٌ للسعي والحركة، لا الجلوسِ واليأسِ من وجودِ فُرصةٍ لإصلاحِ الحال والبحثِ عن الخللِ الذي لأجله حصل البلاء. فاللهُ (تعالى) غنيٌّ عن إيذاءِ عباده، أو جعلِهم يتألمّون، إنّما غفلةُ الإنسانِ عن نفسِه توقِعُه في هكذا اختبارات؛ لكي يرفعَ درجتَه متى ما صبرَ الصبرَ الجميل، أو ليُصحِّحَ مسيرَه، فلا يركن للانشغالِ بالدُنيا عن السيرِ إلى الهدفِ الأصلِ من وجودِه، فمتى ما تحصلُ اليقظةُ في نفسِ المُبتلى، يُرفَع البلاء. ومن هُنا يُمكِنُ أنْ نفهمَ قولَ الإمامِ الصادق (عليه السلام) في حقِّ إمامِنا الغائب (عجل الله فرجه) "سيّدي غيبتُك نفتْ رُقادي" فأنْ يكونَ إمامُك وهاديك غائبًا عنك، فهذا بلاءٌ، وكم هو بلاءٌ مؤلمٌ وشديدُ الأذى لمن يحملُ روحًا مُرتبطةً بإمامِها، عارفةً بعظمِ حاجتِها له (سلام الله عليه)، فتعبيرُ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) يُربّينا على أنْ تكونَ الغيبةُ مُنطلقًا للحركة، لا للتكاسُلِ وفقدانِ الأمل، وكما يُقال: "في الحرمانِ تربية" أيّ إنَّ هذا الابتلاءَ يجبُ أنْ يجعلَنا من أهلِ الهِمّةِ العاليةِ في السيرِ لإزالةِ هذا الحرمان. فالرُقادُ -كما في اللغة- ليس النوم، وإنّما السكونُ والجلوس، فحصولُ الغيبةِ يجبُ أنْ تجعلَ الإنسانَ دائمَ الحركة، لا يهدأ، بل يكونُ ذا حركةٍ دؤوبةٍ للعملِ ولخدمةِ إمامِه، علّه بحركتِه هذه يُعجِّلُ ويُمهِّدُ الظهور؛ ليحظى بالتشرُّفِ بالالتحاقِ بدولته والثباتِ في السير على صراطِ ربِّه المُستقيم المُتمثِّلِ بوجودِه الآن، وعندَ ظهورِه (عجل الله (تعالى) فرجه) في أيّ آن. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) العنكبوت: 2 (2) الأنعام:42 (3) العلق: 7-6 (4) فاطر:15

اخرى
منذ يوم
26

من وحيّ الأخلاق 2

من وحيّ الأخلاق(2) بقلم: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي رحلةُ الأخلاقِ المُتعاكسة إذا تأمَّلنا في السجايا الأخلاقيةِ التي تُترجَمُ في النهايةِ إلىٰ سلوكٍ عملي خارجي، نجدُ أنَّها في الحقيقةِ تمرُّ بمرحلتين مُتعاكستين بالنسبةِ للنفسِ الإنسانية؛ فالسلوكُ الخارجي هو انعكاسٌ لشـيءٍ داخلي، وذلك الشـيءُ الداخلي جاءَ من الخارجِ (في أغلب الأحيان)، وبيانُه بما يأتي: عندما يُولَدُ الإنسان، فهو يُولَدُ خاليَ الوفاضِ من أيِّ سلوكٍ فعلي، يُولَدُ كما وصفَه القُرآنُ الكريمُ بقوله (عزَّ من قائل): "وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.". فيخرجُ وهو لا يعلمُ أيَّ شيء، ولكن، بعدَ هذه المرحلة، تبدأ رحلتُه الاستكشافية في هذا العالم، ويبدأُ يستوردُ من الخارجِ الكثيرَ الكثيرَ من المفاهيمِ الحياتية، عبرَ منافذَ ثلاثةٍ ذكرها القرآنُ الكريم: السمع، والبصر، والفؤاد، أو قُلْ: العقل. وعندما يستوردُ الصورَ من الخارج، تدخلُ في الذهنِ البشـري وتُحفَظ فيه، لتُعالَجَ فيما بعد عبرَ العديدِ من العملياتِ العقلية، تحليلًا ومُقايسةَ بعضِها إلى بعضها الآخر، ودمجَ بعضِ الصور مع بعضِها الآخر لتخرجَ لنا صورٌ جديدة، وهكذا.. وبعدَ أنْ تُنتَجَ مفاهيمُ في الذهن، ترجعُ تلك المفاهيمُ إلىٰ الخارجِ من خِلالِ ترجمتِها علىٰ شكلِ أفعالٍ وأقوال. فلو أنَّ طفلًا كانَ أبوه يُعلِّمُه الألفاظَ الجميلة، والكلماتِ العفيفة، فإنَّه سيختزنُ تلك الصورَ في ذهنِه، ويُرجِعُها إلىٰ الخارجِ بالقالبِ الذي دخلت فيه نفسه أو ما يقرب منه كثيرًا، على حين لو غُذّيَ بكلماتٍ ساذجةٍ وغيرِ عفيفة، فإنَّ القالبَ الذي ستخرجُ فيه ألفاظه سيكونُ مُشابهًا للقالبِ الذي دخلتْ فيه. أمامَ هذه الحقيقة، علينا أنْ نلتفتَ إلىٰ التالي: أوَّلًا: علينا أنْ نهتمَّ كثيرًا بالوارداتِ إلىٰ أذهانِنا، سواءً أكانتْ من نوعِ الألفاظِ أم المواقفِ أم الأفكار، لأنَّها -شئنا أم أبينا- ستنعكسُ في يومٍ ما علىٰ سلوكِنا الخارجي. رويَ أنَّ الإمامَ الحسن بن علي (عليهما السلام) قال: «عجبتُ لمن يتفكَّرُ في مأكوله، كيفَ لا يتفكَّرُ في معقوله، فيُجنِّبُ بطنَه ما يُؤذيه، ويُودِعُ صدرَه ما يُرديه»(1). ثانيًا: علينا أنْ نبتعدَ عن أماكنِ السوء، فإنَّ من شأنِها أنْ تُوحيَ للنفسِ بما فيها من سوء، ولذلك وردَ التحذيرُ من التواجدِ في أماكنَ مُعيَّنة، والآياتُ والرواياتُ في ذلك كثيرةٌ، منها: قالَ اللهُ (تبارك وتعالىٰ): "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً.". وقالَ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام): في هذه الآية: «إنَّما عنىٰ بهذا الرجلَ يجحدُ الحقَّ ويكذبُ به ويقعُ في الأئمَّة، فقُمْ من عنده ولا تقاعده كائنًا من كان»(2). وقال (تعالىٰ): "وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.". وفيها يقولُ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): «مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر فلا يجلسْ في مجلسٍ يُسَبُّ فيه إمام، أو يُغتابُ فيه مسلم، إنَّ اللهَ يقول في كتابه: "وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا ... " »(3). ويقولُ الإمامُ عليٌّ (عليه السلام): «لا تجلسوا علىٰ مائدةٍ يُشـرَبُ عليها الخمر، فإنَّ العبدَ لا يدري متىٰ يُؤخَذ»(4). وعنه (عليه السلام): «إيّاك والجلوس في الطرقات»(5). وعن الإمامِ الصادق (عليه السلام): «لا ينبغي للمؤمنِ أنْ يجلسَ مجلسًا يُعصىٰ اللهُ فيه، ولا يقدرُ علىٰ تغييره»(6). وعن الإمامِ علي (عليه السلام): «من كانَ يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخر فلا يقومُ مكانَ ريبة»(7). ثالثًا: إذا ما اضطررْنا إلىٰ استماعِ ما لا يليقُ بالمؤمنِ الاستماعُ إليه، أو أنْ نكونَ في مكانٍ يوحي بالسيِّئ من المفاهيم، فعلينا أنْ نكونَ علىٰ قدْرٍ عالٍ من ضبطِ النفس، بحيث نُهمِلُ أيَّ شيءٍ سلبي، ونُحاولُ أنْ لا نجعلَه يستقرُّ في نفوسنا، بأنْ ننساه أو نتناساه، ونتمثَّل قانون (كُنْ فيهم، ولا تكُنْ منهم). رابعًا: إذا كانَ في الذهنِ بعضٌ من المفاهيمِ السلبيةِ المخزونةِ من مواقفَ سابقة، فعلينا أنْ لا نستثيرَها بالتذكُّر، أو بالذهابِ إلىٰ أماكنَ تُذكِّرنا بها، فعلينا أنْ نضبطَ الخيالَ في هذا المجالِ حتَّىٰ لا يُجرجرنا إلىٰ ما لا تُحمَدُ عُقباه. وقد رويَ عن أبي عبدِ الله (عليه السلام) أنَّه قال: «اجتمعَ الحواريون إلىٰ عيسى (عليه السلام) فقالوا له: يا معلِّمَ الخير أرشدنا، فقال لهم: إنَّ موسىٰ كليمَ الله (عليه السلام) أمركم أنْ لا تحلفوا بالله (تبارك وتعالىٰ) كاذبين، وأنا آمركم أنْ لا تحلفوا باللهِ كاذبين ولا صادقين، قالوا: يا روحَ الله زدنا، فقال: إنَّ موسىٰ نبيَّ الله (عليه السلام) أمركم أنْ لا تزنوا، وأنا آمركم أنْ لا تُحدِّثوا أنفسَكم بالزنا فضلًا عن أنْ تزنوا، فإنَّ من حدَّثَ نفسَه بالزنا كانَ كمن أوقدَ في بيتٍ مزوقٍ فأفسدَ التزاويقَ(8) الدخانُ وإنْ لم يحترقِ البيت»(9). وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «صيامُ القلبِ عن الفكر في الآثام أفضلُ من صيامِ البطنِ عن الطعام»(10). وعنه (عليه السلام): «فكرك في الطاعةِ يدعوك إلىٰ العملِ بها، وفكرك في المعصيةِ يحدوك علىٰ الوقوع فيها»(11). خامسًا: يلزمُ الاهتمامُ بمنافذِ الأخلاقِ الأصيلة، المُتمثِّلةِ بالقُرآنِ الكريم، ورواياتِ المعصومين (عليهم السلام)، والتجربةِ الشخصية، وأخذِ التجربةِ من الآخرين. وفي هذا المجالِ أُلفتُ النظرَ إلىٰ ضرورةِ أمرين مُهمَّين، وهما: الأمر الأوَّل: ضرورةُ الأُستاذِ المُرشِد، الذي يرجعُ إليه طالبُ الأخلاقِ والسجايا الكريمة كُلَّما احتاجَ إليه، وكُلَّما رأىٰ من نفسِه تقهقرًا إلىٰ الوراء، فإنَّه وكما رويَ عنِ الإمامِ السجّاد (عليه السلام): «هلكَ من ليسَ له حكيمٌ يُرشِده»(12). وأفضلُ حكيمٍ نسترشدُ به هو القرآنُ الكريم، وكلماتُ المعصومين (عليهم السلام)، فقد رويَ عن الرسولِ الأكرم (صلى الله عليه وآله): «إنَّ هذه القلوبَ تصدأُ كما يصدأُ الحديد»، قيلَ: فما جلاؤها؟ قال: «ذكرُ الله، وتلاوةُ القرآن»(13). وعنِ الإمامِ الباقر (عليه السلام): «إنَّ حديثَنا يُحيي القلوب»(14). وعن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): «... وإنَّ اللهَ (سبحانه) لم يعظْ أحدًا بمثلِ هذا القرآن، فإنَّه حبلُ اللهِ المتين وسببُه الأمين، وفيه ربيعُ القلب وينابيعُ العلم، وما للقلبِ جلاءٌ غيرُه»(15). وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «تذاكروا وتلاقوا وتحدَّثوا؛ فإنَّ الحديثَ جلاءُ للقلوب، إنَّ القلوبَ لترين(16) كما يرينُ السيفُ، جلاؤها الحديث»(17). الأمر الثاني: إنَّ الإنسانَ بعد أنْ يلجأ إلىٰ المُرشدِ الخارجي (الذي هو القرآنُ والرواياتُ الشـريفة) عليه أنْ يُوجِدَ هو في داخلِه أُستاذًا داخليًا، لنُسمِّه (الوجدان) أو (الضمير) أو (الواعظ النفسـي أو الباطني)، أي أنْ يكونَ هو مصدرَ موعظةِ نفسه، فالإنسانُ العاقلُ لا بدَّ أنْ يُفكِّرَ جيِّدًا فيما يصدرُ منه من أقوالٍ وأفعال، وأنْ يُحكِّمَ عقله، ليحبسَ نفسَه علىٰ الفضائل، ويهجرَ الرذائل. فقد رويَ عن الإمامِ زين العابدين (عليه السلام): «ابن آدم! إنَّك لا تزالُ بخيرٍ ما كانَ لك واعظٌ من نفسك، وما كانتِ المُحاسبةُ من همِّك»(18). وعن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): «واعلموا أنَّه من لم يُعَنْ علىٰ نفسِه حتَّىٰ يكونَ له منها واعظٌ وزاجرٌ لم يكنْ له من غيرِها زاجرٌ ولا واعظ»(19). وعنِ الإمامِ الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): «من لم يكُنْ له واعظٌ من قلبِه، وزاجرٌ من نفسِه، ولم يكُنْ له قرينٌ مُرشد، استمكنَ عدوّه من عنقه»(20). وقال الشاعر: لن ترجعَ الأنفُسُ عن غيِّها ما لم يكُنْ منها لها زاجرُ(21) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الدعوات لقطب الدِّين الراوندي (ص 144 و145/ ح 375)؛ وفي المصدر: (ما يُزكّيه) بدل (ما يُرديه)، والأخيرة في بحار الأنوار للعلَّامة المجلسي (ج 1/ ص 218). (2) الكافي للشيخ الكليني (ج 2/ ص 377/ باب مجالسة أهل المعاصي/ ح 8). (3) تفسير القمّي (ج 1/ ص 204). (4) الخصال للشيخ الصدوق (ص 619/ حديث أربعمائة). (5) بحار الأنوار للعلَّامة المجلسـي (ج 72/ ص 465/ ح 6)، عن أمالي الشيخ الطوسي (ص 8/ ح 8/8). (6) الكافي للشيخ الكليني (ج 2/ ص 374/ باب مجالسة أهل المعاصي/ ح 1). (7) الكافي للشيخ الكليني (ج 2/ ص 378/ باب مجالسة أهل المعاصي/ ح 10). (8) التزويق: التزيين والتحسين. (القاموس). (من هامش المصدر). (9) الكافي للشيخ الكليني (ج 5/ ص 542/ باب الزاني/ ح 7). (10) عيون الحِكَم والمواعظ لعليِّ بن محمّد الليثي الواسطي (ص 302). (11) عيون الحِكَم والمواعظ لعليِّ بن محمّد الليثي الواسطي (ص 357). (12) بحار الأنوار للعلَّامة المجلسي (ج 75/ ص 159). (13) الدعوات لقطب الدِّين الراوندي (ص 237/ ح 662). (14) الدعوات لقطب الدِّين الراوندي (ص 62/ ح 155). (15) نهج البلاغة (ج 2/ ص 95). (16) الرَّين: الدنس والوسخ. (من هامش المصدر). (17) الكافي للشيخ الكليني (ج 1/ ص 41/ باب بذل العلم/ ح 8). (18) تحف العقول لابن شعبة الحرّاني (ص 280). (19) نهج البلاغة (ج 1/ ص 160). (20) أمالي الشيخ الصدوق (ص 526/ ح 711/2). (21) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (ج 7/ ص 457)، والبيت الشعري لأبي نواس.

اخرى
منذ يوم
36

فوائدُ من كلماتِ العِترةِ الطاهرة(50)

فوائدُ من كلماتِ العِترةِ الطاهرة(50) الإيثار رويَ عن الإمامِ علي (عليه السلام): "الإيثارُ أفضلُ عبادةٍ وأجلُّ سيادة"(1) ....... فوائد.. *اَلْإِيثارُ فِي الإسلام هو تفضيلُ الآخرين على النفس، وتقديمُ مصلحتهِم علَى المصلحةِ الذاتية، وهو أَعلى درجاتِ السخاءِ وأكْمَلُ أنْواعِ الجود. *يعدُّ الإسلامُ الإيثاَرَ أفضلَ ما يتقرّبُ به العبدُ إلى اللهِ (عزّ وجل)؛ لأنّه تجسيدٌ حقيقي لتفضيلِ مصلحةِ الآخرين على نفسه، وهو من أسمى معاني الأخلاق. *يُشيرُ النصُّ إلى أنَّ الإيثارَ يُحقِّقُ لصاحبِه سيادةً بينَ الناس وعلوَّ منزلةٍ عندَهم، فيصبح ذا شأنٍ اجتماعيٍ مهمٍ يُشارُ إليه بالبنانِ، بل تكونُ سيادتُه أعلى شأنًا؛ لكونِها سيادةً معنويةً، فهي تخاطبُ النفوسَ والأرواحَ، وليستْ سيادةً قائمةً على المادةِ فتزول بزوالِها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) غرر الحكم 1148

اخرى
منذ يوم
28

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
133243

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
123671

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
80199

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
74065

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
73664

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
69335