تشغيل الوضع الليلي

اعترافاتُ السهامِ

منذ شهر عدد المشاهدات : 101

بقلم: ندى الزيرجاوي
اعترافاتُ ثلاثةِ أسهمٍ مسمومةٍ، كانتْ بيدِ لعينٍ ظالم، لم تجدِ الرحمةُ مكانًا في قلبه، سهامٌ أنقعَها في السمِّ لعدِّةِ أيامٍ لتأخذَ من آلِ البيتِ (عليهم السلام) ذلك المأخذ الكبير.
نطقَ السهمُ الأولُ بحُزنٍ شديدٍ وهو يعتصِرُ ألمًا من حرارةِ المُصاب المُروِّعِ الذي شهده فقال:
أنا السهمُ الذي صوِّب بي نحو قمرٍ فأُطفِأ نورُه، وحيل بينه وبين رؤيتِه لأخيه الحسين (عليه السلام).
آلمني ذلك الموقفُ لما فيه من قساوةِ بني آدم على إخوتهم.
تحدّثَ السهمُ الثاني، وكانِ أسوأَ حالًا من الأولِ فقال:
أنتَ أفضلُ مني، وإلا فما تقولُ بسهمٍ صُنِعَ للكبار، فصُوِّبَ به نحو نحرِ صغيرٍ لا يتجاوز عمرُه ستةَ أشهرٍ حتى ذُبِحَ من الوريد إلى الوريد! فراح يُرفرِفُ بين يدي أبيه كأنّه طيرٌ مذبوح، وما زادني ألمًا أنْ لا حيلةَ عندي لإنقاذه، وكُنتُ أنظرُ في ذاك الوقتِ حالَ أبيه عندما شاهدَ رضيعَه مذبوحًا، ملأ كفَّه من دمِ نحرِه ورمى به نحو السماء، فلم تنزلْ من ذلك الدم قطرةٌ واحدةٌ.
سكتَ السهمُ الثاني كي يُتيحَ للثالثِ فرصةَ التكلُّم، لكنّ الأخير لم يستطِعِ البوحَ لشدّةِ ما هو عليه من الحزن، فأخذ يصرخُ:
أنا الذي تزلزلتْ من فعلهِ السماواتُ والأرضون، أنا الذي سأُحشَرُ يومَ القيامةِ لأشهدَ على تلكَ الفعلةِ الشنيعة، أنا ذلك السهمُ المثلثُ الذي أصابَ كبدَ أبي الأحرار، فأخذَ يُلطِّخُ شيبتَه بالدماءِ ويقول: سألقى جدّي مُخضّبًا بالدماء.

اخترنا لكم

نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (٧) "أ فعجِبتم أنْ تمطُرَ السماءِ دمًا؟!"

بقلم: علوية الحسيني نفحةٌ أخرى تتجلّى في خطابِ السيّدة زينب (عليها السلام)، صدحتْ بها في الكوفة، بعدَ عدّةِ استفهاماتٍ سابقةٍ على هذا السياق. ولم تخلُ هذه النفحةُ من ثلاثِ نواحي، وكالعادة، سيتمحورُ الكلامُ فيها تباعًا، عقائديًا، وأخلاقيًا، وبلاغيًا. ■الناحية الأولى: الناحية العقائدية. استبطنَ المقطعُ الخطابي هذا اعتقادًا راسخًا بقدرةِ اللهِ (تعالى) الواسعة، وحيثُ إنّ مُتعلّقها -إمطارُ السماءِ دمًا بدلَ الماء- ليسَ مألوفًا للذهن، فيعجبُ منه البعضُ مُستنكرًا أو مُشكِّكًا بقدرةِ اللهِ (تعالى)، أو بعظمةِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) صاحب المصاب. يُذكَرُ أنّ هذا الحدثَ الكوني -إمطار السماءِ دمًا- ذُكِرَ في كُتُبِ الفريقين، ولا ينكرُه إلاّ معاندٌ، "لمّا قُتِلَ الحُسينُ بن علي مُطِرنا مطرًا كالدمِ على البيوتِ والجدر"(١). وبالتالي، كانَ مقصدُ السيّدةِ زينب (عليها السلام) أنْ تُعطيَ درسًا عقائديًّا -لمن سمعَ خطابَها- في صفةٍ ذاتيةٍ من صفاتِ اللهِ (تعالى)، وهي قدرتُه الواسعة، التي أشارَ إليها (سبحانه) في آياتٍ عديدة، منها قوله (تعالى): {وَكَانَ الله عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}(٢). فكان ظاهرُ خطابِها يُفيدُ تعريفَ القومِ بعظمةِ قدرةِ الله (تعالى) على كُلِّ شيء؛ لأنّ كُلَّ الأشياءِ مخلوقةٌ له (تعالى)، فتتعلقُ قدرتُه بها، فالسماءُ ومطرُها مخلوقةٌ له (تعالى)، ولا مانعَ يمنعُ من تعلُّقِ قدرتِه بها، وكذا لا مانعَ من وقوعِ قدرتِه المُتساوية لجميعِ المقدورات، "إنْ شاءَ فعلَ، وإنْ شاءَ لم يفعل"(٣). إذًا حيثُ إنَّ القدرةَ الواسعةَ كمالٌ، فاللهُ (تعالى) مُتصفٌ بها، وبما أنّه (سبحانه) غيرُ متناهٍ، فقدرتُه أيضًا غيرُ متناهية، فهي هو، لا تنفكُّ عنه، ومن يُشكِّكُ بسعتِها، يُشكِّكُ باللهِ (تعالى)؛ لذاتيتها، ومن يستخفّ بها وبالغرضِ المُترتبِ على تحقُّقِها، فهو كافرٌ لا محالة. ■الناحية الثانية: الناحية الأخلاقية. تجلّتْ أخلاقُ السيّدةِ زينب (عليها السلام) حتى في خِطابِها مع أعدائها، ولهذا نجدُها استخدمت هنا صيغة الاستفهام، وكأنها تستنطقُ فطرتَهم التي خلقَهم اللهُ (تعالى) عليها {فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم}(٤). تلك الفطرةُ غيرُ الملوثةِ بالذنوبِ التي خلقَنَا اللهُ (تعالى) عليها، إلاّ أنّها قد تُلوَّثُ بالذنوبِ حتى يرينَ على قلوب البعض منها. فالسيّدةُ (عليها السلام) أرادت استنهاض تلك الفطرةِ السليمة؛ لعلّ القومَ يتوبون؛ فكانَ خطابُها وجدانيًا، مُثيرًا لعواطفهم؛ بإشارتِها إلى بكاءِ السماءِ بسبب الجُرمِ الذي اقترفوه. لكن يبدو أنّ القومَ (عليهم من اللهِ ما يستحقون) قد استهزأوا حتى من بكاءِ السماءِ دمًا، فهم فعلاً ممن رانَ على قلوبهم، باستخفافِهم بالإمام الحسين (عليه السلام)، الدال على انحرافهم الأخلاقي، وإلاّ ماذا يُرتجى ممن كانوا سفهاء ثملين؟! ولعلّ السيّدةَ زينب (عليها السلام) اعتبرتهم مصداقًا لمن استخفَّ بالمؤمنِ ذي الشيبة، الذي وجدت له قاعدة كلّية وضعها جدّها وأبوها (عليهما السلام), وتناقلتها ذرية أخيها (عليهم السلام) من بعدهم، والقاعدة هي الحديث الذي روي أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) رواه: "...وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِمُؤْمِنٍ ذِي شَيْبَةٍ أَرْسَلَ الله إِلَيْهِ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه"(٥). وحتمًا أنّ السيّدةَ اضطرت أنْ تتخذَ هذا الأسلوب ردًّا عليهم بالمثل؛ لأنّهم سخروا من قدرةِ اللهِ (تعالى) ومن مقامِ وليّهِ الإمام الحسين (عليه السلام)، فسخِرَتْ منهم، حتى ظنّ بعضُهم أنّها (عليها السلام) تسألهم باستفهامٍ حقيقيٍّ، والحالُ أنّها تتنزّهُ عن طلبِ جوابِهم؛ لأنّ الحنقَ والغيظَ باتَ واضحًا عليهم. وليس الردُّ عليهم بالسخريةِ معيبًا؛ طالما كانوا قومًا عضبَ اللهِ (تعالى) عليهم، وهم الذين بدأوا بالسخرية؛ فسبقَ وأنِ استخدمَ أحدُ أنبياء الله (تعالى) هذا الردَّ على أعداءِ ربّه، قال (تعالى) على لسانِ نبيّه نوح (عليه السلام) حينما سَخِر منه القومُ حالَ صنعِه السفينة {فقالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُون}(٦). فنبيُّ اللهِ سخِرَ منهم كما سخِرَ أعداؤه منه، لأنّهم هم من ابتدأ السخرية. "والسخريةُ وإنْ كانتْ قبيحةً، ومن الجهلِ إذا كانت ابتدائيةً [وهي الصادرةُ من الأعداء]، لكنّها جائزةٌ إذا كانت مُجازاةً لمن بدأ بها، وبعنوانِ المقابلة، وخاصةً إذا كانت تترتبُ عليها فائدةً عقلائيةً كإنفاذِ العزيمةِ وإتمام الحجة"(٧). بل وحتى الله (تعالى) يسخرُ من الذين يسخرون من عبادِه الصالحين، فتوعّدهم في كتابِه الكريم قائلًا: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}(٨). وبهذا تكونُ السيّدةُ زينب (عليها السلام) قد تخلّقتْ بأخلاقِ القرآنِ الكريم، حتى في تعاملها مع الأعداء، فعدّ ما تخلّقَت به حسنًا. ■الناحية الثالثة: الناحية البلاغية. أسلوبُ الاستفهامِ باتَ واضحًا في هذا المقطع الخطابي، لكنّه ليس استفهامًا حقيقيًا؛ لأنّ السيّدةَ زينب (عليها السلام) لم تقصدْ أنْ تسألَهم عن إيمانِهم وتصديقِهم بإمطارِ السماءِ دمًا؛ حيثُ تبيّنَ لنا في الناحيةِ الأخلاقية أعلاه أنّ القومَ أنكروا إمطارَ السماءِ دمًا استخفافًا بمقامِ الإمام الحسين (عليه السلام)، وبالتالي يخرجُ الاستفهامُ عن معناه الحقيقي، "وأصبحَ غرضُه التهكُّم"(٩). وهذا الاستخفافُ يُسمّى التهكُّم، وهو أسلوبٌ بلاغي، "ويُقالُ له السخريةُ والاستهزاء، وهو إظهارُ عدمِ المبالاةِ بالمُستهزئ أو المُتهكَّم به ولو كانَ عظيمًا"(١٠). ولا عجبَ من بلاغةِ السيّدةِ (عليها السلام) وهي بنتُ سيّدِ وسيّدةِ البُلَغاء (عليهما السلام)، ولهذا كان ردُّ القومِ الطُغاة عليها بالتهريج والتهديد. __________________ (١) مقتل الحسين (عليه السلام): للخوارزمي، ج٢، ص٨٩، تاريخ دمشق: لابن عساكر، ج٤، ص٣٣٩. (٢) الفتح: ٢١. (٣) ظ: رسائل العقائد الجعفرية: للشيخ الطوسي، م٥. (٤) الروم: ٣٠. (٥) الكافي: للشيخ الكليني، ج٢، ح٥. (٦) هود: ٣٨. (٧) الميزان في تفسير القرآن: للسيد الطباطبائي، ج١٠. (٨) التوبة: ٧٩. (٩) التحف الباهرة في بلاغة المخدرة الطاهرة: للشيخ حسين البحراني، ص٦٣. (١٠) علم المعاني: لعبد العزيز عتيق، ص١٠٤. وسلامٌ على من تضافرتْ عليها المصائبُ والكروب، وذاقتْ من النوائبِ ما تذوبُ منها القلوب.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ 3 أشهر
367

إنّها "الشيطنة"

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي رجلٌ يقتلُ زوجتَه! زوجةٌ تقتلُ زوجها! أبٌ يقتلُ أطفاله! أمٌّ تقتل طفلها! والحبل على الجرار. في الآونة الأخيرة، كثيرًا ما تناهى إلى مسامعنا مثل هكذا جرائم التي تجعلنا نشعر أنّنا عُدنا إلى عصور الجاهلية الأولى، أو أنّنا اخترنا العيشَ في غابة. وعندما أتابعُ تعليقاتِ الناس في عوالم التواصل الاجتماعي، أجدُ العجبَ العُجاب! فهناك من يُبرّر لهذه الأفعال بأنّها تصدرُ من مرضى نفسيين ليس إلا. وهذا ما دفعني إلى أنْ أبحث عن هذه الظاهرة –المأساة-، و أسأل بعض المختصين: هل حقًا أستطيعُ أنْ أُسمِّي المُجرم مريضًا نفسيًا؟ وإنْ كان كذلك فما الداعي إلى عقابه؟ سواء كان في الدنيا أو في الآخرة. أولًا لنعرف الفرق بين المرض النفسي والمرض العقلي علميًا. إنَّ المرض العقلي مرتبطٌ باضطراباتٍ أو عطلٍ في خلايا أو كيمياء المخ، وفي هذه الحالة يكونُ المرض مرضًا عقليًا "أوليًا". في حين أنّه يمكنُ أنْ يكون المرض العقلي تابعًا، أو ثانويًا؛ بمعنى أنْ يكون الشخص لديه مرضٌ عضويٌ في الكبد، أو مصابًا بالسرطان ما يؤثر على خلايا المخ؛ فيصيبه بمرض عقلي. وأما المرض النفسي فهو "اضطرابٌ وجدانيٌ يرتبطُ بالمشاعر، وبالمزاج، و بالنظرة للحياة". وقد قالت إحدى المتخصصات: إنّ الأمراض النفسية متنوعةٌ، والفرقُ بينها لا يكادُ يبين، إلا أنّه قد يوجد الإدراكُ المجنون ولا يُدرِك أنّه مجنون، ومنها الهروب من الواقع، ومنها ما يؤدي إلى الجنون، و منها ما هو وراثي. ولكن هناك أمراضٌ نفسيةٌ شبه عقلية، وهناك أمراضٌ نفسية إنْ لم يستعمل المريض الدواءَ لعلاجها، فإنها تتحول إلى عقلية، ويفقد معها الإدراك. وقد يُصابُ بـ"الهلوسة"، أو غير ذلك من الأمراض العقلية. أيضًا، هناك اختلافٌ بين فقدِ الإدراكِ وفقدان السيطرة على التحكم في المشاعر مثل الرجل الذي يرى زوجته تخونه فيقتلها. وقد نجدُ شخصًا آخر يمرُّ بالظروف ذاتِها، لكنه يُسيطر على نفسه، ويفكر في عواقب الأمور، فلا يلجأ إلى العقاب بيده، وإنّما يرجعُ إلى القضاء، أو إلى الحاكم الشرعي. كثيرًا ما نجدُ أنَّ المجرم يقعُ في فخِّ مكائد الشيطان؛ فلا يسيطر على غضبه ليتبين، كما في قصة ذلك الزوج الذي قتل زوجته؛ لأنه وجد رسالةً غرامية في دولابها، وبعد أنْ لفظتْ أنفاسها الأخيرة، تذكّر أنّ زوجته لا تعرف القراءة والكتابة! وعلم - فيما بعد - أنّ جارتهم الماكرة قد أعطتها هذه الرسالة بصفةِ أمانةٍ لتوصلها لأحدٍ تعرفه. وبعد إلحاحٍ منها على الزوجة، ولأنّ زوجته لا تعرف القراءة وذات قلبٍ نقيٍ حسب ما وصفها، فإنها وافقت، وقد انهار من وخزِ الضمير والندم وما نفع ذلك إلا رحمة الله. وهنا نتساءل: ما السرُّ في استطاعة الإنسان أنْ يضع جهاز تحكم في ردود أفعاله، ولا يتحول إلى مجرم؟ من البديهي إنّه هو الوازع الديني لا غير. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: قُلتُ له: ما العقل؟ قال: ما عُبِدَ به الرحمن، واكتُسِبَ به الجنان. قال: قلت: فالذي كان في فلان؟ قال: تلك النكراء، وتلك الشيطنة، وهي شبيهةٌ بالعقل، وليست بعقل. *بيان: النكراء: الدهاء والفطنة وجودة الرأي، وإذا استُعمِل في مشتهيات جنود الجهل، يقال له "شيطنة"؛ ولذا فسّره (عليه السلام) بها. وهذه إما قوةٌ أخرى غير العقل، أو القوة العقلية ذاتها، وإذا استُعمِلت في هذه الأمور الباطلة وكمُلت في ذلك، تُسمى بـ"الشيطنة"، ولا تُسمى بـ(العقل) في عرف الشرع المقدس. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- معاني الأخبار للشيخ الصدوق .

اخرى
منذ 3 أشهر
262

المرأة المتفقهة ودورها في المجتمع

بقلم: تقوى القلوب/ وعلوية الحسيني هناك نماذج من النساء في تاريخنا المجيد، مثل السيدة طوعة (رضوان الله تعالى عليها) تلميذة السيدة زينب (عليها السلام)، تلك المرأة الناصرة لأهل بيت الرحمة (علیهم السلام). والمتأمل في سيرتها يجد أنّ لها ثلاثة مواقف دالة على كونها عالمة بدينها، وعلى حكمة في تصرفها، والمواقف هي: الموقف الأول: قولها لمسلم بن عقيل (عليه السلام): "لا اجيز لكَ الوقوف على باب داري"، وهذا يدل على أنها عالمة بحدود شريعة الله (عز وجل)، وقد استخدمت صلاحياتها المشروعة لها عندما أحست بوجود رجل غريب أمام باب دارها، وعند علمها أنه مسلم بن عقيل (عليه السلام)، الذي هو ابن أخ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وسفير الإمام الحسين (سلام الله عليه)، كانت ردّة فعلها هي الشجاعة الدالة بشكل صريح على قوة ورسوخ ايمانها، مما جعلها لا تأبه بالأخطار المحدقة بها في حال إقدامها على مساعدة سفير الإمام الحسين (عليه السلام) وإيوائه في بيتها مما يعرضها لبطش السلطة الظالمة آنذاك. الموقف الثاني: عندما علم القوم بوجود مسلم بن عقيل (عليه السلام) في بيتها وأحاط بدارها العسكر لاعتقاله، لم تخف أو يهتز إيمانها، بل ذهبت بكل وقار وشموخ الى مسلم بن عقيل (سلام الله عليه) لتنبأه بمجيء القوم له، وإنهم يطلبون رأسه، وحثته بكل شجاعة على أن يبرز لهم ويذكرهم ببطولات أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأثارت فيه روح ذكر بطولات عمه في القتال لتثير حميته على دينه ليقاتل بكل بسالة وإقدام، وما ذلك إلاّ لأنها مجاهدة في سبيل الله (عز وجل). الموقف الثالث: التفقه في الدين لا يقتصر على التعبد وذكر الله (عز وجل) وإن كان التعبد خيرًا، إلا أنه يتوسع أكثر ليشمل التعامل الحكيم مع الاخطار والمواقف الصعبة التي يتخيّر فيها الإنسان بين الدين والدنيا، و بين رضا المخلوق و رضا الخالق، ثم لا يؤثر على رضا ربه شيئاً، فكانت تلك الفقيهة البطلة ناصرة لدينها، ولإمام زمانها، ثابتة بعزمها ورباطة جأشها. ومن تلك المواقف تستمد المرأة درسًا قيّمًا في ضرورة الحذو حذو نساء السلف من الصالحات، تلميذات المعصومات، لتحظى برضا الواحد الأحد والوصول إلى أعلى الكمالات. *فمن الموقف الأول تستمد المرأة ضرورة الكون على معرفة بعقيدتنا في وجوب نصرة المؤمن عمومًا، وأهل بيت النبي (عليهم السلام) خصوصًا، وضرورة الكون على معرفة بكيفية التعامل مع الرجال الأجانب مع الحفاظ على الحشمة والوقار الذي أكرم الله تعالى به المرأة. *ومن الموقف الثاني تستمد المرأة ضرورة الكون على معرفة بعقيدتنا بعدل الله تعالى، حيث أنّه عادل، لا يحيف في حكمه، قد يمهل الظالم، لكنه بالأخير سينتصر للمظلوم. *ومن الموقف الثالث تستمد المرأة ضرورة أن تكون للمرأة قدوة صالحة تكون بوصلة حياتها، علمًا وعملاً، في جميع الشؤون الحياتية، والحذو حذوها. فالسيّدة طوعة (عليها السلام) كانت من خيرة النساء، تفقهت في دينها، وأحسنت توظيف ما تفقهت به، حتى كتب الله تعالى لها أن تحامي عن سفير سيد الشهداء (عليهما السلام)، وإلاّ كان بإمكانه الدفاع عن نفسه، إلاّ أنّ للحكمة الإلهية دوراً في مجريات ما حصل، فكان ما كان دور المرأة المتفقهة جليّا. ولا يخفى ما للتفقه في الدّين بمعناه الأعم –التفقه بأصول الدّين، وفروعه، وأخلاقه- له ما له من الأهمية البالغة، ظهورًا من بعض الأحاديث الدالة على ذلك، فحريٌ بالمرأة أن تنهج هذا النهج، واضعةً نصب عينيها شخص السيّدة طوعة (عليها السلام)، وكيفية نضالها وهي في بيتها، ومن تلك الأحاديث: 1/كون التقفه في الدّين أفضل العبادات؛ حيث رويَ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "ما عُبِدَ الله تعالى بشيءٍ أفضل مِــن الفقه في الدِّين" (1). فالمرأة إذا تفقهت في دينها كان لها من الثواب العظيم عند الله تعالى، الذي يفوق عبادتها على غير تفقه؛ لأنّ العبادة الخالية من روح العلم عبادة روتينية، أو كما سمّاها أمير المؤمنين (عليه السلام) بعبادة التجار. 2/ كون التفقه في الدّين دعامة للدِّين؛ حيث روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "إنّ لكلّ شيءٍ دعامة، ودعامة هذا الدِّين الفـقه" (2). فالدعامة هي واجهة الدّين، أي إنّ المرأة التي لا تفقه لها لا دين متيناً لها؛ إذ ستكون عرضة الانقياد وراء الشبهات الفكرية، سريعة الجزع من الابتلاءات الإلهية، وبعيدة التخلّق بالأخلاق المحمدية؛ إذ لا مستند دينياً تعتمد عليها. 3/ كون التفقه هو الخير الذي يريده الله تعالى؛ حيث روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "إذا أراد الله بعبدٍ خـيراً، فقّـهه في الدِّين، وألهمه اليقين" (3). حتمًا تلك نتيجة من وراء سعي الإنسان نحو كل خير يقصد به التقرب إلى الله تعالى، وهو خير الدارين، واليقين، والمرأة مشمولة بهذا الكرم الإلهي، فبالتالي لو تفقهت في دينها لنالت الخير واليقين. ولا ننسى أنّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) تأفَّفَ مِن المسلم الذي لا يخصّص وقتاً لتعلّم أحكام الشريعة والتفقّه في الدِّين، والتأفّف يدل على انـزعاج النبيّ (صلى الله عليه وآله) من المسلم الذي يصدر عنه الأمر السيِّء؛ حيث رويَ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "أفٍّ لكلّ مسلم لا يجعل في كلّ جمعة يوماً يتفقّه فيه أمر دينه، ويسأل عن دينه" (4). فالمرأة التي تقضي اسبوعها دون تفقه في دين الله تعالى تدخل الأسى على قلب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). والمتأملة في سيرة نساء السلف الصالحات تجد أنّهنّ كنّ يتجالسنَ في مجالس للتفقه في دينهنّ، وهذا دليل على تخصيص بعض من أوقاتهنّ للتفقه، مع عدم التقصير في أدوارهنّ المنزلية الأخرى. والسيدة طوعة (عليها السلام) كانت من تلك النسوة اللواتي نهجنَ ذلك النهج؛ تأسيًا بقدوتيها، السيدتين الزهراء والحوراء (عليهما السلام). ______________________ (1) ميزان الحكمة: ج3، ص 2454. (2) المصدر نفسه. (3) غرر الحكم ودرر الكلم، ح 4133. (4) مصدر سابق، ج3، ص 2454.

اخرى
منذ 10 أشهر
441

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
62844

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
40294

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
39117

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31412

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31025

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
30662