ونطقت لبوة علي

ونطقت لبوة علي الحلقة الثانية: ثورة العفاف طُؤطؤت رؤوس بنات الرسالة في مجلس الظالم يزيد،  ليس جبناً ؛ لكنه الستر الذي أضطرهن إلى ذلك حتى لا يتطلّع إلى وجوههن أحد،  هكذا هو العفاف الذي خطته لهن أمهن الزهراء(عليها السلام) حين خرجت تخط أذيالها وتطالب بالحق؛ ولكن الإنحراف الأموي أبى إلا أن يشهر سيفه بوجه العفاف في كربلاء محاولاً قتله في الشام ، فما كان من مولاتنا زينب (عليها السلام) إلا أن تقود ثورة بوجه ذلك الإنحراف وتوقفه عند حده بسيف كلماتها الصارم فقطعت رأس الظالم بقولها  : ((فَمَهْلًا مَهْلًا لَا تَطِشْ جَهْلًا! أَ نَسِيتَ قَوْلَ اللَّهِ: "وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ" أَمِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا؟؟ قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ يَحْدُو بِهِنَّ الْأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَيَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ الْمَنَاقِلِ وَيَبْرُزْنَ لِأَهْلِ الْمَنَاهِلِ وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَالْغَائِبُ وَالشَّهِيدُ وَالشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ وَالدَّنِيُّ وَالرَّفِيعُ، لَيْسَ مَعَهُنَّ مِنْ رِجَالِهِنَّ وَلِيٌّ وَلَا مِنْ حُمَاتِهِنَّ حَمِيمٌ، عُتُوّاً مِنْكَ عَلَى اللَّهِ وَجُحُوداً لِرَسُولِ اللَّهِ وَدَفْعاً لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا غَرْوَ مِنْكَ وَلَا عَجَبَ مِنْ فِعْلِكَ.)) آهٍ لتلك الكلمات هي دروس ، تحتاج لآذان تعيها . ولكن ماذا عسانا أن نقول وقد صم البعض آذانهم ، ووضع البعض الآخر رؤوسهم في التراب كالنعام. فها هي تذكّر يزيد (لعنة الله عليه ) وتذكرنا بكلام الله ، ولكن أي كلام تلك الاية التي بدأت ثورتها بها و خصّت بها يزيد لتثبت كفره ، وإن ظن إن الله قد منَّ عليه بالنعم فما هي إلّا لكي يزداد رصيد آثامه ،كحال الكثير من مجتمع اليوم وممّن خلعت ثوب العفاف بعنوان الحرية وترى الحرية بمفهومها الخاطيء نعمة ، فقد املى الله عليهم ليزدادوا بالأثم ولتكون نهايتهم كنهاية يزيد الملعون . ثم عادت إلى تاريخٍ ليس ببعيد جداً ، لتذكره به ، فكرم جدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لجده اللعين ابو سفيان ليس بالبسيط ، حيث رسم رسول الله (صلوات الله عليه وآله) أروع صورة للكرم والتسامح والعفو  فقال قولته التي تناقلتها كتب التاريخ لبني أمية " أذهبوا فأنتم الطلقاء "  رغم عدم إيمانهم . وشتان بين أخلاق رسول الله وأخلاق الأمويين، والان بنات النبي يسوقهن الاعداء ويتصفح وجوههن القاصي والداني بأمر ابن آكلة الاكباد، في حين إن نساء يزيد مخدرات بالقصور، أي قسمة ضيزى كانت قسمة يزيد فنفت بذلك العدل عن ابن آكلة الأكباد وأنّى له العدالة؟ وقد عتى على أمر ربه وجحد رسول الله فلا عجب من فعل من اتصف بالجحود أي رسالة تلك التي تريد لبوة علي أن توصلها للناس . وكإنها تريد أن تقول : إن العفاف والحشمة صفاتنا التي سُلبت منّا غصبا وعدوانا من آل أمية . سيدتي عذراً منكِ فمنهج بني أمية هو المعمول به اليوم باسم الحرية سيدتي اعطني القوة لأكسر قيود أسر الأعادي كما كسرتِ قيود بني أمية . سيدتي سنسير على خطاكِ وإن كنّا قلّة ، ولن نرضى أن تُهتك ستورنا سيدتي ها هي عباءتك قسماً بالحسين ستكون تاجاً على رأسي ، ولن أرضى بسلبه مني رسالتكِ سأوصلها لكل الناس، ليكون صداها ثورة عسى أن يستفيق الناس ويسيروا على منهج الحسين (عليه السلام ) تمعنوا في خطاب زينب فإن فيه العِبر، فلقد ثارت للعفة المسلوبة بالغصب، فكانت بحق سيّدة العفاف. بقلم: وجدان الشوهاني

اخرى
منذ 3 أشهر
72

ونطقت لبوة علي

ونطقت لبوة علي الحلقة الأولى : تجهيل الشعوب سياسة الطغاة لمَ يرَ خيالها؛ ولكن المشيئة الإلهية اقتضت أن " يراهن سبايا" ، فكان للبوة علي بن أبي طالب ( عليهما السلام)في ذلك السبي المؤلم صوتٌ سمع صداه العالم أجمع بخطبةٍ هزّت بها عرش الطغاة. ومن هنا بدأت الحكاية ،و تهافتت الأقلام لتغرف من معين ذلك الصوت الذي صدح بقول الحق ونحن على خطى تلك الأقلام نحاول أن نأخذ نصيبنا من ذلك المعين ،فبدأت سلام الله عليها ب ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى جَدِّي سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، صَدَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ يَقُولُ: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى‏- أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ حِينَ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ، وَضَيَّقْتَ عَلَيْنَا آفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا لَكَ فِي إِسَارٍ، نُسَاقُ إِلَيْكَ سَوْقاً فِي قِطَارٍ، وَأَنْتَ عَلَيْنَا ذُو اقْتِدَارٍ، أَنَّ بِنَا مِنَ اللَّهِ هَوَاناً وَعَلَيْكَ مِنْهُ كَرَامَةً وَامْتِنَاناً؟؟ وَأَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ وَجَلَالَةِ قَدْرِكَ؟؟ فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ وَنَظَرْتَ فِي عِطْفٍ، تَضْرِبُ أَصْدَرَيْكَ فَرِحاً وَتَنْفُضُ مِدْرَوَيْكَ مَرِحاً حِينَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُسْتَوْسِقَةً وَالْأُمُورَ لَدَيْكَ مُتَّسِقَةً وَحِينَ صَفِيَ لَكَ مُلْكُنَا وَخَلَصَ لَكَ سُلْطَانُنَا.)) تُرى إلى ماذا أشارت سيدة العفاف في الجزء الذي اقتطعناه من خطبتها(عليها السلام) التي ألقتها في مجلس الطاغية يزيد (عليه لعائن الله ) ؟ أهل الشام وما أدراك ما أهل الشام شعبُ مورستٌ بحقه سياسة التجهيل،  فكان ذلك التجهيل مصنعاً للطغاة؛ ولكن كيف تبيّن سيدة العفاف أثر ذلك الجهل الذي كان سمة أهل الشام؟ وهنا يظهر حجم ذلك العلم الذي تحمله سيدة العفاف ،والذي توارثته وتربّت عليه ، فبدأت بتعريف أهل الشام بقبيح فعل طاغيتهم  ، من تضييقٍ ينم عن حقدٍ دفين ، له ماضٍ وكإنه يطلب بذلك التضييق ثأر أجداده الذين قتلوا بسيف الله على يد علي بن أبي طالب (عليه السلام) ،وتحت لواء الإسلام الذي يدعيه يزيد بعنوان(الخليفة) ، فصدقه أهل الشام بجهلهم ،وتبعه إتباع الأعمى حتى ظهر ذلك الإتباع على كل أرجاء الشام ،فكانت معالم الفرح واضحة على أبوابها ، وابواق الإنتصار الذي تصوروه جهلاً إنه نصرٌ على خوارج الإسلام كما كانوا يتعقدون  ، كما كانت الشماتة حاضرة على محيّا طاغيتهم بأهل بيت النبوة وهم يُقادون بعنوان أسارى ،فأي قبيحٍ اظهرته سيدة العفاف وأمام الملأ وفي عقر دار الطاغية، لتكشف حقيقة ذلك الخليفة الذي لولا غصب الخلافة لما تجرّأ على أن يدعيها له وهو المعروف بالفسق والفجور. ثم بيّنت سلام الله عليها إنه ليس فيما جرى على أهل بيت النبوة (عليهم السلام) هوانٌ من الله عليهم ، حتى يكون كرامة للفاسقين فيرتفع بذلك شأن يزيد ويشمخ بأنفه على مَن اصطفاهم الله على خلقه ،وحاشا لله أن يكون ذلك . فعللت سيدة العفاف ذلك النصر الظاهري الذي شمخ به يزيد ،بإن حقيقته هو إقبال الدنيا له وخلافة صفيت له (لعنة الله عليه)  بعد إن غصبت من أصحابها وهم أهل بيت النبوة (عليهم السلام) ، وكإنها سلام الله عليها تتكلم بلسان علي (عليه السلام) وتعيد شقشقيته التي صدح بها  لترفع الجهل. فما كان للدنيا أن تُقبل على أحد ولا إن تُغصب خلافة إلا بالتجهيل . فذلك التجهيل الذي بدأ من السقيفة ليصل إلى الطف ويغرز سهام الغدر في أجسادٍ طاهرة وما زال مستمر ليومنا الحاضر . فقد وضعت سيدة العفاف (عليها السلام) أهل الشام على أول الطريق ، وليتنا نحن اليوم نقف على أول الطريق ، فجهل اليوم أصبح عملاقاً حتى صنع طغاة كثيرون وبات الأمر خطيراً ، وبحاجة إلى تكثيف الجهود لرفع ذلك الجهل الذي يمارسه البعض على الشعوب، وما إشارتنا للخطبة الزينبية في الشام إلا محاولة منّا لنشر الوعي والإشارة إلى طغاة اليوم الذين ادّعوا لإنفسهم شعار الحسين وشابهوا بادعاءه يزيد مع فوارقٍ بسيطة تنسجم مع عقليّة كل عصر ، فطغاة اليوم ينادون بشعار الحسين ويزيد ينادي بإنه خليفة الله. فهل من واعٍ يعي الحقيقة ؟ ومن الله التوفيق

اخرى
منذ 3 أشهر
71

في المدرسة الدعائية السجادية نتعلم(٥): لمن احزنه امر ما واهمته الخطايا

الوقفة الخامسة: هبات للثبات في فقرات الختام(١) يعلمنا الإمام (عليه السلام) أن نطلب هبتان أي لا عن استحقاق وجدارة بل بفضل ومنة من هذا الرب اللطيف الرؤوف، هما: الهبة الاولى: هبة معنوية، بقولنا:[ وَهَبْ لي قُوَّةً أحْتَمِلُ بِها جَميعَ مَرْضاتِكَ، وَاجْعَلْ فِراري إليك وَرَغْبَتي فيما عِنْدَكَ]، أي والان بعد أن اعود من ساحة مناجاتك الى دنياي، احتاج أن تقويني على فتنها وابتلاءاتها، احتاج أن تهبني قوة الثبات بما اقررت اليك به، وبما ستخولني به من مكرمات، مما جرى بفضلك على لساني من امنيات القرب والزلفى، كي لا تكون ادعاءات قلتها في لحظات الصفاء والنقاء بل حقائق اعيشها حتى الممات.   الهبة الثانية: هبة سلوكية، في قوله:[وَألْبِسْ قَلْبِيَ الوَحْشَةَ مِنْ شِرارِ خَلْقِكَ؛ وَهَبْ لِيَ الأُنْسَ بِكَ وَبِأوْلِيآئكَ وَأهْلِ طاعَتِكَ، وَلا تَجْعَلْ لِفاجِرٍ وَلا كافِرٍ عَلَيَّ مِنَّةً، وَلا لَهُ عِنْدي يَداً، وَلا بي إلَيْهمْ حاجَةً، بَل اجْعَلْ سُكُونَ قَلْبي وَأُنْسَ نَفْسِي وَاسْتِغْنآئي وَكِفايَتي بِكَ وَبِخِيارِ خَلْقِكَ ] فمفتاح الوحشة من شرار الخلق، الذي يجعل القلب لا يحب او يتقرب او يوالي او ينجذب الا خيار الخلق، هو ايضا من مواهب الرحمان التي يتفضل بها ويخص بها من يشاء، وعلاماتها الانس بالله تعالى واوليائه واهل طاعته، فهو يطلبها ليكون مع ربه ومستعين بوجوده مع أهل طاعته ليبقى على طاعة ربه وفي ولايته.  ثم طلب أن يهبه أن لا يكون لفاجر او كافر له عليه منه اي فضل يعيره به، ولا يكن هو لكافر او فاجر يوم يد تسندهم او تعينهم فيأتون اليه او يتقربون منه لمنفعة او حاجة بيده قضاءها لهم، ولا أن تكون قضاء حاجاته بيدهم فيضطر لطرق ابوابهم، بل ان يجعل قضاء حاجاته، ومعونته بيده سبحانه، وبذلك تتحقق الوحشة من شرار الخلق، وبالمقابل تتحقق سكينته وانسي بربه وبمرافقة خيار خلقك. وهاتان الهبتان بلوغهما وتحصيلهما تجعلانه يترقى في الطلب أكثر، فهو تارة يطلب تمام عطاء الله تعالى عليه، وتارة ليكون عبدا شكورا وعاملا بما ناله من هذه الهبات الاهية العظيمة، وذلك بقوله: [وَاجْعَلْني لَهُمْ قَريناً، وَاجْعَلْني لَهُمْ نَصيراً، وَامْنُنْ عَلَيَّ بِشَوْقٍ إليك، وَبِالعَمَلِ لَكَ بِما تُحبُّ وَتَرْضى، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَذلِكَ عَلَيْكَ يَسيرٌ] فهنا لا يطلب المرافقة للوقاية فقط، بل يطلب أن يكون قرين اي يتحلى بما يتحلون ويتصف بما يتصفون، أن يكون لهم عونا ونصيرا كما هم يعينوه على الطاعة وينصروه على الترفع عما في هذه الدنيا من مغريات وزينة، اي يكون معهم قلبا وقالبا، اعتقادا وعملا، مظهرا وجوهرا، وهذا مطلب ليس بيسير تحققه في نفس خطائه، الا إنه يسير طالما كان الواهب هو الرب القدير. ___ (١) الصحيفة السجادية: ص(٩٦-١٠٠).

اخرى
منذ 3 أشهر
84

في المدرسة الدعائية السجادية نتعلم(٤): لمن احزنه امر وهمته الخطايا

الوقفة الرابعة: علامات التحول ومنطلق التغير(١) عندما يتسلل شعور الخوف الى داخله، سيدرك العبد حجمه الحقيقي وضعفه المتحقق دائما، فينتقل الى خوف التطهير، خوف وقائي عاصم وهو خوف لقاء الله تعالى، وذلك بقوله: [وَأشْرَفْتُ عَلى خَوْفِ لِقآئكَ فَلا مُسَكِّنَ لِرَوْعَتي]. ثم يطلب الامان من مصدره الحقيقي والمعونة ممن بيده الملكوت، والقوة ممن بيده القدرة، وذلك بقوله: [وَمَنْ يُؤْمِنُني مِنْكَ وَأنْتَ أخَفْتَني، وَمَنْ يُساعِدُني وَأنْتَ أفْرَدْتَني وَمَنْ يُقَوِّيني وَأنْتَ أضْعَفْتَني] فالاعتراف بالضعف مفتاح الانتقال من الحول والقوة التي كان يراها في نفسه الخاطئة الى حول ربه وقوته العاصمة. ثم يصرح هنا بقوله: [لا يُجيرُ يا إلهي إلاّ رَبٌ عَلى مَرْبُوبِ؛ وَلا يُؤْمِنُ إلاّ غالِبٌ عَلى مَغْلُوبٍ؛ وَلا يُعينُ إلاّ طالِبٌ عَلى مَطْلُوبٍ؛ وَبِيَدِكَ يا إلهي؛ جَميعُ ذلِكَ السَّبَبِ؛ وَإلَيْكَ المَفَرُّ وَالمَهْرَبُ]، فهنا وردت لفظة اعتراف العبد بالمعبود كإله ورب، وهذه لفتة عقائدية مهمة، فهناك من يؤمن بالله تعالى كإله اي خالق له، لكنه لا يؤمن به كرب، لان من صفات الرب إنه يأمر وينهي من يربيه، والنفس البشرية عندما تصاب بالتكبر والطغيان لا تتقبل ذلك، فتنفر من الامتثال للشريعة مثلا، وتعيش فقط وهي مؤمنة به كإله لا مربوب ايضا. واقرار العبد بإيمانه بمعبوده كإله ورب هي علامة لخضوعه وصدق عبوديته وامتثاله هذا من جانب، ومن جانب اخر نجد إن هناك ربط بين جمال الله تعالى وجلاله اي بين ربوبيته والوهيته، فالألوهية تشمل مفردة (الغالب، الطالب)، اما الرب فتشمل افعال(الاجارة والأمن والمعونة). عندئذ لا مُلجِئ للمخطئ الا من باشر بتربيته، ولا مُؤمِن له على نفسه التي غلبته بالتمادي والتمرد الا الغالب، ولا معين لما مطلوب منه إلا الطالب، فهو ضعيف لولا معونته، ولا يمكنه الفرار مما هو مطلوب منه، لذا هو لا سبيل له مع كل ما اقترفه الا الفرار الى ربه من نفسه، والهروب من خطاياه الى خالقه لكي يكفيه من نفسه الأمارة، ويققيه من كل ما يبعده عن طاعة سيدها ومولاها. ثم يأتي هنا ذكر الصلاة بقوله:[ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ؛ وَأجِرْ هَرَبي، وَأنْجحْ مَطْلَبي]، اذ لا يرد دعاء ختم بالصلاة، فهي المفتاح لتحقيق الطلبات، واستجابة الدعوات، ونيل السؤلات. ثم يبدا هنا العبد الداعي بالنظر الى ما هو حزين عليه بنظرة جديدة بقوله : [اللّهُمَّ إنَّكَ إنْ صَرَفْتَ عَنِّي وَجْهَكَ الكَريمَ أوْ مَنَعْتَني فَضْلَكَ الجَسيمَ أوْ حَظَرْتَ عَلَيَّ رِزْقَكَ أوْ قَطَعْتَ عَنِّي سَبَبَكَ لَمْ أجِدِ السَّبيلَ إلى شَيْءٍ مِنْ أمَلي غَيْرَكَ؛ وَلَمْ أقْدِرْ عَلى ما عِنْدَكَ بِمَعُونَةِ سِواكَ]، وكأنه بهذه الاعترافات يزيل مشاعر الحزن ويتخلى عنها بالحزن على امور أعظم واقدس، ليحل محلها الخوف من فقدان نظرة الله تعالى له وتحصيل فضله وإحسانه، الممزوجة باليقين الموجب للاستكفاء والاستغناء به عما سواها. ثم في قوله: [فَإنِّي عَبْدُكَ وَفي قَبْضَتِكَ؛ ناصِيَتي بِيَدِكَ؛ لا أمْرَ لي مَعَ أمْرِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضآؤُكَ وَلا قُوَّةَ لي عَلَى الخُرُوجِ مِنْ سُلْطانِكَ، وَلا أسْتَطيعُ مُجاوَزَةَ قُدْرَتِكَ وَلا اسْتَميلُ هَواكَ؛وَلا أبْلُغُ رِضاكَ؛ وَلا أنالُ ما عِنْدَكَ إلاّ بِطاعَتِكَ وَبِفَضْلِ رَحْمَتِكَ]، هنا يعيش مرحلة التسليم لحكم الله تعالى وقضائه وسلطانه، بل هنا هو باحث عما ينيله الرضا والدخول في زمرة المطيعين، لا الباحث عن رغباته واهوائه وحاجاته الدنيوية التي هي بالحقيقة سبب حزنه وهمومه. ثم بقوله: [فَأنْجِزْ لي ما وَعَدْتَني؛ وَتَمِّمْ لي ما آتَيْتَني] يطلب لكن ما وعد به الرب لا ما هو قد وعد به نفسه، اذ هناك انسان يعد نفسه بأشياء فيطلبها من الله تعالى، وهناك من يطلب من الله تعالى ما وعد به هو عباده، فهنا مرحلة التسليم ارقى وإظهاره للعبودية بدرجة اعلى، اي إنه يريد ما يريد معبوده، ولسان حاله ما اطلب وما عندي هو منك وبهدايتك يا رب لي. ثم ينتقل بعد ذلك الى مرتبة لا يرى هذا العبد شيء من امور الدنيا تفتنه او تشغله بل كل همه وشغله هو الكافي، وذلك من خلال هذه الطلبات، بقوله: [وَفَرِّغْ قَلْبي لِمَحَبَّتِكَ، وَاشْغَلْهُ بِذِكْرِكَ؛ وَانْعَشْهُ بِخَوْفِكَ وَبِالوَجَلِ مِنْكَ، وَقَوِّهِ بِالرَّغْبَةِ إليك، وَأمِلْهُ إلى طاعَتِكَ، وَأجْرِ بِهِ في أحَبِّ السُّبُلِ إليك، وَذَلِّلْهُ بِالرَّغْبَةِ فيما عِنْدَكَ أيّامَ حَياتي كُلِّها]، فهنا لم يعد يطلب الطاعة والقرب للوصول لحاجة وامر ما من أمور الدنيا كلا بل اصبح كل مطلبه وطلباته هو ربه المتعال، هو بدأ في التفكير في ذلك العالم والتزود له بقوله: [وَاجْعَلْ تَقْواكَ مِنَ الدُّنْيا زادي وَإلى رَحْمَتِكَ رِحْلَتي، وَفي مَرْضاتِكَ مَدْخَلي، وَاجْعَلْ في جَنَّتِكَ مَثْوايَ]. وهذا تحول ملفت، وانتقالة سامية يعرفنا عليها امامنا زين العباد (عليه السلام) ويربي انفسنا فيها، وينقل ارواحنا اليها، فكأنها ترسم خريطة جديدة لمسار هذا العبد المحزون والمهموم بالخطايا ليكون تفكيره اوسع ونظرته ابعد. ___ (١) الصحيفة السجادية: ص(٩٦-١٠٠).

اخرى
منذ 3 أشهر
96

في المدرسة الدعائية السجادية نتعلم(٣): اذا احزنك امر او همتك الخطايا

  الوقفة الثالثة: مقومات رفع الحزن المذموم ومسببات الهموم(١) المقوم الأول: إن ذِكر ما هو موجود موجب لعدم حزن العبد على ما هو غير موجود، كما ويجعل العبد ذاكرا شاكرا لربه المبتدأ اليه بالإنعام، وذلك بقولنا:[وَلا تَجْعَلْني ناسياً لِذِكْرِكَ فيما أوْلَيْتَني]. المقوم الثاني: تذكر قديم احسان الله تعالى كي لا تضيق النفس وتجزع بالحزن عما ليس في يدها، او بما وقعت فيه بسبب سوء فعلها، بسوء الظن بأن لا يشملها احسان الله تعالى وجزيل عطائه وغفرانه وصفحه، وذلك بقولنا:[وَلا غافِلاً لإحْسانِكَ فيما أبْلَيْتَني]. المقوم الثالث: عدم اليأس مما عند الله تعالى من العطايا التي نطلبها، فالنفس عندما تطلب من احد شيء ولا تعطى، او تتأخر الاجابة عنها، هنا بطبيعتها تصاب بالحزن، لكن ما أن تتذكر قديم احسان وعطاء من طرقت بابه، حتما سينتفي الحزن وستعيش شعور الرجاء والامل ببلوغ المراد.  وهكذا -بلا قياس-هو إحسان الله تعالى فهو المتفضل فإن لم يعطي المطلب فإنه يعطي ما فيه خير وبما يعود بالصلاح على الطالب اكثر، او دفعا لما فيه من ضر على الطالب مما لا يبصر؛ فاليأس يتحقق بمن طرقت بابه مرات وردك خائبا، او نهرك يوما ما وانت كنت له راجيا، اما تعالى فحاشاه من ذلك كله، وهذا المقوم نجده في قولنا: [وَلا آيِساً مِنْ إجابَتِكَ لي وَإنْ أبْطَأتْ عَنِّي؛ في سَرّآءٍ كُنْتُ أوْ ضَرّآءٍ؛ أوْ شِدَّةٍ أوْ رَخآءٍ؛ أوْ عافِيَةٍ أوْ بَلآءٍ؛ أوْ بُؤْسٍ أوْ نَعْمآءٍ؛ أوْ جِدَةٍ أوْ لأوآءٍ؛ أوْ فَقْرٍ أوْ غِنىً]. المقوم الرابع: الحمد والثناء فهو موجب لعدم الحزن، فالإنسان الذي يعيش حالة الحمد والشكر الدائمة، لا يمكن أن يصاب بالحزن بأي حال من الاحوال على أي أمر من أمور الدنيا، ولن يَعظم عنده شيء يفقده من متاعها، وذلك في قولنا: [وَاجْعَلْ ثَنائي عَلَيْكَ، وَمَدْحِي إيّاكَ وَحَمْدي لَكَ في كُلِّ حالاتي حَتّى لا أفْرَحَ بِما آتَيْتَني مِنَ الدُّنْيا، وَلا أحْزَنَ عَلى ما مَنَعْتَني فيها،...].  وبأن يكون قلبه مستشعر نعماء ربه، كما ورد في قولنا: [وَأشْعِرْ قَلْبِي تَقْواكَ] اي أجعل هذا القلب نظره متمحور الى ما اوليته من النعم، عندئذ كيف لعيون هذا العبد أن تبصر إن هناك نقص في العطاء او حاجة لم تلبى؟! بالنتيجة الحمد والثناء إن وجد في حياة العبد حُصن نفسيا من الحزن، وحقق ثمرة أن يكون صاحبها ممن شُغلت جوارحه بالعمل المُتقبل، وذلك بقولنا: [وَاسْتَعْمِلْ بَدَني فيما تَقْبَلُهُ مِنِّي]. وفي ذلك ترويض للنفس على الطاعة والامتثال فلا يفسح للنفس الامارة المجال بأن تُتعِب صاحبها بالنفور مما يحب تعالى فتعصي او حب ما يكره فتتمرد، وذلك بقولنا:[وَاشْغَلْ بِطاعَتِكَ نَفْسي عَنْ كُلِّ ما يَرِدُ عَلَيَّ حَتَّى لا أُحِبَّ شَيْئاً مِنْ سَخَطِكَ، وِلا أسْخَطَ شَيْئاً مِنْ رِضاكَ]. ___ (١) الصحيفة السجادية: ص(٩٦-١٠٠).  

اخرى
منذ 3 أشهر
84

في المدرسة الدعائية السجادية نتعلم(٢): اذا احزنك امر او همتك الخطايا

الوقفة الثانية: علامات الخوف الشافي لأحزان العبد وخطاياه الامام السجاد(عليه السلام) في هذا الدعاء(١) يعبر عن مصدر الخوف الذي يصيب الإنسان إنما هو الله تعالى، بقوله:[وَأنْتَ أخَفْتَني]، ويبين علامات هذا الخوف: العلامة الأولى: الشعور بالوحدة والفردية اي لا يستأنس بأحد ولا يعيش حالة إنه فرد اجتماعي بل يعيش حالة العزلة وإن كان محاط بالناس، بقولنا [أفْرَدَتْني الخَطايا فَلا صاحِبَ مَعي]، فمن يعيش هذا الشعور فليعلم أن الخطايا هي السبب، وسبيل ذلك تفعيل اسم الله الكافي الذي نفتتح به الدعاء، بقولنا: [اللّهُمَّ يا كافِيَ الفَرْدِ الضَّعيفِ]، فالاستكفاء بالله تعالى يعالج شعور الوحدة والغربة ويجعله ملتفت لضعفه قوي بربه. العلامة الثانية: الشعور بالضعف، فلا يقوى على أن يمارس شيء من ادواره الحياتية والاجتماعية كما يجب، لا يقوى على مواجهة نفسه الخاطئة، ولا يقدر على مقاومتها مع إنه يرى إنها موجبة لغضب الرب عليه بما تدعوه اليه، وذلك في عبارة [وَضَعُفْتُ عنْ غَضَبِكَ فَلا مُؤَيِّدَ لي]. إذ لعل هذا الادراك هو الذي ينجي هذا الخطاء، وسبيل ذلك تفعيل اسم الله الواقي بقولنا: [وَواقِيَ الأمْرِ المَخُوفِ]، فتكون الوقاية الالهية هي قذف الحزن بهذه النفس؛ فيصبح ممن لا يلتذ بما يرتكبه ولا يستأنس بمن يصحبهم ممن يكونون سبب لجره وتقويته على عصيان الله تعالى والتمرد على اوامره، ففي ختام الدعاء نطلب مرافقة اهل الخير، والاستيحاش من اهل الشر. وفي هذه العلامات التفاتة مهمة هي إن كان تأديب الله تعالى لهذه النفس بهذه المشاعر يكون هكذا اثرها وتأثيرها في تغيير سلوك الانسان، فكيف لو كان التأديب بعقوبة مادية كمرض بدني، او سلب عزيز ، او اختبار عصيب؟ فهذا شعور جعل الإنسان يقف على حقيقة عجزه وضعفه وفردانيته، فكيف له أن يدعي القوة بعدئذ التي تمكنه من التجريء على ارتكاب الخطايا، وعصيان رب هذا الشعور القوي العزيز؟! بالنتيجة فإن الوقوف على هذه الحقيقة ولمسها وادراكها موجبة لعصمة نفس هذا الداعي ونقله الى حال أحسن مع ربه ؟!  _______ (١) الصحيفة السجادية: ص(٩٦-١٠٠).  

اخرى
منذ 3 أشهر
78

في المدرسة الدعائية السجادية نتعلم(١): اذا أحزنك أمر او أهمتك الخطايا

في دعاء إمامنا السجاد(عليه السلام) لمن احزنه امر وهمته الخطايا(١)، نجد إن الامام ينقل الداعي من حال الى حال أخر تماما، ومن هَم داني الى هموم عليا، ومن غايات بسيطة الى غايات عظيمة. فهذا الدعاء يُعرفنا على إمكانية أن يكون الحزن على أمر ما، هو المنطلق للسير الى الكمالات، وطلب رفيع الدرجات وبلوغ القربات، ومقارنة أهل الطاعات. إنه دعاء يحتاج أن يكون الداعي الى وميض نور -كما عبر إنه ممن (أهمته الخطايا) - ويتطلب مسعى حقيقي منه حتى يستثمر ما فيه من كنوز معرفية، وحركة قلبية جادة في بحثه لتغيير نظرته لوجوده، ولما يعيشه، وما ينبغي عليه أن يعيشه، ويحصله، ويكون عليه، وهنا ستكون لنا عدة وقفات تأملية بمضامين هذا الدعاء الشريف: الوقفة الأولى: لماذا ذُكر الخوف مع أن الدعاء لعلاج الحزن؟ لو تأملنا في أول فقرات الدعاء التي نقول فيها:[اللّهُمَّ يا كافِيَ الفَرْدِ الضَّعيفِ، وَواقِيَ الأمْرِ المَخُوفِ، أفْرَدَتْني الخَطايا فَلا صاحِبَ مَعي، وَضَعُفْتُ عنْ غَضَبِكَ فَلا مُؤَيِّدَ لي، وَأشْرَفْتُ عَلى خَوْفِ لِقآئكَ فَلا مُسَكِّنَ لِرَوْعَتي، وَمَنْ يُؤْمِنُني مِنْكَ وَأنْتَ أخَفْتَني]، مع دواعي العبد المُقبل على مولاه (عز وجل) بهذا الدعاء سنلاحظ إنه يشكو من الخوف في مفردات عدة ذكرت، مع أن الدعاء هو لمن احزنه امر؟! هنا -كما يبدوا- إن جواب هذا السؤال هو ما ذُكر في أواخر الدعاء وهو طلب مرافقة وحب اولياء الله تعالى، بقولنا:[وَهَبْ لِيَ الأُنْسَ بِكَ وَبِأوْلِيآئكَ]، وفي فقرة اخرى: [وَاجْعَلْني لَهُمْ قَريناً]، اولئك الذين تصفهم آيات الذكر الحكيم بقوله تعالى:{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [ يونس:62]. فالآية ذكرت مفردتي الخوف والحزن ولكن بصيغتين- إن صح التعبير- فقد ذكرت أن الخوف هو عليهم اي أنه صادر وواقع عليهم من مصدر خارجي، بينما الحزن فعبرت عنه أنه فعل ذاتي صادر من نفس الإنسان. والآية نفت كلا الامرين عن اولياء الله تعالى، أي أنهم لا يرتكبون ما يجعلهم يحزنون، او هم لا يحزنون على امور موجبة ليصيبهم الخوف- وهنا نقصد به الخوف الصادر من الله تعالى الذي عبر عنه الإمام بالدعاء(وَأنْتَ أخَفْتَني)- كما إن الآية قدمت الخوف على الحزن، فمن لا يوقع نفسه بحزن الخطايا لن يصيبه الخوف. بالنتيجة يمكن أن نفهم ارتباط الخوف بالحزن، وكأن في ذلك إشارة إن الله تعالى يعالج احزاننا على امور الدنيا او احزاننا التي نسببها لأنفسنا بسبب الخطايا او التعلق بأشياء فانية بالخوف، وهكذا فأولياء الله لا يحزنهم الله تعالى لأنهم ليسوا من أهل الهلع والجزع والخوف على امور الدنيا او منها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى نفهم علة من علل طلبنا للكون مع اولياء الله تعالى، فبمرافقتهم يمكننا التحلي بالصفات التي يحملونها، أي سيشمل الموافق والمحب بهذه الآية، فيرفع عنه الخوف، فلا يكون من اهل الحزن الداني. وهنا نذكر شاهد قرآني أخر هو قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ …} (البقرة: ١٥٥)، يمكن أيضا من خلالها أن نفهم لمَ ذكر الخوف لعلاج الحزن، إذ إن الخوف يجعل قلب الإنسان ملتفت اكثر ليبصر عما هو حزين، ولم هو حزين؟ فبالخوف يبدا الانسان باليقظة بعد الغفلة. كما إن شعور الخوف لا يطاق؛ فالإنسان قد يحزن لكن عجلة حياته تبقى متحركة، هو يتألم لكن لا يوجب ذلك إنه يتأمل بأحواله، لكن الخوف يُقعد الانسان، يفقده القدرة على الحراك. ومن هنا يكون الخوف سبب لكل منطلق لتبديل الحال، والتحلي بصفات أهل الخير، وهو المقصد من أن يخيفنا الله تعالى تلطفا ورحمة بنا فهو اللطيف الخبير.   ___ (١) الصحيفة السجادية: ص(٩٦-١٠٠).  

اخرى
منذ 3 أشهر
85

لنكن مع الحق أو لا نكون

أهي الأحقاد البدرية والخيبرية والحنينية من أشعلت لهيب الحقد؟ ! أم غيرها؟! لم يكفيهم لوك الكبد الطاهر لأسد الله ورسوله، حتى أصبح القتال لديهم لا من أجل الصلاة والصوم والحج والزكاة بل من أجل التأمر على الغير والذي من أجله ترمى المعاهدات تحت القدم، ومن تلك الأصلاب والأرحام يبرز التعطش للسفك والقتل، والسبي والسب المقنن بغيت ازهاق الحق، وإرواء ضمأ الضغائن الدفينة، لكن الحق باق ما بقيت الصلاة تقام.. يروى عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) أنَّهُ قَالَ: " لَمَّا قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وقَدْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، اسْتَقْبَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وقَالَ: يَا عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، مَنْ غَلَبَ ـ وهُوَ يُغَطِّي رَأْسَهُ وهُوَ فِي الْمَحْمِلِ ـ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ مَنْ غَلَبَ ودَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَأَذِّنْ ثُمَّ أَقِمْ ". ( ) نعم، استمرار الصلاة التي تمثل عمود الدين استمرار للدين نفسه الذي كان الخروج من أجل إصلاحه، ومن أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد جاء في وصية الإمام الحسين (ع) لأخيه محمد:" وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي.. فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين". ( ) والقبول اختيار وعمل، فلا يصح أن نقبل الحق ونتخذ من ليلنا جملا، ولا يصح أن نقول: ما لنا والدخول بين السلاطين، فأما أن نكون مع الحق أو لا نكون، فليس بين الحق والباطل إلا الخذلان. ومن يقرر الالتحاق بركب الحسيني، فإن الركب ماض حتى دولة الحق والعدل الإلهي_ فما قتلوا حسينا حينما قتلوا، إن الحسين خالد باقي فينا_ والفرصة لم تنقض بعد؛ فما بين الثورتين ساحة للجهاد نحتاج فيها أن نكون عباسيين في وفائه، و أكبرييين في عطائه، وقاسميين في فدائه، ومجنونين في عشق الحق وتجلياته. ونحتاج أن نجعل من سترنا إكليلا يتوجنا نحن النساء لنكون زينبيات، ولنحذر من حرق خدر زينب مرة أخرى بخروجنا سافرات، ولا نكون جزء من الطوق الذي أُلبس المكبلات بتطويق أنفسنا بالشهوات والتجاوزات، ولنحذر ونحن في معرض النظارة من خزي أنفسنا ببروزنا متبرجات أمام الأجانب ليشار إلينا بالبنان، فتلك السهام تآذي العفيفات، وإذا ما أردنا أن نكون هاشميات فعلينا بالتسلح بالعلم والعمل والعطاء، لنصد الباطل ونخطب في وجه العدو بكل رباطة جأش مستنكرين تلك الفعال. وعلينا بالاقتداء بطوعة في ضيافتها للوحيد المظلوم فلا نستوحشن الحق لقلة سالكيه، ولنكن كنساء الشهداء المضحيات بأزواجهن وفلذات أكبادهن من أجل إعلاء كلمة الحق.

اخرى
منذ 3 أشهر
85

الإمامُ الحسينِ(عليه السلام) المسلكَ إلى الرضوان

الإمامُ الحسينِ(عليه السلام) المسلكَ إلى الرضوان لم يكن الإمام الحسين(عليه السلام) إنساناً عادياً كسائرِ البشرِ، ولم تكن ثورته ثورةً عابرةً حدثت في وقتٍ معينٍ- عاشوراء- وانتهت بمقتله(عليه السلام) وأهل بيته واصحابه النجباء؛ بل كان الإمام الحسين(عليه السلام) علة غائية لوجود الكون، وثمرة قلب الزهراء(عليها السلام)، وابن سيد الوصيين وقرة عينه، وسليل الأنبياءِ والمرسلين وريحانة جده خاتم النبيين، كان الوجود الخاتم للخمسة أصحاب الكساء، والمنَصّب من قبلِ الله(سبحانه وتعالى) إماماً وهادياً وعلماً ومناراً ورايةً للحقِ والصدق وداعياً إلى الرشد، والمصلح العادل إلى العباد بعد أن جثت على قلوبِ الناسِ شرذمة الباطل، فأماتت الحقِ واحيت البدعة وعاثت في الأرضِ فساداً، فكان لابد من النهوض والثورة والإصلاح والتغيير، لهذا لم تكن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) ثورةً عابرةً فحسب؛ بل كانت منهجاً متكاملاً لإحياء النفوس المتعبة؛ التي ارهقها الظلم والطغيان والتجبر والانحلال الأخلاقي والانحراف العقائدي، فكان من اللزوم الوقوف بوجه الفساد، فقام الإمام الحسين(عليه السلام) بثورةٍ عارمةٍ لقض فلول الظالمين، والقضاء على جذور التجبر الفرعوني الذي لم يرعَ أي حرمة لدينِ الله وسنة رسوله وللإمام المفترض الطاعة، الذي اختاره الله واختصه بثورةٍ خالدةٍ على مر الاجيال متجددةٍ بتجددِ الزمان، تحمل أهدافاً ساميةً ودروساً وعبر لكل عاقلٍ لبيب ومنصف حصيف، تلك هي ثورة عاشوراء ثورة المظلوم على الظالم والحقُ على الباطلِ والنورُ على الظلام والدمُ على السيف؛ التي تجسدت فيها بصمة الشيخ الكبير الذي لم يبالي لكبر سنه، والشاب اليافع الذي لم ترهبه السيوفَ والرماح، والطفل الصغير الذي عانقَ وريده سهم الأعداء، والكافل لحُرمِ سيدِ الشهداء، ذوداً عن الدينِ وحتى لا تنحرفُ سنة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) عن مسارها الصحيح، فنجد خروج الإمام الحسين(عليه السلام) خروجاً إصلاحياً تغييرياً، يقولُ(سلام الله عليه):" وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي"(1). فتجلى هذا الخروج في أروع صوره يوم عاشوراء وقت الصلاة؛ حيثُ الإمام(عليه السلام) واصحابه يؤدون الصلاة والسهام تُرمى عليهم من جميع الجهات، فقابلوها بصلابةِ الإيمان واحقية الاعتقاد، فكان اصحابُ الإمام الحسين(عليه السلام) يتمنون الموت بين يديه الف مرة، دفاعاً عن الحقِ وعن إمام زمانهم ورغبةً في الجنة ، فقال الإمام الحسين(عليه السلام) فيهم: "أما بعد: فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيرا"(2). فكان(سلام الله عليه) المسلكَ إلى رضوان الله تعالى وجنانه ومغفرته، فسلامُ الله على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين ما بقيَ ليلٌ وطلعَ صبح. ...................................... 1- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٤ - الصفحة ٣٢٩. 2- الإرشاد - الشيخ المفيد - ج ٢ - الصفحة ٩١. ام باقر الربيعي

اخرى
منذ 3 أشهر
84

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
138829

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
127630

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
83006

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
77212

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
76899

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
71393