سفر الروح

بقلم: عُلا حُسين أخذت الحمى تشتد بيّ وبدأت نبضات قلبي تتزايد، وأحسستُ بثقلٍ بلساني حتى أني لم أستطع أن اُنادي أمي لِتُسعفني، الى أن أغمضت عيني رغم إرادتي... وكأن روحي حلّقت بعيدًا عن جسدي لوهلةٍ شعرتُ بخفةِ روحي وكأن لي جناحين أطير بهما... نظرتُ يمينًا ويسارًا، وجدتُ أني لوحدي... ثُم لمحتُ من بعيد مجيء نورٍ ساطع... تساءلتُ: من هو يا ترى القادم؟ شيئاً فشيئاً بدأ يقترب أكثر وأكثر إلى أن وصل وألقى السلام وبروحيةٍ عجيبةٍ، رددتُ السلام أنا... أحببتُ أن أسأله من أنت، لكن انتظرت لِيتكلم هو... وهنا عَلى صوت البكاء والعويل... فزعت من الصوت وإذا بي أهرول؛ لِأعرف مصدر الصوت، فأرى نفسي ملقاةً على الأرض، وأهلي يلتفّون حولي، هذا من يطلب الإسعاف وهذا من يحاول رفعي وتلك هي أُمي جالسةً تبكي... حاولت تهدئتهم لكن دون جدوى لا أحد يسمعني، فقدتُ صبري ما الذي يجري؟ جاء صوتٌ "أتسأل ماذا يجري؟" شعور خوفٍ دخل قلبي: "أجل" "أنت الآن في غيبوبة ومن المُفترض أن تُقبض روحك" ما أن سمعتُ قبض الروح حتى اُغشي عليّ... عاد أحدهم وحاول إيقاظي "عزيزي استيقظ، أنت الآن في عالم الغيب وكان من المُقرر قبض روحك لكنك بعملٍ صالح عملتهُ قُرر أن يطول عمرك لذلك ستعود لدُنياك لذا أعمل صالحًا" كان صوتٌ عجيبٌ وكأنما جُمعت كُل الحنيةِ فيه. فتحت عينَيّ وحاولت أن أحدّق جيدًا في الملامح، وجدت أنهُ نفس الشخص الذي ألقى السلام وتساءلتُ :من هو يا ترى؟ ثم بادر وقال "أعلمُ جيدًا أنك تساءلت منذ اللحظة الأولى عن معرفتي، كُنت آتٍ لِأُؤنسكَ قليلًا في غربتك، إذ لا مؤنس لك في غربتك، لكنك كبعض عادتك ذهبت لأهلك وتركتني..." - ولكن أنا لم أعرفك أصلًا! فكيف من عادتي تركك؟ -كيف لا تعرفيني وأنت الذي تعودت ندبتي كُل جمعة، أنت الذي حاولت إدخال فرحةٍ لقلبي، أنت الذي دعيت الناس إلى معرفتي، أنت الذي أرسلت لي هدايا على شكل سور وأدعية وصلوات وختمات، أنت الذي تعودت أن تتلو على مسامعي دُعاء الفرجِ، أنت الذي زرت الحُسين نيابة عني، أنت الذي دعوت لي بالفرج عند الإفطارِ، أنت الذي استيقظت صباحاً لقراءة دُعاء العهدِ، أنت الذي سبقت حاجتك بقول: اللهم عجل لوليك الفرجِ! كُنت عرفت من هو لكن لم أكُن لِأصدق نفسي... إنهُ أنت؟ -أجل أنا… -أنت عزيز قلبي، أنت طبيب جروحي، أنت أملُ حياتي، أنت مؤنس وحشتي، أنت مهدي روحي؟ -أجل هو أنا…

اخرى
منذ أسبوعين
149

سأل سائل بليد

بقلم: ندى المنصوري سأل سائل بليد لماذا الفرح في يومكم هذا أهو العيد؟ أم تذكرتم خبرًا ليس ببعيد؟! أم هل هناك جديد؟ فأجبته: أو لم تسمعوا؟ عندما صاح الرسول اجتمعوا... واسمعوا وعوا فأنشد الصادق الأمين نشيد إكمال الدين بولاية مولى المتقين وأمير المؤمنين فربط ولايته بولايته وعداوته بعداوته مع ارتفاع اليدين ثم ارتفعت أصوات المهنئين فسمي ذلك اليوم في السماء بعيد الله الأكبر وسمي في الأرض بعيد الغدير الأغر فلم تبق حجة للمسلمين فمن بدل، فقد أخلف الشرع المبين واختار جور السلاطين... بدل اختيار رب العالمين.... فهنا استدرك أمرًا وقال معللًا: لكن لمَ لم نتبع؟ لمَ لم نسمع؟ فأجبت: بسبب ما حصل تحت السقيفة فلقد غيروا من اختار الله خليفة طمعًا في الدنيا وحبًّا للسلطة فأطرق حزنًا وأحنى ظهرًا ثم أكملت ثم عملوا على كتم الحديث وكتبوا التاريخ بقلم خبيث كي لا تفهم كي لا تعلم فرفع وجهه نحو السماء وقلبه المكسور يملؤه الرجاء وأنهى الدعاء بشهادة أن عليًّا ولي الله...

اخرى
منذ 3 أسابيع
177

لماذا مخدرات بني هاشم في طريق الكرب والبلاء؟!

بقلم: حوراء رضا أیام قلائل تفصلنا عن أعظم مصیبة في تاريخ البشرية... أيام قلائل ويطل علينا عاشر محرم الحرام... محرم... شهر يحمل بين طياته شعلة الحب والولاء لآلٍ ظلموا وقتلوا قهرًا وعدوانًا... شهر يُبين للعالم بأسره اسمى معاني التضحية والفداء ودروسًل تتجدد لتنعش القلوب العطشى الراجية شفاعة محمد وآله (صلوات الله عليهم أجمعين)... نعم شهر محرم الذي يحمل بكل لحظة نمر به درسًا للبشرية... وتتوالى على الموالين أسئلة كثيرة منها حبًّا وكرامة واقتداء بأهل البيت (عليهم السلام). ومنها الطرف المعادي الذي يشن حروبًا كثيرة متعلقة بثورة النصر والتضحية محاولًا تشويه العقيدة، ومن ضمن الأسئلة الكثيرة التي يرددها البعض: إن كان الإمام الحسين (عليه السلام) عالمًا بشهادته فكيف يحمل معه نساءه وأطفاله؟ وهل يرضى لهم الظلم؟ وعلى ذلك نقول: إن قول وفعل الإمام المعصوم حق لا ريب فيه، وكل دور يكون على عاتق المعصوم لابد أن يستمر حتى بعد الشهادة... لقد قال الحسين (عليه السلام) لابن عباس عندما أراد الخروج من مكة: (يا ابن العم وإنهن ودائع رسول الله ولا آمن عليهن أحد وهن لا يفارقنني. (1) بهذه الدرر الحسينية أعطى الإمام سببًا مقنعًا لاصطحابه نساءه وأهل بيته إلى كربلاء، وهو الامان، فحرصًا من إمامنا على عياله من ظلم بني أمية وتجرئهم على الآل، فالأمويون الذين كانوا يتصرفون بكل لؤم وحقارة مع عوائل المعارضين والمناوئين لحمكهم المقيت بعيدون كل البعد عن الدين والقيم الإنسانية التي أوصى بها رسول الأمة محمد (صلى الله عليه وآله) فالذي أوقد النار بخيامهم وسبى ذراريهم وسحبهم مقيدين بالحديد، أمثال هؤلاء لا يؤتمنون أن يترك الحسين أهله في ظل حكمهم. ولكم الحكم… ثم إن معنا النظر في مجريات عاشوراء وأحداثها ومواقفها التي لا تنتهي، فسنرى وجود النساء مع الإمام الحسين (عليه السلام) هو بمثابة إلقاء الحجة على الذين لم ينصروا الإمام الحسين (عليه السلام) بحجة أنه لم ينصر الإمام لأن لديه عائلة ويخاف عليهم من بطش بني أمية، فكان اصطحاب الإمام (عليه السلام) لنسائه ردًا على مثل هؤلاء الذين أرعبهم الظلم الأموي تاركين إمام زمانهم يخوض حرب النصر وحده (عليه السلام) - وإن أردنا التمعن أكثر نجد اصطحاب النساء كان بمثابه صرخة في وجه الظالمين... عله يستطيع من خلالها إيقاظ تلك الضمائر التي تخلت عن إمامها وهي ترى أن الإمام اصطحب جميع أهله وكان الركب الحسيني يتألف من فئات عمرية مختلفة من طفل وشاب وشيب ولم يختص بفئة معينة دون أخرى... هذا من جهة. ومن جهة اخرى أراد الإمام الحسين (عليه السلام) أن يظهر للعالم أنّ حركته -اصلاحية وليست بحركة ارهابية لأن من يريد إشاعة الخوف والارهاب والقلق لا يصطحب معه أعز الناس وبهذه الخطوة اثبت أنّ الحركة حركة اصلاحية، (إنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي) (2). إن كربلاء استمرت بمبادئها وقيمها التي استمرت بعد الدين من خلال نساء العصمة، ولا يخفى أن للنساء دورًا كبيرًا، وكان الدور الأكبر في كربلاء لنساء خلدهنّ التاريخ ولم يستطع طيها أميرة وبطلة كربلاء زينب بنت علي (عليه السلام) أخت الحسنين (عليه السلام) إن من يتابع مجريات وأحداث عاشوراء يعلم بل يتيقن أنّ الحسين لم ينته بشهادته (عليه السلام) كما كان يتصور الأمويون، بل العكس تمامًا لقد بدأت رحلة جديدة بعد الشهادة مباشرةً، وهي نشر زيف بين أمية وإظهار الحقائق وبيان الظلم الذي تعرض له أهل البيت (عليه السلام)، فكانت الحوراء وبقية نساء بني هاشم قد كلفت لهن هذه المهمة... لقد كان للنساء دور نغَّص على الأمويين فرحتهم الكاذبة بالنصر وإذا بهؤلاء السبايا وبكل موقف وقفن فيه، قد قُمْن بزرع مشاعر الولاء لأهل البيت فساهمن بنشر القضية الحسينية بكل ما تحمله من معالم سامية. لقد كانت ظهور النياق منابرًا لإظهار الحقائق واستمر هذا النشاط الاعلامي والثقافي والفكري طوال طريق السبي... فتأججت المشاعر... حتى يومنا الحالي… ربما يكون هذا ما عبّر عنه إمامنا الحسين (عليه السلام)، بقوله (شاء الله ان يراني قتيلا وشاء الله ان يراهن سبايا) (3). __________________ 1- مقتل الحسين بحر العلوم ص 185 2- بحار الانوار العلامة المجلسي ج 44 ص 329 3- مقتل الحسين ع السيد محمد تقي بحر العلوم ص 159- 160

اخرى
منذ أسبوعين
140

طفولة مذبوحة

بقلم: حوراء رضا عندما أوجد الله (جل وعلا) الإنسان منذ لحظات حياته الأولى زرع في روح هذا الكائن الحي براءة وعفوية، فامتازت روح الطفل بالحب الصادق والاخلاص وابتعدت غريزته عن الخبث والأغلال بفطرة ذاك النقاء الروحي الذي يحمله في قلبه الصغير الأبيض كبياض الثلج الناصع، الذي دائمًا ما تكون نظرته للحياة نظرة ايجابية، فنرى ثغره دائمًا باسمًا في وجه الحياة، لا يعرف لها حقدًا ولا كرهًا، فتكمن تصرفاته على اختلافها تصرفًا فطريًا عفويًا. وللحفاظ على هذه الفطرة وهذه البراءة من محطات الحياة أعطى الإسلام أولوية كبرى في التعامل مع الطفل، باحترام عالمه الخاص الذي تحتويه أحلام بسيطة، ومخيلات نيرة، فكان له احترامه وتقديره لأجل الأخذ بيده ومراعاة مشاعره المرهفة لما لها من دور فعّال في بناء المستقبل المشرق. هذه الأرض الطيبة الخالية لابد أن تزرع فيها بذور الصلاح والإيمان وحب الرحمن ليكون في داخله منشأ السلام والحفاظ على القيم والمبادئ، فيزدهر ويثمر في مرحلة الشباب، ولا يخفى أن الطفل كتلة من الإحساس تؤثر فيه أقل العبارات، فللمشاعر والحب دور كبير في تنشئته واخضراره في سلوكه وتصرفاته، فمن احتياجات الطفل هو الحب الذي يجب أن يشعر به. كان أهل البيت (عليهم السلام) السابقين في كيفية التعامل بحب مع أبنائهم (عليهم السلام)، فالإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) كان يقول لولده الحسن (عليه السلام): (وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن الموت لو اتاك اتاني) (1) الطفولة بروعتها ونقائها وبراءتها تحتاج رعاية واهتمام كبيرين لينشأ الولد طفلًا قويًا معطاءً... كم من الأطفال نراهم في واقع حالنا ونبهر من بعض ما يقدمون، كم من طفل للقرآن حافظ، في حين عجز عن حفظ القرآن كثير من الكبار، وكم طفل للمبادئ التي تربى عليها محافظ. كل هذا يكمن في طريقة التربية الممزوجة بروح الإيمان وزرع ثمار الحق في نفسه، فكلما كانت أكبر كلما كانت أقوى في مواجهة حياته. إذن، مرحلة الطفولة مرحلة اساسية في بناء وتكوين شخصية الطفل، ولا يخفى ايضا ان للبيئة التي يعيشها الطفل دورًا ذا اهمية بالغة في بنيته وتأسيسه. وكلما تحلّت تلك التربية بروح الإيمان، كلما اعطت رمزًا كبيرًا بالعطاء والتضحية، ويمكن أن نتذكر هنا شهادة محمد وابراهيم أبناء مسلم بن عقيل (عليه السلام)، هما طفلان رسمت على وجهيهما براءة مزجت بحزن جُسّد في كربلاء، وطبعت في ذكراهم صور لأجساد قتلى ورؤوس مقطعة وخيل ونار وبكاء وعطش الفؤاد، وما هذا العذاب إلّا لطيب النسل وعلاوة الشرف وهم نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله). وبعد المجريات التي حدثت بكربلاء، تابعت الأيادي الحاقدة على أهل البيت (عليهم السلام) جرائمها وكانت الضحية هذه المرة ملاكين ملأتهما البراءة، يحملان -كباقي الأطفال- أمنيات وأحلامًا تناسب عمريهما، وطهارة قلبيهما العيش والسلام والامان، لتلقي يد ابن زياد بمحمد وأخيه في سجن الحياة. رسمت عيونهما البريئة على جدار الظلم أحلامًا قد دمرتها أيادي اللئام، وقاسا أشد أنواع العذاب، في حين أن أعمارهما الصغيرة لا تتحمل الظلم والعناء، وحبست الاحلام، وبقت الذكريات وبكلمات تملأها العبرات، عرّفا بنفسيهما للسجّان واخبراه بأنهما من نسل رسول الله (صل الله عليه وآله) رقّ قلب السجّان وطأطأ الرأس خجلًا من النبي المختار، فضرب قفل الحياة وقال: سيرا بأمان، واحذرا يا قرة عيني من القساة الفجار... لكن إلى أين وهذه الدنيا يا صغيريّ تلاحقكما وتلاحق طفولتكما البريئة، حتى وصلا طريقًا علّه يكون الأمان لقلبيهما على باب امرأة، وعندما سألتهما: من أنتما؟ أخبراها بنسبهما، رحبت تلك المرأة بهما وبنسبهما ولكن في قلبها خوفًا ممن لا يخشون الله ولا يراعون له حرمة... ابن أختها الذي شهد أحداث كربلاء وشارك في حربه ضد ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ها هو يبحث عن أيتام مسلم بن عقيل في أزقة الكوفة بعد أن أعلن ابن زياد عن مكافئة مادية لمن يعثر عليهما، وبعد جهد كبير وتعب من هذا الشخص الذي أغرته الدنيا وانتشلت الرحمة من قلبه وفشل في العثور عليهما. أقبل نحو الدار وبعد تقديم النصح من هذه المرأة وتحذيره من انتهاك حرمة أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله). عثر على الأيتام وهم في الغرفة نيام... احبائي أكنتم حقًا نيامًا؟ أم تراودكم أحداث النار والخيام؟ وأي أحلام بريئة كنتم تحلمون بها أهو حلم البراءة التي قتلت معالمها؟ أم حلم الحياة المستمد من النور المحمدي... نفسي لنفسيكما الفداء... أيقضهما... سألهما من أنتما؟ أما رأى نظرة الحب والصفاء أما رأى عين الاجلاء؟ فأخذ الطفلان منه الأمان... أمان الله ورسوله إن هم أخبروه بنسبهم، فأعطاهم الأمان... أمان الله ورسوله ... وعندما أخبراه أنهما أيتام مسلم بن عقيل... مهلًا صغيري، لا تتعجل فقدر الموت بسهام الغدر لن يتأجل، في الصباح أمر غلامًا له أسود أن يأخذهما الى شاطئ الفرات ويذبحهما ويأتيه برأسيهما. فلما أخذهما الغلام قالا له: يا أسود ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذن رسول الله، أتقتلنا ونحن عترة نبيك، وقصّا عليه قصّتهما في السجن وما لاقياه من النصب حتى أضافتهما العجوز. فرقّ الغلام لهما واعتذر منهما ورمى السيف وألقى بنفسه في الفرات وعبر إلى الجانب الآخر فصاح به مولاه: عصيتني؟ فأجابه: أنا في طاعتك ما دمت لا تعصي الله فاذا عصيت الله فأنا بريء منك. فلم يتّعظ الرجل ولا رقّ لهما بل دعا ابنه وقال له: إن ما أجمع الدنيا حلالها وحرامها لك، فاضرب عنقي الغلامين لأحظى برأسيهما عند ابن زياد، ولما وقف عليهما الولد قالا له: يا شاب أما تخاف على شبابك من نار جهنم ونحن عترة رسول الله، فرقّ الولد لهما وفعل مثل العبد. فقال الرجل: أنا أتولى ذبحكما، فقال له الغلامان: إن كنت تريد المال فانطلق الى السوق وبعنا ولا تكن ممن يخاصمك محمد (صلى الله عليه وآله) في عترته، فما ارعوى عن غيّه ، قالا له: انطلق بنا الى ابن زياد ليرى فينا رأيه، فأبى، قالا: ألم ترع حرمة رسول الله في آله، فأنكر قرابتهما من النبي، فاستعطفاه لصغر سنهما فلم يرقّ قلبه. فطلبا منه أن يصليا لربهما سبحانه فقال: صليا إن نفعتكما الصلاة، وبعد أن فرغا رفعا أيديهما الى الله سبحانه وهما يقولان: يا حي يا حليم يا أحكم الحاكمين، احكم بيننا وبينه بالحق. فقتل الأول، وتمرغ الأخ بدم أخيه ثم تجرأ وذبح الآخر، وقطع رأسيهما الشريفين وذهب إلى ابن زياد ليروي الذي جرى، فخرًا منه بما اقترفت يداه اللتان تلوثتا بدماء أطهر خلق الله ... مات الحلم متأثرًا بجراح النصر والعز والإباء بسكين القدر الغادر ... أين ابتسامات ثغرهم الباسم؟ أين حكاياتهم وقصصهم التي تنشقت عبير كربلاء؟ مات الحلم وضل القلب ينزف لجروح لن تندمل على مر الزمان... _______________ 1 - نهج البلاغة ص 643

اخرى
منذ 3 أسابيع
184

لماذا سُمي عيد الغدير بعيد الله الاكبر؟

بقلم: زينب راضي الزيني ١- عيَّدَ (فعل) -عيدَ -يُعيد- تعييدًا فهو مُعِيّد عَيّدَ: شهد العيد واحتفل به. ٢- عِيْد (اسم) جمع أعياد هو كل يوم يحتفل فيه بذكرى حادثة عزيزة أو دينية وسُمي العيد عيدًا لأنه يعود ويتكرر في كل عام، وقيل: بسبب عوده على المسلم بالفرحِ والسرور بعد الطاعةِ التي أداها للخالق (عز وجل). والعيد هو مناسبةٌ دينيةٌ سعيدة تدخل البهجة على قلوب المسلمين وهما عيدان، عيد الفطر المبارك وعيد الاضحى، وترتبط أعياد المسلمين بالعبادة حيث ُ إن العيد في الحقيقةِ هو شكر بعد إتمام أركان الإسلام. فعيد الفطر المبارك يأتي بعد اتمام المسلم نعمة الصيام، والصيام جزء من الدين وليس الدين بأكمله، والله سبحانه وتعالى يعود على المسلمين بمنه وإحسانه وفضله ومن إحسانه الذي يعود به على العباد هو الفطر بعد الامتناع عن الطعام ويبدأ به الإفطار للصائمين والامتناع عن كل الملذات الدنيوية التي تبعد الانسان عن دينه كغض البصر والنميمة والمحرمات وغيرها من الامور التي يجب انْ يمتنع َعنها المسلم في كل الايام وليس في شهر رمضان فحسب، ودفع زكاة الفطر لذا سُمي عيد الفطر بهذه التسمية. ويأتي عيد الأضحى المبارك بعد إتمام فريضة الحج في مكة المكرمة وبعد وقوف الحجاج على صعيد عرفة، وانّ الحج جزء من الدين وليس كل الدين، كما أن العيد هو ضيافة الرحمن لعباده الذين يظهرون الحب والشكر والطاعة والصلة بالله تبارك وتعالى، وسُمي بعيد الأضحى لأنه يضحي به الحجاج فيه بذبح الهدي ويُذكر عيد الأضحى المسلمين بقصة سيدنا إبراهيم (عليه السلام) عندما أراد أن يذبحَ ابنه أسماعيل عليه السلام امتثالاً لأمر الله الذي جاءه في الرؤيا وعندها همّ سيدنا إبراهيم (عليه السلام) بذلك فداه الله بكبش كبير وعليه يضحي المسلمون في كل عيد أضحى بإحدى الأنعام من البقر أو الضأن او الإبل ويوزعون ثلث لحومها –لزوماً- على الفقراء والمحتاجين اقتداءً بسيدنا إبراهيم (عليه السلام). عيد الغدير عيد الله الأكبر بعدما فرغ رسول الله من أداء مناسك الحج وانصرف المسلمون كل إلى مقصده وكان آخر نقطه تجمعهم جميعا هي منطقة غدير خم... أوقفهم النبي (صلى الله عليه وآله) في تلك البقعة من الأرض وكان ذلك صبيحة اليوم الثّامن عشر من ذي الحجّة حيث نزل إليه الأمين جبرئيل مبلغاً إيّاه بقول الحق جل وعلا : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، (١) وأمره أن يقيم علي بن ابي طالب عليه السلام علماً ووليا من بعده للنّاس ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطّاعة على كلّ أحدٍ، وكان أوائل القوم قريباً من الجحفة، فأمر رسول الله أن يردّ مَن تقدّم منهم ويحبس مَن تأخّر عنهم في ذلك المكان، حتّى نودي بصّلاة الظهر فصلّى رسول الله بالنّاس وكان يومًا هاجرًا يضع الرّجل بعض ردائه على رأسه، وبعضه تحت قدميه من شدّة الرّمضاء، فلمّا انصرف (صلّى الله عليه وآله) من صلاته قام خطيبًا بالمسلمين وأمرهم ان يجمعوا اقتاب الإبل وصعد عليها حيث يسمعه ويراه الجميع. وبدأ بتنفيذ أمر الإله وخطب بالناس وذكرهم بجهوده وتضحياته وآنه عن قريب يدعى فيجاب وآنه مخلف فيهم ثقلين وأنهم مسؤولون عنهما أمام الله تبارك وتعالى وهما كتاب الله والعترة: (اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي اهل بيتي) ولقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض... وسأل المسلمين جميعهم من أولى بالمؤمنين من أنفسهم فقالوا الله ورسوله فقام الرسول (صلى الله عليه وآله) حينها أخذ علياً وأمسك يده ورفعها حتى بان بياض ابطيهما وقال مرددا: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والي من ولاه وعادي من عاداه... وأعادها ثلاثا ... وقال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب... وأمر بخيمة نصبت وجلس بداخلها الإمام علي (عليه السلام) وأمر جميع من حضر أن يدخل عليه ويسلم بإمرة المؤمنين، حتى النساء دخلن وبايعن أمير المؤمنين (عليه السلام)... وما انصرف الناس من غدير خم إلّا وكلهم قد بايع عليا بإمرة المؤمنين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وبعدها نزلت الآية (اليومَ اكملتُ لكمْ دينكمْ واتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكمْ الإسلام َدينا) (٢) وهذا يعني أنّ الدين اكتمل تبليغه بإعلان ولاية علي على جميع المسلمين... وكما قلنا سُمي عيد الله الأكبر لان في هذا اليوم المبارك نزلت الآية المباركة "اليومَ اكملتُ لكم ْدِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عليكم ْ نعمتي ورضيت ُ لكم الإسلام َ ديناً". ففي هذا اليوم اكتمل الدين وتمت به النعمة وأيضا اكتمل به الإيمان. إذن فالولاية هي كمال الايمان كما قال الرسول (صلى الله عليه وآله) بحق أمير المؤمنين في معركة الخندق: "برزَ الأيمانُ كلُّه الى الشركِ كلِّه". وسُمي عيد الله الأكبر أيضاً لأنّ كل الأعياد يحتفلُ فيها المنافقُ والمسلم إلا عيد الغدير فلا يحتفل بها إلا المؤمن تأكيداً لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله):"لا يُحبك يا علي إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق". _________________ (١)سورة المائدة (٦٧) (٢)سورة المائدة (٣)

اخرى
منذ 3 أسابيع
184

تربيةُ الأُمّ الرساليّة للأولادِ/ واقعيّة التأثير والأسلوب

بقلم: مرتضى علي الحلّي تربيةُ الأُمّ الرساليّة للأولادِ تبدأ من مرحلة الحَمل والبطن والرضاعة في نظر القرآن الكريم. إذ إنّ القرآن الكريم قد عرض صورًا تربويّةً وقيميّةً واقعيّةً تحكي عن عظيم دور الأُمّ في صناعة الأولاد ذكورًا وإناثًا في ما يخصّ مرحلة التكوّن الجنيني والحَمل والوضع والرضاعة، والتي هي مراحل البناء الأولى في مختلف لُبناتها الاعتقاديّة والسلوكيّة والأسريّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة. قال الله تبارك وتعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلىٰ وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان 14] (إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران 35] (وَأَوْحَيْنا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص 7] وللتوضيح نقول: 1/من المعلوم واقعًا وتجربةً أنّ هذه العملية التربويّة والمسؤوليّة الشرعيّة والأخلاقيّة التي تتبناها الأمُّ لها ارتباطها الوثيق بشخصيّة الأم نفسها من حيث التزامها بالعقائد الواجبة عقلاً كالإيمان بوجود الله سبحانه وطاعته وعبادته ومعرفة دينه الحقّ وامتثالها تكاليفها الواجبة شرعًا، فبقدر ما تكون عليه من صلاح وتقوى ومعرفة واستقامة في هذه الأمور الضرورية ينعكس بقدر ذلك عطاء تربيتها للأولاد 2/في هذه الآيات الشريفة دلالات قيميّة تربويّة عظيمة جدًّا تعطي للأمّ دورًا أساسيًّا في صياغة شخصيّة المولود وشاكلته إن راعت معايير التربية وطرقها بصدقٍ وإخلاص وتطبيق وتُبيّن هذه الآيات الكريمة أنّ التربية تبدأ من المعاناة الأولى لتكوّن الجنين وحمله لمدة معيّنة، تُغذيه فيه الأمّ مما تتغذّى منه مطلقًا طعامًا وشرابًا وعاطفةً وحنانًا حتى تلده وترضعه وتشبعه. 3/وهنا أيضًا في هذه الآيات ثمة إشارة إلى أنّ على الأمّ الواعية والعارفة والصالحة أن تضع لها رؤى سديدة وتصوّرات مُستقبليّة في كيفيّة تربية الأولاد تربيةً عباديّة حقّة ومُستقيمةً يقوم على أسسها بُنيان الوليد قياما صالحاً وقويما كما في قصة امرأت عمران وتحرير ما في بطنها لله تعالى خالصًا وظهور ذلك الالتفات منها في شخصيّة الصدّيقة السيّدة مريم (عليها السلام) وأمرها التربوي والرسالي معروف. 4/ الأمر المهم المُلفت للنظر في هذه الآيات الشريفة أنّ على الأمّ الاهتمام برضاعة وليدها بنفسها أوّلاً، وهذا ما يُشير إلى مدى ترسيخ الزخم الروحي والعاطفي والنفسي والفسلجي في بُنية الرضيع من أوّل رضعة يتلقاها من أمّه، لذا ورد في الأثر ضرورة الاهتمام بطهارة اللبن والمُرضعة ودينها وأخلاقها لما لذلك من أثر كبير في صياغة شخصيّة الطفل إيجابًا وسلبًا. 5/ إنّ هذه الآيات الكريمة تقدّم للمُتلقي أسسًا تربويّةً مكينةً ترتبط بالأمّ ودورها في ذلك ارتباطًا خطيرًا، ومن الجدير بمن يهتم بالأمر التربوي من أوّل الامر الاهتمام بتوعية المرأة في تمثلاتها الأسريّة والاجتماعيّة ووظائفها في كلّ تمثّل يتجلّى فيها، فالأم التي تمكنت من تربية الأنبياء والرسل والنساء الصالحات لهي أقدر على تربية الجيل المُستقيم والفاضل. 6/لقد قدّمت هذه الآيات انطباعًا عاليًا وصادقًا وموثوقًا عن قدرة الأم على تربية الأولاد ذكوراً وإناثاً وفي مختلف الأحوال والظروف ولو بالاعتماد على نفسها والصمود أمام التحديات والصعاب التي قد تواجهها من المجتمع ومن السلطة اعتقادًا وفكرًا وطريقًا. 7/إنّ تركيز القرآن الكريم على أهميّة دور الأم في تربية الأولاد لا يعفي دور الأب في الأهميّة والأثر، ولكنه يُريد أن يُعزّز الثقةَ والإيمان بهذا الدور المهم الذي أنُيط بالأم من أوّل الأمر حملاً وبطنًا ورضاعةً. فالأم ليست وعاءً جسمانيًّا يحملُ ما فيه لمدّة ما وحسب، لا، بل هو وعاء رحمة وعطف وحنان وشفقة ينتهل منه وليدها ويشبّ عليه ويبقى لذلك أثره فيه أكثر من غيره.

اخرى
منذ 3 أسابيع
128

الحب العقيم

بقلم: أم ياسين الخزرجي من المعلوم أنَّ حبَّ أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ليس فطرة في نفوس المؤمنين فحسب بل هو فرض واجب من قبل الله تعالى ويعتبر جزءًا متممًا لمفهوم الولاء، فالله تبارك وتعالى لا يأمر بشيءٍ إلّا اذا كان موافقًا للفطرة الإنسانية ومنسجمًا معها وكان في صالح الإنسان ونفعه في الدنيا والآخرة. و من أوامر الله تعالى أنه أمر بمحبّة أهل بيت النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله) ومودّتهم كما في قوله تعالى:(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) (١) و قربى النبي محمد (صلى الله عليه وآله) هم: (علي وفاطمة و الحسن والحسين و التسعة المعصومين من ذرية الحسين عليهم السلام). كما ورد عن عبد الله بن عجلان، عن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" قال: هم الأئمة (عليهم السلام). (٢) وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله: حُبُّ أهل بيتي وذرّيتي استكمالُ الدين. (٣) ولكن هذا الحب جزء من مفهوم الولاء لهم (صلوات الله عليهم) بل لا يتم معنى الحب الذي ذكر في الآيات والروايات إلّا باشتماله على مفاهيم أخرى لازمة له وهما مفهوما (المعرفة والطاعة) فالمعرفة في حبهم (عليهم السلام) أمر لازم بل في كل حب، فالإنسان كيف يحب شيئاً وهو يجهله! كيف يتعلق بالمجهول! الحب يتطلب معرفة لا أقل المعرفة الإجمالية بحيث لو سئلت: لمَ تحب فلانا؟ لأجبت: لِكذا وكذا. الحب الفطري غير كافٍ –في العادة- في ديمومته واستمراره وجني ثماره؛ لأن الفطرة وإن كانت لا تنمحي كما قال تعالى(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (٤) وحب الإمام علي (عليه السلام) من الفطرة كما في الحديث: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق) (٥) والله فطر الإنسان على الإيمان كما ورد عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله (عز وجل): "حنفاء لله غير مشركين به"؟ قال: الحنيفية من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، قال: فطرهم على المعرفة به…) (٦) وفي رواية عن فضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله (عليهم السلام) عن الحب والبغض أمن الايمان هو؟ فقال: وهل الايمان إلا الحب والبغض؟ ثم تلا هذه الآية "وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ" (٧) إلّا أنها يمكن أن تندثر وتتلوث جراء الذنوب والمعاصي والتأثر بالشبهات فيحتاج الإنسان إلى درع حصينة تصون هذا الحب وتمنعه من الاندثار كي تحافظ على ديمومته واستمراره وتحصيل الفائدة منه. ولا يوجد حافظ له خير من المعرفة، كما ورد عن أبي سلمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمنا…) (٨) ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن المعرفة بهم أمر ضروري. حتى في أداء مراسيم الزيارة -وهي من مظاهر الولاء- تقول: (جئتك عارفا بحقك مستبصرا بشأنك…) (٩). والمراد من معرفتهم المعرفة التي تؤدي الى الله (عز وجل) كما جاء في الرواية عن جابر قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: "إنما يعرف الله (عز وجل) و يعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت ومن لا يعرف الله عز وجل و لا يعرف الامام منا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالا". (١٠) ومعرفته باسمه وصفاته وخصائصه من كونه إمامًا مفترض الطاعة منصّبًا من قبل الله (عز وجل) في القران وعلى لسان النبي محمد (صلى الله عليه وآله). كذلك بقراءة سيرتهم (عليهم السلام) والاطلاع عليها لنتعرف على اخلاقهم كي نتأسى بهم (صلوات الله وسلامه عليهم). فالحب بلا معرفة تجعلنا كالذين كانوا (قلوبهم معك و سيوفهم عليك) (١١). أما ما يخص متابعتهم (عليهم السلام) فضرورتها أجلى من أن تحتاج إلى دليل كيف وقد صرح القران بذلك (قُلْ إنْ كنتُم تُحبّونَ اللهَ فاتَّبِعُوني يُحبِبْكمُ الله) (١٢).وقوله تعالى: (ومَن يُطعِ اللهَ ورسولَه فقد فازَ فوزاً عظيماً) (١٣) وطاعة الأئمة (عليهم السلام) طاعة للرسول (صلى الله عليه وآله) لما ثبت في علم الكلام بأن الإمام نائب عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) بأمر من الله على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله) كما ذكر ذلك في الآيات القرانية واحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) أبرزها حديث الغدير. وقد ورد عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "قال لي: يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت، فو الله ما شيعتنا إلّا من اتقى الله وأطاعه وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء. قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحدًا بهذه الصفة، فقال: يا جابر لا تذهبن بك المذاهب حسب الرجل أن يقول: أحب عليا وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالًا؟ فلو قال: إني أحب رسول الله فرسول الله (صلى الله عليه وآله) خير من علي (عليه السلام) ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئاً، فاتقوا الله وأعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله (عز وجل) [وأكرمهم عليه] أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر والله ما يتقرب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة وما معنا براءة من النار ولا على الله لاحد من حجة، من كان لله مطيعا فهو لنا ولي ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع" (١٤) فالأئمة (عليهم السلام) يرشدوننا الى الحب الحقيقي الذي يرتقي بِنَا الى مدارج الكمال ولا نكون كالذي قدم على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إني أحبك وأحب فلانا، وسمى بعض أعدائه، فقال (عليه السلام): أما الان فأنت أعور، فأما أن تعمي وإما أن تبصر. (١٥). فالحب بلا متابعة حب عقيم. وقد ورد ذلك في الأبيات الشعرية تعصي الاله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع (١٦). و خير ما ينفعنا اليوم نحن كموالين في عصر الغيبة الكبرى أن نعرف إمام زماننا وهو الحجة ابن الحسن المهدي (عجل الله فرجه الشريف) نقرأ عن غيبته وظهوره سيما دورنا في غيبته وذلك يتم بمتابعته (عليه السلام) عن طريق السير على نهجه وأداء التكاليف الشرعية الملقاة على عاتقنا والتخلق بأخلاقه (عليه السلام) من خلال بناء عقيدة صحيحة والرجوع الى نائبه الجامع للشرائط في غيبته و اتباع أوامره لنحرز رضا الله (عز وجل) ورضا مولانا الحجة بن الحسن (روحي فداه) لنكون بذلك قد بايعنا الإمام علي (عليه السلام) في يوم الغدير حق بيعته. —————— (١) الشورى ٢٣. (٢) الكافي ج١ ص٤١٣. (٣) بحار الانوار ج٩ ص ٢٩٨. (٤) الروم ٣٠. (٥) علل الشرائع ج١ ص١٤٥. (٦) الكافي ج٢ص ١٣. (٧) الكافي ج٢ص١٢٤. (٨) الكافي ج١ ص ١٨٧. (٩) الكافي ج٤ص٥٦٩باب ما يقال عند قبر امير المؤمنين عليه السلام. (١٠) الكافي ج١ ص ١٨١. (١١) مقتل الحسين (ع) لأبي مخنف ص٦٨. (١٢) ال عمران ٣١. (١٣) الأحزاب٧١. (١٤) الكافي ج٢ص٧٤. (١٥) بحار الانوار ج٢٧ ص٥٨. (١٦) بحار الانوار ج٤٧ ص٢٤

اخرى
منذ 3 أسابيع
180

الإمامة روح الإسلام

بقلم: رضا الله غايتي لم يبعث الله تعالى رسولًا من رسله (عليهم السلام) إلا ومن أَولى أولوياته الدعوة إلى عبادة الله (جل وعلا) الواحد الأحد التي تسهم في الارتقاء بالبواطن البشرية وتحقيق العدالة الاجتماعية. قال تعالى: "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" (النحل36) وقد شاءت حكمته (عز وجل) أن تُختم الأديان السماوية بدينٍ ذي محتوى رصين، ومنطقٍ متين، تخضع له كل الأديان السماوية المحرفة، وينتصر على جميع الأفكار الأرضية المنحرفة. دينٌ به لا يُعبد على الأرض سوى الله الواحد، ذلك هو دين الإسلام الخالد، إذ قال: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله" (التوبة33، الفتح28، الصف9) وبذا كان دين الإسلام علةً لتحقيق حلم جميع الأنبياء والأولياء (عليهم السلام). ومن المعلوم أن العلة في حال تمامها -أي تحققها بجميع أجزائها (المقتضي واجتماع الشرائط وارتفاع الموانع)- لا يمكن أن ينفك عنها المعلول أبدًا، فإن تحققت تحقق وإلا فلا. وقد أجمع مفسرو الإمامية أن دين الإسلام لم يكمل ولم يرضَ الله تعالى به دينًا إلا بعد تنصيب الإمام علي (عليه السلام) في غدير خم، وقد وافق هذا التفسير روايات صحيحة عند أهل السنة منها ما نقله (الحافظ «أبو نعيم الأصفهاني» في كتاب «ما نزل من القرآن بحق علي(عليه السلام)» عن «أبي سعيد الخدري» وهو صحابي معروف -أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) أعطى في «يوم غدير خم» عليًّا منصب الولاية، وأنّ الناس في ذلك اليوم لم يكادوا ليتفرقوا حتى نزلت آية "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" فقال النّبي (صلى الله عليه وآله) في تلك اللحظة: «الله أكبر على إِكمال الدين وإِتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي(عليه السلام) من بعدي» ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله» (1). كما روى «الخطيب البغدادي» في «تاريخه» عن «أبي هريرة» عن النّبي (صلى الله عليه وآله): أنّ آية "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...." نزلت عقيب حادثة «غدير خم» والعهد بالولاية لعلي (عليه السلام) وقول عمر بن الخطاب: «بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم» (2). ولقد حاول المخالفون جهدهم قصر كلمة المولى في الحديث أعلاه على معنى المحب فقط؛ لانتزاع مقام الإمامة منه (عليه السلام). ويا لها من محاولةٍ بائسة هي أشبه بمحاولة حجب ضوء الشمس بغربال! فبالرغم من أنّ كلمة (المولى) مشترك لفظي إلا أنّ القرائن الحالية والمقالية في الواقعة تؤكد أنّ المعنى المراد هو الأولى بالتصرف؛ ولذا وجب على من يخالف ذلك أن يثبت بالدليل صحة دعواه، ودونه خرط القتاد. وعليه فقد أصبح الإسلام علةً تامة بجزأين أساسيين هما: البعثة النبوية ويوم الغدير. فلولا وجود البعثة لما كان الإسلام، ولولا يوم الغدير لما كَمُل، ولكان علة ناقصة. والعلة الناقصة لا يلزم منها وجود المعلول وهو إظهار دين الإسلام على الدين كله. من هنا يمكننا فهم جعله سبحانه عدم تبليغ الإمامة بمنزلة عدم تبليغ الرسالة من رأس. إذ قال سبحانه: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ" (المائدة67) أضف إلى ذلك أن الإمامة هي الامتداد الشرعي للنبوة؛ فهي التي تصون الدين من أن تطاله يد التحريف، وتذود عنه، وتفنّد كل ما ينسب إليه من أباطيل وتزييف، بل وأن من سيظهر الدين على يديه إنما هو إمامٌ (عجل الله فرجه الشريف). لكل ذلك: إن كان الإسلام قالبًا فقلبه الغدير، وإن كان جسدًا فروحه الغدير... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)الغدير العلامة الأميني ص232 نقلًا عن الأمثل ج3 ص588 (2) المصدر السابق ص233

اخرى
منذ 3 أسابيع
170

الغدير المنتظِر...

بقلم: العلوية شهد غدير أنا في وسط صحراءٍ مقفرة موحشة ينساب مائي عذبًا يتهادى بين ضفتيّ فراتًا. تحيط بي النخيل الشامخات ملجأ للطير من حر الصيف، يحط المسافرين عندي لينكثوا أتعاب سفرهم، بين مكة والجحفة مكاني، ويطلقون عليّ غدير خم... شاء الله أن يشرفني ويقرن اسمي باسم خير خلقه كرمني بمحمد وعلي (عليهما السلام)، ومن أنا حتى أنال هذه الكرامة! كل ما سأذكره هو شذرة من يوم تعجز الكلمات عن وصفه، اليوم الذي صادف الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة... أطلّا عليَّ بنورهما (صلوات الله عليهما) في مائة آلافٍ أو يزيدون من حجاج مكة ضيوف الله الذين بدت عليهم أتعاب السفر، وجدوا في ضفتي شفاء لبعض أتعابهم، انتشروا هنا وهناك يروون ظمأ قلوبهم، كانت الوجوه تعتريها حيرة عجيبة في المؤمنين منهم، كانت مصحوبة بحزن عميق ينتظرون من رسول الله أن يستنقذهم ولا يتركهم في حيرتهم. بينما المنافقون كانت حيرتهم في أنه كيف يعيدون سطوع نجمهم الآفل الذي حجبه محمد (صلى الله عليه وآله) بعد أن نعى لهم نفسه... نعم هذا ما فهمته من همسات كلماتهم... رسول الله ودع البيت الحرام وأخبرهم أنها حجة الوداع بعد أن علمهم مناسكهم... ضاق بي الكون الرحب من أثرِ كلماتهم وما زاد في ألمي وأنا أسمع أصوات من أرادوا أن ينقلبوا على أعقابهم حاولت أن أصرخ فيهم بأعلى صوتي لكني تذكرت أنهم لا يفقهون صوت أمواجي، أردت أن أزجرهم أن أُذكرهم بقوله: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ } (1) لكن وا حسرتاه... بعد هنيئة هموا بتوديع بعضهم البعض فكل قبيلة سلكت طريقها وتفرقوا، وإذا بأمر من رسول الله (عليه وآله صلوات الله): أن ردُّوا من تقدم وأحبسوا من تأخر... عادوا واصطفوا متعجبين متحيرين، في عقولهم تدور دوامة من الأسئلة، ولا أخفي عليكم كنت أشد منهم حيرة لابد أن يكون أمرًا عظيمًا حتى أمر الرسول بعودتهم... اصطفوا وحجبوا الرسول عني إلّا أن نوره لا يحجب، فكان أشد نورًا من الشمس الساطعة في تلك الظهيرة، ساد فيهم هدوء شديد وكأن على رؤوسهم الطير والعيون تربوا صوب رسول الله الذي صعد منبرًا صنعه صحبه من الأمتعة، قام فيهم خطيبًا والأبصار شاخصة ينظرون إلى من استنقذهم من جاهليتهم هل يأخذ بأيديهم مرة أخرى الى طريق الحق والصواب ويهديهم الى الصراط المستقيم؟ حمد الله وأثنا عليه بصوتٍ وصل أسماع الجميع بألوفهم، كان قرآنًا ناطقًا يصدح فيهم كلما توغل في حديثه أكثر شدت إليه القلوب والأبصار أكثر وكنت أشدهم تركيزًا... بعد لحظات سرت فيهم همهمة فهمت أن شيئاً ما يحدث على تلة الأمتعة تلك، لم أفهم ما يجري حتى سمعتهم يتهامسون: إنه علي... إنه علي، كان لهذا الاسم وقع عجيب على قلبي، تهدأ النفوس عند ذكره، أعرفه جيدًا ومن لا يعرف قالع باب خيبر محطم الأصنام وزوج البتول الطاهرة وأخ رسول الله (صلوات الله عليه وآله) فهمت أن رسول الله أشار اليه أن يصعد الى جنبه، رفع يده عاليًا حتى بان بياض إبطيهما للجميع... قطع همهماتهم صوت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينساب بنداء اخترق الزمن، لاح معه هدوءٌ شديد لا يسمع إلّا صوت رسول الله، قالها، نعم قالها: - إيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ ما كان لهم إلا أن قالوا: الله ورسوله أعلم... وعاد صمتهم الذي قطعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرة أخرى - إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنتُ مولاه فعلي مولاه. لقد بلغهم النبأ العظيم وهداهم الصراط المستقيم وأعطاهم الوسيلة الى الله لمن (شاء أن يتخذ الى ربه سبيلا)(٢). لاحت فرحة في قلوب المؤمنين حتى انعكست على وجوههم فأنارتها بنور الولاية فهذا رسول الله يخرجهم من حيرتهم ويهديهم صراطًا مستقيمًا لن يضلوا بعده أبدًا، ثم زادهم: (اللهم والِ من ولاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله) واعتلت الأصوات مهنئة للأمير، بخ بخ لك يا علي أصبحت مولى للمؤمنين… وكما نفوس المؤمنين كنت أنا، ولكن أنا لا استطيع أن أقوم مثلهم وأصافحه وأهنئه لكنه يختلف عنهم هو يفهمني جيدًا كما يفهم الأشجار التي حولي والطيور، لقد كان له معنا حديث فنحن أُسَراء حبه، راح كل منا يهنئه بلغته وأنا هنأته بلغة أمواجي… ما زاد فرحي أن رسول الله أمر أن ينصبوا خيمة ليأخذ البيعة لعلي (عليه السلام) وهذا يعني إني سأحظى بوقت أطول قرب محمد وعلي (صلوات الله عليهم). وانقضت أجمل ثلاثة أيام في عمري بجوار رسول الله وعلي (صلوات الله عليهما) أرى الناس يدخلون بأمر رسول الله (صلوات الله عليه) الخيمة يبايعون عليًّا (عليه السلام) بالإمارة والخلافة ... أنا الغدير الذي يشهد لعلي بالخلافة والإمارة… أنا الغدير الذي كرمني الله بمحمد وعلي (صلوات الله عليهما) فأعلى شأني وذكري… أنا الغدير الذي ينتظر منذ ألف سنة ابنًا لعلي يقال له: القائم، ليأتي ويأخذ حقي من كل من أنكرني ... ____________ ١-ال عمران أية ١٤٤ ٢-الفرقان أية ٥٧

اخرى
منذ 3 أسابيع
80

يتصدر الان

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
11440

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
11284

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
11258

الطفل في المهد هو مشروع رجل المستقبل

إذا كان فلاسفة التربية الحديثة يجعلون الطفل ورقة بيضاء فإن الامام علي (عليه السلام) يجعله كالأرض ولاريب أن الامام كان أكثر عمقاً. ذلك لأن الورقة البيضاء تفتقر إلى عناصر البناء في حين أن الأرض تختزن عناصر الحياة فالطفل عندما يولد تكون فيه مثل هذه العناصر الحياتية ويكون لديه استعداد طيب للتفاعل مع محيطه، وبما أن محيطه الأول هو الأسرة لذلك يبدأ الإسلام على مستوى هذه الأسرة التي يتسلم زمامها بالدرجة الأولى الرجل على أساس أن القيمومة بيده شرط أن لا تكون صلاحيته مطلقة بل تكون مقيدة بما يفرضه عليه الشرع من حسن المعاشرة والعدالة والإحسان والرأفة والرحمة في عالم الاسرة، ومنه نعلم أن القيمومة للرجل ليس فيها انتقاص من دور المرأة. ولعل دور المرأة في الأسرة أخطر وأهم من دور الرجل؛ نظراً لضخامة المسؤوليات التي ينبغي لها أن تنهض بها، لا سيما أنها في بيتها ملكة غير متوجة لهذه الخلية. إن أول موضوع تربوي يهتم به الإسلام في باب تكوين الأسرة، بل ويعطيه الأولوية من حيث الأهمية هو اختيار الزوجة الصالحة التي سوف تصبح أماً وحاضنة لأولاد المستقبل. فيشير عليك ب(إذا أردت أن تخطب لنفسك فانظر أين تضع نفسك) حتى تكون الذرية صالحة، لأن المرأة التي تهز المهد بيمينها هي تهز العالم بشمالها… إن هذا الموجود الذي تراه طفلاً هو في حقيقته مرآة المستقبل. قد يتبوأ مناصب عالية يقود مجتمع واجيال، فإذا كان طيباً شمل خيره كل الناس. وإذا كان خبيثاً نشر الدمار والخراب في مجتمعه. لذلك يجب أن نعطي مسألة التربية كل اهتمامنا وأولوياتنا؛ باعتبار أن الطفل ليس مجرد ولد صغير أنت تقوم على تربيته كيفما دارت الأحوال. وإنما هو جرم صغير انطوى فيه عالم كبير من النظريات التي ستكون يوماً ما واقعاً ملموساً. وعلى هذا الأساس تكون مسؤوليتنا جسيمة أمام الله وأمام المجتمع. فانظر أين تضع نفسك. الإسلام والتربية: كل من طالع تاريخ الإسلام يجد أنه وخلال قرون قليلة استطاع أن يقدم إنجازاً حضارياً من الطراز الأول في بناء الإنسان… وبالتالي في بناء المجتمع وإقامة الحضارة الإنسانية الإسلامية… التي أنارت للبشرية دروبها ومسالكها ومعالم حياتها في شتى مجالات الحياة ولقرون متمادية، قبل أن يصاب بالانتكاسة السياسية والاخلاقية لأسباب ليس هذا محل ذكرها… وبتأمل قليل نجد أن الفضل في تقدمه وتطوره ذلك يعود إلى أسباب عديدة من أهمها مناهجه التربوية الصحيحة والخلاقة… إن الإسلام يرى أن المجتمع يتكون من أفراد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) سورة الحجرات. ويتم التكاثر تحت ظل قانون سماوي هو الزواج الشرعي. ويرى أن السلوكيات الخارجية تمثل أرضية للمستقبل… فإذا زرعت فيها ورداً فسوف تجني منها الورد… وإذا غرست شوكاً فلن تحصل منها على الليمون… والطفل يمثل الحلقة الأولى في تلك السلوكيات… لذلك لابد من النظر إليه على هذا الاساس، وعلى المجتمع أن يعي هذه الحقيقة…. فالدين الإسلامي يعطي للتربية أولوية قصوى... وله في ذلك منهج اعتمده الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام) . ولخّص ذلك الموقف بقوله: صلى الله عليه واله :(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) إن جوهر الرسالة المحمدية هي التربية والأخلاق بما يتضمن ذلك من بناء الإنسان نفسياً وروحياً واجتماعياً. ومن الواضح أنه يترتب على هذا المنهج إمكانية الأمر والنهي والأحكام والفصل في أمور الحياة... مما فرضه الإسلام على اتباعه. ومن خلال البحث نجد أن أولوية التربية مرتبطة بموقف فلسفي يتلخص بأن للرسالات والتشريعات والعلوم محوراً اساسياً هو الإنسان. فالإسلام يتوجه للإنسان من دون المخلوقات الأخرى لأن له دوراً في الحياة والعلوم والتشريعات والقوانين، فكل هذه المفاهيم مرتبطة دائماً بالإنسان ولا شيء غيره. فلا تنحصر مسؤولية الآباء في توفير المعيشة المادية للأطفال، بل إن مسؤوليتهم تبدأ بتربيتهم تربية إيمانية صالحة؛ فأن تاديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الاهتمام باحتياجاتهم الجسدية رغم أهميتها. يقول الإمام عليه السلام (ما نحل والد ولداً نحلاً أفضل من أدب حسن) (1) وعنه (عليه السلام): (لاميراث كالأدب) (2) إن فطرة الإنسان من منظار قرآني وروائي تتقبل الإسلام وكل مايتعلق به من تشريعات. ومعنى ذلك أن الإسلام وتفصيلاته وقوانينه هي اشياء مقبولة في أصل وفطرة وأعماق الإنسان. وهذا يعني أن انحراف الإنسان عن تلك الفطرة لا بد أن يكون له أسبابه الواقعية الخارجة عن ذات الإنسان. ومن تلك الأسباب تقصير أبويه في الطفولة وسوء تعامل أساتذته في الصبا ورداءة المحيط الاجتماعي الذي يعيشه. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) )سورة الروم وهو ما يشير إليه الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطره حتى يكون ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه) إن كل طفل يولد على أساس الفطرة الاسلامية، أي أنه يولد طيب النفس طاهر الروح نقي القلب محباً لعبادة الله تعالى، فإذا انحرف فيما بعد عرفنا أن ثمة أسباباً كانت وراء انحرافه، كأن يكون أبواه قصّرا في طهارة نطفته التي تكوّن منها بتناول الزاد الحرام، أو ممارسة الفعل الحرام وبما غذّياه الحرام أو سقياه الحرام بعد الولادة او رآهمها يفعلان ما لا يحسن أن يراه منهما عند بداية إدراكه فتأثر بهما واقتفى ما ليس له به علم من فعلهما، وكأن يكون قد رافق رفقاء سوء فأوحوا إليه من الأفعال ما جعل منه بعيداً عن تلك الفطرة. من هنا، تتبين أهمية ما نبهنا (عليه الإسلام) في تربوياته من أهمية دور الأبوين والمحيط الأسري والاجتماعي في تربية الطفل ورسم سلوكه المستقبلي. وأن كل من يُقَصِّر في دوره الملقى عليه في التربية، فإنه سيلاقي نتيجة تقصيره في عاجل الدنيا أو آجلها. لقد ذكر العلامة المجلسي في كتاب(حلية المتقين) بعضاً من الروايات التي تتطرق إلى هذه المواضيع ومنها، قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)(الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه) إن الإسلام وضع نُظُماً وحدوداً وقوانين تقف حائلاً دون ظهور نسل فاسد وناقص جسمياً ونفسياً. وإذا طبقت هذه القوانين قَلّتْ هذه الانحرافات والخلافات الشرعية والأخطاء. فإذا أحسن الأبوان التربية قلّ ظهور الأولاد المنحرفين... وكذا لو توفّرت الظروف الاجتماعية والثقافية التي تتناسب مع الفطرة الإنسانية. عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) (3) فليست تربية الأطفال واجباً وطنياً وإنسانياً فحسب، بل إنها فريضة روحية مقدسة وواجب شرعي لايمكن الافلات منه. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسوؤلية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشأة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) (ويجب للولد على والده ثلاث خصال : اختياره لوالدته وتحسين اسمه والمبالغة في تاديبه) (4) ويمكن أن نفهم من هذا الحديث أن تأديب الولد حق وواجب في عاتق أبيه. ولذلك تجد أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يُعلِّمنا أن ندعو الله عز وجل ليعيننا على أداء هذه المهمة. لكن ومع الأسف أن الواقع في كثير من الأحيان يختلف عن هذه التعاليم، ما أكثر الأمهات اللاتي يُعلّمنَ أطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الأهوج منذ الصغر. فيظل الأطفال مأسورين لتلك الأخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم . وما أكثر الآباء المجرمين اللذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية ويصطحبون أطفالهم إلى مجالس اللهو والعبث، ويرتكبون الأفعال القبيحة أمام عيونهم. وعلى أية حال فشقاوة وسعادة الأبناء ترتبط ارتباطا كبيراً بالأب والأم… التربية بعد الولادة: تؤثر على السعادة البشرية عدة عوامل يسميها بعض العلماء بمثلث مؤثرات الشخصية، وهي الوراثة والتربية والمجتمع. ولكن الملاحظة المهمة هنا هي أن أهمية التربية قد تتجاوز أهمية الوراثة والمجتمع إلى درجة أن بإمكانها أن توقف قانون الوراثة وتأثير المجتمع إلى حد ما فتتغلب عليهما إلّا في الموارد التي تكون الصفات الوراثية ذات طابع حتمي (أي لايمكن أن تتغير في الطفل مهما كانت العوامل الأخرى قوية أو كان ضغط المجتمع يتجاوز الحدود الطبيعية) وفي الحقيقة فإن معاملة الأبناء فن يستعصي على كثير من الآباء والأمهات في فترة من فترات الحياة، وكثيراً ما يتسائل الآباء عن السبل الناجعة للتعامل مع أبنائهم. إن أطفالنا جواهر، ويمكننا تربيتهم والحفاظ عليهم حسب ما رفدنا به الإسلام من نظم وقوانين، ولكن المفارقة هنا هي أن الكثير من الآباء هم الذين يحتاجون إلى توجيه قبل الأبناء. ولذلك يمكن أن نتجرأ ونقول بأن هناك الكثير من الأولاد إنما جاء فسادهم من خطأ الأباء في تربيتهم وإهمالهم وترك تعليمهم الطريق الصحيح. لقد أثبت الباحثون بشكل قاطع تأثير السنين الأولى من العمر على حياة الإنسان المستقبلية، فإحساس الولد بنفسه يأتي من خلال معاملتك له. فإن أنت أشعرته أنه ولد طيب وأحسسته بمحبتك فإنه سيكون عن نفسه فكرة أنه إنسان طيب مكرم، أما إذا كنت قليل الصبر معه وتنهال عليه باللوم والتوبيخ ليل نهار فإنك ستشعره بأنه (ولد غير طيب ) وربما ينتهي الأمر به إلى أمراض نفسية كالكآبة والإحباط أو التمرد والعصيان. لا بد أن نعرف أن هناك فرقاً بين ذات الإنسان وسلوكه، فذاته مكرّمة وعظية، أما السلوك فقد ينحرف عما رسمه الشرع والعقل له، وعلينا أن نوصل هذه الفكرة للطفل، ونوحي له بأن حسابنا معه حساب سلوك لا ذات. روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): قال داود (عليه السلام): إلهي، كن لابني كما كنت لي. فأوحى الله اليه: ياداود قل لابنك: يكن لي كما كنت لي، أكن له كما كنتُ لك. وصايا ملكوتية: عليك أيها الأب أن تأخذ بيد أبنائك لطريق الله عز وجل، وأن تعلمهم أن يبتعدوا عن غيره من الطرق الملتوية. اغرس في قلوبهم تقوى الله وساعدهم على أن يبرّوك عندما تكبر وتشيخ. تذكر دوماً أن أولادك أمانة عندك وأنهم سيغادرون منزلك بعد وقت قصير فاحرص على تربيتهم وتوجيهم، أعطهم وقتك وانتباهك، ادرس نفسياتهم وشخصياتهم، فأن ذلك يساعدك في تربيتهم، وإذا مررت بظرف عسير فأعلم أن ذلك عابر. من المهم أن يعرف الأبوان كيف يتجاوبان برفق في وقت الرفق وبحزم في وقت الحزم، كما ينبغي أن تكون معاملة الوالدين وفق مبادى ثابتة. وأن يحرصوا على حب أطفالهم ولكن بحكمة. ينبغي على الأم أن لاتعتمد على سلطة الأب وهيمنته في تهديد أولادها وعقابهم، فيصبح الأب كما قال بعض أخصائيي التربية (في نظر ابنه كالشرطي للمجرم لا صلة بينهما إلا عند الاختلاف في الرغبات) ينبغي أن لا يظهر الزوجان خلافاتهم أمام أبنائهم، فأن ذلك قد يضعف نفوذهما أمام أولادهما وقد يستثمره الولد لمصلحته فيتمادى في أخطائه. يجب أن تترسخ لدى الطفل فكرة أن سلطة أبويه هي سلطة واحدة تتبادل الأدوار حسب الظرف الموضوعي. إن من أهم القضايا التي تثير اهتمام العاملين بالمنهج الإسلامي هي قضية الطفل المسلم في منهجك التربوي، يجب أن تضع نصب عينيك أحدث الطرق التربوية التي تنسجم مع النظرة الإسلامية للإنسان في بناء شخصيته الفكرية والروحية والعملية، وفي الأجواء التي يجب أن تثيرها من حوله من أجل أن يتغذّى سلوكه بجو علمي تربوي خاص. كما يتغذى بالكلمة وبالصورة. فكل هذا الوسائل لها تأثيرها في خلق أجواء مناسبة تساعد في تربية الطفل وتسهل الأمر على الوالدين، وعلى الشخص الذي يمارس عملية التربية أن يتحرك في موقع مناسب لصنع الجو المناسب للطفل. ونحتاج في سبيل الوصول إلى تربية نموذجية إسلامية إلى دراسة ودراية واطلاع واستفادة مما ينصح به أصحاب الخبرة في هذا المجال، كل ذلك من أجل صنع جيل إسلامي يعيش في خدمة الحياة والإنسان على أساس كلمة الله والسير على تأدية ما أراد الله منه. إن الدين الإسلامي يعلمنا كيف نربي أبناءنا ليكونوا مواطنين سعداء في دنياهم، ليس هذا فحسب، بل لكي نكسب ويكسبوا بنا الآخرة أيضاً. لأن الولد الذي يكون سبباً في إيذا الناس وإيذاء نفسه فهذا يتحمل بعض ذنبه الآباء إذا لم يكونوا قد قاموا بتربيته التربية الصالحة، كما حدث في إحدى المدن العربية أن لصاً محترفاً بعد أن سرق العديد من المنازل وأحدث الرعب في قلوب الناس، لأنه لم يكن يسرق فقط بل كان يهددهم بالقتل لو شعر بالخطر، وبعد أن وقع في يدي رجال الشرطة وحكم عليه القضاء بإصدار حكم الموت شنقاً طلب السارق من رجال الشرطة قلماً وورقة فأحضروا له ذلك وعكف على كتابة بعض السطور وقد جاء فيها: (هذا ما دفعني إليه والدي.. الذي تركني منذ طفولتي ولم يحسن أدبي وتربيتي) إن الأب هو المسوؤل الأول عما يفعله الابن، ولايعني ذلك بالطبع تبرأة الابن، إنما الذي نريد قوله أن الآباء يتحملون قسماً كبيراً من المسؤولية لمكان ولايتهم على أبنائهم قال الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق عن حق الولد على الوالد: (فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ) والوجدان شاهد على انه إن عمل ابنك عملاً حسناً قال له الناس: رحم الله والديك. وإن عمل سوءاً ألقى الناس اللوم على أبيه. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه. قال أحد الخبراء في علم التربية: إن الخطورة تكمن ليس في أن الآباء يجهلون مسؤوليتهم تجاه الأبناء فقط وإنما في غفلتهم. ولربما يحدث ذلك لانشغالهم في أمور المعيشة، وبالتالي فإنهم لايقومون بتأدية واجبهم على أحسن ما يرام. وخاصة إذا كان الأبوان كلاهما يعمل ويرجع في آخر النهار متعباً مرهقاً… فهذا يؤدي بالتأكيد إلى التقصير في حق الأبناء في التربية… ويغدو الابن ضحية… وسيتعلم أخلاق وسلوكيات الشخص الذي يعتني به سواء بالحضانة أو الروضة أو المدرسة، طبعاً لانقصد من هذا أنه يجب على الأم والأب الجلوس وعدم العمل… ولكن يجب عليهم الموازنة بين حق العمل وحق الولد… هناك أمور عديدة يجهلها الآباء في التربية منها: - تشوّش الرؤية وغياب الهدف الواضح للتربية. -عدم الإلمام الكامل بمعرفة الأسس الفنية في معاملة الأبناء والتأثير فيهم. -غياب المقياس والمثل العليا للتربية المطلوبة أو الشعور بإيفاء حق التربية والواقع يكون عكس ذلك. -إهمال دور الأم وعدم إعدادها. -ضحالة ثقافة الوالدين وقصور وعيهما وتحاربهما. ومنه، نعلم أنه يلزم على ألآباء اعطاء فرصة للأولاد لتكوين شخصيتهم ومساعدتهم في ذلك. وخير مثال على ذلك عند امير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث كان يسأل أولاده بحضور الناس بعض المسائل العلمية، وربما كان يحيل الجواب عن أسئلة الناس إليهم. وهذا الشي يعطي نتائج مهمة في التربية أهمها احترام الأولاد وإحياء شخصيتهم وتكوين ذاتهم. فمثلما يجب احترام حق الكبار، يجب احترام حق الصغار. بينما الواقع الذي نعيشه في معاملة الأبناء عكس ذلك تماما عند البعض..... إن بعض الآباء يعيشون خارج دائرة التربية، ففي سبيل راحتهم أو رغباتهم أو في سبيل عملهم قد يهملون تربية أولادهم ولايفكرون بأنهم بهذا الأسلوب سوف يسيرون بأولادهم نحو الشقاء وتدمير مستقبلهم وأخلاقهم وخاصة في مجتمعاتنا التي تكون أكثر العوائل في بدايتها يعيشون مع أهاليهم، فضيق المكان يجعلهم يقسون على أطفالهم من أجل راحتهم أو أن يتحكم اكثر من فرد داخل الأسرة في تربية الطفل واستعمال الأسلوب الخاطئ أو الضرب أو العقوبة بدون سبب فكل هذا يتسبب بتكوين شخصية مهزوزة وضعيفة لدى الأطفال. إن التربية الواعية هي التربية المبنية على الأسس الأخلاقية التي ترشد الإنسان أن لوجوده قيمة جوهرية لا يمكنه أن يتغافل عنها في حياته وهي الطريق لتخريج أفراد لا يضيّعون حياتهم في التوافه، وإنما يتعاملون مع وجودهم بالطريقة التي تتحقق فيها أهداف حياتهم البنّاءة وبالتالي يمكننا أن نتحدث عن المجتمع الذي يصبح قابلاً للحياة لإدراكه ويعرف لماذا يعيش وكيف يعيش. وتربية الفرد تبدأ منذ نعومة أظفاره بالتدريج السليم المطابق للأصول التربوية والعقائدية والأخلاقية، ومن هنا علينا أن نهتم بتربية أطفالنا على هذا النحو والأسلوب الذي يحقق الآمال المعلقة على الأجيال القادمة في الوصول إلى إرساء قواعد جديدة للتعامل على مستوى الفرد أو الأمة، فلا يعود الفرد ولا تعود الأمة فريسة بيد العابثين المستهترين بمصائر الناس من أجل تحقيق المصالح الشخصية أو الفئوية على حساب جهل الناس لقيمة الحياة. هناك آثار سلبية كثيرة تترتب على عدم احترام شخصية الولد، ومن أهمها تلك التي تتعلق في نفوس الأطفال، مثل عقدة الحقارة واهتزاز الشخصية وما شابه ذلك من صفات نفسية خطيرة تهدد كيان الطفل وتلاحقه حتى خريف عمره. بينما تستطيع أنت أيها الاب وأنتِ أيتها الام أن تكونا بمعزل عن كل تلك الآثار السيئة والنتائج السلبية بفعل شيء واحد وهو: الاحترام ولايعتقد أحد بأن احترامه لولده يلحق به ضرراً أو يسئ إلى سمعته. ترى ماذا سيحدث لو اصطحب الأب ولده إلى المجالس التي يحضرها الكبار؟ وماذا يحدث لو تعامل الوالد مع ولده على أساس من الاحترام والتقدير؟ وماذا يحدث لو احترم الكبار الصغار؟ هل يحدث غير النتائج الحميدة والطيبة التي تترك أثراً سحرياً في نفوس الأبناء وتسير بهم إلى مدارج العظمة والكمال؟ يجدر بنا أن نسجل هذه الفكرة التي تقول: إن قيمة الاحترام تظهر ويبرز أثرها النفسي حينما يتمثل الكبار باحترام الصغار. وإلّا فإن احترام الصغار للكبار أمر طبيعي مفروغ منه. فإن عظمة التواضع تبرز حينما يتواضع العظيم للداني والكبير للصغير، فلو احترم الصغير الكبير وزهد الفقير وتواضع الحقير حينئذ لا يكون قد صدر منهم أي فعل ذي بال يشار إليه بالتقدير والتعظيم، ولا أقل عند سواد الناس. ولكن العظمة حينما يحترم الإنسان من هو أصغر منه، ويتواضع لمن هو أدنى منه منزلة، وقد ورد في سيرة أعظم رجل عرفته الإنسانية وهو النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) أنه كان يصافح الغني والفقير والصغير والكبير، ويسلم مبتدءاً على كل من لقيه من صغير أو كبير أسود أو أحمر، حراً أو عبداً، وكان يقول في ذلك: ليكون سنة من بعدي. إن لاحترام الأبناء نتائج ايجابية كثيرة، وباستطاعة أي أب أن يجرب ذلك، فلو كنت تريد من ابنك خدمة ما، فاطلب ذلك منه باحترام...وأومئ إليه بالثقة ثم اطلب منه ما تريد وانظر كيف ستكون النتيجة. هذا بالإضافة إلى أن الأبناء سيبادلون الآباء ذلك الإحساس، وسيعاملون آبائهم كما تعلموا وتعودوا عليه. لذلك فالأب حر في اختيار الطريقة التي يرغب أن يعامله بها ابناؤه في صغرهم وعند الكبر، تماماً كما أنك لاتستطيع أن تسحب مقداراً معيناً من المال من البنك إلا إذا كان لديك رصيد سابق قد أودعته فلا تستطيع أن تطالب أبناءك أو أي إنسان آخر بالاحترام وأنت لم تودع الاحترام في بنوكهم ولم تمنحهم الاهتمام. وهو مفاد ما ورد من الأمر بمعونة الأبناء على تعليمهم بر الآباء فاهتم بهم يهتموا بك، واحترمهم يحترموك، يقول الامام علي (عليه السلام ): (إجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب) إن هذه حقيقة حتمية وسنة كونية لايمكن تبديلها. (فمن جد وجد ومن زرع حصد) الأطفال هم فلذات الأكباد وريحانة الحياة وزهور الربيع وبلسم الجروح، وهم ذخر الإنسانية لغدها المشرق، وهم الذين سيحملون مسؤوليات العالم بعد أن ينتهي دور الجيل الذي سبقهم، لأن الإنسانية تسير بطريق تكاملي وبالتالي لابد أن تستمر. وهم ضمان استمراريتها وبقائها. وبما أنهم كنز الإنسانية ومستقبلها فعلينا أن نعمل على إعدادهم إعداداً مناسباً يتناسب مع حجم المسؤوليات المستقبلية التي ستلقى على عاتقهم، وذلك يكون عن طريق تربيتهم التربية الصالحة المبنية على الفهم المتكامل والصحيح للحياة، وعلى المربي عموماً أن يدرك أهمية هولاء الأطفال وأنهم سيكونون أهلاً للحياة ولمواجهة مسوولياتها. إن فهم هذه الخصوصية وترتيب الأثر المناسب عليها يساعدنا على إيجاد المجتمع الإنساني الفاضل الذي يتحلى بالأخلاق الكريمة، ذلك المجتمع الذي يقدس المثل العليا للإنسانية باعتبارها صمام أمان للحياة نظراً لما تحويه من مباديء سامية وخصال حميدة توصل أفراد المجتمع الإنساني إلى أهدافه النبيلة باعتناقها والتمسك بأهدافها… الطفولة عالم البراءة: عالم الصفاء والنقاء والتخيلات والأحلام الرائعة الجميلة هو عالم الطفولة، فهو العالم الملكوتي الذي ينطلق منه الإنسان في بداية سيرته الحياتية. فالطفل في سِنيّ حياته الأولى ينظر إلى الحياة بمنظار عالمه الطفولي البريء البعيد عن كل مايعكر صفوها فيتخيلها بمنظاره هذا عالماً تسوده المشاعر المرهفة الحساسة، وبعيداً عن كل الاشياء التي تجعل من الحياة حياة شر وخداع ونفاق. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل للحياة قبل أن يبدأ صراعه معها، وما أروعه من تصور وما أجمله من حلم، وكم يتمنى كل فرد إنساني أن يعود لطفولته البريئة ليسرح في أرجاء عالمها الذي كان يصور له الحياة كأنها ربيع مليء بالرياحين التي تشد الإنسان إليها بعطرها الساحر وشذاها الفواح، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلاينفذ إلى سره ولا يدري كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. فهو عالم بعيد كل البعد عن الشرور والآثام والحقد والكراهية، هو عالم غني بالمشاعر الجياشة التي تصور الحياة بستاناً عامراً بالاطاليب، حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. تعتبر مرحلة الطفولة من أهم المراحل في حياة الفرد: فالاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. فالطفل هو الثروة الحقيقية وأمل الغد، وليكن معلوماً أن ما نراه من حولنا المشاكل التي يتعرض لها الطفل في العالم من نبذ وقهر واضطهاد واستغلال وما يترتب على هذه المشاكل من اضطرابات نفسية وانحراف وجريمة وادمان. وما نرى من حالات العنف والعدوان في المدارس وحالات اختطاف وانحرافات سلوكية وخاصة في العالم الغربي، ومانشاهده من تعرض الطفل العربي إلى القهر والعدوان وخاصة في دول الحرب وبعض الظواهر الأخرى مثل ظاهرة أطفال الشوارع، والمتسولين والأحداث، كل ذلك له أسبابه الخاصة والتي تكون التربية واحدة من أهمها، وفي مقدمتها. يؤكد علماء النفس دائماً على أن أسباب الاضطرابات النفسية لدى الاطفال هو غالباً تنشأ من خلل في المعاملة من قبل الأهل. وأن الأطفال الذين تساء معاملتهم هم دائماً ضحايا للاضطرابات النفسية والانحرافات. وهذه الاضطرابات لاينتهي أثرها عند الطفولة فقط، وإنما قد تبقى آثارها لمرحلة الشباب والكهولة، ذلك لأنها تنطبع في شخصية الطفل وتوثر على حياته المستقبلية. فيصبح بالتالي شخصاً يعاني من عقد بداخله ولربما يصبح شخصاً ظالماً لمن حوله أو مجرماً حتى مع أقرب الناس إليه كإخوته وأطفاله وزوجته وأصدقائه. فلينتبه الأبوان لهذه المسوولية الملقاة على عاتقهما لأنهم لا يظلمون طفلهم فقط، إنما يظلمون مجتمعاً كاملاً. ومن هنا تعتبر الأسرة النواة الأولى لتنمية الطفل، والقالب الاجتماعي الأول الذي يصوغ شخصية الطفل في المجتمع، وهي المؤسسة التربوية الأم التي تساعده على تشكيل شخصيته بصفة عامة، وهذا ينعكس سلباً على شخصية الطفل، فيما لو اضطربت الأسرة وتفككت. لقد ثبت لدى الباحثين تأثير السنوات الثمان الأولى من العمر في باقي حياة الإنسان، وقد وجد انه إذا ما لبيت حاجات ورغبات الطفل في الأشهر الأولى من الطعام والراحة والمحبة وغير ذلك، فإن الطفل سيكون حظه في الحياة أوفر وأعظم… إن الأنماط السلوكية الأسرية تحدد ماسوف يفعله الطفل في مقتبل حياته أو مايستطيع أن يفعله. ولكي يحصل على الإشباع والرضا فعلى الأسرة أن تعمل على تنمية شخصيته. إن أهم عوامل نجاح وتكوين شخصية الطفل إنما هي مستمدة من العلاقة الحارة الوثيقة الدائمة التي تربط الطفل بأمه أو من يقوم مقامها بصفة دائمة وإن أي حرمان من حنان الإم تظهر آثاره في تعطيل النمو الجسمي والذهني والاجتماعي وفي اضطراب النمو النفسي للطفل. _______________________________ (1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2ص625 (2) غرر الحكم ودرر الكلم للامدي ص831 (3) مكارم الاخلاق للطبرسي ص 232 (4) بحار الانوار ج 75 ص 236

اخرى
منذ سنة
7970

صوت العقل وصدى الإرادة

برغم مانشهده من بريق التقدم التكنلوجي الذي يأخذ بالألباب ويخطف الأبصار إلا أننا نلاحظ اليوم وجود أزمة اخلاقية رهيبة، خصوصاً فيما يتعلق بانتشار المحرمات وتفكّك المجتمعات وتمزقها، وذلك لأن هذا التقدم يتحرك بشكل قد لايوافق فطرة الإنسان. إن الله سبحانه قد زوّد الإنسان بالعقل والغريزة والإرادة، على أن الروح والنفس من المتفرعات، فالروح مثلاً تعود في النهاية إلى قوة العقل التي وقف العلم أمامها حائراً عن معرفة كنهها. إن في الإنسان عقلاً وغريزة وإرادة، وهي في صراع دائم، والغالب منها يحدّد سلوك الإنسان. فإذا غلبت الغريزة على العقل والإرادة انحدر الإنسان إلى مرتبة الحيوان وإذا كانت الغلبة للعقل ترقى الإنسان إلى مراتب الإنسانية السامية. وهنا قد يطرح سائل سؤال: لماذا خلق الله سبحانه الغرائز في الإنسان وماهي الغاية من ذلك؟ الجواب: إن الغرائز التي غرسها الله سبحانه في أعماقنا وإن كانت متضادة ومتجاذبة إلا أنها هادفة لأن الله سبحانه حكيم في تدبيره لايخلق الأشياء عبثاً، فكل شئ في هذا الكون خاضع لحكمته وتدبيره وهذا الصراع الذي يحدث هو من أجل التكامل، إذ لاتقدم إلا من خلال هذا الصراع، إن الله قد حشّد هذه الغرائز في داخل الإنسان من أجل التكامل والكمال فقد شاء سبحانه أن يخلق هذا الكائن ليكون مميزاً عن الحيوان وعن الملائكة فلو كان عقلاً فقط لأصبح ملاكاً ولو كان غريزة فقط لكان حيواناً، وبذلك ينتفي وجود كائن حي اسمه الإنسان . إن العقل يُصدر الأحكام ولكن لاتتنفذ تلك الأحكام إذا كانت الإرادة ضعيفة، فلاقيمة لتلك الأحكام بدون إرادة قوية تنفّذها فيخلو الميدان للغرائز التي تُسيِّر الإنسان وترسم له خط سلوكه، لأن العقل عُرضة لهجوم دائم تشنّه الغرائز عليه وهو يحاول أن يدافع عن نفسه وينفّذ أحكامه. فإذا كانت الإرادة قوية فإنها تحمي العقل وتدافع عنه ليصبح قابلاً للتنفيذ . إذن ما هي الإرادة؟ وكيف نقوّي الإرادة؟ الإرادة: هي القدرة والسيطرة على الذات، فهناك قدرات جسمانية وهناك قدرات ذاتية، فتحقّق المراد يكون على قدر على ما أراد تحقيقه وخطّط له بشكل صحيح. إن مايحدث في داخل النفس هو شبه مجلس تخطيط، فالعقل يخطّط ويصدر الأحكام أما التنفيذ متوقف على قوة إرادة الإنسان. إن الهدف من وجود الإنسان لن يتم بدون مزج العقل مع الغرائز. ولكي يكون سيره في محيط الإنسانية عليه أن يتحكم بهذه الغرائر بالاتجاه الإيجابي وهو ماحدّده له الله عز وجل فقط، فلو شذ عنها انحدر من مستواه الإنساني إلى المستوى البهيمي. ولهذا كان لقوة الإرادة والتوجُّه الصائب للعقل الحكم الفصل في تنفيذ ذلك... إن الإرادة تلعب دوراً مهماً في عملية تنفيذ الأحكام التي يصدرها العقل أو في إلغائها. فكيف يمكن أن نقوّي هذه الإرادة من أجل انتصار العقل على طغيان الغرائز وجبروتها؟ نجد الجواب المناسب لهذا السؤال عند سيد البلغاء أمير المؤمنين علي بن ابي طالب( عليه السلام) عندما يقول :(وأيم الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً وتقبل بالملح مأدوماً ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها ،مستفرغة دموعها ،أتمتلئ السائمة من عشبها فتبرك وتشبع الربيضة من رعينها فتهدأ ويأكل علي من زاده فيهجع. ......) نهج البلاغه ج٣ص٧٥ من هذه الكلمة يتبين العلاج لتقوية الإرادة حسب ماذكر سيدنا ومولانا الامام امير المؤمنين( عليه السلام ) وهو :- الترويض للنفس لتقوية الإرادة. لو سألنا الإمام (عليه السلام) وكيف تروضها يا امير المؤمنين؟ فالإجابة عنده موجودة (إنما نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الاكبر). إذن الوسيلة هي التقوى التي تسيطر على الغرائز وتهذّبها والغاية هي الاطمئنان والأمان يوم الفزع الاكبر. إن الغرائز تلح على الإنسان بدليل ماجاء في القرآن الكريم (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)) سورة يوسف. يقع الذنب عندما يقوم الإنسان بفعلٍ بسبب شهواته وميوله خلافاً لما يحكم به عقله وإيمانه وتقابلها نفس لوامة تلح على صاحبها بالدافع الإخلاقي لكي تصبح مطمئنة وهنا يحدث النزاع بين العقل والغرائز. والإرادة القوية النابعة من تقوى الله تستطيع الانتصار، فكل إرادة لاتتغلب على العاطفة والشهوات تنهار وتفشل بسبب ضعفها وقلة إيمانها لأن حالة الذنب هي حالة عدم تملك النفس لذا قال (عليه السلام) في خطبته (ألا وان للتقوى مطايا ذلل )نهج البلاغه الخطبه ١٦ أي أنه يأمر والمطايا تطيع تسير إينما يوجهها دون أن تركل أو تعترض، وعلى هذه القاعدة نستطيع أن نقول إنّ لكل غريزة وظيفتها وهدفها، لاسيما إذا ربط الإنسان نفسه بالتعاليم الآلهيه التي وصلتنا إذ أن هذه التعاليم توجّه الغرائز بطريقها الصحيح الذي رسمه الله لها .

اخرى
منذ سنة
7864

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

اخرى
منذ سنة
7259