في المدرسة الدعائية السجادية نتعلم(١): اذا أحزنك أمر او أهمتك الخطايا

في دعاء إمامنا السجاد(عليه السلام) لمن احزنه امر وهمته الخطايا(١)، نجد إن الامام ينقل الداعي من حال الى حال أخر تماما، ومن هَم داني الى هموم عليا، ومن غايات بسيطة الى غايات عظيمة. فهذا الدعاء يُعرفنا على إمكانية أن يكون الحزن على أمر ما، هو المنطلق للسير الى الكمالات، وطلب رفيع الدرجات وبلوغ القربات، ومقارنة أهل الطاعات. إنه دعاء يحتاج أن يكون الداعي الى وميض نور -كما عبر إنه ممن (أهمته الخطايا) - ويتطلب مسعى حقيقي منه حتى يستثمر ما فيه من كنوز معرفية، وحركة قلبية جادة في بحثه لتغيير نظرته لوجوده، ولما يعيشه، وما ينبغي عليه أن يعيشه، ويحصله، ويكون عليه، وهنا ستكون لنا عدة وقفات تأملية بمضامين هذا الدعاء الشريف: الوقفة الأولى: لماذا ذُكر الخوف مع أن الدعاء لعلاج الحزن؟ لو تأملنا في أول فقرات الدعاء التي نقول فيها:[اللّهُمَّ يا كافِيَ الفَرْدِ الضَّعيفِ، وَواقِيَ الأمْرِ المَخُوفِ، أفْرَدَتْني الخَطايا فَلا صاحِبَ مَعي، وَضَعُفْتُ عنْ غَضَبِكَ فَلا مُؤَيِّدَ لي، وَأشْرَفْتُ عَلى خَوْفِ لِقآئكَ فَلا مُسَكِّنَ لِرَوْعَتي، وَمَنْ يُؤْمِنُني مِنْكَ وَأنْتَ أخَفْتَني]، مع دواعي العبد المُقبل على مولاه (عز وجل) بهذا الدعاء سنلاحظ إنه يشكو من الخوف في مفردات عدة ذكرت، مع أن الدعاء هو لمن احزنه امر؟! هنا -كما يبدوا- إن جواب هذا السؤال هو ما ذُكر في أواخر الدعاء وهو طلب مرافقة وحب اولياء الله تعالى، بقولنا:[وَهَبْ لِيَ الأُنْسَ بِكَ وَبِأوْلِيآئكَ]، وفي فقرة اخرى: [وَاجْعَلْني لَهُمْ قَريناً]، اولئك الذين تصفهم آيات الذكر الحكيم بقوله تعالى:{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [ يونس:62]. فالآية ذكرت مفردتي الخوف والحزن ولكن بصيغتين- إن صح التعبير- فقد ذكرت أن الخوف هو عليهم اي أنه صادر وواقع عليهم من مصدر خارجي، بينما الحزن فعبرت عنه أنه فعل ذاتي صادر من نفس الإنسان. والآية نفت كلا الامرين عن اولياء الله تعالى، أي أنهم لا يرتكبون ما يجعلهم يحزنون، او هم لا يحزنون على امور موجبة ليصيبهم الخوف- وهنا نقصد به الخوف الصادر من الله تعالى الذي عبر عنه الإمام بالدعاء(وَأنْتَ أخَفْتَني)- كما إن الآية قدمت الخوف على الحزن، فمن لا يوقع نفسه بحزن الخطايا لن يصيبه الخوف. بالنتيجة يمكن أن نفهم ارتباط الخوف بالحزن، وكأن في ذلك إشارة إن الله تعالى يعالج احزاننا على امور الدنيا او احزاننا التي نسببها لأنفسنا بسبب الخطايا او التعلق بأشياء فانية بالخوف، وهكذا فأولياء الله لا يحزنهم الله تعالى لأنهم ليسوا من أهل الهلع والجزع والخوف على امور الدنيا او منها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى نفهم علة من علل طلبنا للكون مع اولياء الله تعالى، فبمرافقتهم يمكننا التحلي بالصفات التي يحملونها، أي سيشمل الموافق والمحب بهذه الآية، فيرفع عنه الخوف، فلا يكون من اهل الحزن الداني. وهنا نذكر شاهد قرآني أخر هو قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ …} (البقرة: ١٥٥)، يمكن أيضا من خلالها أن نفهم لمَ ذكر الخوف لعلاج الحزن، إذ إن الخوف يجعل قلب الإنسان ملتفت اكثر ليبصر عما هو حزين، ولم هو حزين؟ فبالخوف يبدا الانسان باليقظة بعد الغفلة. كما إن شعور الخوف لا يطاق؛ فالإنسان قد يحزن لكن عجلة حياته تبقى متحركة، هو يتألم لكن لا يوجب ذلك إنه يتأمل بأحواله، لكن الخوف يُقعد الانسان، يفقده القدرة على الحراك. ومن هنا يكون الخوف سبب لكل منطلق لتبديل الحال، والتحلي بصفات أهل الخير، وهو المقصد من أن يخيفنا الله تعالى تلطفا ورحمة بنا فهو اللطيف الخبير.   ___ (١) الصحيفة السجادية: ص(٩٦-١٠٠).  

اخرى
منذ شهر
39

لنكن مع الحق أو لا نكون

أهي الأحقاد البدرية والخيبرية والحنينية من أشعلت لهيب الحقد؟ ! أم غيرها؟! لم يكفيهم لوك الكبد الطاهر لأسد الله ورسوله، حتى أصبح القتال لديهم لا من أجل الصلاة والصوم والحج والزكاة بل من أجل التأمر على الغير والذي من أجله ترمى المعاهدات تحت القدم، ومن تلك الأصلاب والأرحام يبرز التعطش للسفك والقتل، والسبي والسب المقنن بغيت ازهاق الحق، وإرواء ضمأ الضغائن الدفينة، لكن الحق باق ما بقيت الصلاة تقام.. يروى عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) أنَّهُ قَالَ: " لَمَّا قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وقَدْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، اسْتَقْبَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وقَالَ: يَا عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، مَنْ غَلَبَ ـ وهُوَ يُغَطِّي رَأْسَهُ وهُوَ فِي الْمَحْمِلِ ـ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ مَنْ غَلَبَ ودَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَأَذِّنْ ثُمَّ أَقِمْ ". ( ) نعم، استمرار الصلاة التي تمثل عمود الدين استمرار للدين نفسه الذي كان الخروج من أجل إصلاحه، ومن أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد جاء في وصية الإمام الحسين (ع) لأخيه محمد:" وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي.. فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين". ( ) والقبول اختيار وعمل، فلا يصح أن نقبل الحق ونتخذ من ليلنا جملا، ولا يصح أن نقول: ما لنا والدخول بين السلاطين، فأما أن نكون مع الحق أو لا نكون، فليس بين الحق والباطل إلا الخذلان. ومن يقرر الالتحاق بركب الحسيني، فإن الركب ماض حتى دولة الحق والعدل الإلهي_ فما قتلوا حسينا حينما قتلوا، إن الحسين خالد باقي فينا_ والفرصة لم تنقض بعد؛ فما بين الثورتين ساحة للجهاد نحتاج فيها أن نكون عباسيين في وفائه، و أكبرييين في عطائه، وقاسميين في فدائه، ومجنونين في عشق الحق وتجلياته. ونحتاج أن نجعل من سترنا إكليلا يتوجنا نحن النساء لنكون زينبيات، ولنحذر من حرق خدر زينب مرة أخرى بخروجنا سافرات، ولا نكون جزء من الطوق الذي أُلبس المكبلات بتطويق أنفسنا بالشهوات والتجاوزات، ولنحذر ونحن في معرض النظارة من خزي أنفسنا ببروزنا متبرجات أمام الأجانب ليشار إلينا بالبنان، فتلك السهام تآذي العفيفات، وإذا ما أردنا أن نكون هاشميات فعلينا بالتسلح بالعلم والعمل والعطاء، لنصد الباطل ونخطب في وجه العدو بكل رباطة جأش مستنكرين تلك الفعال. وعلينا بالاقتداء بطوعة في ضيافتها للوحيد المظلوم فلا نستوحشن الحق لقلة سالكيه، ولنكن كنساء الشهداء المضحيات بأزواجهن وفلذات أكبادهن من أجل إعلاء كلمة الحق.

اخرى
منذ شهر
42

الإمامُ الحسينِ(عليه السلام) المسلكَ إلى الرضوان

الإمامُ الحسينِ(عليه السلام) المسلكَ إلى الرضوان لم يكن الإمام الحسين(عليه السلام) إنساناً عادياً كسائرِ البشرِ، ولم تكن ثورته ثورةً عابرةً حدثت في وقتٍ معينٍ- عاشوراء- وانتهت بمقتله(عليه السلام) وأهل بيته واصحابه النجباء؛ بل كان الإمام الحسين(عليه السلام) علة غائية لوجود الكون، وثمرة قلب الزهراء(عليها السلام)، وابن سيد الوصيين وقرة عينه، وسليل الأنبياءِ والمرسلين وريحانة جده خاتم النبيين، كان الوجود الخاتم للخمسة أصحاب الكساء، والمنَصّب من قبلِ الله(سبحانه وتعالى) إماماً وهادياً وعلماً ومناراً ورايةً للحقِ والصدق وداعياً إلى الرشد، والمصلح العادل إلى العباد بعد أن جثت على قلوبِ الناسِ شرذمة الباطل، فأماتت الحقِ واحيت البدعة وعاثت في الأرضِ فساداً، فكان لابد من النهوض والثورة والإصلاح والتغيير، لهذا لم تكن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) ثورةً عابرةً فحسب؛ بل كانت منهجاً متكاملاً لإحياء النفوس المتعبة؛ التي ارهقها الظلم والطغيان والتجبر والانحلال الأخلاقي والانحراف العقائدي، فكان من اللزوم الوقوف بوجه الفساد، فقام الإمام الحسين(عليه السلام) بثورةٍ عارمةٍ لقض فلول الظالمين، والقضاء على جذور التجبر الفرعوني الذي لم يرعَ أي حرمة لدينِ الله وسنة رسوله وللإمام المفترض الطاعة، الذي اختاره الله واختصه بثورةٍ خالدةٍ على مر الاجيال متجددةٍ بتجددِ الزمان، تحمل أهدافاً ساميةً ودروساً وعبر لكل عاقلٍ لبيب ومنصف حصيف، تلك هي ثورة عاشوراء ثورة المظلوم على الظالم والحقُ على الباطلِ والنورُ على الظلام والدمُ على السيف؛ التي تجسدت فيها بصمة الشيخ الكبير الذي لم يبالي لكبر سنه، والشاب اليافع الذي لم ترهبه السيوفَ والرماح، والطفل الصغير الذي عانقَ وريده سهم الأعداء، والكافل لحُرمِ سيدِ الشهداء، ذوداً عن الدينِ وحتى لا تنحرفُ سنة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) عن مسارها الصحيح، فنجد خروج الإمام الحسين(عليه السلام) خروجاً إصلاحياً تغييرياً، يقولُ(سلام الله عليه):" وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي"(1). فتجلى هذا الخروج في أروع صوره يوم عاشوراء وقت الصلاة؛ حيثُ الإمام(عليه السلام) واصحابه يؤدون الصلاة والسهام تُرمى عليهم من جميع الجهات، فقابلوها بصلابةِ الإيمان واحقية الاعتقاد، فكان اصحابُ الإمام الحسين(عليه السلام) يتمنون الموت بين يديه الف مرة، دفاعاً عن الحقِ وعن إمام زمانهم ورغبةً في الجنة ، فقال الإمام الحسين(عليه السلام) فيهم: "أما بعد: فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيرا"(2). فكان(سلام الله عليه) المسلكَ إلى رضوان الله تعالى وجنانه ومغفرته، فسلامُ الله على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين ما بقيَ ليلٌ وطلعَ صبح. ...................................... 1- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٤ - الصفحة ٣٢٩. 2- الإرشاد - الشيخ المفيد - ج ٢ - الصفحة ٩١. ام باقر الربيعي

اخرى
منذ شهر
46

تجلّي العدلِ الإلهي في الخطابِ الزينبي(12)

بقلم: رضا الله غايتي الخاتمـــة: يُمكِنُنا أنْ نُلخِّصَ أهمَّ ما تضمَّنه البحثُ في النقاطِ الآتية: 1ـ مهمّةُ الإصلاحِ وصيانةُ الدينِ الإسلامي من التحريفِ لا تقتصرُ على الرجال وحسب، بل إنّ هناك من النساءِ مَنْ يفُقْنَ كثيراً من الرجالِ في هذا المجال. وخيرُ دليلٍ على ذلك مولاتُنا الصدّيقةُ الصُغرى زينبُ الحوراء (عليها السلام). 2ـ بإمكانِ المرأةِ أنْ تُحوِّلَ الهزيمةَ إلى نصر، والفشلَ إلى نجاح، إنْ حكّمتْ جانبَ العقلِ والحِكمة. 3ـ للمرأةِ القُدرةُ على القيادة وتحمُّلِ المسؤولية، إنْ أرادتْ ذلك بإصرارٍ وعزيمة. 4ـ النظرُ إلى الأحداثِ بمِنظار موافقتِها لرضا اللهِ (تعالى) من عدمه يجعلُنا نشعرُ بالرضا عن الكثيرِ من المصائبِ والنوائب، لا سيّما تلك التي نُكابِدُها في سبيلِ الحفاظِ على الدينِ والمذهبِ والمُقدّسات، أو في سبيلِ التبليغِ الديني، أو في طلبِ علومِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) ونشرها. 5ـ ترسيخُ عقيدةِ العدلِ الإلهي في أذهانِنا لا تدفعُنا إلى طاعةِ اللهِ (تعالى) والاستقامةِ فحسب، بل وإلى استحضارِ اليومِ الآخرِ في نفوسِنا على الدوام. 6ـ للباطلِ جولةٌ وللحقِّ دولة، فإذا شهدتَ انتصارَ الباطلِ وهيمنتَه، فلا تُحبطنّك تلك المظاهرُ الخدّاعة، فإنّها قريبًا ما تزول، وكأنّها لم تكن. 7ـ إنّ السيّدةَ زينبَ (عليها السلام) استحقّت لقبَ بطلةِ كربلاء، وأنَّ النهضةَ الحُسينيةَ زينبيةُ البقاء، لأنها صبرتْ، وضحّتْ، وصمّمتْ على الصمود، رغمَ المآسي التي ألـمّتْ بها، وهكذا على النساءِ الطموحاتِ أنْ يُذلِّلنَ الصعابَ، ويصبرنَ، ويُصمِّمنَ على النجاح، ويخرجنَ من دائرةِ الراحةِ إلى دائرةِ الجهادِ الفكري والكفاح، وقد قال الشاعر:(1) ومَن يتهيّبْ صعودَ الجبال يعِشْ أبدَ الدّهرِ بينَ الحُفَر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البيت من قصيدة معروفة للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي.

اخرى
منذ شهر
48

تجلّي العدلِ الإلهي في الخطابِ الزينبي(11)

بقلم: رضا الله غايتي المبحث الثالث: في خِطاباتِها في مجلسِ يزيد (لعنه الله) في الشام: *قولُها (عليها السلام): "ولتردنّ على رسولِ اللهِ بما تحمّلتَ من سفكِ دماءِ ذُرّيته، وانتهكتَ من حُرمتِه في عِترتِه ولحمتِه، حيثُ يجمعُ اللهُ شملَهم، ويلمُّ شعثَهم، ويأخذُ بحقهم)(1). أيّ: ستردُ على رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) يومَ القيامة، حاملًا على ظهرك من الجرائمِ العِظامِ والمعاصي الجِسامِ ما لا تحملهُ الجبالُ الرواسي، فيُخاصِمُك حينئذٍ على كُلِّ جريمةٍ أشدَّ أنواعِ الخصومة، وسيجمعُ اللهُ (تعالى) آلَ رسولِه الأكرم (صلى الله عليه وآله) عندَه في جبهةٍ واحدة، فيشكو كُلُّ واحدٍ منهم إلى النبيّ الكريم (صلى الله عليه وآله) كُلَّ ما لقيَ من الناسِ من عِداءٍ وظلم. *وقد جسّدَ قولُها (عليها السلام): (حسبُك باللهِ حاكمًا، وبمحمدٍ خصيمًا، وبجبرئيل ظهيرًا)(2) العدلَ الإلهي بأوضحِ معانيه، وأجلى صوره، حيثُ أشارتْ إلى عقدِ مُحاكمةِ عدلٍ إلهيةٍ مُكتملةِ الأطراف؛ من أجلِ إنصافِ المظلومِ من ظالميه، فاللهُ (تعالى) هو وليُّ الدم، والآخذُ بالثأر؛ لأنّ الإمامَ الحُسينَ (عليه السلام) هو وصيُّ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، وسيّدُ أوليائه، فمن الطبيعي أنْ يكونَ (عزّ وجل) هو الطالبَ بثأره، والوليَّ لدمه، وهو الشاهد لمُصيبةِ قتلِ الإمامِ الحسين (عليه السلام)، وهو أيضًا القاضي والحاكم، وهو (سبحانه) يَعرفُ عظمةَ المقتولِ ظلمًا، وهو يعلمُ أهدافَ ودوافعَ القاتل. وقد رويَ عن الصحابي ابنِ عباس أنّه قال: "لمّا اشتدّ برسولِ الله (صلى الله عليه واله) مرضُه الذي ماتَ فيه، ضمَّ الحُسينَ (عليه السلام) إلى صدره، يسيلُ من عرقه عليه، وهو يجودُ بنفسه، ويقول: ما لي وليزيد؟! لا باركَ اللهُ فيه، اللّهم العنْ يزيد، ثمّ غُشيَ عليه طويلًا وأفاق، وجعلَ يُقبِّلُ الحُسين، وعيناه تذرفان، ويقولُ: أما إنّ لي ولقاتلِك مقامًا بينَ يدي اللهِ (عز وجل))(3) *قولُها (عليها السلام): "ولئن اتخذتنا مغنمًا لتجدنا وشيكًا مغرمًا، حين لا تجدُ إلّا ما قدّمت، وما ربُّك بظلّامٍ للعبيد، فإلى اللهِ المُشتكى، وعليه المُعوّل)(4). أيّ: إنّك قد أمرتَ بأسرنا، وعاملتنا أنتَ وأعوانك مُعاملةَ السبايا والغنائمِ الحربيّة، ولكنّك قريبًا عاجلًا ستجدُ نفسَك مُحاصرًا بالمعاصي التي اقترفتها بحقّنا، مُثقلًا بالذنوب التي عليك دفعُ ضريبتِها في محكمةِ العدلِ الإلهي، حيثُ تُحاولُ الدفاعَ عن نفسك، ولكنّك لن تجدَ معك إلّا ما يُدينُك من الجرائمِ الفظيعة، والجناياتِ الشنيعة، فيحكم عليك اللهُ (تعالى) بما قدّمته يداك؛ لأنّه (سبحانه) ليس بظلّامٍ لعبيده، بل سمتُه العدل، ولذا فإنّما شكوانا من ظلمك وطغيانك إليه، والاستعانة به. *ومن العدلِ الإلهي أنّ اللهَ (تعالى) قد يُعجِّلُ العقوبةَ على بعضِ المعاصي الكبيرةِ في الحياةِ الدنيا، وهذا ما أشارتْ إليه الحوراءُ زينب (عليها السلام) في قولها: (وأيّامك إلّا عدد)(5)، أي: إنّك سوفَ لن تمكثَ في هذه الدُنيا طويلًا؛ إذ إنّ عمرك بعد قتلك للإمامِ الحُسينِ (عليه السلام) ومَن معه لنْ يكونَ إلّا قليلًا. وبالفعلِ فقد أثّرتْ جريمةُ قتلِ الإمامِ الحسين (عليه السلام) تأثيرًا سلبيًّا واضحًا في مقدارِ عمرِ يزيد(6). *وكما أنّ العدلَ الإلهي يقتضي أنْ يُعاقبَ العاصي لعصيانه، ويُعذّبَ الطاغي لطُغيانه، فإنّه أيضًا يقتضي أنْ يُجزى المُحسنُ بالإحسان، ويُثابَ مَن أطاعَ اللهَ (تعالى) بالخلودِ في الجنان، ويُمكِنُنا أنْ نلمسَ هذا المعنى في قولِها (عليها السلام): "فالحمدُ للهِ الذي ختمَ لأولنا بالسعادةِ والمغفرة، ولآخرنا بالشهادةِ والرحمة"(7) وليس عجبًا أنْ تحمدَ الصدّيقةُ الصُغرى اللهَ (تعالى)، فقد قدّمتْ أخاها قربانًا للهِ (عزّ وجل)، بعدَ أنْ رأته ذبيحًا من القفا، مُقطّعَ الأوصالِ على رمضاءِ كربلاء، بكُلِّ صمودٍ وإباء، على الرغمِ من رقّةِ قلبِها العطوفِ، وحبِّها المُنقطعِ النظيرِ لأخيها الرؤوف. ومَن يقرأ كلماتِ السيّدةِ الطاهرة (عليها السلام) يجزمْ بأنّها لم تكُنْ تنظرُ إلى الأحداثِ بعينٍ ملكيةٍ كسائرِ البشر، بل إنّها قد قرأتِ الأحداثَ بعينها الملكوتيةِ كأولياءِ الله (تعالى)، ومَن اصطفاهم، ولِمَ لا؟ وهي المعصومةُ بالعِصمةِ المُكتسبة، وهي العالمةُ غيرُ المُعلّمة، ويتّضحُ ذلك جليًا من قولها: "الذي ختمَ لأوليائه بالسعادة"! فأيّ سعادةٍ يا مولاتي، وأجسادُهم مُقطّعةُ الأعضاء، ورؤوسُهم مرفوعةٌ على القنا، لولا رؤيتُكِ لباطنِ الأحداثِ وحقيقتها، ولعلّها قصدتِ السعادةَ الأبدية. شيخ حسين الأسدي, [١١/٠٨/٢٠٢٢ ٠٨:٠٤ م] ولذا فلقد كانَ العدلُ الإلهي يتجسّدُ أمامَ ناظريها، بحيث إنّها لم تكُنْ ترى الجريمةَ إلّا ورأتْ عقابَها معها، ولم تكنْ ترى الظلامةَ إلّا ورأتْ ثوابَها معها؛ لإيمانِها المُطلقِ بالعدلِ الإلهي، فلا غرابةَ إذنْ أنْ يتجلّى العدلُ الإلهي في كلماتِها (عليها السلام)، فلقد نبعتْ كلماتُها من قلبِها الذي تجسّدتْ فيه جميعُ العقائدِ الحقّة، وتشكّلتْ فيه جميعُ ما شاهدتْ وما رأتْ وما عانتْ، ولكن بهيئته الملكوتية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ابن نما الحلّي، محمد بن جعفر، مُثير الأحزان: ص134. (2) المصدر السابق. (3) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص266. (4) المصدر السابق:ج45، ص135. (5) المصدر السابق. (6) اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص499. (7) الأمين، محسن، لواعج الأشجان: ص231.

اخرى
منذ شهر
36

تجلّي العدلِ الإلهي في الخِطابِ الزينبي(10)

بقلم: رضا الله غايتي المبحث الثالــث: في خطاباتها في مجلسِ يزيد في الشام: *قولها (صلوات الله عليها): «صدقَ اللهُ (سبحانه) كذلك يقول: «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ»(1). عاقبةُ كُلِّ شيءٍ: آخرُه، والسوأى: (بوزن فُعلى: اسم للفعلة السيئة بمنزلة الحسنى للحسنة، محمولة على جهةِ النعت في حدِّ أفعل وفعلى كالأسوأ والسوأى،... قال (تعالى): "ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى"، والسوأى: النار)(2) لقد اقتبستْ (سلام الله عليها) آيةً ترتبُ الجزاءَ المناسبَ على العمل السيئ؛ لتؤكِّدَ على مسألةِ العدلِ الإلهي، وضرورة تحقُّقه، وإنْ كانَ آجلًا في يومِ القيامةِ، حيث النارُ مصيرُ العاصين أخيرًا مهما عاشوا في الدنيا حياةً تروقهم، وتوفّرُ لهم ما يشتهون من ملذّاتهم في الملكِ والسلطانِ وغيرها، وتخيّلُ لهم أنّهم المُنتصرون والمُنعّمون؛ ولذا عبّرتِ الآيةُ المباركةُ بـ(ثم)، أيّ للترتيب مع التراخي لا التعقيب المُباشر. ومن جميلِ البلاغةِ القرآنيةِ حصرُ عاقبةِ الظالمين بالنار؛ وذلك بتقديم كلمة (عاقبة) بالنصب خبرًا لـ(كان)، على اسمها (السوأى)، أي أنْ لا عاقبةَ للظالمين إلا النار، هي مثواهم، وبئس مثوى المكذّبين، الذين كذّبوا بآياتِ الله (تعالى)؛ إذ جعلَ اللهُ (تعالى) ذلك سببًا بقوله (عزّ من قائل): "أنْ كذّبوا بآياتِ الله" بحذفِ لامِ التعليل، والتقدير لتكذيبهم بآياتِ الله واستهزائهم بها. أيّ: إنَّ آخرَ الأمرِ الذي يؤولُ إليه من أساؤوا إلى نفوسِهم بالكُفرِ باللهِ وتكذيبِ رسله، وارتكابِ المعاصي وقتلِ عترته هو السوأى: وهي الصفةُ التي تسوءُ صاحبَها إذا أدركته، أيّ عذاب النار. و كأنّها (بأبي هي وأُمّي) تقولُ: لا غروَ يا يزيد إنْ أنكرتَ الإسلامَ والإيمانَ اليومَ بأشعارِك المشوبةِ بالكُفرِ والطغيان، مُتمنيًا أنْ يشهدَ انتقامَك -من بني هاشم الكرام-، مَن قُتِلَ في بدرٍ من أسلافِك الكَفَرَةِ اللئام، فكذّبتَ بآياتِ الله (تعالى) واستهزأتَ بها، فلا يغرّنك ما تشعرُ به من نصرٍ مزيّفٍ خدّاع، فإنَّ عاقبتك النار، ذلك قولُ أصدقِ القائلين ومن ليس فوقَ كلامِه كلام: "ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ" *وأما قولها: «أظننتَ -يا يزيد- حينَ أخذتَ علينا أقطارَ الأرضِ وآفاقَ السماء، وأصبحنا نُساقُ كما تُساقُ الأسارى، أنَّ بنا هوانًا على الله، وبك عليه كرامة؟!»(3) فقد انصبَّ على تفنيدِ تصوّرِ يزيد المحدود الفكر، والقصير النظر، الذي عدَّ الانتصارَ في الحربِ دليلًا على كونه على حق، وعلى قربه من الله (تعالى)، وكرامته عنده (عزّ وجل)، فاستولتْ عليه نشوةُ النصرِ والظفر، وتضخّمَ في نفسِه الطُغيانُ والتجبُّرُ والكبر. فشرعتْ في نسفِ هذا التصوّرِ الكاذبِ بمُخاطبته (سلام الله عليها) باسمه الصريح، لا بما غصَبَه من ألقابٍ تُشيرُ إلى الخلافةِ أو إلى إمرةِ المؤمنين؛ لتُلفِتَ انتباهَه إلى عدمِ اعترافها بخلافته. ثم استرسلتْ بوصفِها لحالها وأحوالِ من معها من العائلة المكرمة، وكيف أنّهم كانوا في أشدِّ ضيق، كمن أخذوا عليه، أيّ منعوه من جميعِ الجوانبِ وحاصروه من كُلِّ الجهات، فلم يتركوا له منفذًا للخروج من وضعه، ولا يُمكِنُه التخلُّصَ ممّا هو فيه. وكيفَ أنّهم من بعدِ التضييقِ والتشديدِ أصبحوا يُساقون كما تُساقُ الأسارى الذين يأتون بهم من بلادِ الكفرِ عند فتحها، في طابورٍ واحدٍ طويل، وقد كانَ جميعُ أفرادِ العائلةِ المُكرّمة،-بمن فيهم الإمامُ زينُ العابدين والسيّدةُ زينب (عليهما السلام)-، مربوطين ومُكتّفين بحبلٍ واحد! فلا تظننَّ يا يزيد أنّنا على هذا الحالِ من الضعف، أنْ ليسَ لنا جاهٌ ومنزلةٌ عند الله (تعالى)؛ لأنّنا مغلوبون، وأنّك على هذا الحال من القدرةِ والسيطرة أنَّ لك عندَ اللهِ (تعالى) جاهًا وكرامةً فمكّنكَ من الظفرِ بنا والنصر علينا، فقتلتَ رجالنا، وسبيت نساءنا؟! حتى قالت: «فمهلًا مهلًا ، أنسيتَ قولَ اللهِ (عزّ وجل): «وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ»(4) . مهلًا: أمهلْ، ولا تُسرعْ، أي: تمهّلْ يا يزيد، فالأمرُ ليسَ كما تظنُّ وتتصوّر، فلا تعجلْ حتى نبيّنَ لك حقيقةَ الأمر؛ فإنَّ اللهَ (تعالى) أعدلُ من أنْ يتركَ مُجرمًا بلا عقاب، ولا يُقدِّمُ ظالمًا إلى الحساب، وإنّما يُطيلُ للظالمين المُدّةَ والمجال، لا حبًا بهم ولا خيرًا لهم أو منه (سبحانه) إهمال، وإنّما ليزدادَ إثمُهم وليُملأ سجلُّهم بالمعاصيِ وقبيح الفعال؛ ليجزيَهم يومئذٍ العادلُ المُتعال، الخلودَ في العذابِ الأليمِ والعقابِ المُهينِ وبئس المآل. *وأمّا قولُها: «ووَشيكًا تشهدُهم ولن يشهدوك»(5). أيّ: لا تطولُ أيامُ حياتك، وعمّا قريبٍ سيزولُ ملكُك، وسريعًا وعاجلًا ستموتُ وتنتقلُ إلى عالمِ الآخرة، و بما أنّك وأسلافَك على شاكلةٍ واحدةٍ من الكفرِ والعصيان، والفجورِ والطغيان، فإنّك لا تلبثُ طويلًا حتى تلحقَ بهم في جهنّم فتشهدهم في العذابِ المهين، و لكنّهم لا يرونك، أيّ لا تجتمعُ معهم في مكانٍ واحد؛ لأنَّ جُرمَك قد فاقَ جُرمَهم أضعافًا مضاعفةً، فتستحقّ عليه من العذابِ الأشدّ، وسيكونُ مقرُّك في دركةٍ أسفل منهم في طبقاتِ نارِ جهنّم، فتراهم حين نزولك إلى ذلك المكانِ الأسفل، ولكنّهم لا يرونك. وقد رُويَ عن رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إنّ قاتلَ الحُسينِ بن علي .. في تابوتٍ من نار، عليه نصفُ عذابِ أهلِ الدُنيا، وقد شُدّتْ يداه ورجلاه بسلاسلَ من نار، مُنكّسٌ في النار، حتى يقعَ في قعرِ جهنّم، وله ريحٌ يتعوّذُ أهلُ النارِ إلى ربِّهم من شِدّةِ نتنه، وهو فيها خالدٌ ذائقٌ العذابَ الأليم، مع جميعِ من شايعَ في قتله، كُلّما نضجتْ جلودُهم بدّلَ اللهُ (عزّ وجل) عليهم الجلودَ حتى يذوقوا العذابَ الأليم، لا يُفَتّر عنهم ساعة، ويُسقَونَ من حميمِ جهنّم، فالويلُ لهم من عذابِ اللهِ (تعالى) في النار»(6) وقد تجلّى العدلُ الإلهي في عبارتِها التي بلغتِ الغايةَ في العُمقِ والبلاغة «ووشيكًا تشهدُهم ولن يشهدوك» بدقّةٍ بالغةٍ، حيثُ إنّها لم تتعرّضْ إلى العدلِ الجزائي كما في عباراتِها السابقةِ وحسب، بل وأشارتْ إلى دِقّةِ العدلِ الإلهي، حيثُ إنَّ اللهَ (تبارك وتعالى) وإنْ كان يُدخِلُ الظالمين والكافرين نارَ جهنم، إلا أنّه لا يضعُهم في دركةٍ واحدةٍ من دركاتها، بل يضعُ كُلّاً منهم في الموضعِ الذي يستحقُّ من العذاب، والدركةِ التي تُناسبُه من العقاب. وأمّا دعاؤها (عليها السلام) على يزيدَ ومَنْ شاركَه في ظلمِ آلِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) الطيّبين الطاهرين بقلبها المُلتهبِ بنارِ المصائب، حيثُ قالتْ: «اللهمّ خُذْ بحقّنا، وانتقمْ من ظلمنا(7)، واحلُلْ غضبَك على مَنْ سفكَ دماءنا، ونقضَ ذمارنا، وقَتلَ حُماتنا، وهتكَ عنّا سدولنا»(8)، فهو بحدِّ ذاتِه قولٌ بعدلِ اللهِ (عزّ وجل)، وإلا كيفَ يُتوقَّعُ من غيرِ العادلِ أنْ يقتصَّ من الظالمِ وينتقمَ للمظلوم؟! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ابن نما الحلّي، محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص80. (2) لسان العرب، ج1، ص711 (3) ابن نما الحلّي، محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص80. (4) آل عمران: آية187. (5) المصدر السابق. (6) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص300. (7) هكذا ورد في المصدر، والصحيح (ممّن). (8) المصدر السابق: ج45، ص159.

اخرى
منذ شهر
36

تجلّي العدلِ الإلهي في الخطابِ الزينبي(9)

بقلم: رضا الله غايتي المبحث الثاني: خطاباتُها (عليها السلام) في قصرِ الإمارةِ بالكوفة: *قولها (عليها السلام): "هؤلاءِ قومٌ كُتِبَ عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمعُ اللهُ بينك وبينهم، فتُحاجّ وتُخاصم، فانظرْ لمن الفَلَج... وإنّي لأعجبُ ممّنْ يشتفي بقتلِ أئمّته، ويعلمُ أنّهم مُنتقمون منه في آخرته"(1)، جاءَ هذا القولُ ردًّا على ما كانَ ابنُ مرجانة يُحاوِلُ جاهدًا ترسيخَه في الأذهانِ من تبرئةِ ساحته، ومَن كانَ معه، مُتوسِّلًا بتحريفِ العقيدةِ الإسلامية، -وقد كانَ وما زالَ هذا ديدنَ أغلبِ مَنْ يتّخذونَ من دينِ اللهِ (تعالى) الحنيفِ والمذهبِ الحقِّ الشريفِ مسندًا لحكمِهم- حيثُ قال: "كيفَ رأيتِ صنعَ اللهِ بأهلِ بيتك؟"(2)، مُدّعيًا بسؤاله هذا أنّ ما وقعَ في الطّفِّ بكُلِّ ألوانِه الوحشيّة المُختلفة، وبشتّى أشكالِه الإجراميةِ المُتباينة، من قتلٍ لصفوةِ البشرية، إلى تمثيلٍ بالجُثَثِ الطاهرةِ الزكية، إلى رضِّ أضلعِ النفوسِ الراضيّةِ المرضية، إلى حرقِ الخيامِ على مَنْ فيها من العيال، إلى نهبِ وسلبِ النساءِ والأطفال، كُلّ ذلك إنّما هو صنع الله! وأنّ الجيشَ الأُموي، ومَن أمَرَهم بالخروج، لم يكونوا إلّا أدواتٍ لتنفيذِ ذلك الصُنعِ الإلهي؛ مُحاولةً منه لإسباغِ الصفةِ الشرعيةِ على الوحشيةِ الأُمويّة، وتقديمِ المُبرِّرِ الدّيني لاقترافِ تلك الجريمةِ النكراء، مُحاولةً منه لتبرئةِ الوحوشِ البشرية. وقد وافقَ ادّعاءُ ابنِ زياد هذا قولَ الأشاعرة الذي تقدّمَ في الفصل الأول؛ وذلك لأنَّ ادّعاءَه أنَّ الجيشَ الأُموي لم يكنْ سوى أداةٍ نفّذتْ صنعَ الله (تعالى)، هو عينُ القولِ الذي قالتْ به الأشاعرة: من أنّ الإنسانَ مُجبَرٌ على ما يفعل، وأنّ اللهَ (تعالى) كما خلقَ أعضاءَ الإنسانِ قد خلقَ أفعاله. وقد تقدّمَ خطأُ هذه النظرية؛ لأنّها تنسِبُ الظلمَ إليه (سبحانه وتعالى)، وإنْ لم تُصرّحْ بذلك، وإلّا فهل يُمثِّلُ عقابُ المُجبَرِ على المعصيةِ سوى الظلم؟! لذا فقد ردّتِ الحوراءُ زينبُ (عليها السلام) عليه قوله، وهي العالمةُ غيرُ المُعلّمة، حيثُ قالتْ: "هؤلاءِ قومٌ كُتِبَ عليهم القتلُ، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمعُ اللهُ بينَك وبينهم، فتُحاجّ وتُخاصم، فانظرْ لمن الفلج"، فأسقطتْ بذلك نظريةَ الجبرِ التي حاولَ التمسُّكَ بها جُملةً وتفصيلًا، وأكّدتْ أنّ فعلَ الإنسانِ إنّما هو مزيجٌ من فعلِ اللهِ (تعالى) وفعلِ الإنسانِ نفسه، من خلالِ عبارتِها الموجزةِ المبنى والعميقةِ المعنى. فإنّ اللهَ (عز وجل) قد كتبَ عليهم القتال، أي: الجهادَ في سبيلِه وفي سبيلِ إحياءِ دينه، وهم (عليهم السلام) قد لبّوا نداءَ اللهِ (تعالى)، وامتثلوا لتكليفهم، إلّا أنّ مَن قتلَهم هو أنتَ يا ابن زياد، ولهذا فإنّ اللهَ (تعالى) سيجمعُ بينك وبينهم يومَ الحساب، فتُقدّم الحُجَجُ والأدلّةُ التي تُدينُك يومئذٍ، وتُخاصَم من قِبَل مَنْ قتلتهم، فانظرْ في ذلك اليومِ لـمَنِ الفوزُ والظفر. وبقليلٍ من التأمُّلِ نجدُها (عليها السلام) قد أشارتْ في عبارتِها إلى مسألتين مُهمّتين في العدلِ الإلهي، وهما: أوّلًا: تفنيدُ نظريةِ الجبرِ في مسألةِ القضاءِ والقدر، فقد أثبتتْ (عليها السلام) أنّ ابنَ زيادٍ –ومن ائتمر بأمره- هو مَن قتلهم بكاملِ اختيارِه، وبلا جبرٍ من اللهِ (تعالى) على قتلهم، بقرينةِ قولِها: "وسيجمعُ اللهُ بينَك وبينهم، فتُحاجّ وتُخاصم"، واللهُ (تعالى) عادلٌ، بل هو العدلُ عينُه، وعليه لا يُمكِنُ أنْ يُعرِّضَ للحسابِ فضلًا عنِ العقابِ إلّا مَنْ كانَ حرًّا مُختارًا في فعله، لم يجبرْه أحدٌ على المعصية. ثانيًا: مسألةُ العدلِ الجزائي، أي: إنَّ كُلَّ إنسانٍ سيجزيه اللهُ (تعالى) بما كسبَ، فيُثيب المُحسنَ على إحسانِه، ويُعاقِبُ العاصي على عصيانه، وذلك في قولِها: "وسيجمعُ اللهُ بينك وبينهم فتُحاجّ وتُخاصم، فانظُرْ لـمَن الفلج". وعلاوةً على ما تقدّم، قد تضمّنتْ كلماتُها تذكيرَ الطاغيةِ بعدمِ الاغترارِ بهذا النصرِ المُزيّف؛ لأنّ النصرَ والظفرَ الحقيقي سيكونُ يومئذٍ من نصيبِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) وسائرِ شُهداءِ الطّف. *وأمّا قولُها: "وإنّي لأعجبُ ممّن يشتفي بقتلِ أئمّته، ويعلمُ أنّهم مُنتقمون منه في آخرته"(3)، فقد تضمّنَ -هو الآخرُ- التأكيدَ على العدلِ الجزائي للهِ (جلّ وعلا)؛ لأنّ كلمةَ (مُنتقمون) من مادةِ الانتقام، تعني العقوبةَ والجزاءَ. نعم، قد يتصوّرُ القارئُ أنّها العقوبةُ المُقترنةُ بإخمادِ نارِ الغضب، وتفريغِ ما في القلبِ من انفعالٍ وحُبِّ الانتقامِ كما هو المعنى الوارد في مُحادثاتنا اليوميةِ في عصرِنا الحاضر، إلّا أنّ هذا الأمرَ لا وجودَ له في المعنى اللُغوي للكلمة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ابن نما الحلّي، محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص71. (2) المصدر السابق. (3) المصدر نفسه.

اخرى
منذ شهر
41

تجلّي العدلِ الإلهي في الخِطابِ الزينبي(8)

بقلم: رضا الله غايتي المبحث الثاني فــي خُطبتِهـا في مجلسِ الإمارةِ فــي الكوفة *قولُها (سلامُ الله عليها): "ما رأيتُ إلا جميلًا "(1) ردًّا على ابن مرجانة حين سألها شامتًا بها: كيفَ رأيتِ صنعَ اللهِ بكِ وبأهلِ بيتك؟، فيه إشارةٌ إلى أنَّ الجمالَ يكمنُ فيما يُريدُه اللهُ (تعالى) وإنْ كانَ لا يتناغمُ مع رغباتِ النفسِ البشرية، بل وإنْ سبَّبَ لها الألمَ وجرَّ إليها الحزن والهمّ. وما جرى في واقعةِ الطّفِّ وإنْ كانَ ظاهرًا لا يعدو أنْ يكونَ سلسلةً من الجرائمِ المُروِّعة والأحداثِ المُفجعة، بيدَ أنّه رغم ذلك مُصطبغٌ بصبغةِ الحُسنِ والجمالِ؛ لأنّها أحداثٌ تنفخُ في جسدِ الإسلامِ -الذي شارفَ على الموتِ- الروحَ من جديد، بل وتعيده قويًا، يجتثُ ما نُسِبَتْ إليه من شبهاتٍ من أصولها، وينفضُ عن كاهله من نُسِبَ إليه من بدعات. وقد يعترضُ من يعتقدُ بأنَّ التحسينَ والتقبيحَ شرعيان على قولِ الصدّيقةِ الصُغرى (عليها السلام) قائلًا: كيفَ يُمكِنُ الحُكمُ على واقعةِ كربلاء وما جرى فيها من جرائمَ بالقُبحِ تارةً وبالحُسنِ أخرى؟ ألا يُعَدُّ الحُكمُ على الشيء نفسه تارةً بأنّه حسنٌ وأخرى بأنّه قبيحٌ تناقُضًا؟ ومن ثمّ لو كانَ الحُسنُ والقُبحُ عقليين لما اختلفا فضلًا عن أنْ يتناقضا؟ للردِّ عليه نقول: أولًا: قد أوضحَ السيّدُ الطباطبائي (طيّب اللهُ (تعالى) ثراه) ذلك في قوله: "فمن الأفعالِ ما حُسنُه دائميٌ ثابتٌ إذا كانَ ملاءمتُه لغايةِ الاجتماعِ وغرضه كذلك كالعدل، ومنها ما قُبحُه كذلك كالظلم" حتى قال: "ومن الأفعالِ ما يختلفُ حالُه بحسبِ الأحوالِ والأوقاتِ والأمكنةِ أو المُجتمعاتِ ... " وضربَ أمثلةً على ذلك حتى قال: "وأكلُ الطعامِ حسنٌ مُباحٌ إذا كانَ من مالِ آكلِه مثلًا، وهو بعينِه سيئةٌ مُحرّمةٌ إذا كانَ من مالِ الغيرِ من غيرِ رضا منه لفقدانِه امتثالَ النهي الواردِ عن أكلِ مالِ الغيرِ بغيرِ رضاه، أو امتثالَ الأمرِ الواردِ بالاقتصارِ على ما أحلَّ الله"(2). وممّا لا شكَّ فيه أنَّ الإمامَ الحسينَ (عليه السلام) لم يخرجْ بأهلِ بيتِه وأصحابِه إلا امتثالًا لأمرِه (عزّ وجل)، ومن ثمّ فإنَّ كُلَّ ما تعرّضوا له -على قساوةِ منظرِ صورتِه المُلكية-، هو في غايةِ الحُسنِ والجمالِ في صورته الملكوتية. ثانيًا: ذكرَ السيّدُ الطباطبائي (قُدِّسَ سِرُّه) أيضًا: "فإنَّ الحُسنَ موافقةُ الشيء ومُلاءمتُه للغرضِ المطلوبِ والغايةِ المقصودةِ منه"(3). وعندما ننظرُ إلى واقعةِ كربلاء بهذا المنظارِ نجدُ أنّها غايةٌ في الحُسنِ والجمالِ؛ وذلك لأنّها وإنْ أُثقِلتْ بكُلِّ ما تحملُه من صورٍ تكلِمُ الفؤادُ كلمًا، ويعتصرُ لها القلبُ حزنًا وألمًا، إلا أنها أشرقتْ بقرابينَ عظيمةٍ لله (تعالى) العظيم، ولشرعِه القويم، كانَ هدفُها إعادةَ الأُمّةِ المُحمّديةِ إلى الصراطِ المُستقيم، الذي شرعتْ بالانحرافِ عنه مُنذُ أنْ نُحِّيَ عن منصبِه مَنْ كانَ للرسولِ الأكرمِ (صلى الله عليه وآله) بمنزلةِ هارون من الكليم، بيدَ أنَّ مصلحةَ خاتمِ الأديانِ ورعايتِه من التحريفِ اقتضتْ من اللهِ الحكيمِ أنْ لا يقومَ بالإصلاحِ في الأُمّةِ إلا الذِبحُ العظيم، الحُسينُ الشهيدُ الذي وصفَه بذلك القُرآنُ الكريم. وعليه، فقد وصفتِ العقيلةُ زينبُ (عليها السلام) ما رأتْه بالجمالِ؛ وذلك لــ(أنَّ دينَ الإسلامِ الخاتمِ للأديانِ قد تعرّضَ بسببِ انحرافِ السُلطةِ لخطرِ التحريفِ والتشويه، بحيث تضيعُ معالمُه، ولا يتيسرُ الوصولُ والتعرُّفُ عليه لمن يُريدُ ذلك، كما حصلَ في الأديانِ السابقة، وأنَّ الإمامَ الحُسينَ (عليه أفضل الصلاة والسلام) قد واجه ذلك الخطر، ودفعَه بنهضتِه المُقدّسة، وما استتبعَها من تضحياتٍ جِسام)(4). وقد تأكّدَ هذا المعنى أيضًا في زيارةِ الأربعين للإمامِ الحُسينِ (عليه السلام) حيثُ نقرأ فيها: "فأعذرَ في الدُّعاءِ، ومنحَ النُّصحَ، وبذلَ مُهجتَهُ فيك؛ ليستنقذَ عبادكَ من الجهالةِ وحيرةِ الضَّلالةِ"(5) . ثالثًا: لو سلّمنا أن ما جرى في واقعةِ الطّفِّ قبيحٌ، إلا أن تركَ الدينِ بيدِ الطغاةِ يُحرِّفونه كيفما يشاؤون قبيحٌ أيضًا، بل إنَّ تركَ الدينِ يُحرَّفُ والشريعةِ تُزيّفُ أقبحُ ممّا جرى في الطفّ، وما جرى في الطفِّ أحسنُ من تحريفِ الدّينِ وتزييفِ الشريعة، فيحكمُ العقلُ بالتعرُّضِ لواقعةِ الطفِّ قضاءً لتقديمِ الأرجحِ على الراجح، فإنَّ تقديمَ الراجحِ على الأرجحِ قبيحٌ عند العقل(6) كما أنّ قولَها (صلوات ربي عليها): "ما رأيتُ إلا جميلًا" شهادةٌ لها بأنّها قد حازتْ على أرفعِ درجاتِ اليقين؛ لأنّه يُمثِّلُ عينَ الرضا بقضاءِ الله (تعالى) وقدره، وقد رويَ عنِ الإمامِ زين العابدين (عليه السلام) أنّه قالَ: "أعلى درجةِ الزهدِ أدنى درجةِ الورع، وأعلى درجةِ الورعِ أدنى درجةِ اليقين، وأعلى درجةِ اليقينِ أدنى درجةِ الرضا "(7)، وعنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): "الرضا بمكروهِ القضاءِ من أعلى درجاتِ اليقين"(8). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص67 (2) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص10 (3) المصدر السابق (4) السيد محمد سعيد الطباطبائي: فاجعة الطف، ص143 و144 (5) الطوسي: مصباح المتهجد، 788 (6) انظر محاضرات في الإلهيات: للشيخ السبحاني ص170 (7) الري شهري: ميزان الحكمة، ج4، ص144 (8) المصدر السابق ينشر 5

اخرى
منذ شهر
38

مراتب تلبية نداء" لبيك داعي الله..."

مَنْ مِنا ليس لديه أمنية لو إنه كان مِن المُلبيين لنداءِ إمامه الحُسين(عليه السلام) عندما قُتِل الأخوة والأبناء والأصحاب وبقي وحيدًا فريدًا، مُرددًا:[هل مِنْ مُغيث يَرجو الله في إغاثتنا؟ أما مِنْ طالبِ حقٍ يَنصُرنا؟"(١)؟ بلا شك! جميعنا، ولكن السؤال هنا: هل التلبية مُنحصرة بِمن حَظر تلك الواقعة أم إنها فُرصة متاحة لنا في كل الأزمنة؟ إمامنا الصادق(عليه السلام) في إحدى زياراته للإمام الحُسين(عليه السلام) يُجيبنا عن هذا السؤال، بقوله:" لَبَّيْكَ داعِيَ اللهِ اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي، سُبْحانَ رَبِّنا اِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً"(٢)، وهكذا يَفتح أمامنا فرصة باستجابات ثلاث تراتبية حتى نَصل الى تَحقيق تلك التلبية مع نداء داعي الله وربانيه من خاتمِ ولد الحُسين الحجة المُنتَظِر(عج)، هي: الأولى: التلبية القلبية[فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي] بمعنى أن نكون وجدانيًا منجذبون ونميل الى جبهة الحق، وأن يكون حُب الله(تعالى) فينا أشد من حبِ أي شيء أخر، وتَجسيد هذا الحُب بحبِ النبي وآله(صل الله عليهم جميعا)، حُب الطاعة والتسليم، كما قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(آل عمران :31)، والنبي(صل الله عليه واله)قال: [حُسين مِني وأنا مِنه...](٣)، فالتلبية هنا أن يكون القلب متوجه للخط الحُسيني غير منحرف عنه. الثانية : التلبية السماعية[فَقَدْ اَجابَكَ سَمْعي] عن الإمام الحسين(عليه السلام)إنه قال: "والمنتظر لأمرنا كالمتشخط بدمهِ في سبيل الله، من شهدنا في حَربنا أو سَمع واعيتنا فلمْ يَنصرنا؛ أكبهُ الله على مِنخريهِ في النارِ"(٤). أي أن يكون الإنسان من أهل الوعي فيبدأ بنفسه، وبنور إمامه(عليه السلام) الذي في قلبه فيُصلحها، لينقذها من الجهلِ عند شيوع ثقافة التَجهيل، ويُجنبها مِن التَحيرِ عندما تشتد الفتن، ثم بعد ذلك يُساهم في الإصلاح الاجتماعي، ويَكنْ مِن أنصارِ المُنتظر المُصلح(عج) الذي هو يُمهد له بذلك. الثالثة: التلبية البصرية[فَقَدْ اَجابَكَ بَصَرَي] قال الإمام الحسين(عليه السلام): "...الا تَرون إلى الحَق لا يُعمَل به، والى الباطِل لا يُتناهى عنه، ليَرغبِ المؤمِن في لقاءِ رَبه حقًا... حقًا" ، وما عَسانا أنْ نُجِيبُ إلا أنْ نَقول لإمامِنا(عليه السلام): بلى نرى إن الحق لا يُعمل به، والباطل ليس لا يُنتهى عنه، بل يُأمر به، ويُحبب اليه، ويُتفاخر به!! ولأن الإمام(عليه السلام) مصباح الهدى؛ فهو لا يُرينا فقط أمراضنا الاجتماعية بل يهدينا للحلول التي بها نتوقى، وذلك بأنْ تكون رغبتنا متوجه صوب الأخرة، كي لا نَميل للباطلِ فنتجنبِ العمى في الأخرةِ، ولا نَستصغر قيمة وعِظَم الحق فنتهاون في البقاء عليه والعمل به، فنفقد بصيرتنا في الدنيا. ثم يقول الإمام(عليه السلام):" فإني لا أرى المَوت الا سَعادة، والحياة مع الظالمين الا برمًا"(٥) هنا -وكأن- الإمام يَضع المتلقي على المَحكِ، إذ كان خِطابهُ ليس عامًا بل للمؤمنين، أي بأنك إن كُنتَ حقًا من أهل الإيمان بإمامتي عليكَ، وكنتَ من أهل الطاعة والتسليم ليَّ، فها هو مقياسيّ الذي أنظر به للحياةِ والموت، فالمؤمن لا يَغلِب حُب الدُنيا على رغبتهِ في مرضاتِ الله تعالى، لذا لن يَجد صعوبة في تركِ الدنيا بل تركها عنده سعادة، كما هي عند قائده(عليه السلام)، فإن كان وقوفكَ للحق ومع الحق يُوصلكَ للموت، فستكون كسيدكَ شهيدًا، وهناك في الأخرة ستكون ليّ رفيقًا. ______ (١) حياة الإمام الحسين(ع): ج٣، ص٢٧٤. (٢) بحار الأنوار: ج ٩٨، ص ٣٣٧. (٣) نفس المصدر: ج ٤٣، ص ٢٧١. (٤) نفس المصدر: ج ١٠، ص ١٠٤. (٥) نفس المصدر: ج ٤٤، ص ٣٨١.

اخرى
منذ شهر
39

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
133244

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
123671

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
80199

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
74065

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
73664

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
69335