آية وإضاءة(١١): غنى بعفاف

قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ …} (النور:33) وكأن الآية هنا موجه لفئة معينة خاصة، ومخصوصة بجزاء إلهي إن عملت بالشرط الموضوع لهم والذي هو العفاف، أما الجزاء فهو الاغناء. ففي هذه الحياة لكل إنسان اختبار خاص وجزاء الهي خاص ايضا، وهذه الفئة المخاطبة بهذه الآية هي التي لم تجد الكفؤ الذي تريد أن تتشارك معه حياة الدارين، إذ قالت الآية {الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ}-كما يبدوا- يعني هم ممن يبحثون ويسعون في بيئتهم، وفي دائرتهم الاجتماعية ولكن لم يجدوا الكفؤ المناسب فيها. هنا بعد مرحلة البحث تأتي مرحلة ايجاد حالة الاستعفاف بأن لا يمدوا اعينهم لأرزاق غيرهم، أن ينشغلوا بما هم مكلفون به الان من قبل الله تعالى، أي أن يصلوا الى مرحلة تحقق معنى من معاني الاستعفاف والتي هي الاعفاء اي إنهم ممن تم رفع تكليف البحث والايجاد عنهم، إذ قالت الآية {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ}، وحل بالمقابل عليهم تكليف التسليم الذي قد يطول او يقصر وفقا للحكمة والارادة الالهية. فزمن اختبار الرضا والتسليم بالاستعفاف لهذه الفئة مفتوح، وبالمقابل الجزاء الذي سيكون الاغناء ليس بمقياس الاستحقاق بل في قبال الفضل الالهي اي بغير احتساب، وبشكل الهي خاص.

اخرى
منذ شهر
33

موعدٌ مع النور

موعدٌ مع النور بقلم : وجدان الشوهاني دائماً ما أتصفح التأريخ ، وأقلّب صفحات السِير، أجول بين تلك الصفحات وأسرح بخيالٍ جامح إلى ذلك الماضي ،وفجأة أتوقف ، لا أعرف الأسباب ؛ ولكن اواصل المسيرة. وبينما أجول بتلك الوريقات، لأقف عند سيرة عطرة، فسمعتُ صوت صهيل الخيل، ولاح أمام ناظري خيامٌ قد أكلتْ النار كل شيء فيها ولم يبق سوى الرماد ، وامرأة أذهلني منظرها فمرة أجدها تلملم صغارٍ ومرة عند اجسادٍ مقطّعة وأخرى تضمّد عليلٍ ورابعة وخامسة...فذُهلتْ ممّا رأيته ،فرغم كمِّ المصائب كانت صابرة، لم أتمالك نفسي ،فأسرعت في تقليب الورق لأبحث عن سر هذه الشجاعة والصبر ورباطة الجأش ،وإذا بي أقف مجدداً عند نفس السيرة العطرة ؛ولكن هذه المرة وقفتُ عند بزوغ نورها للوجود ، فسرح بي الخيال إلى ذلك اليوم ،ورأيته وهو يرسم على محيّا بقية أنوار الهدى بهجتهُ ، فكان لهُ طعمٌ خاص. وها أنا أرى شعاعٌ النور ،يملأ المدينة فرحاً وسروراً ، ولم تتمكن كلُّ تلك المصائب رغم قساوتها أن تحجب ذلك النور عن محبيها ، فقد أنار تلك المدينة التي حملتْ اسم خاتم الأنبياء. فقلتُ في نفسي ، لمَ لا أسافر إلى ذلك اليوم ، وأعيش لحظة ولادة النور ، وأرسم لوحةً بقلم الفرح. سأبدأ.... إنه اليوم الخامس من شهر جمادي الأول من السنة الخامسة للهجرة ، جاء ليطلَّ بإشراقته، ويأتينا بخبرٍ سعيد للنبي الأكرم (صلوات الله عليه وآله ) وأهل بيته. تُرى ما الخبر؟ ففي بيتٍ امتاز عن بيوتات المدينة ، بإنّ كلُّ مَن فيهِ أنواراً إلهية ، وممّن دخلوا تحت ذلك الكساء اليماني ، فجاء النداء الألهي لهم بإنهم مطهّرون ، فذلك البيت هو على موعدٍ مع ولادةِ نورٍ جديد. الجميع ينتظر .... وأنا معهم حتى جاء الخبر لعلي ابن ابي طالب (عليه السلام) . - قد ولدت السيدة فاطمة (عليها السلام) مولودها الجديد. ، فقد رأيتُ بعين الخيال كل تعابير وجه أمير المؤمنين (عليه السلام) كيف كانت مستبشرة ، تنتظر إكمال الخبر لمعرفة نوع الوليد. - إنها أنثى يا علي اشرق وجهه ، وكإنه على موعدٍ مع النور فها هو نور ابنته الأولى بعد الحسنين (عليهما السلام) ، يُشرق عليهم - هنيئاً لكي يا زهراء هذه الولادة ، تهنئة جاءت من أعظم رجلٍ بعد رسول الله إلى أعظم امرأة . لقد رأيتُ فرح التهنئة على وجه الزهراء (عليها السلام) يترك أثره الذي فاق عنوان الجمال ، وكأني أول مرة أرى تهنئة بمولود. -هنيئاً لكي يا أماه ، إنهما الحسنان. آه ، ما أجمله من صوتٍ انساب إلى أذني من أعظم سيدين ، فدفء ذلك الصوت أضاف إلى الزهراء (عليها السلام) آمان لولديتها الجديدة. لم يبقَ سوى تهنئة النبي الأكرم (صلوات الله عليه وآله )، رأيت الحسنين اسرعا لأخباره بالخبر السعيد ، فجاء مسرعاً لبيت بضعته . - هنيئاً لكي يا ابنتي . لم تعد الأرض تسعني ، فلقد رأيت وجه النور الأكمل ، خاتم الانبياء (صلوات ربي وسلامه عليه وآله ). وبهذه التهنئة اكتمل العقد الفريد . فأي بنتٍ ستكون تلك التي ولدتْ وكلُ مَن حولها هم مطهرون، وأيّ خصائصٍ ستحمل تلك التي أوّل مَن هنّأ بولادتها هم أنوارٌ إلهية ، وأوّل كلامٍ وصل إلى اسماعها هو الأذان . أتعلمون ، كلما تخيلت ذلك الاذان الذي كان بصوت علي بن ابي طالب (عليه السلام) ، انتابني شعور عجيب ، فشهادة أن لا إله إلا الله تفوح منها رائحة التوحيد وكأني اعيش رواحنية التوحيد ، أما شهادة أن محمد رسول الله فتحلّق بي نحو عرش السماء، ولم يقف الخيال عند ذلك وحسب بل حلّق إلى نقطة أبعد فأخذني إلى مستقبلٍ مرتَقب وأسمعني الأذان بصوتٍ الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه) ثم أعادني للماضي الذي أعيش لحظاته مع أهل بيت النبوة (عليهم السلام)، كم جميل ذلك الخيال عندما يأخذنا إلى مَن نحب. آه ... أي وليدة عظيمة تلك ؟! لم يبقَ سوى الاسم فرأيت النبي يسأل - يا علي هل سميتها؟ - كيف لي أن اسبقك يا رسول الله؟ آداب يحملها ذلك البيت المطهّر ، ترسم لي علم الأخلاق فلا احتاج لكتاب فيه -لننتظر خبر السماء ، وإذا بنداء جبرائيل - يا محمد ، سمها زينب رائحة عطر ذلك الاسم زكية جداً ، وانعكاس شخصية علي (عليه السلام) في شخصية صاحبة الاسم بان منذ ولادتها عندما احاطتها يد العصمة ، فلا نستغرب المعاجم التي تشير إلى معنى اسم زينب بأنه شجر طيب الرائحة أو إنه مركب من ( زين أب ) فهي زينٌ لأبيها علي (عليه السلام). فلمَ الاستغراب؟ وكل خصائص الأسم بانت منذ أوّل ولادتها ، بل ولمَ الاستغراب ممّا جاء عن تلك الشخصية العظيمة وما تحمّلته على مرِّ تلك الحياة التي عاشتها . فكيف لا يكون عقلها عقل خاتم الانبياء! وكيف لا يكون لسانها لسان علي ! وكيف لا يكون عفافها عفاف فاطمة ! وكيف لا تكون شجاعتها شجاعة الحسنين ! فمَن كان جميع أهل العبا على موعدٍ مع نور ولادتها ، حتماً ستكون امرأة تهز عرش الطغاة، بشجاعتها ورباطة جأشها .

اخرى
منذ شهر
35

على ضفافِ الانتظار(17)

على ضفافِ الانتظار(17) بقلم: الشيخ حسين الأسدي الانتظار.. انطباعاتٌ من المعنى اللغوي. الانتظارُ لغةً: توقُّعُ حضورِ غائب . وبمُتابعةِ هذا المعنى اللغوي وما يوحي به من معانٍ، يمكنُ أنْ ننتهيَ إلى أنَّ هذا المعنى اللغوي يستبطنُ التالي: أولًا: الاعترافُ بوجودِ ذلك الغائب، وأنّه لا شكَّ سيعودُ لأحبابِه في يومٍ ما، عندما تُتاحُ له الفُرصةُ أو يؤذَنُ له، إذ لا معنى لتوقُّعِ عودةِ غيرِ الموجود كما هو واضح. ويترتبُ على هذا: ثانيًا: إمكانُ التواصُلِ معه بطريقةٍ وبأخرى، نعم، قد ينقطعُ الاتصالُ به لسببٍ ولآخر، لكنّه على كل حال أمرٌ ممكنٌ، وليس ممتنعًا، إذ كونه غائبًا يعني أنّه موجودٌ، والموجودُ يمكنُ التواصُلُ معه. ثالثاً: أنَّ المعنى اللغوي للانتظار وإنْ كانَ يشملُ انتظارَ كُلٍّ من المكروه والمحبوب، ولكن انتظار الإمامِ المهدي (عجل الله (تعالى) فرجه) لا شكَّ أنّه انتظارُ المحبوب، ومن ثَمّ، سيُسبِّبُ فراقُه وعدمُ التواصلِ المباشر معه ألمًا في القلب، ربما لا يُظهِرُه العاشق، بل قد يبقى يُكابِدُ غصةَ الفراق من دونِ أنْ يعلمَ به أحد. رابعًا: وهذا يعني: أنَّ العاشقَ سوف لا يرضى على حاله من فراقِ محبوبِه. صحيحٌ أنّه ربما لا يستطيعُ أنْ يفعلَ الشيءَ الكثيرَ لأجلِ استجلابِ محبوبه، أو تقليلِ المسافة بينهما، أو تقليصِ فترةِ الفراق، ولكنَّ قلبَه لنْ يهدأ من دونِ أنْ يُقْدِمَ على فِعْلِ ما يُمكنه لأجلِ اللقاء به. وهذا الأمرُ يستدعي العملَ على تهيئةِ الظروفِ الملائمة له عندَ حضوره، خصوصًا إذا توقّعَ حضورَه بصورةٍ مفاجئةٍ ومن دونِ سابقِ إنذار. خامسًا: وهو في كُلِّ ذلك يعيشُ الأملَ بلقاءِ محبوبه، فعلمُه بحياةِ محبوبه واحتمالُ رجوعِه إليه في أيّ لحظة يجعلُ من قلبِه ينبضُ بأملِ اللقاءِ ولو بعد حين. وهذه المعاني التي يستبطنُها المعنى اللغوي للانتظار كُلُّها موجودةٌ في انتظارِ المولى الأعظم والمعشوقِ الأكبر صاحبِ العصرِ والزمان (عجل الله (تعالى) فرجه). ببيان: أولًا: أنَّ انتظارَ الإمامِ المهدي (عجل الله (تعالى) فرجه) يستلزمُ الاعترافَ بحياتِه وباستمرارها، وإلا فلا موضوعيةَ للانتظارِ مثلما هو واضح؛ إذ عرفنا أنَّ الانتظارَ هو توقُّعُ حضورِ الغائب، أيّ الحي الذي يتوقّعُ المُنتظِرُ رجوعَه إليه، مما يعني الاعتقاد بحياته واستمرارها إلى حين العودة. ثانيًا: أنَّ التواصُلَ مع المولى (عجل الله (تعالى) فرجه) يكونُ بطريقٍ معنوي، حيثُ نعتقدُ أنّه مُطلِّعٌ على أعمالنا ويعلمُ بما يجري علينا؛ لأنّ عندَه علمًا لدنيًا من الله (تعالى)، الأمر الذي بيّنه هو (عجل الله (تعالى) فرجه) في رسالته إلى الشيخ المفيد حيثُ يقولُ فيها: "نحنُ وإنْ كُنّا ناوين [ثاوين] بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين... فإنّا نحيطُ علمًا بأنبائكم، ولا يعزبُ عنّا شيءٌ من أخباركم... إنّا غيرُ مُهملين لمُراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزلَ بكم اللأواء ، أو اصطلمكم الأعداء ثالثًا: أنَّ المؤمنَ العاشقَ يعيشُ الألمَ لفراقِ مولاه، الأمر الذي يشرحُ بعضًا من تجلياته في دعاءِ النُدبةِ حيثُ يُردِّد: لَيْتَ شِعْرِي ايْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوى، بَلْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّكَ أَوْ ثَرى؟! أَبِرَضْوى أَوْ غَيْرِها أَمْ ذِي طُوى؟! عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَرى الخَلْقَ وَلا تُرى، وَلا أَسْمَعُ لَكَ حَسِيسًا وَلا نَجْوى، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ تُحِيطَ بِكَ دُونِيَ البَلْوى، وَلا يَنالُكَ مِنِّي ضَجِيجٌ وَلا شَكْوى.... إِلى مَتى أُحارُ فِيكَ يا مَوْلايَ وَإِلى مَتّى، وَأَيُّ خِطابٍ أَصِفُ فِيكَ وَأيُّ نَجْوى؟ عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ اُجابَ دُونَكَ وَأُناغى عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَبْكِيَكَ وَيَخْذُلَكَ الوَرى... هَلْ إِلَيْكَ يَا بْنَ أَحْمَدَ سَبِيلٌ فَتُلْقى هَلْ يَتَّصِلُ يَوْمُنا مِنْكَ بِعِدَةٍ فَنَحْظى... مَتى تَرانا وَنَراكَ... رابعًا: أنَّ على المؤمنِ أنْ يكونَ (مُمهِّدًا) وعاملًا فاعلًا لتهيئةِ الأرضيةِ المُناسبةِ لحضورِ المولى صاحبِ العصرِ والزمان، سواء على المستوى الفردي أم المستوى الجماعي، فالمؤمنُ لا بُدّ أنْ يكونَ أشبهَ بناقوسِ تنبيه، يعملُ على إلفاتِ أنظارِ المؤمنين عمومًا على ضرورةِ تهيئةِ أنفسِهم لاستقبالِ المولى الغائب، فضلًا عن تهيئة نفسه هو. خامسًا: والمُنتظرُ الواعي، يعلمُ أنّ حضورَ الإمامِ (عجل الله (تعالى) فرجه) مُتوقعٌ في كُلِّ حين، طبقًا لما رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): «فتوقعوا الفرجَ صباحًا ومساءً» ، مما يعني أنّه سيعيشُ كُلَّ لحظةٍ وكأنّ الإمامَ قد ظهرَ فيها، ويوطِّنُ نفسَه على أنْ يكونَ جُنديًا طوعَ أمرِ الإمامِ في أيّ لحظة، ومهما كانتِ الظروف.

اخرى
منذ شهرين
36

فنجان قهوة

فنجانُ قهوة (86) قد تأتيك دعوةٌ لشربِ فنجانِ قهوةٍ من شخصٍ غيرِ مُتوقّع، لا تتردّدْ، اقبلْها؛ فقد تحملُ لك رسالةً رحمانيةً تُنوِّرُ لك دربك. فلا تفوِّتِ الفرصةَ، وانتبهْ دومًا إلى تلك الرسائلِ، وخُذْ منها عبرة.

اخرى
منذ شهرين
41

هي والله مريم الكبرى

مما ورد عن النبي الأعظم(صل الله عليه واله) إنه قال في حق السيدة الزهراء (عليها السلام): «والله هي مريم الكبرى»(١)، إذ إن هذه الرواية تُنبئنا إن سمات ومقامات وأدوار السيدة مريم(عليها السلام) إنما هي وسيط لنتعرف على مريم الكبرى(عليها السلام) بمنظور قرآني، فالسيدة الزهراء(عليها السلام) المقياس، وهي سيدتهن جميعًا بلا استثناء. لذا هنا سنورد عدة اوجه نستدل بها على أفضلية وكمال السيدة الزهراء(عليها السلام) الذي أشار إليه الحديث النبوي: الوجه الاول: كرامة ما قبل الولادة قال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} (آل عمران :37)، إن المقدمات التي حصلت قبل ولادة السيدة مريم(عليها السلام) هي إنها كانت نذر بأن يكون هذا المولود لله تعالى، فحصل القبول من الله تعالى لها. بينما السيدة الزهراء(عليها السلام) كانت المقدمات مختلفة لمجيئها لهذا العالم، إذ كانت باختيار إلهي محض، وليس من خلال دعوة او نذر، كانت عطية الله تعالى لنبيه الأعظم(صلى الله عليه واله) بهيئة آية وحجة الهية للعالمين. الوجه الثاني: حجيتها ودلالتها الله تعالى عبر عن السيدة مريم (عليها السلام) بأنها آية، حيث ورد عن الأئمة في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً}،« يعني حجة»(٢)، فكونها حجة أي إنها دليل للناس وشاهد عليهم. وقد روي عن الإمام العسكري(عليه السلام)إنه قال: « نحن حجج اللَّه على خلقه وجدّتنا فاطمة حجة اللَّه علينا»(٣)، أي إن السيدة الزهراء(عليها السلام) حجة على عامة الناس، وحجة على الحجج الالهيين وهذا يدل على وسع حجيتها وعظمتها. الوجه الثالث: البُشارة بكلمة الله قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}(آل عمران :45)، في هذه الآية بُشرتْ السيدة مريم(عليها السلام) بأنها ستكون إم لكلمة الله تعالى وحجته في أرضه. والسيدة الزهراء(عليها السلام) بُشرت كما قال رسول الله(صلى الله عليه واله):"أبشري يا فاطمة أما المهدي منك"(٤)، فهي أم لكلمات الله التامات وأبن السيدة مريم(عليهما السلام) سيكون مأموم خلف خاتم ولدها. الوجه الرابع :مقام حديث الملائكة ورد في كتاب الله تعالى ذكر خصيصة حديث الملائكة للسيدة مريم(عليها السلام) بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ}(آل عمران :42)، وقوله تعالى:{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}(آل عمران : 43). والسيدة الزهراء(عليها السلام) كانت محدثة الملائكة أيضا، فعن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنَّه قال: "سُميَتْ فاطمة مُحدّثة؛ لأنَّ الملائكةَ كانت تهبط من السماء فتناديها، كما كانت تنادي مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة، إنَّ اللهَ اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة، اقنتي لربك، وتحدثّهم ويحدثونها،..."(٥). والملفت في الرواية إنها تجيب عن وجه من أوجه تفضيل السيدة الزهراء(عليها السلام)، إذ لم يرد في الرواية ذكر طلب الملائكة الوارد في آية السيدة مريم(عليها السلام) بقولهم: {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}، كونها جسدت مرتبة العبودية بكل وجودها وبأعلى الدرجات، كما روي عن الحسن البصري أنه قال: " ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة، كانت تقوم حتى تتورم قدماها".(٦) كما إن فيها إشارة -كما يبدوا- لاستمرارية ودوام نزول الملائكة وتحديثهم لها، وفي ذلك إشارة لمقام أن السيدة الزهراء(عليها السلام) من أهل الأنس والانكشاف على موجودات ذلك العالم، بينما السيدة مريم(عليها السلام) الآية لم تَذكر وجود تحادث بل النزول كان على قدر التبليغ. الوجه الخامس: مقام الأمومة والصديقية قال تعالى:{وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}(المائدة:75)، الآية الكريمة نسبة صفة الامومة لسيدة مريم (عليها السلام) لحجة الله في ارضه عيسى عليه السلام، بينما السيدة الزهراء (عليها السلام) نالت مقام الامومة لخاتم الانبياء ولحجج السماء من الأئمة الاوصياء بشكل خاص، وهي أم لكل مؤمن ومؤمنة من أهل الولاء. اما ما يخص مقام الصديقية فقد ورد بذكر السيدة عن الأئمة (عليهم السلام) بوصفها: "إن فاطمة(عليها السلام) صديقة شهيدة"(٧). ففي آية السيدة مريم(عليها السلام) ذكرت بكونها صديقة فقط، بينما في زيارة السيدة الزهراء(عليها السلام) ذكر إنها بلغت فوق ذلك مقام الشهادة-وكما يبدوا- إنها بذلك بلغت درجة أعلى وأكبر من درجات الصديقين فنالت مقام الشهداء. إذ يمكن أن نستدل بقوله تعالى: { وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}(النساء: 69)، كدليل عام على هذا الفهم لمجيئ مقام الصديق ثم الشهادة تباعًا، كما إن السيدة مريم(عليها السلام) رحلت عن الدنيا بموت طبيعي ولم تستشهد كما جرى مع السيدة الزهراء(عليها السلام) فقد رحلت شهيدة بعد ان بذلت نفسها في سبيل الله تعالى. الوجه السادس: نزول الرزق قال تعالى:{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} (آل عمران :37)، السيدة مريم(عليها السلام) كان رزقها ينزل عليها وهي في المحراب. بينما السيدة الزهراء(عليها السلام) كانت تنزل عليها بعد أن تؤثر الأخرين وتهبهم ما لديها من طعام، بالنتيجة جهاد النفس في سلوك السيدة فاطمة (عليها السلام) أعظم، فهي لم تكن تأثره على نفسها فقط بل على زوجها واولادها، وبذلك تقرب أكثر وسعي أعظم يُحتسب عند الله تعالى. كما في حديث مطول- نأخذ منه الشاهد- "... قال حذيفة: وكنّا خمسة نفر: أنا و عمّار و سلمان و أبو ذر و المقداد رضي‏ اللَّه‏ عنهم، فدخلنا و دخل عليّ(عليه السلام) على فاطمة(عليها السلام) يبتغي عندها شيئاً من زاد، فوجد في وسط البيت جفنة من ثريد تفور وعليها عراق كثير، وكان رائحتها المسك. فحملها عليّ (عليه السلام) حتّى وضعها بين يدي رسول‏ اللَّه (صلى الله عليه واله) ومن حضر معه، فأكلنا منها حتّى تملّأنا ولا ينقص منها قليل ولا كثير. وقام النبيّ (صلى الله عليه واله) حتّى دخل على فاطمة(عليها السلام)، و قال: أنّى لك هذا الطعام يا فاطمة؟ فردّت عليه ونحن نسمع قولهما فقالت: هو من عند اللَّه، إنّ اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب. فخرج النبيّ (صلى الله عليه واله) إلينا مستعبراً و هو يقول: الحمد للَّه الّذي لم يمتني حتّى رأيت لابنتي ما رأى زكريّا لمريم رضى‏ الله‏ عنه كان إذا دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً، فيقول لها: يا مريم! أنّى لك هذا، فتقول: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ}".(٨) الوجه السابع: الصبر على التكليف ومحنة اداء الرسالة في قوله تعالى: {فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا}(مريم :23)، هنا نجد شيء من عدم الصبر على عظم الموقف الذي كان عليها أن تتحمل صعوبته. بينما نجد إن الزهراء(عليها السلام) قد نجحت في أداء تكليفها وامتحانها الأرضي وهي في ذلك العالم، وذلك كما نقرأ: {يا مُمْتَحَنَةُ امْتَحَنَكِ اللهُ الَّذي خَلَقَكِ قَبْلَ اَنْ يَخْلُقَكِ، فَوَجَدَكِ لِمَا امْتَحَنَكِ صابِرَةً،..}(٩)، ولهذا لم نجد في أي موقف قد صدر منها يوحي بثقل او صعوبة ما كلفت به. الوجه الثامن : تعظيم الحرمة قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ....(155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا}(النساء:١٥٦)، فإن كان -كما يعبرون- مجرد الافتراء بالقول على السيدة مريم(عليها السلام) تعالى ذكره وتوعد القائلين بالعذاب الاليم! فكيف لنا أن نتصور عِظم جرم من لم يؤذوا الزهراء(عليها السلام) بالقول بتكذيبها، وعدم الأخذ بقولها، بل أذوها وانتهكوا حرمتها، واسقطوا جنينها، وكانوا سببًا في أن ترحل مظلومة مغصوبة الحق شهيدة؟! فعن موسى بن جعفر عن أبيه، قال: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه واله) الوفاة دعا الأنصار، وقال: يا معشر الأنصار، قد حان الفراق.. إلى أن قال: ألا إن فاطمة بابها بابي، وبيتها بيتي، فمن هتكه، فقد هتك حجاب الله ". قال عيسى: فبكى أبو الحسن (عليه السلام) طويلًا، وقطع بقية كلامه، وقال: هتك - والله - حجاب الله، هتك - والله - حجاب الله، هتك - والله - حجاب الله، يا أمه صلوات الله عليها"(١٠). _________ (١) الخصائص الفاطمية: ج ١، ص ٢٤٩. (٢) كمال الدين وتمام النعمة: ص١٧-١٨. (٣) الأسرار الفاطمية: ص ١٧. (٤) شرح إحقاق الحق: ج ٢٩، ص ١٥٢. (٥) بحار الأنوار، ج14، ص 206. (٦) البحار :ج٣٤، ص٤٨. (٧) الكافي: ج ١،ص ٤٥٨،ح ٢. (٨) بحار الأنوار: ج ٩٩، ص ٢١٣. (٩) البحار: ج٣٧، ص١٠٥-١٠٦، ح 8. (١٠) مأساة الزهراء(ع): ج ٢، ص ٦٧.

اخرى
منذ شهرين
50

عطاءُ أبي الفضل

عطاءُ أبي الفضل بقلم : وجدان الشوهاني حارتْ الأفكارُ في رسم الصورة ، حتى سرقتُ من السماء نجومها لأزيّن بها الرسم وما همّني في ذلكَ قطعُ يدي ، فمَنْ أتكلّم عنهنَّ يستحقنَ ، فرغم كمِّ الصعوبات التي كانتْ في طريقهنَ ؛ لكنّها الإرادة التي أبتْ الاستسلام لها ، فكلُّ واحدة منهنَّ اخذت على عاتقها الجهاد . وأيُّ جهاد ،إنّهُ العلم الذي لطالما كان يراهُ البعض من قليلي التدبّر إنّه حكراً على الرجالِ فقط ، فما كان منهن إلّا أن يكسرنَ قيد ذلك العقل الذي مازال يحنُّ للجاهلية ، باجتهادهن، ليغيرنَّ كثيراً من أفكار الجاهلية وكان ذلك أول الغيث . ستُّ سنوات مضتْ من تعبِ القراءة بين علوم فقهية تعلمنَ فيها الحلال والحرام ،فصحّحنَ اخطاءً لم يتعمدنَ ارتكابها ، ولكنّها الظروف التي حالتْ دون أنْ يتعلمنَ مِن صغرهنَ ،فما أنْ أتتْ الفرصةُ حتى وجدناهن يقتنصنها ليدخلوا مدارساً حملتْ اسم الكفيل ، فرعاية أبي الفضل بعتبتها المباركة كانتْ يد العون لهنَّ، وكأنّ الله أرادَ لهنَّ أنْ يكنَّ كزينب (عليها السلام) ، التي كان لها العباس بن أمير المؤمنين (عليه السلام) كافلاً ، ليكونَ كافلاً لهنَّ أيضاً ، فقد رأى فيهنَّ مولاتنا زينب (عليها السلام)، ولمْ تقتصر تلك العلوم التي درسْنها على الفقه ، فالعقيدةُ كان لها نصيبٌ كبير ، كيف لا وهو الأصل الثابت الذي كان فرعهُ في السماء ، فتلك الفطرة التي لا تخلو مِن بعض التلويثات تمَّ تنقيتها تماماً ، واليوم نحن أمامَ نساءٍ قويات الفكر والاعتقاد ، فبالمنطق الذي درسْنهُ تمَّ تصحيح الأخطاء ،وباللغة العربية والسيرة والأخلاق وأحكام التلاوة تعطرن ،فما أنْ تقف إلى جنبِ إحداهن إلّا ورائحةُ عطرِ علوم أهل البيت الزاكية تفوح منهن. انتهتْ تلكَ السنون ومرتْ كالبرق ، وحان موعد القطاف ، إنّه يوم التخرج ، اشرأبتْ أعناق الكثيرات والشوق يملأ قلوبهن ، لإنها الثمرة الاولى ، الكلُّ ينظر إليهن ،كأنهنّ فراشات ، يحلّقنَ بالوانهن من شدة الفرح مرة ، ويقفن على بعض الكتب التي تحملها زميلاتهن ممّن هنّ في مراحلٍ دراسيةٍ أقل مرة أخرى ولسان حالهن يقول : سنشتاقُ لكم، سنشتاق لتلك السُفرة التي تعقد باسم ام البنين ،عاهدونا أن يكون لنا منها نصيب، حتى عجز اللسان على إكمال الكلام فنابَ عنهُ الدمع ، الذي رسم على تلك الوجوه الآف التوسلات. فكنَّ بحق عطاء أبي الفضل كما سمّتهم إدارة المدرسة بدفعة « عطاء أبي الفضل » حقاً هم عطاء ، وستشهد الأيام القلائل القادمة بذلك العطاء ، ليكون لهنَّ نصيب في تزكية علوم أهل البيت (عليهم السلام) ، فهنيئاً لمدارس الكفيل هذا العطاء.

اخرى
منذ شهرين
41

الذكاء العاطفي

الذكاء العاطفي  بقلم : وجدان الشوهاني   في ظل عواصف المشاكل الأسرية والاجتماعية والشخصية التي تعصف بالكثير منّا  ممّا يجعل الحياة صعبة نوعاً ما عند البعض ، نحاول بين الفينة والأخرى البحث عن قشة يتمسك بها هؤلاء حتى تنجيهم من الاثار السلبية لتلك العواصف . ترى ماذا نحتاج للخروج من مشاكلنا؟  وحقيقة وعند البحث عن الشخصيات الناجحة ، التي لفتت انتباهنا ؛ لإنه لا يعقل أن تكون تلك الشخصيات خالية تماماً من المشاكل , وهذا ما دفع فضولنا  للوقوف على سر نجاحها ، محاولين  معرفة ما يتمتع به هؤلاء للخروج من تلك العواصف بأقل خسارة ممكنة، فهم قشة النجاة. فمع تفاوت البشر في مستوى علاقاتهم مع الاخرين،ونجاحهم في العمل  وقدرتهم على القيادة ،وغيرها من أمور ترتبط بشخصيتهم، وجدنا إن الشخصيات الناجحة تمتلك حالة من التوزان في حياتهم مما يجعلهم شخصيات تمتلك جاذبية خاصة،يتهافت الكثير للحديث معهم مما يجعلهم بارزين في المجتمع ، بل يصل الأمر إلى اتخاذهم مرجعاً لإرباب المشاكل بغية الوصول إلى حل لمشاكلهم ، وهو ما يعتبر أمر إيجابي ولكنه لا يكفي للخروج من عواصف المشاكل ، فلابد أن نبحث عن أسرار نجاح تلك الشخصيات لكي نسير على خطاها.  والحقيقة إن السر من وراء نجاح هؤلاء هو إنهم  يمتلكون ذكاءً عاطفياً ،بمعنى إنهم يملكون قدرة على إدارة مشاعرهم ومشاعر الآخرين ،تلك القدرة التي يسميّها البعض بالمهارة ، وهذا يعني إننا اليوم بحاجة ماسة للذكاء العاطفي ليس لنكون أشخاص تمتلك جاذبية وإنما لنعيش بسلام ذاتي مع إنفسنا ومع الاخرين، ومن هنا حتى يمتلك الإنسان ذكاءً عاطفياً ،لابد من معرفة المكونات الأساسية له. فالذكاء العاطفي يتكون من إدراك الإنسان بذاته وقدرته على إدارة تلك الذات كما إنه يملك إدراك بالمجتمع والقدرة على إدارة العلاقات الاجتماعية، فالذكاء العاطفي يبدأ من نفس الإنسان وينتهي عند المجتمع ،فمتى ما تفاعل الإنسان مع مشاعره وحقق حالة التوازن فيما بين تلك المشاعر سواء كانت مشاعر فرح أو حزن ،أمكن أن يسخّر العاطفة لخدمة الأهداف التي ينشدها ،ومن ثم تحقيق حالة التوزان في المجتمع من خلال تسخير نفس العاطفة لجذب الاخرين له ،وخلق علاقات طيبة مع مَن حولهم، والسبب في ذلك هو إن ذكاءهم العاطفي أوصلهم إلى حالة يتمكنون فيها من التأثير في الأفراد من خلال حسن إدارتهم لعاطفتهم  ولعواطفهم .  ومن هنا نفهم إن الشخصيات الناجحة تمر بأنواع المشاكل المختلفة بلا فرق بينها وبين غيرهم سوى فرق واحد ،وهو إنها تمتلك وعي عاطفي يمكنها من خلاله تحديد نوعية المشاعر التي تعتريها وتمر بها ومن ثم تسخيرها لخدمة الأهداف التي ينشدها ، بحيث لا يجعلون مشاكلهم التي تمر بهم تؤثر سلبا على سلوكياتهم وإدائهم، وهو ما يجعلهم قادرين على إدارة وضبط عواطفهم مع اهدافهم المنشودة،كما يجعلهم قادرين على ضبط عواطف الاخرين، وهذا هو سر انجذاب الكثير لأصحاب الشخصيات الناجحة .  فالأشخاص الذين يتمتعون بذكاء عاطفي لهم قابلية القيادة والتعاون مع الاخرين و التأثير وتذليل الصعوبات والمشاكل التي تعتري الإنسان، وهذا هو ما نحتاجه اليوم للخروج من مشاكلنا، ويمكن معرفة الاشخاص الذين يمتلكون ذكاء عاطفي من خلال بعض السمات التي يمتاز بها اصحاب الشخصيات الناجحة والتي منها : الانفتاح والتسامح والصدق والابتسامة الدائمة وغيرها من سمات يتحلى بها من يمتلك ذكاء عاطفي، فالوقوف عند المشكلة من دون تسامح يجعل الحل صعب والملامح الحزينة التي لا يحاول البعض اخفاءها وكإنما يريد أن يحمّل المجتمع سبب الحزن لا ينهي الحزن ؛ ولذا ما نحتاجه اليوم ، هو إدارة مشاكلنا بوعي عاطفي ، لا نقول لتنتهي المشاكل وإنما لتذليلها وخلق حالة التوازن في حياتنا لنعيش في سلام ذاتي.

اخرى
منذ شهرين
49

الخطاب الديني بين الواقع والطموح

الخطاب الديني بين الواقع والطموح بقلم : وجدان الشوهاني مشكلةٌ باتتْ تؤرّق الكثيرين من أصحابِ الفكر السليم، تلك هي الخطاب الديني ، الذي كان يعتبرهُ المجتمع في وقتٍ غير بعيد ملاذاً آمناً يلجأُ لهُ في كلِّ حين ، لنستفيقَ على رؤيةٍ جديدةٍ مغايرة لما كانتْ سابقاً، فواقع الخطاب الديني اليوم  مزري بسبب ذلكَ التزمت الذي يتعاملُ بهِ البعض المحسوب على الدين ، والذي يمتاز عن الخطاب المعتدل والسليم بإمكانياته المادية وإعلامهِ القوي الذي يبثّهُ عبرَ السوشل ميديا وبعضُ القنوات المأجورة واستغلالهِ لبعضِ العقول الساذجة التي تعمل على تسويقه للمجتمع على إنّهُ الدين، ممّا تركَ أثراً سلبياً  فما عاد المجتمع يطيق الدين ، لدرجةِ عدم صمود الخطاب المعتدل وإنْ صمدَ فبشقِ الأنفسِ، أمام  عواصف المشاكل التي لا تنتهِ ، والتي تعصفُ بنا بين  الفينةِ والفينةِ  لتجرفَ المجتمع بعيداً عن دينهِ وقيمهِ وأخلاقهِ ، ولكنَّ هذهِ المرة العاصفةُ شديدة ، وكأنّها تريدُ أنْ تنالَ منَ الدين على وجهِ الخصوص. فكيف أمكنَ للملاذِ الآمن أنْ يكونَ مشكلة ، وكيف حصلَ أغلبُ المجتمع على قناعةٍ بإنَّ  السببَ الذي يقفُ خلفَ مشاكلهِ هو الدين ، وكيف تمكّنوا من تعميمِ بعض السلبيات وجعلها صفةً لكلِّ الخطاب الديني، وكيف صمَّ البعض آذانهم عن الخطاب المعتدل. أسئلةٌ تحتاجُ أنْ نكشفَ النقاب عنها ،لنتعرفَ على الحقيقة التي تغاضى البعض عنها لأسبابٍ واهية ، والتي قد تضاف إلى تلكَ الأسباب وتكون سبباً آخر في بروز ذلك الخطاب وتعميق حجم المشكلة ، حتى وصلنا إلى حالةٍ أشبه بمن يقف على حافة جرفٍ هار. فتزمّت الخطابُ الديني لم يأتِ من فراغ ، وإنما كان بسبب بعض مَن انتسبوا للدين والدين منهم براء، وهذا ما يجب الإنتباه له ،لأنَّ مفتاح الحل يبدأ منه . فاؤلئك البعض الذي يتكلم باسم الدين تحتَ عنوان الإصلاح  بطريقة تنفّرُ المجتمع حتى مِن الأحكام الدينية الصحيحة ،  فيُدخلون هذا إلى النار ويُخرجون ذاك من الجنة ، من دون أن يكلّفوا أنفسهم ولو قليلاً لسماع المجتمع الذي تمَّ فتح كلَّ أبوابِ التواصل مع العالم الاخر وبكلِّ سهولة أمامه ، وأصبح يرى العالم الاخر وهو يعيش الأمن والسلام والحرية مع أنهُ بعيد عن الدين ، في حين أنهُ يعيش حالة الترهيب التي يقومُ بها أؤلئك المتزمّتين ، فما كان منهم إلّا أن يلقوا باللائمة على الدين . فتلك الأحكام التي يُرجم بها المجتمع وإنْ كانتْ في بعض الأحايين صحيحة ؛ ولكنَّ الدين لا يمنع من التعرف على حقيقة المشكلة للعلاج ، فرجم الانحراف لا ينهيهِ ، وإنّما معالجة اسبابهُ هي التي تكفل النهاية لذلك الانحراف. فذلك الخطاب المتزمّت ،جعلنا وسط مجتمع يحقد على الدين ويتهمهُ بالتعصب والتزمّت والجمود على أحكامٍ بدأ يصفها بالبالية والتي لابد أن تتجدد وفق ما تراه أمزجتهم . فبين واقع الخطاب اليوم ،وطموح يكاد يقتل القلة من  أصحاب الفكر السليم  ، نحتاج أن نرى المجتمع بعين حكيمٍ . فلا ينكر أي عاقل إنّ مجتمع اليوم وبعد هذا الانفتاح الواسع والخالي من أي رقابة أسرية أو حكومية واللذان يُعدان سببان رئيسيان يضافان لذلك التزمّت ، بات يتأثر بكلِّ ما يأتيهِ عبر هذا الانفتاح ، مما أدى إلى إصابتهُ بالصمم ، فكان سبباً في عدم إنصاتهِ إلى الوعاظ ، رغم  إن حركة الخطاب الديني اليوم تشهد تكاتف جميع التوجهات الإسلامية على بث الموعظة عبر خطابها الديني وبشكلٍ كبير  جداً ، ولكن من دون جدوى، للأسباب المذكورة آنفاً. بينما نجد إن حالة الصمم هذه تذوب بشكل كلي أمام الانفتاح وكأن المجتمع بدأ يرى سلامته في ذلك الانفتاح رغم إنه حمل معه فايروسات الإلحاد والانحراف الأخلاقي وبدأ يجتاح المجتمع بشكل مهول. ومن خلال تلك العين التي دققتْ في نظرتها للمشكلة لابد من علاج ، والعلاج يكمن في تغيير الخطاب بما يتلائم مع واقع المجتمع ، فلقد بات الأمر ضروريا في كسر ذلك الحاجز الكونكريتي بين المتدينين  المجتمع ، ولا يكون ذلك إلا إذا نزل الوعاظ إلى الشارع وتعايش مع مجتمع اليوم وشاركهم أفكارهم ليتعرف على الأسباب و طريقة التفكير تلك التي جعلته يكره الدين ، ليتمكن من تغيير ملامح الخطاب بما يتناسب مع تفكير المجتمع ، ولا يفهم أحد إننا نريد تغيير الأحكام الدينية لإنها ثابته ،وإنّما نعرضها بطريقة أخرى تلائم واقعنا ، فالترغيب له اشكال متعددة ، فأين الضرر أن تمكنّا من ترغيب المجتمع بالدين باشكالٍ متحضرة. فلنحاول الاقتراب من مجتمعنا عبر الخطاب اللين والذي يحمل معه الرحمة والرأفة ، فلنتشارك مع شبابنا فيما يقرأون أياً كان  ، لنعرف كيف يفكر الشباب وكيف يحلّل الأمور ، ولنتمكن من إبعاده عن المهالك عبر طرق إقناعية بعيدة عن المصطلحات المنفرة ، ولننزل إلى الشارع والجامعات وغيرها من الأماكن التي يلتقي بها كل فئات المجتمع ، ونصنع منبراً دينياً هناك ولكن بعيداً عن التشدد وتصويب أصابع الإتهام ، والمطالبة بإغلاق أماكن الترفيه بالقوة فكل ذلك يزيد من كره المجتمع للدين ، ولنتذكر دائما فرعون وكيف إن الله سبحانه وتعالى عندما أرسل موسى (عليه السلام) أمره أن يتعامل مع فرعون باللين. والنتيجة إننا نطمح أن نقترب من مجتمعنا في خطابنا الديني لنحميه ، فهم أمانة في اعناقنا. ليبقى الدين هو الملاذ الآمن

اخرى
منذ شهرين
51

فوائدُ من كلماتِ العِترةِ الطاهرة(69)

فوائدُ من كلماتِ العِترةِ الطاهرة(69) رويَ عنِ الإمامِ علي (عليه السلام): "عقوبةُ العُقلاءِ التلويح، عقوبةُ الجُهلاءِ التصريح"(1) ....... يُشيرُ الإمامُ (عليه السلام) إلى أنَّ العاقلَ إنْ أردتَ مُعاقبتَه أو مُعاتبتَه فما عليكَ إلا أنْ تُلوِّحَ له بسوءِ ما عملَ وتُبدي له الإشارةَ من دونِ أنْ تُصرِّحَ له بما عملَ من زللٍ في القولِ أو الفعل، فإنَّ ذلك أوجعُ له وأوقعُ عليه من أنْ تُصرِّحَ له بذلك. على حين تكونُ عقوبةُ الجاهلِ وعتابُه من خلالِ التصريحِ لا التلويحِ وبيانِ سوءِ ما عمله من قولٍ أو فعلٍ؛ فإنّه أنفعُ له وأوقعُ عليه من التلويحِ والإشارةِ. فما يصلحُ شأنَ الجاهلِ بحسبِ بيانِ الإمامِ (عليه السلام) هو الصراحةُ في التعبيرِ ولا يُناسبُه غيرُ ذلك، والتعبيرُ من قِبَلِ الإمامِ بالعقوبةِ ظاهرٌ في ورودِها موردَ الإصلاحِ والتأديبِ وليس لأجلِ التشفّي به والتعدّي عليه بلا هدفٍ وغايةٍ، بل يأتي ذلك في سياقِ تأديبِ الذاتِ وهدايتِها لما فيه خيرُها وصلاحُها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) غرر الحكم 6328

اخرى
منذ شهرين
41

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
144267

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
130003

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
85339

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
79074

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
77746

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
72956