خاطرة

عن النبي (صلى الله عليه وآله): "رِفقًا بالقوارير" أتعلمونَ يا سادة ما هي القارورة إنّها إناءٌ من زُجاجٍ رقيقٍ شفّافٍ يحملُ في داخلِه ماءً نقيًا صافيًا ولكنّه يتهشّمُ وينهدرُ ما فيه بضربةٍ خفيفة؟ أتعلمونَ من القوارير؟ هُنَّ زوجاتُكم أسيراتُ قلوبِكم يحمِلْنَ في قلوبِهنَّ الحُبَّ والحنانَ لكم تسقيكَ وتسقي أطفالَك وتُنعِشْ حياتَك بصفائها وشفافيتِها لتنموَ أُسرتُك وتكبُرُ أنتَ تُحدِّدُ نوعيةَ الماءِ في تلك القارورة فإما أنْ يكونَ صافيًا رقراقًا وإمّا يتكدّرَ ويُصبِحَ غليظًا داكنًا تبعًا لأقوالِك وتصرفاتِك فجُزيئاتِ الماءِ تتأثّرُ بما حولَها من أصواتٍ وأجواء وإيّاكَ أنْ تغفلَ عن حملِها برِفقٍ وإياك أن تُعرِّضَها لضربةٍ بكلمةٍ جارحةٍ فإنْ تهشّمْتِ فلن تستطيعَ أنْ تجمعَ قطعَها مرّةً أُخرى بل حتّى لو جمَعْتَها فمن المُستحيلِ أنْ تعودَ كما كانتْ أبدًا وقد يذهب كُلُّ ما فيها من حُبٍّ وربما لا يعود كالسابقِ مُطلقًا

اخرى
منذ شهر
102

روائعُ الكَلِمِ في شرحِ قِصارِ الحِكَمِ(4)

بقلم: حسين مصطفى الياسين • المقام الثالث: في الفقر (وَالْفقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، واَلْمُقِلُّ غَريبٌ فِي بَلْدَتهِ). • الفُقْرُ: ضدُّ الغِنى… والفقرُ الحاجةُ(1)، وذكرَ بعضٌ(2): أنّ الفقرَ: ما قَصُرَ بك عن دركِ حاجاتِك. ويُمكِنُ لنا تحديدُ مفهومِ الفقرِ بالنظرِ إلى علمِ الاقتصاد، فهُناك عدّةُ تعريفاتٍ له أهمُّها وأنفعُها هو أنَّ الفقرَ يعني العجزَ عن إشباعِ الحاجاتِ الأساسيةِ أو الضروريةِ سواء أكانَ على صعيدِ الأفرادِ أم على صعيدِ الشعوب. إذن يدورُ مفهومُ الفقرِ حولَ الحرمانِ من إشباعِ الحاجاتِ الإنسانيةِ اللازمةِ للمعيشة. وبعبارةٍ اُخرى: الفقرُ يعني عدمَ القُدرةِ على الوصولِ إلى حدٍّ أدنى من مستوى المعيشة(3). • وفي خصوص الفقر المادي (أو الاقتصادي)، فإنه ينقسمُ إلى نوعين(4): 1ـ الفقر العادي: يُنظرُ إلى هذا النوعِ من زاويةِ الدخلِ الذي يُحقِّقُ الحصولَ على أدنى مستوى من الحاجاتِ المعيشيةِ الضروريةِ للإنسان من طعامٍ وشرابٍ ومسكنٍ وملبسٍ(5). 2ـ الفقر المُدقع: هذا النوعُ ينطبقُ على مَنْ لا يُحصِّلُ سوى الحدِّ الأدنى من الاحتياطاتِ الغذائيةِ فقط(6). ومن الواضحِ جدًا أنّ الفقهَ الإسلامي تعرّضَ لهذه النظريةِ عندما فرّقَ بينَ الفقيرِ والمسكين. • معنى الفقرِ في الاصطلاحِ القُرآني والحديثي. للفقرِ تحتَ هذا المِنظارِ معانٍ مُتعددةٍ، سأذكرُ مُختصرًا ما يلي: 1ـ الفقرُ بمعنى الفاقةِ والاحتياجِ في أصلِ الوجودِ، كما في قوله (تعالى): (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ واللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(7). 2ـ الفقرُ بمعنى العَوَزِ المادي، كما في قوله (تعالى): (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ …)(8). 3ـ الفقرُ بمعنى الفقرِ المعنوي، كما في الروايةِ المرويّةِ عن سيّدِ البُلًغاء (عليه السلام) حيثُ قال: (فقرُ النفسِ شرُّ الفقرِ)(9) 4ـ الفقرُ بمعنى الإحساسِ بالحاجةِ إلى اللهِ (تعالى) والافتقارِ إليه، كما في الحديثِ النبويّ الشريف: (اللهّمّ أغنِني بالافتقارِ إليك)(10)*. • آثارُ الفقـــرِ للفقرِ آثارٌ سيئةٌ تعودُ على الفردِ والمُجتمعِ، سواء أكانتْ اقتصاديةً أم اجتماعيةً، فعلى سبيلِ المثالِ: نقصُ الطلبِ الكُلّي على السِلَعِ والخدماتِ يؤدّي بدورِه إلى الركودِ وظهورِ سلوكياتٍ مُنحرفةٍ لدى بعضِ الفُقراءِ والعاطلين تؤدي إلى الخروج عن القيمِ والأخلاقِ والدينِ، كالسرقةِ وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ وانتشارِ الجرائمِ التي تضرُّ بالمُجتمعِ، والواقعُ المُعاصرُ يشهدُ أنّ الفقرَ تحوّلَ من ظاهرةٍ مُمكنةِ العلاجِ إلى أزمةٍ خطيرةٍ. • الفقرُ والغنى بينَ المدحِ والذمِّ في ظِلِّ الرواياتِ الشريفة. بمطالعة الروايات الشريفة، نجدُ أن طائفةً من الروايات تذمُّ الفقرَ، وطائفةً أخرى تمدحُه، سأذكرُ بعضَ الرواياتِ مُختصرًا، ومن أراد الاستزادةَ فليُراجعِ الكتبَ الروائية(11) الطائفة الأولى: بعض الروايات التي تذمُّ الفقر: قالَ الإمامُ علي (عليه السلام): (الفقرُ الموتُ الأكبر)(12). وقالَ (عليه السلام) لابنه مُحمّد بن الحنفية: (يا بُني، إنّي أخافُ عليكَ الفقرَ فاستعِذْ باللهِ منه؛ فإنّ الفقرَ منقصةٌ للدينِ مدهشةٌ للعقلِ داعيةٌ للمقت)(13). قالَ الشيخُ مُحمد عبده مُعلِّقًا: (إذا اشتدَّ الفقرُ فرُبّما يحملُ على الخيانةِ أو الكذبِ أو احتمالِ الذُلّ أو القعودِ عن نُصرةِ الحقِّ، وكُلّها نقصٌ في الدين). ووردَ عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قالَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآلهِ): (كادَ الفقرُ أنْ يكونَ كُفرًا، وكادَ الحسدُ أنْ يغلبَ القدر)(14). وعلق المولى المازندراني: (لعلَّ المُرادَ به الفقرُ القاطعُ لعنانِ الاصطبارِ وقد وقعَ الاستعاذةُ منه، وأمّا الفقرُ الممدوحُ فهو الفقرُ المقرونُ بالصبرِ)(15). الطائفة الثانية: بعض الروايات التي تمدحُ الفقرَ: وردَ عن أبي عبد الله (عليه السلام): (المصائبُ منحٌ من اللهِ، والفقرُ مخزونٌ عندَ الله)(16). والمنح: العطاءُ. وقولُه (عليه السلام): (والفقرُ مخزونٌ عندَ الله) لخواصِه وأوليائه يوصلُه إليهم تحفةً لهم، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ التقديرُ: وجزاءُ الفقرِ مخزونٌ، وفيه تنبيهٌ على كمالِ منزلتِه ومنزلةِ أهله(17). ووردَ عنه (عليه السلام) أنّه قال: (الفقرُ مخزونٌ عندَ اللهِ كالشهادةِ، ولا يُعطيها إلاَّ مَنْ أَحبَّ مِن عبادهِ المؤمنين)(18). الجمع بين الروايات: يبدو -وللوهلةِ الأولى- وجودُ تعارُضٍ بحسبِ الظاهرِ بينَ رواياتِ الطائفةِ الأولى ورواياتِ الطائفةِ الثانية، والواجبُ علينا هو فهمُ هذه الرواياتِ فهمًا صحيحًا. وقد سلكَ المُختصّون بالحديثِ مناهجَ مُختلفةً للجمعِ بينِ هذه النصوص، أذكرُ سريعًا ثلاثةَ طُرُقٍ للجمعِ وهي: • الطريق الأول: الجمعُ من خلالِ تمييزِ مفهومِ الفقرِ الواردِ في رواياتِ المدحِ عنه في رواياتِ الذم(19) • الطريق الثاني: الجمعُ من خلالِ التفاوتِ بينَ خصائصِ الفقرِ الممدوحِ والفقرِ المذموم. • الطريق الثالث: إهمالُ رواياتِ المدحِ؛ لضعفِ سندِها، والاستنادُ إلى تصحيحِ النصوصِ المُقابلةِ لها(20) ولا بأسَ بذكرِ نقطتين لتوضيح المقصود: النقطة الأولى: ممّا لا شُبهةَ فيه أنَّ الدينَ الإسلامي ينظرُ إلى التنميةِ الاقتصاديةِ بشكلٍ مهمٍ، وينظرُ إلى الأضرارِ الناشئةِ عن الفقرِ، ويتكلّمُ عن أصولِ التنميةِ ومبادئها وعن عقباتِها وآفاتِها(21) فإذا لاحظنا هذا كُلَّه فلا يبقى مجالٌ للريبةِ والشُبهةِ في رفض الفكرة القائلة بأنَّ الإسلامَ دينٌ يميلُ إلى الفقرِ، بل العكسُ هو الصحيحُ، فإنَّ الإسلامَ دينٌ لا يميلُ ولا ينحازُ إلى الفقرِ، وإنَّ التنميةَ الاقتصاديةَ من واضحاتِ هذا الدين. النقطة الثانية: الغنى والفقرُ هما كالعلمِ والجهلِ، وهاهُنا رؤيتان للتقويم: الرؤية الأولى: تقوّمُ الثروةَ بشكلٍ مُطلقٍ كالعلمِ بوصفِه ظاهرةً في نظامِ الخِلقة والتكوين، ويكونُ في خدمةِ الإنسانِ ومع حوائجِه. وهذا في مُقابلِ الفقرِ الذي يُقوّمُ كالجهل بإزاء متطلّبات الإنسان. الرؤية الثانية: تنظرُ للثروةِ في نطاقِ الدورِ الذي تنهضُ به على صعيدِ الحياة. فعندما يُطَلُّ على الثروةِ من زاويةٍ وجوديةٍ، ويتمُّ تقويمُها من هذا النظر فإنّها حينئذٍ وبلا ريب تُعدُّ قيمةً ونعمةً في مُقابلِ الفقرِ كالعلمِ تمامًا في مقابلِ الجهل. أمّا عندما يتمُّ تقويمُ الثروةِ انطلاقًا من طبيعةِ علاقتِها بالإنسانِ الثري، فستكتسبُ المُعادلةُ صيغًا اُخرى، فكما لا يُعدُّ العلمُ نافعًا لكُلِّ عالمٍ ولا الجهلُ ضارًّا بكُلِّ جاهلٍ* فكذلك تكونُ الثروةُ؛ فليس كُلُّ فقيرٍ مُتضررًا بالفقر، وليس كُلُّ غنيّ مُنتفعًا بالثروةِ. وهذه الحقيقةُ قد بيّنَها الإمامُ علي (عليه السلام) في قوله: (رُبَّ غنىً أورثَ الفقرَ الباقي)(22)، و(رُبَّ فقرٍ عادَ بالغِنى الباقي)(23)، و(كم من منقوصٍ رابحٍ ومزيدٍ خاسرٍ)(24). وبناءً على ما تقدَّمَ يتضِحُ أنَّ الثريَّ عندما ينظرُ إلى الفقيرِ وصلتِه بالفقرِ من مقامِ الذُلِّ والمَهانةِ فلا يُمكِنُ أنْ نجزمَ بأنَّ الثروةَ تُعدُّ ذات قيمةٍ بشكلٍ مُطلقٍ، وكذا الحالُ بالنسبةِ للفقرِ، فإنّنا لا نستطيعُ الجزمَ بأنّه حالةٌ مُنافيةٌ للقيمةِ بشكلٍ مُطلق. وبعبارةٍ اُخرى: إذا أردنا تقويمهما فعلينا أن ننظر إلى النتائجِ، فإذا استفادَ الثريُّ من الثروةِ على ما يُرام فستكونُ الثروةُ حينئذٍ ذاتَ قيمةٍ، وإذا أساءَ فإنّها تتحوّلُ إلى الضدِّ تمامًا، وهكذا الحالُ بالنسبةِ إلى الفقر، فإنّه إذا جرَّ إلى الدمارِ والذُلِّ فهو عنصرٌ سلبي، وإذا كانَ للفقيرِ مواقفُ صحيحةٌ وكانَ الفقرُ باعثًا لكمالِه فالفقرُ حينئذٍ يكونُ ذا قيمة(25). • تنبيه: ظاهرةُ الفقرِ مُرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بالمواردِ الطبيعيةِ، فهي تنشأُ عن قِلّةِ المواردِ الطبيعيةِ قياسًا بالأعدادِ البشريّةِ، وباعتقادِنا: لمّا كانَ اللهُ (تعالى) عادلًا فإنّه خلقَ مواردَ طبيعيةً بمقدارٍ يكفي عددَ الخلقِ ويزيد، وهذا من فضلِه (تعالى). وبناءً على هذا الكلام يُخالِجُ الذهنَ سؤالٌ حاصلُه: كيفَ حصلتْ ظاهرةُ الفقرِ إذن؟ الجواب: إنَّ ظاهرةَ الفقرِ نشأتْ من خلالِ تسلُّطِ بعضِ الناسِ على المواردِ الطبيعيةِ بحيث أدى بهم الجشعُ إلى احتكارِ أغلبِها فحدث سوءٌ في التوزيعِ رغم وفرة الموارد، فأدّى إلى خلقِ ظاهرةِ الفقرِ. وقد انبرى أميرُ المؤمنين (عليه السلام) لإيضاحِ هذه الحقيقةِ حيثُ قال: (إنَّ اللهَ (سبحانه) فرضَ في أموالِ الأغنياءِ أقوات الفقراءِ، فما جاعَ فقيرٌ إلّا بما مُتِّعَ به غنيّ، واللهُ (تعالى) سائلُهم عن ذلك)(26). إذن، يُمكِنُ القولُ: إنّ ظاهرةَ الفقرِ نشأتْ من سوءِ استثمارِ المواردِ البشريّة؛ إذ لم تُستثمرْ بشكلٍ صحيح. قالَ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام): (يا عبيدُ، إنَّ السرفَ يورثُ الفقرَ، وإنَّ القصدَ يورثُ الغِنى)(27). فالسرفُ يؤدّي إلى خلقِ ظاهرةِ الفقرِ، كما أنّ الاقتصادَ يؤدّي إلى خلقِ حالةِ الغِنى، ونبذِ الاستغلال والجشع يؤدّي إلى حالةٍ من التساوي –ولو النسبي- وانتفاءِ حالةِ الفقرِ في المُجتمع –نسبياً-. هذا بالإضافة إلى أن من أسباب الفقر هو الكسل الذي يعيشه البعض عن الكسب والعمل. ... *رجوعِ إلى قولِ الإمامِ (عليه السلام) حيثُ يقول: (والفُقْرُ يُخْرِسُ الفطِنَ عن حُجّتِهِ). • يُخْرِسُ: الخَرَسُ في اللسانِ وهو ذهابُ النطق(28). والخَرَسُ: ذهابُ الكلامِ عيًا أو خِلقةً(29). • الفَطِنُ: فطن: الفاء والطاء والنون كلمةٌ واحدةٌ تدلُّ على ذكاءٍ وعلمٍ بشيء (30). • فطن والفطنة: كالفهمِ، والفِطنةُ: ضدُّ الغباوة(31). • حُجَّتِهِ: الحُجّة: الدليلُ والبُرهانُ(32)، وقيلَ: الحُجّةُ ما دوفعَ به الخصم، وقال الأزهري: الحُجّةُ الوجهُ الذي يكونُ به الظَفَرُ عندَ الخصومة(33) ويُمكِنُ القولُ: إنَّ مقصودَ الإمامِ (عليه السلام) ـواللهُ العالمُ- أنَّ الفقرَ يضغطُ على العقلِ بحيث يسدُّ أمامَه منافذَ الرؤيةِ، وهذا في الغالب. أمّا إذا كان للفقيرِ هدفٌ أعلى بحيث إنه قد يُضحّي بحياتِه من أجلِ نيلِه، فإنه ينسى حينَها حالةَ البؤسِ، كطالبِ العلمِ وطالبِ الحُريةِ لوطنِه كما حدثَ لكثيرٍ من الفقراء المُناضلين الأحرار(34). • ((وَاْلمُقِلُّ غَريبٌ فِي بَلْدَتِهِ)). • اَلْمقِلُّ: بمعنى الفقيرِ؛ لذا وردَ في الدُعاء (… يا رازقَ المُقلّين ارزقني) والمُقلّون هم الفقراء(34). ورجلٌ مُقِلٌّ أي فقير، وأقلَّ أيّ افتقر(35). والمُقِلُّ هو الذي لا شيءَ عندَه(36)، والإقلالُ قِلّةُ الجدة، ورجلٌ مُقِلٌ وأقلَّ: فقير(37). إن الفقير غريبٌ في بلدتِه باعتبار عدمِ التفاتِ الناسِ إليه غالبًا وقلّة الأعوانِ والإخوانِ له؛ لأجلِ إقلالِه، فهو كالغريبِ الذي لا يُعرَفُ. ولعلَّ لفظَ (غريب) من بابِ الاستعارةِ للفقيرِ؛ لذا قال (عليه السلام): (الغِنى في الغُربةِ وطنٌ، والفقرُ في الوطنِ غربةٌ)(38) ؛ إذ من شأنِ الوطنِ أنْ يُسهِّلَ لابنِه العسيرِ ويُحقِّقَ أُمنيتَه ويقضيَ حاجتَه، وهذا في الغالبِ ما يتحقَّقُ مع صاحبِ المال. أمّا الفقيرُ فهو كالغريبِ الذي لا يعرفه أحدٌ ولا تُقضى حاجتُه فهو في وطنِه غريبٌ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) يراجع لسان العرب ج5 ص60 ، ونحوه في تاج العروس ج7 ص354، وفي موضع آخر ذكر بأنّ الفقر خلاف الغنى فراجع ج3 ص332. (2) نهج البلاغة ج4 ص29. (3) وبقول آخر الفقر يعني انخفاض الدخل والاستهلاك. (4) للاستزادة يمكن مراجعة الدكتور محمد عبد الحليم عمر أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر من خلال الرابط التالي: https://www.aliqtisadalislami.net 2019/2/11. (5) ويقدر عالميًا بمَنْ يقل دخله في اليوم عن 2 دولار أمريكي. (6) ويقدر عالميًا بمَنْ يقل دخله عن 1.25 دولار أمريكي للفرد في اليوم الواحد. (7) فاطر: 15. (8) التوبة: 60. (9) غرر الحكم: 6547. (10) مفردات ألفاظ القرآن: 642. * ويمكن الاستزادة أكثر بمراجعة كتاب التنمية الاقتصادية في الكتاب والسنة ص115. (11) لا بأس بمراجعة التنمية الاقتصادية في الكتاب والسنة ص101ـ 110 فإنّ المؤلف ذكر فصولاً ثلاثة لهذا المطلب وقد أجاد ونفع فلله دره. (12) يُنظر نهج البلاغة ج4 ص41. (13) يُنظر مصدر سابق ج4 ص76. (14) يُنظر الكافي الشريف ج2 ص307 ح4. (15) يُنظر شرح أصول الكافي ج9 ص318 ، وهناك تتمة لطبعة نقلها عن الغزالي مراجعتها جيدة. (16) يُنظر الكافي الشريف ج2 ص260. (17) يُنظر شرح أصول الكافي ج9 ص222. (18) يراجع جامع أحاديث الشيعة ج8 ص473. (19) يراجع النخبة في الحكمة العملية والأحكام الشرعية للفيض الكاشاني ص66ـ 67. (20) يراجع:* المحجة البيضاء : ج7 ص319 ـ 330. * بحار الأنوار: ج72 ص6-7 وص34. * معراج السعادة ص91و295. * مسلكنا للمشكيني: ص182. * تفسير نمونة: ج16 ، ص174نقلاً عن التنمية الاقتصادية في الكتاب والسنة ص112. (21) فنرى الإسلام تارة يتكلم عن العلم وأخرى عن التدبير ثم العمل والسوق والاستهلاك والدولة وهذه هي اُسُسُ التنمية. * قد روي عن الإمام علي (عليه السلام) انه قال: ((رُبَّ جاهلٍ نجاته جهله)). يمكن مراجعة كتاب العقل والجهل في الكتاب والسنة ص221 لـ (محمد الريشهري). (22) غرر الحكم: 5328. (23) غرر الحكم: 5327. (24) غرر الحكم: 696. (25) يراجع التنمية الاقتصادية في الكتاب والسنة ص112ـ 113 بتصرف. (26) يراجع نهج البلاغة ج4 ص78. (27) يراجع الكافي الشريف ج8 ص53 ح4. (28) يراجع معجم مقاييس اللغة ج2 ص167. (29) يراجع لسان العرب ج6 ص62، ونحوه في كتاب العين ج4 ص195. (30) يراجع معجم مقاييس اللغة ج4 ص510. (31) يراجع لسان العرب ج13 ص323. (32) يراجع النهاية في غريب الحديث ج1 ص340. (33) يراجع لسان العرب ج2 ص228. (34) وهذا أشبه بما ذكره الشيخ مغنية (رحمه الله تعالى) في كتابه ((في ظلال نهج البلاغة)) ج4 ص215 وما بعدها. (35) يُنظر الصحيفة السجادية (ابطحي) ص272 بتصرف. (36) يُنظر الكافي الشريف ج2 ص552. (37) يُنظر التوحيد ص26 بتعليق سيد هاشم الحسيني الطهراني. (38) يُنظر شرح أصول الكافي ج10 ص390. (39) يُنظر نهج البلاغة ج4 ص14.

اخرى
منذ شهر
74

خاطرة

ولنْ يخذُلَ اللهُ حُلمَك.. ما دُمتَ تُرسِلُه في دعاء..

اخرى
منذ شهر
78

روائع الكلم في شرح قصار الحكم(3)

بقلم: حسين مصطفى الياسين الأَصْلُ: الْبُخْلُ عَارٌ، وَالجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَالْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَاَلْمُقِلُّ غَرِيبٌ في بَلْدَتِهِ(1). ها هنا ثلاثة مقامات: • المقامُ الأول: في البُخلِ (البُخْلُ عَارٌ). • البخلُ والبخولُ: ضدُّ الكرم(2)، وذكرَ بعضٌ: أنَّ البُخلَ منعُ الحقِّ(3). والبُخلُ: أصلُه مشقةُ الإعطاء(4). أقولُ: بمُلاحظةِ كلماتِ اللُغويين يُمكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ البخلَ هو المنعُ والإمساكُ. والبُخلُ صفةُ نقصٍ. وممّا ينبغي الالتفاتُ إليه: أنَّ البُخلَ والجودَ أمرانِ معنويانِ، لا يُدركانِ بالحسِّ وإنّما تُلازمهما صورتان تُدركانِ بالحِسّ، وهما بسطُ اليدِ للجود، وقبضُها للبُخلِ، وأحيانًا يُعبَّرُ عنهما بلازمهما لفائدةِ الإيضاحِ والانتقالِ من المعنوياتِ إلى المحسوسات، ومنه قوله (تعالى): (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا واللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(5) وهذا مجازٌ فائدتُه ما تقدّمَ. ومن أراد الاستزادةَ فليُراجعِ البحوثَ التفسيرية(6). ومن الواضحِ أنّ غريزةَ حُبِّ الذات لمّا كانتْ موجودةً في الإنسانِ فإنّها تؤدي به إلى الوقوع بالبُخل. والبخلُ هو تمنّي أنْ تكونَ النعمةُ له فقط ويُحرَمُ الآخرون منها وهذه هي الأنانيةُ التي تدعو الإنسانَ أنْ يطلبَ شيئًا لنفسِه ويلتذَّ بحرمانِ الآخرين (7). ونجدُ أميرَ المؤمنين (صلواتُ الله عليه) ذكرَ في كتابٍ له إلى أُمراء البلاد في أوقات الصلاة: (… فإنَّ البُخلَ والجُبنَ والحِرصَ غرائزُ شتّى يجمعُها سوءُ الظنِّ بالله)(8). فهذهِ طبائعُ مُتفرقةٌ نقطةُ الاشتراكِ بينها هو سوءُ الظنِّ بالله الكريم. ولابُدّ أنْ يُلتفتُ إلى أنَّ البُخلَ كُلّما ذُكِرَ فُهِمَ منه البُخل المالي، إلّا أنّه لا ينحصر عليه؛ لأنّ مفهومَ البُخلِ في الحقيقةِ مفهومٌ واسعٌ يستوعبُ في دائرتِه البُخلَ في أداءِ الحقوقِ والبُخلَ في العلمِ وما إلى ذلك، فتأمّلْ. • ((عارٌ)): العارُ: كُلُّ شيءٍ لزمَ به سُبّة أو عيب(9) ومن خلالِ بيانِ معنى البُخلِ والعار يتضِحُ أنّهما صفتا نقصٍ، والعاقلُ يتنزّهُ عن صفاتِ النقصِ؛ لأنّه يرمي إلى الكمالِ. ثم إنَّ البُخلَ يُحدِّدُ لصاحبِه منهجيةَ سيرِه فكرًا وسلوكًا ويمنعه من التعاونِ على الخير وعدم الاكتراثِ بالناسِ بحيث لا يهتمُّ بهمومهم، فأينَ الإنسانيةُ حينئذٍ؟! البخل ليسَ من الإنسانيةِ في شيء؛ وقد ذم الله تبارك وتعالى البخلاء وأوعدهم بالعذاب المهين، قال (تعالى): (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)(10). وهاهُنا نُكتةٌ لطيفةٌ أشارتِ الآيةُ المُباركةُ لها، يُمكِنُ إيضاحُها بما يلي: أنَّ البُخلَ قسمان: أ ـ بُخلٌ بسيطٌ (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ). ب ـ بُخلٌ مُركبٌ (وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ). فتارةً يكونُ الإنسانُ بخيلًا لوحده، وتارةً أُخرى يتعدّى بُخلُه فيأمر غيرَه بالبُخل، وذلك ربما لأجلِ كتمانِ النعمةِ التي وصلتْ إليه خوفًا من الطلب. سلَّمَنا اللهُ (تعالى) وإيّاكم من هذه الآفةِ بحقِّ النبيّ وآله الكُرماء (صلى الله عليه وعليهم). • المقامُ الثاني: في الجُبنِ (والجُبْنُ مَنْقَصَةٌ). • جَبُنَ: الجبانُ من الرجال: الذي يهابُ التقدُمَ على كُلِّ شيءٍ ليلًا أو نهارًا. والجبانُ هو ضدُّ الشجاعةِ والشجاع(11). • وذكر ابنُ عقيل(12) أنّ الجُبنَ بضمٍّ فسكون: هو الهيبةُ والفزعُ وضعفُ القلبِ والخوفُ من العاقبة. أقولُ: الجُبنُ من الرذائلِ النفسانيةِ، وهو مذمومٌ، ويجبُ التنزُهُ عنه، وعليه لابُدّ من العملِ على إصلاحِ أخلاقِ النفس وملكاتِها في جانبي العلم والعمل، واكتسابِ الأخلاقِ الفاضلةِ وإزالةِ الأخلاقِ الرذيلةِ. ويُمكِنُ حصولُ هذا من خِلالِ تكرارِ الأعمالِ الصالحةِ المُناسبةِ لها ومزاولتِها والمداومة عليها حتى تثبتَ في النفسِ وتتراكم وتنتقش في النفس انتقاشًا مُتعذرَ الزوالِ أو مُتعسره. فإذا أرادَ الإنسانُ إزالةَ هذه الصفةِ المشينةِ واقتناءَ ملكةِ الشجاعة كان عليه أنْ يُكرِّرَ الورودَ في المهاولِ التي تُزلزلُ القلوبَ، وتُقلقِلُ الأحشاءَ. وكُلّما وردَ في موردٍ منها وشاهدَ أنَّ بإمكانِه الورودَ فيه وأدركَ لذّةَ الإقدامِ وشناعةَ الفرارِ، انتقشتْ نفسُه بذلك انتقاشًا بعدَ انتقاشٍ حتى تثبتَ فيها ملكةُ الشجاعة. فالطريقُ إلى تهذيبِ الأخلاقِ واكتسابِ الفاضلةِ منها هو أحدُ مسلكين: أحدهما: تهذيبُها بالغاياتِ الصالحةِ الدُنيويةِ، وهذا المسلكُ يبتني على انتخابِ الممدوحِ عندَ عامةِ الناس عن المذمومِ عندَهم، والأخذُ بما يستحسنُه الاجتماعُ وتركُ ما يستقبحُه. ثانيهما: الغاياتُ الأخروية(13). • منقصةٌ: المنقصةُ: النقصُ، والنقيصةُ العيب(14). وعلى كُلِّ حالٍ فالجُبنُ عيبٌ. والإمامُ (عليه السلام) يُريدُ التنفيرَ عن هذه الصفةِ الذميمةِ والتحلّي بضدِّها. يُتبَعُ إنْ شاءَ اللهُ (تعالى).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)نهج البلاغة ج4 ص3. (2)يراجع لسان العرب ج11 ص47. (3) يراجع الفروق اللغوية ص295. (4) يراجع التبيان ج3 ص196. (5)سورة المائدة : 64. (6)يراجع ـ مثلاً ـ الكشاف من حقائق التنزيل وعيون الاقاويل ج1 ص628 ولينظر تفسير الرازي ج12 ص43، وغيرهما. (7)يُنظر الامثل ج7 ص142 بتصرف. (8)يُنظر نهج البلاغة ج3 ص87. (9)يُنظر كتاب العين ج2 ص239، ونحوه في لسان العرب ج4 ص625. (10)النساء: 37. (11)يراجع لسان العرب ج13 ص84. (12)يراجع شرح ابن عقيل ج1 ص575 الهامش 2. (13)يراجع تفسير الميزان ج1 ص355 بتصرف. (14)يراجع لسان العرب ج7 ص101 ونحوه ما في الصحاح ج3 ص1059.

اخرى
منذ شهر
117

الاختلاطُ الإلكتروني الحرمُ الجامعي الإلكتروني إنموذجًا

بقلم: يقين محمد نعمة يُستقبلُ هذا العامُ الدراسي برونقٍ مُختلفٍ وبحُلّةٍ تكنلوجيةٍ جديدةٍ، حيثُ يسمعُ الطلابُ إشعاراتِ برامجِ المنصّاتِ التعليميةِ بدلًا من زقزقةِ العصافير وهم ذاهبون إلى جامعتهم. يشعرون ببرودةِ وضعفِ النت بدلًا من برودةِ الجوّ القارصةِ في كُلِّ صباحٍ كفاحًا لطلبِ العلم والتعليم. وتُزالُ ستائرُ شاشةِ النقّالِ بدلًا من ستائرِ الشبابيك؛ لتُضاءَ عُتمةُ الجهلِ بالعلمِ. ويكون للوحةِ الكيبورد الدور البطولي في مشاهدة هذا المسير ما خلف الكواليس.. وما يُهِمُّنا في هذا الحدثِ أنْ نتحدّثَ بكُلِّ ما يتعلّقُ بالشبابِ كونهم النُخبةَ المُثقفةَ خصوصًا في الجامعات، وهم موضعُ ثقتِنا ببناءِ ثقافةٍ مُعاصرةٍ تماشيًا مع ظرفِنا وواقعِنا الحالي بتشكيلِ صفوفٍ ومجاميعَ إلكترونيةٍ وستُكونُ بيئةً إلكترونيةً ذات صرحٍ علمي لا يقلُّ أهميةً عن الصرحِ الجامعي الواقعي.. وبطبيعةِ الحالِ، يتأثّرُ الشبابُ بثقافةِ المُجتمع المُعاصر، بما في ذلك النظام الاتصالي ومواقع التواصل الاجتماعي بشكلٍ خاصٍ، والتي قد تنشأُ من خلالِها علاقةٌ بينَ الجنسين نتيجةَ الاختلاطِ بطريقةٍ مُنافيةٍ للضوابطِ الدينيةِ والشرعيةِ.. وتُعدُّ تلك واحدةٌ من أهمِّ سلبياتِ وآثارِ وسائلِ التواصل الاجتماعي التي تترتبُ على سوءِ استخدامِها؛ فكُلّما أصبحَ التواصُلُ أسهلَ وذا احتجابٍ وسريةٍ كانَ السعيُّ وراءَ النزواتِ والعلاقاتِ غيرِ الشرعيةِ أكبرَ. وأقلُّ ما يكونُ فيها أحاديثُ تُلوِّثُ القلبَ والعقلَ والأخلاقَ، بل وتجدُ فيها الميوعةَ والخِفّةَ والتصنُعَ والتكَلُفَ والخضوعَ بالقولِ ورفعَ الكُلفةِ وكسرَ حاجزِ الحياءِ بين الجنسين، ناهيكَ عن ضياعِ الوقتِ الطويلِ في هذهِ المُحادثاتِ ممّا ينجمُ عنه انحلال بطيء للقيمِ الروحيةِ والمعنويةِ.. ولرُبَّما من الأسبابِ التي جعلتْ وساهمتْ بشكلٍ أكبر هو كسرُ حاجزِ الإطارِ المُجتمعي في مراقبتِه لهم، في الوقت الذي ينعدمُ فيه هذا الحاجز في الاختلاطِ الإلكتروني، فيُباحُ المحظور؛ لأنّ العلاقةَ هنا أكثرُ تساهُلًا ومرونةً، وأقلُّ تحفُظًا منها في العالم الواقعي الذي نكونُ فيه أكثرَ تشدُدًا بحكمِ المواجهة.. فالإنسانُ طبيعيًا يبحثُ عن ما يُمكِنُ أنْ يُشكِلَ له كمالًا على المستوى النفسي والمعنوي والفيسلوجي، كما يوجد في الطبيعةِ الإنسانيةِ نتيجةَ الانجذابِ التكويني عندَ الإنسان؛ فهو ينزعُ تلقائيا نحو الجنسِ الآخر، وهذه النزعةُ نحو الجنسِ الآخر تحتاجُ إلى مقدارٍ من الضبط.. وهذا الانجذابُ الحاصلُ بالفطرةِ الإنسانيةِ هل هو لأجلِ تلبيةِ نزواتٍ أو شهواتٍ أو رغباتٍ شهوانيةٍ عندَ الإنسان، أم إنّه يُمكِنُ أنْ يكونَ في إطارٍ مُنضبطٍ وله حدودُه اللازمةُ في هذا الإطار؟ طبيعةُ الإنسانِ الاجتماعيةِ يُبحثُ فيها عن حالةٍ من الطُمأنينةِ والسكينةِ عندَ الإنسانِ، جزءٌ منها لا يتحقّقُ إلا مع وجودِ الجنسِ الآخر، فنفسُ هذا الانجذابِ يمكنُ أنْ يكونَ حاصلَ أمرٍ فطري وطبيعي عندَ الإنسان.. ولكن السؤال: كيف يُمكنُ ضبطُ هذه الأمور؟ وكيف تُرسَمُ حدودٌ لهذه العلاقة؟ الإسلامُ جاءَ ووضعَ حدودًا وضوابطَ للعلاقةِ ما بينَ الجنسينِ الهدفُ منها هو ضبطُ هذه العلاقةِ، مثلما أعطاها قداسةً أيضًا. وإنَّ ما يُشاهدُ في الغربِ من انفلاتٍ وانفتاحِ العلاقاتِ نراه اليومَ يدفعُ ضريبةً وخيمةً لهذه العلاقات غيرِ الشرعية، نتجَ عنه ضعف شديد في المُجتمعِ الغربي؛ فهذا الاختلاط كان موضعَ ابتلاءٍ خطيرٍ؛ لأنّ طبيعة التواصل الاجتماعي هو أمرٌ فطريٌ عندَ الإنسانِ، والإنسانُ بطبعِه اجتماعيٌ لذلك نُلاحِظُ أنَّ أشدَّ العقوباتِ التي تفرضها السجون هي عقوبةُ الحبس الانفرادي! فجاء هذا العالم الافتراضي ليُلبي هذه الطبيعةَ بشكلٍ أوسعَ وأسهلَ، وأمّنَ نمطًا جديدًا من التواصُلِ فجاء هذا العالمُ ليُنشّطَ ويوسِّعَ دائرةَ التواصلِ بشيءٍ من الأريحية.. على حين أمر الإسلامُ الإنسانَ أنْ يتعاملَ مع الجنسِ الآخر تعاملًا إنسانيًا لا تعامُلًا شهوانيًا.. وكما نرى أنَّ هذه النظرةَ يمكن ضبطها في الواقعِ فقط؛ لأنَّ الواقعَ مرصودٌ من الخارجِ وأمّا في العالم الافتراضي فلا! وهذه حالةٌ من الازدواجيةِ؛ إذ الواقعُ شيءٌ والعالمُ الافتراضيُ شيءٌ آخر! ونحن اليومَ كطلبةٍ تقعُ على عاتقِنا مسؤولياتٌ نحتاجُ إلى ثقافةٍ فيها سلوكٌ وليسَ مُجرّد تعليمٍ نظري، فنحنُ مُشكلتُنا ليست مشكلةَ علمٍ؛ فكلنا نتعلّمُ، ولكن مشكلتنا مشكلة تطبيقِ النظرياتِ وجعلها مصاديق لا تصورات. وقد أفردَ بعضُ العلماء ومراجعنا الأعلام فتاوي في هذا الجانب المُهم من العالمِ الافتراضي، وهنالك تفاصيلُ مذكورةٌ تُمكِنُ مراجعتُها في الرسائلِ العمليةِ وتُغني هذا الجانب بشكلٍ كبيرٍ؛ فهم لم يُقدّموها جُزافًا ولم يلحظوا هذا العالم بشكلٍ اعتباطي فهي من المؤكدِ تنسجمُ مع حدودِ الضبطِ الاجتماعي المطلوب في التشريعِ الإسلامي، ويُمكِنُ أنْ نفهمَ أنَّ هذا العالمَ ليس عالمًا مُباحًا بل فيه حدودِ وضوابطِ كما في العالم الواقعي.. فمن المُهم جدًا أنْ نبقى تحتَ إطارِ الضابطةِ الدينيةِ، وأن نكونَ حريصينَ عليها بأيّ شكلٍ من الأشكال بعيدًا عن التبريرات الوهمية التي تؤدّي إلى خرقِ هذا الإطار.. وهنالك مسائلُ مهمةٌ تجبُ مراعاتها عند خوضِ مضمارٍ (السوشيال ميديا) كمعرفةِ خصوصيةِ هذا العالم، ومن هم أفراده؟ وما هي حدود التعامل مع هذا العالم؟ وهل السلوكُ الافتراضي هو من يُعبر عن حقيقة الطرف الاخر؟ وكذلك استدراكُ النتائجِ مُسبقًا أمرٌ ضروريٌ للغايةِ؛ لما له من آثارٍ اجتماعيةٍ وتجاوزٍ ملحوظٍ لمحتوى الخصوصية، والتفكيرُ بالعواقبِ الحاصلةِ جرّاءَ هذا الاختلاط، وكميةُ التأهيلِ الذاتي للسيطرةِ على هذا العالمِ ومُراجعةِ أنفسِنا من جديدٍ، فليسَ كُلُّ اختلاطٍ هو مُحرّماً، ولكن هُنالك ضوابطُ وشروطٌ كما أسلفنا سابقًا.

اخرى
منذ شهر
227

روائع الكلم في شرح قصار الحكم(2)

بقلم: حسين مصطفى الياسين الأصْلُ: أَزرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطّمَعَ، وَرَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَه(1). هاهُنا ثلاثةُ مقامات: • المقام الأول: في الطَمَعِ (أَزرَى بنفسِه مَنِ استشعرَ الطمعَ). أزرى أصلُه زرى: الزاي والراء والحرفُ المُعتل يدلُّ على احتقارِ الشيء والتهاونِ به(2). والإزراء: التهاونُ بالشيء، يُقال: أزريتُ به إذا قصّرتُ به وأزريتُه أي حقّرته(3) وأزرى بنفسِه أي قصّرَ بها(4) والحاصلُ أنّ الإزراءَ بمعنى التحقير والإهانةِ بالشيء. • استشعرَ: تقولُ للرجل: اِستشعرْ خِشيةَ الله، أيّ اِجعلْه شعارَ قلبِك، واِستشعرَ فُلانٌ الخوفَ إذا أضمرَه(5). قال الفيروز آبادي: … واِستشعرَه: لبَسه(6) • الطمع: تعليقُ النفسِ بما يُظنُّ من النفعِ، وأكثرُ ما يُستعمَلُ فيما يقربُ حصولَه(7). والطَمَعُ هو قوةٌ تزرعُ الشهوةَ إلى طلبِ شيءٍ مع تصوّرِ إمكانِه للطالب(8) وبعدَ الاطلاعِ على معنى الطَمَعِ يُمكِنُ بيانُ المطلبِ بحسبِ ما يلي: الطمعُ قسمان: القسمُ الأول: محمودٌ: وهو ما كانَ طمعًا في تحصيلِ أمرٍ باقٍ مما يكونُ كمالًا للنفسِ، أو وسيلةً لذلك، ومنه الطمع بالمغفرة كما في قوله (تعالى): (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(9) القسمُ الثاني: مذمومٌ: وهو ما كانَ طمعًا في تحصيلِ ما لا ينبغي من الاستكثارِ في المُقتنياتِ الفانيةِ ولا يعودُ بنفعٍ في أمرِ المعاد. وهو بهذا المعنى مُضادٌ لفضيلةِ القناعة. ويُمكِنُ أنْ يَختصَّ هذا القسمُ من الطمعِ بالفوائدِ الدنيوية والطمعِ بما في أيدي الناس. والطمعُ بما عندَ الغيرِ مصدرُ الانحطاط، وهناك الكثيرُ من أصحابِ العيونِ الضيّقةِ الذين يُلاحظون هذا وذاك باستمرارٍ، بعيونٍ ملؤها الطمعُ والجشعُ، ودأبُ هؤلاءِ على مقارنةِ حالِهم بحالِ الآخرين، فيغتمّون غمًا شديدًا فيما لو وجدوا أنّ شيئًا من الحاجاتِ الماديةِ الحياتيةِ ناقصًا عندَهم فيبذلون كُلَّ شيءٍ في سبيلِ الحصولِ عليها حتى وإنْ كلّفَهم ذلك خسارة القيَمِ الإنسانيةِ وبيعِ كرامتِهم. وهذا النمطُ من التفكيرِ ينمُّ عن حالةِ التخلُّفِ، ويكشفُ عن الشعورِ بعُقدةِ الحقارةِ ونقصِ الهِمّةِ، وهو من العوامل الفاعلةِ في تخلُّفِ الإنسانِ في حياتِه وعلى كافةِ الأصعدة. الشخصُ المُستقِلُ لا يتعاملُ مع مُجرياتِ الحياةِ بذلك النمطِ من التفكير المُتخلِّف، وإنّما يستعملُ قِواهُ الفِكريةَ والجسمانيةَ في طريقِ رُشدِه وتكاملِه، فصاحبُ الشخصيةِ المُستقلة لا يربطُ هدفَه ومَقصدَه من الحياةِ بالجوانبِ الماديةِ البحتة فقط، بل يطلبُها لإشباعِ ما يحتاجُه روحيًا وتربويًا ويطلبُها لكي يحفظَ بها استقلالَه وحُريتَه ولكي لا يكونَ عالةً على الآخرين؛ ولذا فهو لا يطلبُها بحرصٍ ولا يطلبُها بكُلِّ ما يملكُ؛ لأنَّ ذلك ليس من شأنِ الأحرارِ وليسَ من شأنِ عُبّادِ الله (تعالى) الصالحين(10) ومنه يتبين أن المُرادَ من الطَمَعِ هُنا هو الطمعُ بالمعنى الثاني، الطمع المذموم، ومن ثم ففي هذه الكلمةِ حثٌّ على وجوبِ تركِ رذيلةِ الطمع بتركِ مُتابعةِ القوةِ الشهوية وقهرِها؛ لما له من آثارٍ وخيمة أجلاها تحقير النفس؛ إذ إنَّ الإنسانَ الذي يتخذُ الطمعَ شعارًا له وديدنًا يكونُ قد حقّر نفسَه وأهانها؛ لأنّ الإنسانَ إنّما يُقاسُ بأهدافه وأمانيه. علاوةً على أنّ الطمعَ يجذبُ كثرة الهم؛ فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (… ومَنْ رمى ببصره إلى ما في يدِ غيره كَثُرَ همُّه ولم يشفِ غيظه)(11) • المقام الثاني: في الشكوى ((ورضيَ بالذُلِّ مَنْ كشفَ عن ضُرّه)). • الذُل: ضدّ العز(12) ذكر ابن منظور: (… والذُلُّ: الخِسّةُ، وأذلّه كُلّه بمعنى واحدٍ وتذلّلَ له أي خضعَ)(13). • كشفَ: الكشفُ: رفعُك شيئًا عمّا يواريه ويُغطّيه كرفعِ الغِطاءِ عن الشيء(14). والكشفُ كالضربِ والكاشفةُ الإظهارُ، ورفعُ الشيء عمّا يواريه ويُغطيه كالتكشيف(15). فيُفهَمُ أنّ الكشفَ يأتي بمعنى الإيضاحِ ويأتي بمعنى البروز. • ضُرّه: الضُر: بالضم الهُزال وسوءُ الحال(16). والضُر يأتي بمعنى السوء. يُفهم من هذه المقطوعة من كلامه (عليه السلام) التنفير عن الشكايةِ للناس من الفقرِ وكشف الضر؛ للزومه المذلة والرضى بالذل. وهنا لابُدَّ من الإشارة إلى مطلبٍ مُهمٍّ في جواز الشكوى إلى غيره (تعالى)، فقد وردت بعضُ الروايات الشريفة التي يُستفادُ منها هذا المطلب، منها ما رواه محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن يونس بن عمار قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (أيّما مؤمنٍ شكا حاجتَه وضُرَّه إلى كافرٍ أو إلى من يُخالفُه على دينه فكأنّما شكا اللهَ (عز وجل) إلى عدوٍّ من أعداء الله، وأيّما رجلٍ مؤمنٍ شكا حاجتَه وضرَّه إلى مؤمنٍ مثلِه كانتْ شكواه إلى اللهِ (عز وجل )) (17). وال ر وايةُ سندها صحيحٌ.. ومثله ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (مَنْ شكا الحاجةَ إلى مؤمنٍ فكأنّما شكا إلى اللهِ، ومَنْ شكاها إلى كافرٍ فكأنّما شكا الله)(18). وقد قيل: إنّ الوجهَ في ذلك هو أنّ المؤمنَ من حزبِ الله (تعالى) والشاكي إليه يجعله وسيلةً يتوسلُ به إلى الله (سبحانه)، وأما الكافر فهو من أعداء الله (تعالى) فالشكايةُ إليه شكايةٌ عن اللهِ (سبحانه)؛ حيث أظهرَ سرَّه إلى عدوِّه. والأولُ محمودٌ إلا عندَ المتوكلين، قال الله (تعالى) حكايةً عن يعقوب: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله) وقال (اشتكي إلى الله) والثاني مذمومٌ شرعًا وعقلًا (19). وهناك رواياتٌ أخرى وردتْ بهذا المضمون، فراجع(20). وعلى هذا الأساس فالشكايةُ للمؤمنِ محمودةٌ لا بأس بها. وبكلمةٍ اُخرى: إنّ في هذه العبارةِ المُباركة إطلاقاً، فيُقيَّدُ بالروايةِ آنفةِ الذكر، والنتيجةُ هي: أنّ الشكايةَ للمؤمنِ لا تكونُ ذلًا بل تكونُ شكايةً إلى الله (تعالى). • المقامُ الثالث: في حفظِ اللسان (وهانتْ عليه نفسُه مَنْ أَمَّرَ عليها لِسَانَهُ). هانتْ: مهن: الميم والهاء والنون أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على احتقارِ وحقارةِ الشيء، منه قولُهم: مَهينٌ أيّ حقيرٌ والمهانةُ الحقارةُ(21) وأهانهُ وهوّنهُ واستهانَ به وتهاونَ به: استخفَّ به، والاسمُ الهوانُ والمهانةُ، ورجلٌ فيه مهانةٌ أيّ ذُلٌّ وضعفٌ(22) إذن هذه المادةُ تدلُّ على تحقيرِ الشيء والاستخفافِ به. أَمَّرَ: أي سلّطَ. الذي يُفهمُ من هذا المقطع المُبارك التنفيرُ عن الإكثارِ في القولِ ومن دونِ تدبُّرِ ومراجعةِ العقل؛ إذ يلزمُ من ذلك استحقارُ النفسِ والاستخفافُ بها وإذلالُها، وأحيانًا يكون الكلامُ الكثيرُ وزيادةُ القولِ سببًا في الهلاك. وفي قوله (عليه السلام): (أَمَّرَ) استعارةٌ لوصفِ التأميرِ لتسليطِ اللسانِ على ما يؤذي النفس من غير رويةٍ وتأمُّل، فرُبَّ كلمةٍ سفكتْ دمًا وأورثتْ ندمًا؛ لذا ورد التحذيرُ من اللسانِ في هذا المقام. فاُنظُر بتأمُلٍ إلى هذه الرواية الطاهرة: (جاءَ رجلٌ إلى النبي (صلى الله عليه وآلهِ) فقال: يا رسولَ اللهِ أوصِني، فقال: اِحفظْ لسانَك، قال: يا رسولَ اللهِ أوصِني، قالَ: اِحفظْ لسانَك، ويحَك وهل يُكبُّ الناسُ على مناخرِهم في النارِ إلا حصائد ألسنتِهم)(23). والحصادُ بالفتح والكسر: قطعُ الزرعِ، والحصائدُ جمعُ الحصيد وهي ما يُحصدُ من الزرعِ. وقد شبّه الرسولُ (صلى الله عليه وآله) اللسانَ وما يقطعُ به من الأقوال الباطلةِ بحدِّ المنجلِ وما يقطعُ من النبات(24). أقول: (وهل يُكبُّ الناسُ على مناخرِهم إلا حصائد ألسنتِهم) استعارةٌ، والمُرادُ به ـ واللهُ العالمُ ـ أنّ أكثرَ معاثرِ الأقدامِ ومصارعِ الأنامِ إنّما تكونُ بجرائرِ ألسنتِهم وعواقبِ الأقوالِ السيئةِ هذا في الدُنيا، وأما في الآخرةِ فيُأخذون بآثامِ تلك الأقوال. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)نهج البلاغة ج4 ص3 (2)يُنظر معجم مقاييس اللغة ج3 ص53 (3)يراجع الصحاح ج6/ 2368. (4)يُنظر شرح نهج البلاغة ج18 ص67. (5)يراجع لسان العرب ج4 ص409 ، تاج العروس ج7 ص36. (6)يراجع القاموس المحيط ج2 ص59، ومثله في تاج العروس ج7 ص33. (7)يراجع رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (عليه السلام) ج4 ص399. (8)يراجع شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين ص114. (9)سورة الشعراء : 82. (10)يراجع الامثل ج8 ص112 بتصرف. (11)يراجع بحار الأنوار ج74 ص116 ح11. (12)يراجع الصحاح ج4 ص1701. (13)يراجع لسان العرب ج11 ص257. (14)يراجع كتاب العين ج5 ص297. (15)يراجع القاموس المحيط ج3 ص190. (16)يراجع الصحاح ج2 ص720 ومثله في لسان العرب ج4 ص482. (17)تراجع الكافي ج8 ص144 ح113. (18)يراجع نهج البلاغة ج4 ص100، الحكمة 427. (19)شرح اصول الكافي ج12 ص144 بتصرف. (20)وسائل الشيعة ج2 ص412 / بحار الانوار ج78 ص207/ ميزان الحكمة ج2 ص1502. (21)يراجع معجم مقاييس اللغة ج5 ص283. (22)يراجع لسان العرب ج13 ص438 وفي هذا المعنى ما في الصحاح ج6 ص2218. (23)يراجع الكافي ج2 ص115. (24)يراجع شرح اصول الكافي ج8 ص338.

اخرى
منذ شهر
105

التربيةُ بِحُبّ

بقلم: شيماء المياحي كُلُّ والدين يسعيان إلى تربيةِ أولادهما أفضلَ تربية، ولكن قد يتلكّأ البعضُ في اختيارِ الطريقِ الصحيحِ للتربية؛ فيحرمُ نفسَه وأبناءه من النتائجِ الطيّبة التي يُمكِنُ اكتسابُها من التربية.. هناك طرقٌ مُتعدّدةٌ للتربيةِ بحبٍّ، تناسبُ كُلٌّ منها مرحلةً عمريةً، ونمطًا خاصًّا من الشخصيات؛ لضرورة اختيار الأسلوب المناسب للتعامل مع كلٍ منها.. ولكن بصورة عامة هناك أساليبُ تُجدي مع جميعِ الأعمار والشخصيات للأبناء، وذلك من خلال كسبِ حُبِّهم ومودتِهم، بالتعامُلِ معهم باللُطفِ واللينِ مع الالتفاتِ إلى عدمِ التهاون فيما يُخالفُ المبادئ والقيم الإسلامية، ومتابعة ذلك بالحزمِ واللينِ وليس بالشدّةِ والعُنف، وبإظهارِ العاطفةِ والرحمةِ لهم بالأساليبِ المُحبّبةِ لهم لا سيما الأطفال؛ فهم لا تُجدي معهم النوايا الطيبة فحسب؛ بل يحتاجون إلى ما يؤكدُ ذلك بالتعامُلِ الخارجي.. ولذلك أكّد أهلُ بيتِ العصمة (عليهم السلام) على الرحمةِ واللطفِ بالأطفال، فقد وردَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): "من قبّلَ ولدَه كتبَ اللهُ لهُ حسنةً، ومن فرّحه فرّحه اللهُ يوم القيامة"(١) وفي حديثٍ آخر له (صلى الله عليه وآله): "من يُرضّي صغيرًا من نسلِه حتى يرضى ترضّاه اللهُ يومَ القيامة حتى يرضى"(٢) إنّ تعاملَ الوالدين بهذه الأساليبِ اللطيفةِ مع أبنائهم يُكسِبُهما حبُّهم ومودتهم وميل قلوبهم إليهما، ومن كسبَ القلوبَ توجّهَتْ إليه العقول بلا جُهدٍ ولا عناء. ومن ثم يمكنهما غرس ما يشاؤون غرسَه فيهم من أخلاقٍ ومبادئ سامية، وبلا شك أنّهم سوف يمتثلون لهم بكُلِّ حُبٍّ ومودةٍ، وكما يقال: "إنَّ المُحِبَّ لمن أحبَّ مُطيعُ" فإنَّ الحواسَ تتبعُ القلوبَ قبلَ العقول. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) فروع الكافي: ج٦ / ص٤٩ /ح١ (٢) كنز العمال: ج١٦ / ص٥٨٦ / ح٤٥٩٥٨

اخرى
منذ شهر
78

مُلخّصُ كتابِ (رسالةُ المرأةِ في الحياة) لسماحةِ السيد محمد باقر السيستاني (حفظه الله)/ الحلقة الرابعة

بقلم: حنان الزيرجاوي ♦️وظيفةُ الجنسينِ في تكوينِ الأُسرةِ وإنجاحِها الأمرُ الثاني: هو ترتيبُ الأُسرة، وهذا موضوعٌ مهمٌ للغاية؛ لأنَّ الأسرةَ وحدةٌ اجتماعيةٌ تفي بحاجاتٍ أساسيةٍ للإنسان مُشتركةٍ بينَ الرجلِ والمرأة، ومنها: أ- الحاجةُ الغريزيةُ الخاصة: وهي حاجةٌ لابُدَّ من الإيفاءِ بها ضمنَ الزواج. ب- الحاجةُ العاطفيةُ: وهي حاجةٌ إنسانيةٌ مُلِحّةٌ من خلالِ تكوين الأُسرة. ج- الحاجةُ إلى امتدادِ الإنسانِ من خلالِ أولادٍ يكوِّنُهم ويُربيهم. التأصيلُ العقلانيُّ العام: أنْ يكونَ هدفُ كُلِّ إنسانٍ من فتى أو فتاة عندَ بلوغِ السنِّ المُناسب تكوين أُسرةٍ مُلائمةِ والمُهمُّ جدًا السعيُ إلى إنجاحِ هذا المشروع لأمور: الأول: إنجاحُ هذه العلاقةِ يؤدّي إلى ضبطِ غريزةِ الطرفين وضمانِ عفافهما خارجَ الأُسرةِ وداخلها وأمامَ الأولاد، على حين فشلها يؤدّي إلى تبلورِ هذه الغريزة بأشكالٍ غير مُلائمةٍ ولا مشروعةٍ خارجَ العُلقةِ الزوجيةِ، وهذا فيه مضرةٌ للطرفين. الثاني: إنَّ إنجاحَ العلاقةِ الأسريةِ يحولُ دونَ الشعورِ بالوحدةِ والغُربةِ ويُحقِّقُ الأُنسَ والسعادةَ والتكامُلَ في الإيفاءِ بالحاجاتِ النفسيةِ والخارجيةِ والاجتماعيةِ والاقتصاديةِ. الثالث: إنَّ إنجاحَ العلاقةِ الأُسريةِ يؤدّي إلى تربيةِ الأولادِ فيها على وجهٍ سليمٍ، ممّا تنعكسُ على نفسيةِ الأطفالِ وصلاحِ أحوالهم. إذًا نجاحُ الأُسرةِ أمرٌ مهمٌ، واستبدالُ طرفِ العلاقةِ ليس بالأمر اليسير؛ لأنّ تحصيلَ محلٍ ثانٍ ليس سهلًا، لأنّه يؤدّي إلى تشويشٍ كبيرٍ في حياةِ الأولاد. إنّنا نعيشُ كثيرًا من الإيجابياتِ في حياتِنا من جهةِ مُراعاةِ من سبقَنا لهذه المبادئ الفطرية، إلا أنَّ بعضَنا قد لا يشعرُ بمزايا هذا النظام المُنتج ويبحثُ عن تحدياتٍ لهذا النظام. ♦️ التأصيلاتُ المطلوبةُ لإنجاحِ الأُسرة لاشكَّ أنّه يجبُ على كُلٍّ من الزوجين بذلُ الجهدِ في نجاحِ الأسرة سواء قبل انتخابِ الأسرة أو ضمنَ التعاقُد أو بعدها، ولكُلِّ من المراحل الثلاث اقتضاءات: أما المرحلةُ الأولى: قبل انتخابِ الأسرة، فحُسنُ اختيارِ الشريك وفقَ المؤهلات الحقيقية؛ لتجاوزِ الارتباطاتِ التي هي مظنةُ الخلاف والانفصال من جهةِ اختلافِ الطباعِ وفي حالِ تبيّنَ خللٌ من هذه الناحية فإنّه ينبغي تجاوزه والسعي في إنجاحِ الأسرة. وأمّا المرحلةُ الثانية: حينِ إبرامِ العقد، فلابُدّ من ذكرِ الطرفينِ كُلَّ رغبةٍ مُهمةٍ وأساسيةٍ لهما في الحياة الزوجية وخاصّةً الشروطَ التي تُمثِّلُ حالةً استثنائيةً بحسب العرفِ السائد، وإلا كانَ المُحكَّمُ بطبيعةِ الحالِ هو العرف أو يؤدّي إلى الاختلاف والنزاع. وأمّا المرحلةُ الثالثة: بعدَ إبرامِ العقد، فيجبُ على كُلِّ واحدٍ من الطرفينِ المُعاشرةُ بالمعروف، فلا يتعسّفُ أحدُ الطرفين مع الآخر، ويشتملُ ذلك على أمرين: 1 – رعايةُ اللياقاتِ الإنسانيةِ العامّةِ من قبيلِ عدمِ الإساءةِ إلى الآخرِ؛ لأنّ العقدَ ينطوي على التزامٍ بالتعامُلِ بالمعروف. 2 – رعايةُ اللياقاتِ الزوجيةِ الخاصّة: فإنَّ عُلقةَ الزوجيّةِ تستتبِعُ حقوقًا للطرفين وواجباتٍ عليهما، فلا ينبغي الامتناعُ عن الإيفاءِ بالحقوقِ والعملِ بالواجبات. ♦️تأصيلاتٌ ضروريةٌ لإنجاحِ الحياةِ الأُسرية هناك حاجةٌ إلى تأصيلاتٍ شرعيةٍ إضافيةٍ لضبطِ الأسرةِ، وليس المقصودُ بتعامُلِ الطرفين تعاملًا جافًا، إنما تتعلّقُ التأصيلاتُ المطلوبةُ بموضوعاتٍ ثلاثةٍ: الموضوعُ الأول: حدودُ استحقاقاتِ العلاقةِ الزوجية. الموضوعُ الثاني: ما هي كيفيةُ توزيعِ المسؤوليات بينَ الطرفين داخلَ الأسرة؟ الموضوعُ الثالث: المسؤول في داخلِ الأسرةِ في حالِ اختلافِ تشخيصِ الطرفينِ وذوقِهما في مُقتضياتِ صلاحِ الأُسرة. ♦️التأصيلُ المُلائمُ في حدودِ استحقاقاتِ العلاقةِ الزوجيةِ والعاطفية: الموضوع الأول: حدودُ استحقاقاتِ العلاقةِ الزوجيةِ والعاطفية. تقدَّمَ أنَّ علاقةَ الزواجِ توفِرُ لكُلٍّ من الطرفين سبيلًا إلى الإيفاءِ بالحاجةِ الغريزية والعاطفية، والـتأصيلُ الفطري أنَّ هناك وظيفةً مُشتركةً بينَ الزوجينِ وهي السعي إلى تحصينِ الآخر، فمن سبّبَ إلى الإخلالِ بذلك رجلًا كان أو امرأة فقد أخلَّ بالغايةِ وأدّى ذلك إمّا إلى حالاتٍ مرضيةٍ عضويةٍ ونفسيةٍ، وقد تستتبِعُ تلك الحالات عدم قُدرةِ المرأةِ أو الرجلِ على القيامِ بدوره، وقد يؤدّي إلى انفتاحِ بابٍ آخر للخطيئةِ، ولكن رغمَ هذه الوظيفةِ المُشتركةِ فقد اعتبرَ الإسلام للرجلِ درجةً على المرأةِ في هذه العُلقةِ ومن ثم أوجبَ على المرأةِ إطاعةَ الزوجِ، لكن لا يصِحُّ للزوجِ التعسُف في إعمالِ هذا الحقِّ بما يؤدّي إلى إحراجِ المرأةِ وضررِها كما لا يصِحُّ للزوجِ التفريطُ بحاجةِ المرأةِ وإنْ أعرضتْ هي عن بيانِها. يُتبَعُ إنْ شاءَ اللهُ (تعالى)..

اخرى
منذ شهر
83

روائع الكلم في شرح قصار الحكم(1)

بقلم: حسين مصطفى الياسين الأصْلُ: (كُنْ في الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيرْكَبَ، ولا ضرْعٌ فيُحْلَبَ). (1) الشرح: • ابنُ اللبون: ولدُ الناقةِ الذكر إذا استكملَ السنةَ الثانيةَ ودخلَ في الثالثة، واللبونُ من الإبلِ الشاةُ ذاتُ اللبنِ، غزيرةً كانتْ أو بكيئة(2) وابنُ اللبونِ لا يكونُ قد كمُلَ وقويَ ظهرُه على أنْ يركبَ، وليسَ بأُنثى ذات ضرعٍ فتُحلَب وهو مطرحٌ لا يُنتفَعُ به(3) • الفِتنةُ: ذُكِرتْ عِدّةُ معانٍ للفِتنةِ في اللُغةِ، منها: إحراقُ الشيء بالنارِ كالورقِ الفتين أيّ المحترق(4). وذكر أبو إسحاق الحربي أحد عشرَ وجهًا(5). وعلى كُلِّ حالٍ فهناك أبحاث عديدة بينَ المُفسرين وأربابِ اللغة في معنى الفتنة. هذِه المُفردةُ في الأصلِ من (فتن) على وزنِ متن، قال الراغبُ في مُفرداتِه: إنّها تعني وضعَ الذهبَ في النارِ؛ للكشفِ عن درجةِ جودتِه وأصالتِه(6). وقال الآلوسي: إنَّ المعنى هو وضعُ الذهبِ في النارِ لتطهيرِه من الشوائب(7). ثم إنّه قد وردتْ مُفردةُ الفِتنةِ في القرآنِ الكريمِ مع مُشتقاتِها عشراتِ المرّاتِ وبمعانٍ مُختلفةٍ، منها أنّها بمعنى الامتحانِ كما في قوله (تعالى): (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ).(8) ومنها بمعنى المكر والخديعة كما في قوله (تعالى): (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ …)(9)، ومنها بمعنى البلاء والعذاب كما في قوله (تعالى): (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ …)(10). ويُمكِنُ مراجعةُ بقيةِ المعاني في مظانها(11). وعلى كُلِّ حالٍ فإنَّ لفظَ الفِتنةِ من المُتشابهِ الذي له لفظٌ واحدٌ ومعانٍ مُختلفة. ويُمكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الفتنةَ في الأصلِ بمعنى البلاء الذي يقعُ فيه الإنسانُ. وهذا على نحوين: • أحدهما: الفتنةُ الاجتماعية: وهي ما تنشبُ بينَ جماعةٍ أو أُمّةٍ أو شعبٍ بحيثُ يسودُ الهرجُ والمرجُ في المُجتمعِ مما يؤدي إلى ابتلائه بالهزيمة. وهنا إمّا أنْ يضلَّ فيها العقلُ فلا يتبيّنُ عِللَها وأهدافَها فيهلك فيها، وإمّا أنْ يذهبَ بعيدًا عنها عملًا بقولِ الإمامِ (عليه السلام): (لا ظهرٌ فيُركَب، ولا ضرعٌ فيُحلب). • ثانيهما: الفتنةُ الفرديةُ: وهي الابتلاءُ على صعيدِ الفردِ، وتنشأُ عن تأثُرٍ بجمالِ الحياةِ عن طريقِ العينِ والأُذُنِ كاِفتتانِ المرءِ بالمرأةِ أو بالمالِ أو بالولدِ أو بالمنصبِ أو بأيّ غرضٍ من أغراض الدنيا(12) والحاصلُ أنّ الفتنةَ ذاتُ مفهومٍ واسعٍ يضمُّ جميعَ هذه الأمور. الفتنةُ كما ذكرَ بعض(13) أهلِ اللُغةِ أنّها بمعنى إذابةِ الذهبِ والفِضّةِ بالنار ليُميّزَ الرديءُ من الجيّدِ وهذا هو الأصل، ثم اُطلِقَتْ على كُلِّ امتحانٍ ظاهري ومعنوي. وبالجُملةِ فإنّ المقصودَ من قولِ الإمامِ (عليه السلام) هو الفرارُ من الباطلِ، وعدمُ الدخولِ فيه، والحذرُ من أهلِه؛ لئلا يخدعوا الإنسانَ ويستغلوه في أغراضهم ومآربهم. وهاهُنا يردُ إشكالٌ إلى الذهنِ حاصلُه: إنّ الإمامَ (عليه السلام) في حكمتِه هذه سكتَ عن الحقِّ وأهلِه، فيكونُ سكوتُه بمعنى أنّه (عليه السلام) ينهى عن الدخولِ في شأنِ المُحقّين ومُناصرتِهم وأنّه (عليه السلام) يُساوي بينهم وبين المُبطلين؟ وجوابُ هذا يكونُ بأحدِ أمرين: • أحدهما: إنَّ مثلَ هذا الكلامِ يقتصرُ فيه على دلالةِ المنطوقِ دونَ المفهوم. • ثانيهما: هناك كلماتٌ ووصايا للإمامِ (عليه السلام) هي نصٌ أو على الأقلِّ يُستظهرُ منها نُصرةُ الحقِّ وأهلِه، وهي كثيرةٌ، منها وصيتُه (عليه السلام) لابنيه الحسنين (عليهما السلام): (كونا للظالمِ خصمًا وللمظلوم عونًا).(14) ومن ثم فليس معنى سكوتِه (عليه السلام) أنّه ينهى عن الدخولِ في شأنِ المُحقّين ومُناصرتِهم، فهذا المعنى ليسَ بصحيحٍ، والإمامُ (عليه السلام) لم يأمرْنا بأنْ نسكُتَ أيامَ الفتنةِ ونعتزلَ إذا رأينا باطلًا يتّبعه قومٌ ويُعارضُه آخرون، وحاشا للإمامِ (عليه السلام) الذي أوقفَ نفسَه للحقِّ وضحّى بها في سبيلهِ أنْ يأمرَ بالفرارِ من جهادِ الباطلِ والفساد(15) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نهج البلاغة ج4 ص3. (2) البكيئة من الشاة [أو الابل] : القليلة اللبن / كتاب العين ج5 ص418/ غريب الحديث ج3 ص392/ معجم مقاييس اللغة ج1 ص286 لسان/ العرب ج1 ص34. (3) يُنظر شرح نهج البلاغة ج18 ص66 ، ط/ دار الكتاب العربي/ العراق ـ بغداد . (4) يُنظر كتاب العين ج8 ص127، ويمكن مراجعة معانٍ اخر فراجع معجم مقاييس اللغة ج4 ص472 / لسان العرب ج13 ص317. (5) يُنظر غريب الحديث ج3 ص930ــ 940. (6) يُنظر مفردات غريب القرآن / كتاب الفاء وما يتصل بها ص317. (7) روح المعاني المجلد الثاني ص65. (8) العنكبوت آية 2. (9) الأعراف آية 27. (10) الذاريات آية 13، 14. (11) يراجع مثلاً تفسير الأمثل ج2 ص21 وما بعدها/ ويراجع الميزان ج2 ص61/ ج5 ص61/ج6 ص68. (12) عبر بعض الباحثين عن الفتنة الاجتماعية بالعقلية وعن الفتنة الفردية بالقلبية. راجع انوار الحكم ومحاسن الكلم ج1 ص36. (13) يراجع تاج العروس ج18 ص425. (14) يُنظر نهج السعادة ج2 ص734. (15) ظلال نهج البلاغة ج4 ص213 وما بعدها بتصرف.

اخرى
منذ شهر
80

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
71271

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
53602

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
42397

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
35382

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
32079

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31468