ندى الزيرجاوي

أوراق الأمنيات تتساقط في خريف الطفوف

بقلم: ندى الزيرجاوي باتت تلك الأمنيات على أنقاض ذلك الألم والفراق كأنها قطراتُ ندى تساقطت على أوراق أزهار الربيع ِتمردًا لتُقبّلها، ما بين أمنية وتحققها، وإذا بسيف العطش الحارق لأوراق تلك الأمنيات قد قضى عليها، وبقيت تلك الأمنيات بين الشجون والعيون... طيوف هاربـة ما نعانق طرفًا منها إلا وتهرب مجدداً مع أول غروب شمس العاشر من محرم... وغياب لا ينتهي لأرواح طاهرة كانت تعني لنا الحياة بأكملها. تساقطت الأجساد واحدًا تلو الآخر على رمضاء كربلاء تاركةً خلفها آمالًا بُنيت عليهم لأمهات ثكالى كانت تنظر وتعد الليالي والأيام من أجل أن ترى ثمرة فؤادها يكبر أمام عينيها لتتفاخر به بين الأهل والأحباب، ليحمل أعباء الحياة عنها ولتجلس تحت ظله في كبرها، فيكون الجدار الذي تستند عليه هو الذي يتولى غسلها ويحمل نعشها، لكن فقدت ذلك الأمل على أرض الطفوف. حلم لأرامل شاء القدر أن يفجعها بمن كان هو الستر والغطاء لتعيش ما تبقى من حياتها بين طيات ذكريات مؤلمة، تركها لتتحمل المسؤولية الكبرى على عاتقها متكفلة بأيتام تكون هي الأب والأم لهم. وما بين تلك الأمنيات بقي جبلان لا يمكن أن تصفهما الكلمات ألا وهو جبل الأخوة الذي تكوّن من ذرات الطفولة ونعومة الأظافر لتتراكم تلك الذرات حتى بلغت ذروتها لتصبح شاهقة، وعلى حين غرة من زلزال الدهر ومصائب تلك الدنيا الفانية وفيضان بحر القدر أحاطت بذلك الجبل وقطعت منه كل الأمنيات المتعلقة بمخيلة عالم الأخوة. تلاشى أعظم جبلين في وادي الطفوف، واحد منهما قطعت سفوحه على نهر العلقمي وآخر نحرت قمته بسيف الظلم ورض بحوافر النفاق، ليقطع رجاء أخت تنتظر على تلِّها، تلاشت آمالها واحدة تلو الأخرى وبقيت أحلام الأخوة مدفونة بذلك القلب الجريح، فكانت تلك الأحلام الأنيس الوحيد لها في طريق السبي. أمنيات ليتامى كانت تحلم ببراءة الطفولة لحياة سعيدة تحت كنف والدٍ يحتضنها بين ذراعيه لتحس بدفء الأبوة، يترعها حنان وعاطفة يسد جميع احتياجاتها. أجساد سقطت تركت وراءها ذكريات الطفولة، تبعثرت تلك الأحلام الوردية، توقف النبض وحلقت تلك الأرواح لتعانق السماء. أمنيات فتاة بصباها لتحتويها أحضان الأبوة، أحضان تلملم ما تبعثر بداخلها من هول ما رأت، تتمنى أن يستطيع إنقاذها من السبي والسياط وسط أمواج متعالية من الشتم والسب من هول صرخة الموت داخلها . تساقطت هذه الأمنيات كحَبّات مطر لتسدل ستار الحزن والأسى، ماتت وتلطخت بسواد الأنين والحزن، وقدر لها أن تغرق في قعر بحر اليأس بعدم عودتها.

اخرى
منذ 11 شهر
1195

كيف أحترقُ، وأنا الملاذ؟!

بقلم: ندى الزيرجاوي بعد انتهاء ذلك اليوم المريع الذي هو أشبه بيوم القيامة، حيث انقسم العالم إلى شطرين، إما أن تكون مع الحق المتمثل بسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه وأهل بيته، وإما أن تكون مع الباطل المتمثل بتلك الزمرة الفاسدة التي وقفت ضد الإمام (عليه السلام) التي تجلت فيها أبشع صور الظلم... أما أنا فكنت فخورةً بأنني مع ركب الإمام، وأردد (لبيك لبيك أبا عبدالله) عندما يأتي النداء: (ألا من ناصر ينصرنا)... لكن بعد انتهاء المعركة وارتفاع سليل السيوف، أصبحت بنات الرسالة بلا ناصر ولا معين، كنت أنا الستر الذي لاذت به الفواطم بعد هجوم الأعداء، كنت أسمع صراخ النساء والأطفال، رغم قساوة المنظر وأنين المصاب لكن أخذني الشعور بالفخر حيث تجتمع بنات الرسالة تحت ظلي محتجبة بي من تلك الوحوش التي هجمت عليها، لكن لم يستمر ذلك الشعور طويلًا، جاء النداء بصوت يدوي: أحرقوا بيوت الظالمين. يا إلهي ماذا جرى إذ بدأت النيران تلتهم أطرافي، لكن لم يكن يعنيني احتراقي وأنا أسمع صراخ النساء والأطفال، كنت أرمي باللوم على نفسي كيف تحترق أوصالي؟ كيف استسلمت لتلك النيران كي تجعلني رمادًا هامدًا بعد أن كنت سترًا وملاذًا؟! أخذتني حرارة النيران رمتني أرضًا، لتمزج دموعي مع تلك الأنوار التي تبعثرت في ذلك الصباح المخيف.

اخرى
منذ 11 شهر
389

عائلةُ الشهيدِ إلى أين؟!

بقلم: ندى الزيرجاوي قصتي لم ينسجها الخيال، ولكن صُغتُها من واقعِ الحال، حالُ المئاتِ من الأرامل والأيتام، الذين فقدوا والدهم؛ لأنَّه أعطى نفسه ودمه تضحيةً لحفظِ الوطن والدين. أسكنُ في حيٍ شعبي في بيتي المتواضع، أعملُ في الخياطةِ لأدبر أمور معيشتي، تتوافد عليّ النساء بين حينٍ وآخر من الحيِّ الذي أسكنُ فيه، ومن أماكن أخرى، مما أعرفها وما لا أعرفها.. وفي ذات يومٍ من أيام الصيف، زارتني إحدى النساء وهي ترتدي السواد فلم أعرفها؛ لأنها كانت ترتدي النقاب، كان بصُحبتها طفلان صغيران في غاية الجمال، أعمارهما بين الخامسة والثالثة، وبعد التحية والسلام، توجهتُ إليها بالسؤال: ــ من أنتِ؟ هلّا عرفتِني بنفسكِ أُخيّتي؟ لم تتكلم ببنت شفة، فقط قامت برفعِ النقاب عن وجهها الكئيب الحزين، حينئذٍ عرفتُها، إنّها إحدى بنات منطقتي، كانت لا تتجاوز الثلاثين من عمرها، فبادرتُها بالسؤال: ما هو سبب لبسك للسواد؟ أجابتني والدمع ينهمر من عينيها قائلةً: استشهد زوجي وترك لي هذين الولدين... صرتُ أتبادل معها أطراف الحديث وأخذت تسرد لي قصتها وهي تبكي بحرقةٍ ولوعة.. حاولتُ أنْ أُسكِّنَ من روعها وأُهدِئها، ولكن دون جدوى، فالحزنُ قد أخذ متكأً له في قلبها. سألتها: وأين تعيشين الآن أنتِ وأطفالك؟ قالت: إنَّ والد زوجي كان كثيرَ المشاكل معنا، فكنتُ أذهب إلى أهلي عندما يلتحق زوجي إلى واجبه العسكري، وفي ذات يومٍ وأنا في بيت أهلي رنَّ الهاتفُ، فأجبتُ وإذا به جدُّ أطفالي يقول لي: إنَّ أغراضكِ رُميَت في الشارع، إنْ كُنتِ تريدينها فتعالي لأخذها. ذهبتُ أنا وأخي لجلبها والدموع على وجنتيّ، والأفكار تُراودني: هل أخبرُ زوجي، وهو بعيدٌ في جبهاتِ القتال؟ أو لا أخبره كي لا أشغل باله بنا؟ صبرتُ تلك الليلة ولم أتصل به لأُخبره بيومي مثل عادتي يوميًا، نامت عيون الناس وأنا مستيقظة، أفكرُ ماذا أصنعُ وكيف أدبرُ أمري؟ لم أستيقظ إلا على رنين الهاتف وإذا به صديق زوجي يُخبرنا بنبأ استشهاده، جنَّ جنوني وكدتُ أفقدُ عقلي، كنتُ أرى كلَّ شيءٍ من حولي أسودَ وظلامًا... بدأتْ مراسيم الدفن والعزاء، وافترقَ الناسُ والأحباب، كلٌّ رجع إلى بيته وبقيتُ أنا وأطفالي في بيت أهلي؛ لأن والد زوجي لا يوافق على السكن معهم حتى بعد استشهاد ولده.. وبدأت رحلتي ومسؤوليتي الجديدة، لا أنامُ ليلي من كثرة التفكير، أسئلة لا تفارقني، كيف أوفرُ عيشةً كريمةً لأطفالي؟ كيف أكملُ تعليمهم في المدارس؟ كيف أتدبرُ أمري وأمرهم؟ وها أنا ذي في أيام العدة، مثلما ترين يا أخيّتي ماذا حلَّ بي من حزنٍ وألمٍ، وكيفَ أصبح الحزنُ لا يُفارقني. حزنتُ جدًا لمُصابها واحتسبتُ لله ما حلَّ بها، وبعد انتهاء حديثنا غادرت وهي حزينة. وبعد مرور عدة شهور -ما يقارب الثلاثة أو الأربعة-، زارتني ثانيةً، ولكنّي شعرتُ أنَّ نفسيتها أفضل من السابق، سألتها عن أحوالها، فأجابت وعلامة الرضا تملأ وجهها: الحمدُ لله لقد احتوتنا مؤسسةٌ تابعةٌ للمرجعية العليا، وتكفلت بإعانتنا، وخصصت لنا راتبًا شهريًا، وقامت بتسجيل أحد أطفالي في مدرسة للأيتام، والآخر في روضةٍ للأيتام، كل منهما تحت رعاية المرجعية، وجود أولادي في هذه الأماكن زاد اطمئناني أكثر؛ لأنهم يتولون تربيتهم وفقًا لمنهجٍ تربويٍ تعليميٍ وأبوي، يُخففُ عن كاهلي الكثير.. حمدنا الله (تعالى) وأثنينا عليه لوجود المرجعية سندًا، تمدُّ يد العون لكلِّ ضعيفٍ وتساعده.

اخرى
منذ 6 أشهر
170

مقارنة بين كورونا والشيطان

بقلم: ندى الزيرجاوي وباءٌ اجتاح العالم بأكمله، لم يُفرِّق بين كبيرٍ وصغيرٍ، ولا بين أميرٍ وفقير، ولا بين عالمٍ وجاهلٍ، مؤمنٍ كان أو كافر... تُراودُني أسئلة جمّة، هل هو بلاءٌ أو اختبارٌ من الله (سبحانه وتعالى) لبني البشر الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد فابتلاهم الله تعالى ليُقربهم ويُرجعهم إلى فطرتهم السليمة؛ لأنّهم ابتعدوا عن ذكره وغرّتهم الدنيا بغرورها، وأنا أقرأ عن هذا الفايروس أو الوباء وسرعة انتشاره ودخوله لجسم الإنسان وكيفية الوقاية منه تبادر إلى ذهني أنّه لا يختلف كثيرًا عن الشيطان وكأنّهما وجهان لعملةٍ واحدة: *فكلاهما ضعيفٌ أمام قدرة الله (تعالى).. *وكلاهما يتمكن من الإنسان عند غفلته. فالشيطانُ يدخل للإنسان وهو في غفلةٍ من أمره من مداخل عدة دون الانتباه لها أو التحفظ منها وكم يحذرنا الله (سبحانه وتعالى) من تلك الهفوات أو الغفلات التي يقع فيها الإنسان مما تجعله عرضةً لسيطرة الشيطان عليه وكذا كورونا فإنَّها تدخل للإنسان ــ غالبًا ــ بسبب عدم اهتمامه بالإرشادات الصحية التي تُقدَّم له مما يجعله عرضة للابتلاء بهذا الفايروس. *وكلاهما مُخرِّبٌ للإنسان ومُدمرٌ له. فالشيطان وكورونا عندما يدخلان لجسم الإنسان فإنَّ الشيطان يبدأ بتدمير الخلايا الإيمانية والأجهزة الفطرية التي جُبل الإنسان عليها، أما كورونا فإنّها تقوم بتدمير خلايا الجسم مما يجعله عرضة للهلاك.. *المناعةُ القوية هي السبيل للوقاية من كليهما. فوجود المناعة القوية هي التي تقهر كلًا من الفايروس والشيطان، فكما أنَّ جهاز المناعة الإلهي والإيماني الذي يمتلكه الإنسان والذي يُحصن به نفسه من الانحراف فكرًا وسلوكًا هو الذي يؤدي إلى زعزعة وجود الشيطان ثم طرده تمامًا، فكذلك لجهاز المناعة في جسم الإنسان دورٌ كبيرٌ في القضاء على هذا الفايروس وقتله فيتماثل المصاب به للشفاء تدريجيًا. *كلاهما بلاءٌ واختبارٌ للإنسان.. ولكن هناك اختلافاً كبيراً بينهما، فكورونا يُصيب الأبدان حتى وإنْ كانت مُطيعةً لله ومؤمنة وتقية، وربما يكون الإنسان على حذرٍ منه فيصيبه الفايروس بسبب مساعدةٍ يُقدمها لإنقاذ نفسٍ بشرية. أما الشيطان فيُصيب جوهر الإنسان وعقله ولا يمكن أنْ يصل إلى قوي الإيمان فكيده ضعيف وقد منع الله (تعالى) من أنْ يصل إلى بعض الناس مهما فعل من مكائد ونصب من شراك. وهناك فرقٌ آخر، الذي يصيبه فايروس كورونا ويغادر الدنيا بعضهم إلى النعيم وبعضهم إلى الجحيم، أما الذي يصيبه الشيطان ويركن إليه فمصيره الجحيم. ولكن كلًا من هذا الوباء وهذا البلاء يبقى درسًا للإنسان للعودة إلى ربِّ السماء، ولعلّنا نستيقظ من سُباتنا وغفلتنا، ويعي الجبابرة والظالمون كم هم أذلاءٌ، ضعيفو الحيلة، مهزومون أمام قدرة الله تعالى وجبروته وقاهريته، وكم هم عاجزون عن أنْ يوقفوا فايروسًا وجنديًا من جنود الله تعالى لا يُرى بالعين المجردة، يعبث بهم ويهلكهم وهم يستغيثون. سُبحانك ربي ما أعظمك.

اخرى
منذ 5 أشهر
289

مستقبلٌ بلا مستقبل!

بقلم: ندى الزيرجاوي بين ماضٍ معدوم، وحاضرٍ مظلوم، ومستقبلٍ مهزوم، يعيش أبناءُ المستقبل! حقًا إنَّها مشكلةٌ تهدر الأجيال؛ حيث صعوبة المعيشة، وإهمال الأبوين بسبب انشغالات الحياة، وهجمة الإنترنيت وبرامج التواصل الاجتماعي الشرسة، وما يحمله من أفكارٍ فاسدة، وتهميشٍ كامل للدين، وغيابٍ للعادات والتقاليد، وسط مجتمعٍ أنهكته الحروب والمآسي، أدّت إلى إخراج جيلٍ عديم المسؤولية، لا يمكنُ السيطرة عليه، أو النهوض به، لا يُمكن أنْ نطلق عليه: جيل المستقبل. أيُّ مستقبلٍ سيقوده ذلك الجيل؟! إن لم نستطع إيجاد الحلول الجذرية له، وذلك عن طريق القضاء على الجهل ونشر التعليم بالإضافة إلى بذل جهدٍ مكثفٍ للارتقاء والنهوض بالواقع الذي تعيشه تلك الفئة. نعم، لا يخلو الأمر من تعبٍ ومتابعةٍ كبيرة ومستمرة، لكن قيل سابقًا "من طلب العلا سهر الليالي". يجب علينا الالتفات لتنشئة وبناء وإعداد جيلٍ من الشباب الواعي والقادر على الإصلاح إعدادًا متينًا، وهذا البناء يبدأ من السنوات الأولى للتربية، والاهتمام بالطفل الذي هو ثمرة ونتاج المستقبل، فإنَّ ما تزرعه اليوم تحصده غدًا. للمرأة الحصة الكبرى من التربية والجهد، فيقع على عاتقها أنْ تسقي تلك البراعم من ينابيع محبتها؛ لتنمو وتكبر بالأخلاق الفاضلة، سواء كانت أمًا أو معلمة، فهي التي تروي تلك البذور بالقيم والمبادئ الصحيحة وحبِّ الآخرين؛ لكثرة تماسها وتواجدها مع الطفل، وبذا تربي جيلًا ناجحًا نافعًا، محصنًا من كلِّ الفايروسات الدخيلة على ديننا ومجتمعنا وعاداتنا، يمكن الاعتماد عليه للنهوض بواقع الأمة وتحمل مسؤوليته.

اخرى
منذ 5 أشهر
293

اعترافاتُ السهامِ

بقلم: ندى الزيرجاوي اعترافاتُ ثلاثةِ أسهمٍ مسمومةٍ، كانتْ بيدِ لعينٍ ظالم، لم تجدِ الرحمةُ مكانًا في قلبه، سهامٌ أنقعَها في السمِّ لعدِّةِ أيامٍ لتأخذَ من آلِ البيتِ (عليهم السلام) ذلك المأخذ الكبير. نطقَ السهمُ الأولُ بحُزنٍ شديدٍ وهو يعتصِرُ ألمًا من حرارةِ المُصاب المُروِّعِ الذي شهده فقال: أنا السهمُ الذي صوِّب بي نحو قمرٍ فأُطفِأ نورُه، وحيل بينه وبين رؤيتِه لأخيه الحسين (عليه السلام). آلمني ذلك الموقفُ لما فيه من قساوةِ بني آدم على إخوتهم. تحدّثَ السهمُ الثاني، وكانِ أسوأَ حالًا من الأولِ فقال: أنتَ أفضلُ مني، وإلا فما تقولُ بسهمٍ صُنِعَ للكبار، فصُوِّبَ به نحو نحرِ صغيرٍ لا يتجاوز عمرُه ستةَ أشهرٍ حتى ذُبِحَ من الوريد إلى الوريد! فراح يُرفرِفُ بين يدي أبيه كأنّه طيرٌ مذبوح، وما زادني ألمًا أنْ لا حيلةَ عندي لإنقاذه، وكُنتُ أنظرُ في ذاك الوقتِ حالَ أبيه عندما شاهدَ رضيعَه مذبوحًا، ملأ كفَّه من دمِ نحرِه ورمى به نحو السماء، فلم تنزلْ من ذلك الدم قطرةٌ واحدةٌ. سكتَ السهمُ الثاني كي يُتيحَ للثالثِ فرصةَ التكلُّم، لكنّ الأخير لم يستطِعِ البوحَ لشدّةِ ما هو عليه من الحزن، فأخذ يصرخُ: أنا الذي تزلزلتْ من فعلهِ السماواتُ والأرضون، أنا الذي سأُحشَرُ يومَ القيامةِ لأشهدَ على تلكَ الفعلةِ الشنيعة، أنا ذلك السهمُ المثلثُ الذي أصابَ كبدَ أبي الأحرار، فأخذَ يُلطِّخُ شيبتَه بالدماءِ ويقول: سألقى جدّي مُخضّبًا بالدماء.

اخرى
منذ أسبوع
80