أقرأ ...فكر ..تأمل....أبحث

(حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على الحق ) نسبت هذه المقالة إلى الأمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). نشاهد الكثير من الروايات المنتشرة في برامج التواصل الأجتماعي ويتناقلها الموالون ويروجون لها. ولكن هل دققنا في صحة هذه الرواية أو الحديث أو المقولة؟ هل بحثنا في سند هذه الرواية؟ لذلك يجب أن نقرأ ...نفكر. ...نتأمل ...نبحث... لأن هناك الكثير من الروايات المغلوطة التي يتم تداولها. وعلى سبيل المثال هذه المقولة المنسوبة لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين ( عليه السلام )، فإن معنى المقولة انه إذا ترك الباطل قوي واستأسد، وإذا تصدى له أهل الحق تلاشى وأضمحل. ولكن هذه المقولة غير موجودة في الكتب الحديثية، رغم أن الرواية بمعناها صحيحة إلا أن المفروض أن لا ننسبها إلى الإمام. فضلاً عن أن هذا الكلام ليس فيه بلاغة الإمام (عليه السلام)، والتي يشهد بها المخالف قبل الموالي، فليس من الصحيح تداول هذه المقولة على أنها من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام).

اخرى
منذ سنتين
8534

دوران الأرض حول الشمس؟ أم دوران الشمس حول الأرض؟

يعدّ جاليلو ذلك العالم الإيطالي أول من اكتشف أنّ الأرض تدور حول الشمس، قد اهتدى أيضاً إلى أنّ الأرض تدور حول نفسها. ويلوح أنّ هذا الباحث الفيزيائي والمنجّم، الذي يدين له التقدم العلمي في العالم بفضل القوانين العلمية التي وضعها لأول مرّة، والذي مات بعد اكتشاف أمريكا بقرن ونصف قرن، كان يقول بدوران الأرض حول الشمس فقط، وأنّ محكمة التفتيش العقائدية (انكيزيسيون) حاكمت جاليلو، لمجرد أنّه قال أنّ الأرض تدور حول الشمس، وأكرهته على التوبة والاستغفار! وبعد ذلك بدأ البحار البريطاني (فرانسيس دريك) رحلة حول الأرض في سنة 1577، واستمرت رحلته إلى عام 1580، وكان ذلك بعدما اشتهرت نظرية (كروية الأرض) وشاعت في مختلف الأوساط. ولكنه لم يكن يعلم بدوره ما إذا كانت الأرض تدور حول نفسها أو لا؟ ولكي نفطن إلى أنّ نظرية (دوران الأرض حول نفسها) كانت من النظريات البعيدة عن الإدراك والفهم، فتتعين الإشارة إلى أنّ عالم الرياضيات الفرنسي هنري بوانكاره (Henry Poincarre) الذي توفي عام 1912م عن عمر ناهز السابعة والخمسين وكان يعد ألمع عالم في الرياضيات في هذا العصر، كان يمزح ويقول: إنني غير متأكد من أنّ الأرض تدور حول نفسها. فإن صح بأنّ عالماً فذاً كهنري بوانكاره تشكّك، ولو على سبيل الفكاهة في مطلع القرن العشرين بأنّ الأرض تدور حول نفسها، فمن اليسير علينا أن ندرك ماذا كان الناس يتصورون أو يقولون بشأن هذه النظرية في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي (النصف الأول من القرن الثاني الهجري) إذ كان قبول هذه النظرية شبه مستحيل. ودوران الأرض حول نفسها لم يثبت علمياً إلاّ بعدما وضع الإنسان قدميه على سطح القمر، وشاهد الكرة الأرضية من هناك وسجل حركتها. أمّا قائدوا المكوكات الفضائية فلم يتمكنوا من تسجيل حركة الأرض حول نفسها قبل وصول البشر إلى القمر، لأنّ مراكب الفضاء كانت تنطلق بسرعة فائقة وتدور حول الأرض مرة في كل 90 دقيقة، ولم تثبت أقدام رواد الفضاء في نقطة ما ليشاهدوا منها حركة الأرض، ولكن هذا تحقق من سطح القمر ومع أجهزة التصوير الدقيقة فشاهدوا عندئذٍ حركة الأرض وصوروها أيضاً. لقد سبق الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) الغرب بعلومه ودقّة ماتوصل إليه، حيث روي عن هشام الخفاف، قال: قال لي أبو عبد الله جعفر الصادق(عليه السلام): كيف بصرت بالنجوم؟ قال، قلت: ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم مني. فقال: كيف دوران الفلك عندكم؟ قال: فأخذت قلنسوتي عن رأسي فأدرتها. فقال: فإن كان الأمر على ما تقول، فما بال بنات نعش والجدي والفرقدين لا يُرَوْنَ يدورون يوماً من الدهر في القبلة؟ 《وفي المناقب: لا تدور يوماً من الدهر في القبلة؟》 قال، قلت: والله هذا شيء لا أعرفه، ولا سمعت أحداً من أهل الحساب يذكره. فقال لي: كم السكينة من الزهرة جزءاً في ضوئها؟ قال، قلت: هذا والله نجم ما سمعت به، ولا سمعت أحداً من الناس يذكره. فقال: سبحان الله، أسقطتم نجماً بأسره، فعلى ما تحسبون؟... الى آخره من الكافي ج8 ص351، و المناقب ج4 ص265) وهنا يسقط الإمام نظرية دوران الشمس حول الأرض لأنّها إن صحت، فكيف نهتدي بالجدي ونراه (والجدي نجم في القطب يهتدى به إلى القبلة). وبنات نعش والفرقدان لا تترك مواقعها، وإنما الأرض التي تتحرك حول نفسها ثم تتحرك في دائرة أوسع حول الشمس. -فإن قيل: والعلم الحديث مارأيه؟ قلنا: بفضل التقدم العلمي والصناعي الذي تحقق للإنسان في القرن العشرين، عرف أنّ كل نجم في منظومتنا الشمسية يدور حول نفسه، وأنّ حركة النجوم في المنظومة الشمسية تخضع لقوانين ميكانيكية دقيقة، وأنّ كرة الشمس التي تدور حولها الكرات الأخرى، والتي تمثل القطب أو المركز، تدور بدورها حول نفسها وتتصل حركتها حول نفسها في منطقة خط الاستواء فتمتد إلى مرة في كل 25 يوماً. وعندما اخترع جاليلو المنظار الفلكي، استطاع بمساعدته رصد المنظومة الشمسية والأجرام، وأيقن أنّ هذه الأجرام تدور كذلك حول نفسها. ولكن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) اكتشف هذه الحقيقة العلمية قبله باثني عشر قرناً، وقال (أنّ الأرض تدور حول نفسها)، وأنّ تعاقب الليل والنهار ليس سببه حركة الشمس حول الأرض. ثم قال إنّ مثل هذه الحركة مستحيلة مع دوران الشمس في منطقة البروج، وأنّ الليل والنهار ناشئان عن حركة الأرض حول نفسها. فيصبح نصف الكرة الأرضية في نهار مشرق، ونصفها الآخر في ليل مظلم. تُرى ما الذي جعل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يكتشف أنّ الأرض تدور حول نفسها فيتعاقب الليل والنهار بسبب ذلك. سابقاً بذلك العلماء جميعاً، ومنذ اثني عشر قرناً؟! في حين أنّ علماء القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين الذين أشرنا إلى أسماء بعضهم، قد اهتدوا إلى القوانين الميكانيكية للنجوم دون أن يتوصلوا إلى حقيقة دوران الأرض حول نفسها، وفي حين أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) يعيش في منطقة بعيدة كل البعد عن عواصم العلوم في روما واليونان، فكيف اكتشف هذه الحقيقة؟ ولقد كانت هناك عواصم علمية في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) هي أنطاكية والقسطنطينية وجنديسابور وبغداد، ولكنها لم تكن قد برزت بعد، ولا وجد فيها من اكتشف هذه النظرية. وهنا سؤال: هل كان الإمام الصادق (عليه السلام) الذي اهتدى إلى هذه الحقيقة العلمية، على علم بقوانين ميكانيكية النجوم؟ وهل كان يعرف أنّ هذه الأجرام تدور حول نفسها وحول الشمس وفقاً لقانون الجاذبية بجانبيه الموجب والسالب، الجاذب والطارد، الصادر من القاعدة أو المركز والعائد إليها؟ فلا يستبعد أبداً أن يكون الإمام العالم جعفر الصادق (عليه السلام) الذي اكتشف نظرية (دوران الأرض حول نفسها)، قد توصل قبل ذلك إلى قانون الجاذبية. فهذا القانون هو أساس تلك النظرية، ومن المنطقي أن يكون اهتداؤه إلى قانون الجاذبية قد هون عليه الاهتداء إلى نظرية دوران الأرض حول نفسها(١). أمّا علماء الوهابيّة فشذوا عن العلم وأهله، ففي سؤال وجه لموقع الشيخين ابن باز وابن عثيمين مفاده: "أصحيح أن الشيخين ابن باز وابن العثيمين… أفتيا بعدم دوران الأرض وأن الشمس التي تدور حول الأرض ومن قال غير ذلك فقد كفر؟ وإن كان صحيحا كيف يمكن أن يسمح علماء أجلاء كابن باز وابن العثيمين المسموعين في العالم أن يجعلون شبهة كهذه على القرآن الذي لا يتضارب مع العلم؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا. الإجابــة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد: ... قد أثبت في المقال فيما نقلته عن العلامة ابن القيم ما يدل على إثبات كروية الأرض أما دورانها فقد أنكرته.. ولكني لم أكفر من قال به وإنما كفرت من قال إن الشمس ثابتة غير جارية لأن هذا القول مصادم لصريح القرآن والسنة المطهرة. اهـ. وكذلك نفى العلامة ابن عثيمين دوران الأرض ولم يكفر من قال به كما في فتاواه. والسبب في عدم قولهم بدوران الأرض هو عدم صحة الدليل النقلي عندهما في ذلك بالإضافة إلى ظنهم أن إثبات دوران الأرض مجرد نظريات قابلة للنقض"(٢). ووجه سؤالاً لشيخهم العلاّمة الجابري مفاده: "هل اعتقاد بأنَّ الأرض تدور حول الشمس - كما يقول الفلكيون - يعتبر من الكفر؟ الجواب: أقول: الذي دلَّ عليه القرآن والسُّنة أنَّ الدوران للشمس هي التي تدور تمشي والأرضُ ثابتة، ومن الأدلة على أنَّ الأرض ثابتة والشمس هي التي تمشي وتجري الحديث الصحيح؛ وهو أن يوشع بن نون - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خليفة موسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام - وارث النبوة بعدهما؛ دنا من بيت المقدس وقد مالت الشمس إلى الغروب فقال: ((إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ)) فلو كانت الأرض هي التي تدور لكان خِطابُ هذا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للشمس لغو والأنبياء منزَّهون، هذا يعني القول بأنَّ الشمس هي الثابتة هذا تكذيبٌ للقرآنِ والسُّنة وهي نظريةٌ كافرة والفلكيون أكثرهم جُهَّال"(٣). ____________________ (١)ظ: الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب: ترجمة د.نور الدين آل علي. (٢)موقع اسلام ويب. (٣)شبكة سحاب السلفية. فالحمدُ لله على نعمة موالاة معدن العلم والحكمة، وصلّى الله عليهم جميعاً صلاةً بمنتهى الكلمة. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
7700

إعلامُنا بحاجةٍ إلى إعلام

لا يخفى ما للإعلام من دورٍ خطرٍ وفاعل في الشهرة وسعة الانتشار على مختلف المستويات، إذ تلعب البرامج الترويجية والإعلانات التي تعددت فنونها وأساليبها الإعلامية والدعائية دوراً مهماً وضخماً في هذا الأمر.. وبنظرةٍ سريعة على ما تبثه أغلب الفضائيات نجد أن الإعلان التجاري والفواصل الإعلانية التي تتخلل البرامج أصبحت سمة من سمات الإعلام المرئي بل وأُسِّست قنواتٌ قد تخصصت فقط وفقط بالدعاية والإعلان عن كل شيء غثّاً كانَ أو سميناً.. منتجات غذائية، أجهزة منوعة، أثاث، ملابس، أدوية، ..الخ، وفي هذا السياق لا بد من الوقوف على جانب مهم يخص الجانب الإعلامي وهو الإعلان عن الإصدارات والمطبوعات بمختلف أنواعها وعلى تباين توجهاتها ومناهلها الفكرية والثقافية لاسيما تلك التي تحمل الأفكار الهدامة والدخيلة على بنية المجتمع الإسلامي والتي تهدف فيما تهدف إلى تفريغ المجتمع من محتواه الفكري الإسلامي الرصين وجرّه إلى هاوية الانحراف عن سبيل الحق.. حيث نشاهد بين فينة وأخرى برامجها التي تسلط الضوء على الكتب الصادرة وتحليل ما فيها من مواضيع وملامح فكرية. كما نشاهد يومياً وعلى جملةٍ من القنوات الفضائية برامجاً تتناول قراءة الصحف والمجلات الصادرة في بلدٍ أو عدة بلدان عربية كانت أو أجنبية.. حتى أضحى أقل المتابعين للفضائيات يعرف الأعم الأغلب من عناوينها وأوقات صدورها.. بل ويتوجه لشراء ما راق له منها بما تحويه من تحقيقات ومقالات ومقابلات وصور لمن أعجبه من نجوم الفن والرياضة والأزياء وغيرها! وبالتالي كان ذلك من أهم الأسباب التي أدت إلى تغيير الكثير من أفكارهم وتوجهاتهم بما تدُسُّه من سُمٍّ في العسل.. إنما نسوق هذا الكلام بعد أن اطلعنا على كم كبير من الإصدارات الهادفة والرائعة الأسبوعية والشهرية والفصلية والتي تخاطب أغلب طبقات المجتمع حتى الأطفال والصادرة من العتبات المقدسة كالعتبة العلوية والحسينية والعباسية والكاظمية ومسجد الكوفة وغيرها على مواقع الشبكة العالمية الإنترنيت والتي تم رفع أكثرها الكترونياً على شكل ملفات (pdf) في المواقع الالكترونية الخاصة بالعتبات المقدسة، فهي حصراً بمتناول من كان عارفاً بالعمل على الشبكة العنكبوتية وله رغبة في تصفح تلك المواقع ومتابعة ما فيها، أما غيرهم فلا يعرف شيئاً عن هذه الإصدارات أبداً إلا إذا استثنينا بنسبة بسيطة جداً ما يصدر في العتبتين الحسينية والعباسية لتوافد الزائرين إلى كربلاء ليالي الجمع المباركة.. ولعل من المخجل والمؤلم أن نكون على صلة وتماس مع الإعلام المحلي والعربي والأجنبي ملمين بأغلب ما يصدر من المجلات والصحف ذات الصبغة الفنية والإعلامية الخطرة في توجهها وفي الوقت ذاته نحن لسنا على اطلاع على إعلامنا - ذي الطابع الإسلامي- المقروء وبعيدين كل البعد عن مطالعة ما يصدر من مطبوعات جعلت قمة أهدافها التوعية والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر الفكر المتزن من أجل بناء الفرد والمجتمع وصد الهجمة الإعلامية الشرسة التي يتعرض لها فكر مذهب أهل البيت بما تنشره من مقالات ودراسات وتحقيقات في هذا الشأن ولعل أهم الأسباب هو أنَّ إعلامَنا بحاجةٍ إلى إعلام ودعاية.. لأن هذا الجانب ضعيف جداً بل منعدم تماماً في الأعم الأغلب.. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل بنوع من الاستغراب: أين القنوات الفضائية الإسلامية عن الترويج والإعلان لإعلامنا المقروء من صحف ومجلات وإصدارات لاسيما تلك الصادرة عن أقسام الشؤون الفكرية والثقافية والإعلام في العتبات المقدسة والتي تهتم بنشر فكر القرآن والتراث العظيم الذي قدمه لنا النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الطاهرون (عليهم السلام) وما أبدعته وتبدعه عقول علمائنا في شتى المجالات العلمية والفقهية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية وغيرها؟! فيا قنواتنا الفضائية: إنَّ الهجمة الفكرية قد كشَّرت عن أنيابها فهي شعواء ضروس وتزداد مع الأيام حقداً وضراوة والعدو لئيم ماكر يتربص لكل سوء.. لذا نضع مقترحاً لكل من يهمه الأمر في تلك القنوات المباركة في أن تكون هناك برامج تعريفية بالإصدارات كأن تكون برامج لقراءة أهم العناوين فيها ومطالعة لبعض الخطوط العامة لمواضيعها المختلفة والترويج لمواقعها الالكترونية على شبكة الإنترنيت لكي نشكل درعاً مضاداً يساهم بشكل أو آخر لصد تلك العاصفة الهوجاء من الفساد في مختلف جوانبه الفكرية والعقائدية والأخلاقية.. (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).

اخرى
منذ سنتين
503

الطفل ومراحله الأولى

المجتمعات الواعية تزدهر وتتألق باهتمامها بأطفالها منذ السنوات الأولى، بل منذ الأيام التي قضاها الطفل في رحم أمه، وهو جنين يتغذى على مايصل إليه بواسطة الحبل السري، ويتأثر بما تتأثر به أمه من فرح وحزن، وتنقضى أيامه الاولى ويخرج للحياة بعد أن عاش تلك الحياة الضيقة بمفهومنا، وتبدأ رحلته من جديد قاطعاً الساعات والأيام لينمو ويكبر وتزداد معرفته شيئاً فشيئاً بما يدور حوله، فالطفل أكثر مايحتاج إلى والديه في سنته الأولى، يحتاج من يساعده في الأكل وفي تغيير ملابسه وفي حمله ونقله من مكان إلى آخر وغيرها من المساعدات، وبعد أن يبدأ السنة الثانية تقريباً تظهر عليه بوادر العناد التي تعبّر عن محاولة اكتشاف الذات والاعتماد على نفسه، فاكتشاف الذات يتضمن اكتشاف قدراته وإمكانياته وتجربة قابليته في فعل الاشياء، ويحاول أن يكتشف محيطه وعالمه ليعرف أسراره وخفاياه، وهنا يأتي دور الوالدين في إعطائه الحرية الكافية لسدّ هذه الرغبة التي تطور من شخصيته وتقويها، ويجب على الأبوين أن يتركا له المجال كلّما شعروا بأنه محتاج إلى معرفة شيء ما، يبدأ الطفل في هذا السن أي ما بعد السنة الثانية برفض المساعدة جزئياً من الوالدين ومحاولة إثبات الذات! يرفض بعض الآباء والأمهات هذا العناد بسبب عدم فهمهم الدوافع والأسباب؟ مع أن هذا الرفض هو نقطة تحّول إيجابية لصالحهم ولصالح ولدهم؟ فالطفل يريد أن يعتمد على نفسه ويكتشف قدراته وقابلياته، والأهل يمنعونه ويصدونه! وهنا نجد نوعين من الأطفال: أحدهما: يصّر على عناده، والآخر يستسلم لإصرار أهله وينقاد لهم، أما الذي يثبت ويُصّر من الأطفال فسيكون قائداً لذاته في المستقبل ذا شخصية قوية يستطيع أن يصمد أمام صعوبات الحياة، أما الآخر الذي انقاد لمشيئة أهله فسيكون ضعيف الشخصية خوّافاً لا يقوى على مواجهة أحد أو إبداء رأيه أو طرح فكرته لأنه تربى على (لاتفعل،افعل) أي إن الأهل قاموا بعملية سحق ذاته وتدميرها من حيث لايشعرون، نحن لاندعو إلى عدم طاعة الوالدين وإنما ندعوا إلى ترك مساحة من الحرية للأطفال ليكتشفوا ذواتهم ويؤمنوا بها ليكونوا أقوياء وأصحاب قرار وإرادة حرة، فشتّان مابين هذا وذاك! من المفترض أن يفهم الأبوان هذا الرفض والعناد فهو تحول طبيعي ضمن مراحل النمو النفسي والبيولوجي، فإذا رفض الطفل مساعدة أمه في إطعامه أو تغسيله بعد الأكل أو مساعدته في ارتداء ملابسه! فهنا يجب على الأم أن تترك الطفل وتعطيه الحرية للاعتماد على نفسه؟ ولا مجال للامتعاض من تصرّفاته بحجج واهية، كتوسيخ نفسه أو إنه لا يعرف لأنه صغير؟ فالصغير يتعلم إذا قام بتجربة الأشياء، ويمكن التدخل بمقدار بسيط حسب حاجة الطفل. إن الطفل يجرب الاعتماد على نفسه ليتعرف على مقدار استطاعته على عمل الأشياء وقدرته على فعلها، وبهذا المقدار فإن الطفل يبدأ باكتشاف نفسه بالتدريج ليتعرف ويختبر مواطن قوته. وأشير هنا إلى أن أغلب الأمهات تخطئ في تدخلها بكل شيء يحاول أن يفعله الطفل بهذا العمر وهذا ما يزعزع ثقة الطفل بنفسه ويشعره بالعجز والفشل وعدم الاستطاعة! فتفطنوا يرحمكم الله تعالى. فالرسالة السلبية التي يفهمها الطفل من هذا التدخّل السلبي بأنه ليس مؤهلاً لفعل الأشياء وغير قادر وغير كفؤ، مما يصيبة بالإحباط ويشعره بالخوف والتردد وعدم الإقدام، وسيكون ذا شخصية خوّافة ومترددة في المستقبل، وبالتالي يؤدي هذا إلى صناعة جيل غير واثق من نفسه، فاقد للعزيمة، إتكالي، متعلق بأمه مختبئاً خلف أثيابها، فتغيروا يرحمكم الله ويحسن إليكم.

اخرى
منذ سنتين
1837

مكانة تربة كربلاء في كـتب الفريقَيـن

تمهيد تنطلق كرامة هذه التربة من شرف ومنزلة صاحب تلك التربة –الإمام الحسين بن علي - الشهيد الغريب (عليه السلام)، فكيف لا يديم ذِكره في أرضه وسـمائه، وقد أخذت محبّة الله بمجامع قلبه؟! وكيف لا يُسَـوِّدُ وجهَ الدنيا في عاشـورائه، ولا يبدي بيّنات سـخطه وغضبه يوم قتله في صفحة الوجود؟! ولماذا لا تبكي عليه الأرض والسـماء؟! ولماذا لا تمطر السـماء يوم قتله دماً؟! -كما جاء حديثه-. ولمـاذا لا يبعـث الله رسـله من الملائـكة المقـرّبين إلى نبـيّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بتربة كربلائه؟! ولماذا لا يشم تربته رسـول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ولِمَ يقبّلها؟! نشرع في بيان الموضوع من خلال المطالب التالية: المطلب الأول: تربة الإمام الحسين (عليه السلام) في كتب أبناء العامة المطلب الثاني: تربة الإمام الحسين (عليه السلام) في كتب الشيعة الإماميّة المطلب الثالث: حُكم أكل التراب المطلب الرابع: مستثنياتٌ مِن حرمة أكل التراب الــمطلب الأول: تربة الإمام الحسين (عليه السلام) في كتب أبناء العامة لتربة كربلاء عند رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلم) في كتب أهل السنة مكانة عظيمة لاينكرها إلاّ جاحد، نقرأ بعض ماورد روائيّاً عندهم: 1- حدثنا : ‏ ‏محمد بن عبيد، حدثنا : ‏ ‏شرحبيل بن مدرك، عن ‏ ‏عبد الله بن نجي‏، عن ‏أبيه ‏ ‏أنه سار مع ‏ ‏علي ‏‏(ر) ‏وكان صاحب مطهرته فلما حاذى ‏ ‏نينوى ‏ ‏وهو منطلق إلى ‏ ‏صفين ، ‏فنادى ‏ ‏علي ‏ (ر) ‏ إصبر ‏ ‏أبا عبد الله ‏ ‏إصبر ‏ ‏أبا عبد الله ‏ ‏بشط الفرات، قلت : وماذا قال : قال : دخلت على النبي ‏ (ص) [صلّى الله عليه وآله] ‏ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان قال: ‏ ‏بل قام من عندي ‏ ‏جبريل ‏ ‏قبل فحدثني: "أنّ ‏ ‏الحسين ‏ ‏يقتل بشط الفرات، قال: فقال: هل لك إلى أن أشمك من تربته، قال: قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تــراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا‏." (1). 2- قال إسحاق، أخبرنا : يعلي بن عبيد، حدثنا : موسى الجهني، عن صالح بن أربد النخعي، عن أم سلمة ، قالت: دخل الحسين بن علي على رسول الله (ص) [صلّى الله عليه وآله] البيت وأنا جالسة عند الباب، فإطلعت فرأيت رسول الله (ص) [صلّى الله عليه وآله] يقلّب شيئاً بكفه، والصبي نائم على بطنه، فقلت : يا رسول الله، رأيتك تقلب شيئاً بكفك والصبي نائم على بطنك ودموعك تسيل، فقال: "إنّ جبريل آتاني بالتـــربة التي يقتل فيها، وأخبرني إنّ أمتك يقتلونه" (2). 3-عن سعيد بن جمهان: أنّ النبي (ص) [صلّى الله عليه وآله] أتاه جــــبريل بــترابٍ من التربة التي يقتل بها الحسين، وقيل: اسمها كربلاء ، فقال النبي (ص) [صلّى الله عليه وآله]: كرب وبلاء(3). المطلب الثاني: تربة الإمام الحسين (عليه السلام) في كتب الشيعة الإماميّة إنّ مكانة تلك التربة الشريفة في كتبنا لاتخفى على أحدٍ, وذلك ما أوضحته لنا الروايات الشريفة عن أهل بيت النبي (عليهم السلام), نقرأ منها: ما رويَ عن الإمام الصادق (عليه السلام) : "السجود على طين قبر الحسين (عليه السلام) ينوّر إلى الأرضين السبعة. ومن كانت معه سبحة من طين قبر الحسين (عليه السلام) كتب مسبّحاً وإن لم يسبّح بها"(4). ورويَ أنّه كان لأبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) خريطة من ديباج صفراء فيها من تربة أبي عبد الله (عليه السلام)، فكان إذا حضرته الصلاة صبّه على سجادته وسجد عليه قال (عليه السلام) : "إنّ السجود على تربة أبي عبد الله (عليه السلام) يخرق الحجب السبع"(5). ورويَ أيضاً أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) لا يسجد إلاّ على تربة الحسين (عليه السلام) تذللاً لله واستكانة له"(6). وأمّا مكانتها على لسان علمائنا فواضح, نقرأ ما قاله السيّد اليزدي بشأنها, حيث قال: "يجب ازالة النجاسة عن التــربة الحسينية بل عن تربة الرسول وسائر الأئمة صلوات الله عليهم المأخوذ من قبورهم ويحرم تنجيسها ولا فرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبر الشريف أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرك والاستشفاء وكذا السبحة والتربة المأخوذة بقصد التبرك لأجل الصلاة"(7). المطلب الثالث: حُكم أكل التراب بدايةً وكحكم أوليّ "يحرم اكل الطين, وهو التراب المختلط بالماء حال بلته، وكذا المدر وهو الطين اليابس، ويلحق بهما التراب والرمل على الاحوط وجوباً، نعم لا بأس بما تختلط به حبوب الحنطة والشعير ونحوهما من التراب والمدر مثلاً ويستهلك في دقيقهما عند الطحن، وكذا ما يكون على وجه الفواكه ونحوها من التراب والغبار إذا كان قليلاً بحيث لا يعد أكلاً للتراب، وكذا الماء المتوحل أي الممتزج بالطين الباقي على اطلاقه، نعم لو أحست الذائقة الأجزاء الطينية حين الشرب فالأحوط الأولى الاجتناب عن شربه حتى يصفو"(8). المطلب الرابع: مستثنياتٌ مِن حرمة أكل التراب أشكل علينا البعض في جواز السجود على تلك التربة الطاهرة وجـرّ اشكاله إلى حكم الاستشفاء بها من الأمراض أكلاً. وعليـه: سيـكون الجواب حـلاً ونقـضاً. فإنّ المخالفين عدّوا الأكل من التربة بمنزلة الشرك بالله تعالى؛ نتيجة لعدائهم لآل بيت رسول الله (عليهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين). أمـّـا مذاهب المسلمين الأخرى فلم تحرّم أكل الطين، لكنها لا تقول بالاستشفاء بتربة الإمام الحسين (عليه السلام), واخــرى أجازت أكل التراب بمــقدارٍ معيّن للشفاء فقط. حيث يقول ابن حزم: "وأكل الطين لمن لا يستضر به حلال، وأمّا أكل ما يستضر به من طين، أو اكثار من الماء أو الخبز فحرام"(9). ويقول البيهقي بأنّ الروايات الواردة في حرمة أكل الطين مروية عن مجاهيل, "عن أبي هريرة (ر) قال : قال النبي (ص) [صلّى الله عليه وآله وسلّم] : من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه، قال أبو أحمد : وهذا لا أعلم، يرويه، عن سهيل بن أبي صالح، غير عبد الملك هذا وهو مــجهول، قال الشيخ : وهذا لــو صح لــم يدل على التحريم، وإنما دل على كراهية الاكثار منه، والاكثار منه ومن غيره حتى يضر ببدنه ممنوع، والله أعلم"(10). أمّا حُـكم الأكـل منها للغرض نفسـه في كتب الشيـعة, فعقيدتنا تنص على أنّ الله تعالى خصَّ الإمام الحسين (عليه السلام) بالكرامة وخصَّ تربته بالاستشفاء بها، فيـجوز للإنسان أن يستشفي بها بأخذه قدر حمصــة من ترابها الطاهر، ويضعه في ماء ويشربه مثلاً, وعلى هذا سيرة الشيعة فتراهم يستشفون بها ويصفونها لغيرهم, وقد شفى الله تعالى بها كثيرين. حيث روي : أن رجلا سأل الصادق (عليه السلام) فقال : إني سمعتك تقول : إنّ تربة الحسين (عليه السلام) من الأدوية المفردة، وإنها لا تمر بداء إلاّ هضمته. -فقال: قد كان ذلك أو قد قلت ذلك فما بالك ؟ -فقال: إنّي تناولتها فما انتفعت بها. -قال: أما إنّ لها ((دعاء))فمن تناولها ولم يدع به واستعملها لم يكد ينتفع بها. -قال: فقال له: ما يقول إذا تناولها ؟ -قال : تقبِّلها قبل كل شئ وتضعها على عينيك، ولا تناول منها أكثر من حــمصة فإنّ مَن تناول منها أكثر فكأنّما أكل من لحومنا ودمائنا"(11). -وإن قيـل: وهل يجوز أكل التراب؟ -قلنا: روائـــياً: رويَ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "طين قبر الحسين (عليه السلام) شفاءٌ من كلّ داء"(12). وعنه (عليه السلام) قال: "في طين قبر الحسين (عليه السلام) الشفاءُ من كلّ داء، وهو الدواء الأكبر"(13). وروي عنه (عليه السلام) قال: "طين قبر الحسين (عليه السلام) فيه شفاء، وإن أُخِذ على رأس ميل"(14). وقد صرّح (عليه السلام) بالدعاء عند الإستشفاء بذلك المقدار المحدد مِن تلك التربة المشرفة, حيث روي عنه أنّه قال: "إذا تناول أحدُكم من طين قبر الحسين (عليه السلام)، فليقل: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ الملَك الّذي تناوله، والرسولِ الّذي بوّأه، والوصيِّ الّذي ضمن فيه، أن تجعله شفاءً من كلّ داء كذا وكذا. وتسمّي ذلك الداء"(15). فـــقهيـّاً: "يُــحرم أكل الطين والمدر, وكذلك التراب والرمل علــى الاحوط لزوماً، ويســــتثنى من ذلك مقدار حمــصة متوسطة الحجم من تربة سيد الشهداء (عليه السلام) للإستشفاء لا لغيره، والاحــوط وجوباً الاقتصار فيها على ما يؤخذ من القبر الشريف أو مما يقرب منه الملحق به عرفاً، وفيما زاد على ذلك يمزج بماء ونحوه بحيث يستهلك فيه ويستشفى به رجاءً"(16). ______________________________ (1)مسند أحمد - مسند العشرة المبشرين بالجنة - مسند الخلفاء الراشدين- : أحمد بن حنبل, ومن مسند علي بن أبي طالب (ر), ح 649. (2)المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: ابن حجر, باب فضائل فاطمة (ص) على أبيها وعليها (ر), ج 61, ص 212, ح 3971. (3) سير أعلام النبلاء: الذهبي, ومن صغار الصحابة - الحسين الشهيد – ج 3, ص290 . (4)الوسائل: للحر العاملي, ج3, ص307, من لايحضره الفقيه , ج1, ص268. (5) المصدر نفسه, ص608 , البحار 101/135 و85/153. (6) الوسائل: 3/608 , البحار 85/158. (7) العروة الوثقى: السيد اليزدي, ج1, ص189. (8) موقع مكتب سماحة السيد السيستاتي (دام ظله). (9) المحلى بالآثار: ابن حزم, كتاب الأطعمة, مسألة أكل الطين لمن لا يستضر به, ج6, ص111. (10) السنن الكبرى: البيهقي, باب ما جاء في أكل الطين, ج10, ص11-12. (11) مصباح المتهجد: الشيخ الطوسي , ح 734. (12) كامل الزيارات: جعفر بن محمّد بن قولويه القمي, ص 461, ح 701. (13) المصدر نفسه, ص462, ح702. (14) المصدر نفسه, ص462, ح703. (15) المصدر نفسه: ص469, ح715. (16) موقع مكتب سماحة السيد السيستاتي (دام ظله). السلامُ على الحسين, وعلى عليّ ابن الحسين, وعلى أولاد الحسين, وعلى أصحاب الحسين. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
6963

شبهاتٌ حول مذهب التشيّع في التوحيد (7) إلـه الشيعة يـزور قبر الحسين

انطلاقاً مِن الأحقاد الضغينة التي يكنّها أعداء أهل البيت (عليهم السلام), والجهل المرّكب ببعض المناحي اللغوية، تنطلق شبهاتهم المثارة على مذهب الشيعة الإماميّة، ومِن تلك الشّبهات قرائتهم لإحدى الروايات في فضل زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ما نصّها: "عن صفوان الجمال قال: قال لي أبوعبدالله (عليه السلام): هل لك في قبر الحسين (عليه السلام) ؟ قلت: وتزوره جعلت فداك ؟ قال: وكيف لا أزوره والله يــزوره كــلّ ليلة جمعة, يهبط مع الملائكة إليه والانبياء والاوصياء ، ومحمد أفضل الانبياء. قلت: جعلتُ فداك فنزوره في كلّ جمعة ندرك زيارة الرب؟ قال: نعم يا صفوان، الزم ذلك يكتب لك زيارة قبر الحسين (عليه السلام) وذلك تفضيل وذلك تفضيل"(1). وهذا هو القدر الذي يكتفي به أعداء المذهب مِن الرواية باقتطاع تتمتها؛ تمويهاً على بسطاء العقول, ونصرةً لشاهري السيف المسلول !. والردّ على هذه الشبهة سيكون بدليلَين ضمن مطلبين: المطلب الأول: الدليل الحلّي 1- نـقلاً: لـو أتممنا الرواية لـوجدنا أنّ المصنّف (قدّس سرّه) يعقّب على الروايةِ نافياً المعنى الحقيقي للنزول، فيصرّح بأن إسناد فعل إلى ما غير هو له؛ لوجود علاقة المكانيّة, مع قرينةٍ مانعةٍ مِن إرادة المعنى الحقيقي (النزول بما هو نزول)، وهذا مايسمى في علم البلاغةِ بالمجاز العقلي، إلاّ إنّ صاحب كتاب الوسائل لـم يبيّن نوع ذلك المجاز, وإنّما اكتفى بالقول: "أقول : المراد أنّ زيارة الرب له مــجازٌ, بمعنى زيـادة الــتفضيل له وهو واضح"(2). 2- عـقلاً: لـو كانَ الله تعالى في جهةٍ لـلزمَ الإشارة إليه حسيّاً, وكلّ مشار إليه حسيّاً محدود, والحدّ مِن سمات الموجود الممكن (المخلوقات), لا الواجب (الله تعالى). وبما أنّ التالي باطل, فالمقدّم مثلهُ في البطلان، فثبتَ عدم حلول الله تعالى في جهة, وهو المطلوب. المطلب الثاني: الدليل النقضي لو تأملنا في كتب المخالفين لوجدنا أنّ مذهبهم أولى بالتشنيع عليه، لاسيما وأن منهم مَن ينكر المجاز أصلاً، ويقول بالنزول الحقيقي لربّ السماوات والأرض! فيا أيّتها القيل المغضية إلى القول الباطل: أمَا رجعتم إلى عقيدتكم وأدركتم فسادها قبل هذه التشنيعات؟! ففي موقع أحد العلماء المخالفين يجيب قائلاً: "وقد ثبت في السنة الصحيحة عن النبي (صلى الله عليه [وآله]وسلم) أنّ الله سبحانه وتعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَنـــْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ"(3) رواه البخاري. ويقول: "والنزول عند أهل السنة معناه : أنه ينزل سبحانه بــنفسه إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقيا يليق بجلاله ولا يعلم كيفيته إلا هو"(4) . وحينما يُطرح عليهم اشكال خلو العرش من الإله يحجزون مقعد حيرةٍ لايستطيعون نطقاً؛ معللين ذلك بسكوت الصحابة عن السؤال! أيّ حيرةٍ وضلال تلبست المخالفين –والعياذ بالله- ! يقول ابن تيمية: " نقول أصل هذا السؤال تنطُّعٌ وإيراده غير مشكور عليه مورده ، لأننا نسأل هل أنت أحرص من الصحابة على فهم صفات الله ؟ إن قال : نعم . فقد كذب . وإن قال : لا . قلنا فلْيَسَعْكَ ما وسعهم ، فهم ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : يارسول الله إذا نزل هل يخلو منه العرش ؟ وما لك ولهذا السؤال ، قل ينزل واسكت يخلو منه العرش أو ما يخلو ، هذا ليس إليك ، أنت مأمور بأن تصدِّق الخبر ، لا سيما ما يتعلق بذات الله وصفاته لأنه أمر فوق العقول"(5) . فها هو ذا إله المخالفين ينزل نزولاً حقيقيّاً إلى السماء السابعة، قتلونا بدائهم وانسلّوا, ناهيك عن عدم وجود تصريح في كتبنا تقول بالنزول الحقيقي لله تعالى وفق عقيدتنا. ________________________ (1) وسائل الشيعة: للحر العاملي. ج 14, ص 479-480. (2) المصدر نفسه. (3) البخاري: كتاب التوحيد/6940, ومسلم: صلاة المسافرين/1262. (4)مجموع فتاوى الشيخ محمد العثيمين: محمد بن صالح العثيمين, 1/204- 205. (5) المصدر نفسه. وسبحانَ ربّك ربّ العزّةِ عمّا يصفون, وسلامٌ على المُرسلِين, والحمدُ لله ربّ العالمين. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنتين
3066

المؤمن هو الأقدر على التغيير

إن عظمة النفس تكون من خلال العلاقة بالله سبحانه وتعالى عبر الإيمان والعمل بمناهج الإسلام، وهذه العظمة تمنح صاحبها القدرة على التغيير، ولو لم يكن الإنسان يملك القدرة على التغيير لما ركز الله سبحانه على هذه المسألة بالذات، فلا يمكن التغيير الحقيقي الا بالمعرفة والحركة المنسجمة مع المعرفة وبأدوات صحيحة. التغيير يحتاج إلى المبادرة وإلى خطوة يتقدم بها الفرد نحو مسار التغيير حِينَئِذٍ يتحقق التغيير . كل إنسان يتمتع بقوى كامنة في داخله متعددة الجوانب، تميزه عن غيره من البشر، قوةٌ تنبض بالحياة، وتشعُّ بالنور، وعليه استثمار هذه القوة الداخلية وتوجيها بشكل صحيح ، لتمده بالطاقة لمواصلة طريق التغيير والنجاح للوصول الى الهدف الذي من أجله خلقه الله ، وإخراج أفضل ما لديه من إبداعاتٍ ومواهب كامنةٍ تنتظر من يكتشفها. لذلك فمن الخطا أن يعيش الانسان على نمط واحد من التفكير في الحياة الى ان يموت ويخرج من هذه الدنيا . وهو المخلوق العجيب الذي خلقه الله. لان الله تعالى قد وهب للإنسان العقل وهو يستطيع أن يتحرك لكي يكتشف غوامض وأسرار الوجود بل هو يصبح من أسرار الوجود ويكون كما في الحديث (عبدي اطعني تكن مثلي ......) فالإنسان المؤمن القوي هو مشعل وضّاء في كل مكان، فهو ذو فائدة وأعظم درجةً وأرفع قدراً عند الله تعالى. قال تعالى { وجعلني مباركا أين ماكنت } .(١) إنّ التغيير يعد استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى، عندما دعا المؤمنين إلى الاجتهاد والعمل، لكي يكونوا بمراتب عالية ولا يكونوا عالة على غيرهم، وأنّ الله سبحانه وتعالى سيجازيهم على عملهم هذا يوم القيامة، قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).[٢] إن التغيير يبدأ من الفرد نفسه فهو الأساس في مرحلة التغيير، ثم يأتي بعد ذلك نهوضه لتغيير المجتمع الذي يعيش فيه. فالإنسان يحتاج إلى إرادة قوية ويحتاج إلى عزم وتصميم على التغيير، وأن يربي نفسه على العزم والتصميم على أن يغير مساره . إن النفس إذا كانت عظيمة فإنها ستصبح قادرة على تغيير ذاتها وتغيير الآخرين، لاسيما إذا كانت تستمد عناصر عظمتها من الله سبحانه وتعالى، فإذا عظم الله في الإنسان صغر مادونه في عينه على حد تعبير أمير المؤمنين( عليه السلام ) فعمل مثل هذا الإنسان عظيم لأن المصدر عظيم. وقد نسب إلى الإمام علي(عليه السلام): دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ - وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ. أَتَزعُمُ أَنَّكَ جُرمٌ صَغير - وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ. فَأَنتَ الكِتابُ المُبينُ الَّذي- بِأَحرُفِهِ يَظهَرُ المُضَمَرُ.(٣) المفروض بهذا الإنسان ان يصل بفكره إلى أعماق هذا الكون والوجود ليكتشف غوامضه وأسراره... ليصل إلى ما أراده الله من خلقه، ولايبقى عديم الحركة وينتظر تغيير الكون وأنظمة الحياة لأجله من دون أن يحرك ساكناً. إذاً الحل ينبع من النفس ومن مناهج الله سبحانه. فالإنسان يمتلك القدرة على تغيير نفسه وعلى تغيير محيطه، مثلما استطاع رسول( الله صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يقيم المجتمع الإسلامي في المدينة التي كانت قلعة للشرك وأن يدخل نور الإسلام إلى كل بيت، وبذلك أقام مجتمعاً نظيفاً كأنما صنع فيه الإنسان صناعة جديدة. إن الإنسان لن يكون له وجود وحضور إلا إذا كانت له مناهج تحترم إنسانيته، وليس مايحترم إنسانيته كالمناهج الإلهية، لذلك نرى الآن المجتمعات الحضاريه تعاني من عدم إيجاد الحلول المناسبة لكثير من المشاكل التي تواجها البشرية، في حين نجد الإسلام جاهزاً لحلها لو عمل بمناهجه وأخذ بحلوله .لذلك نجد الإسلام يقدم العلاج الكافي لحل جميع مشاكل الإنسان، وذلك من خلال انطلاق علاقة الإنسان بنفسه وعلاقته بربه. ----------------------------------- (١) - سورة مريم الآية ٣١ (٢)-سورة التوبة، آية: 105. (٣)-نهج البلاغة

اخرى
منذ سنتين
10627

كيف نزرع الحب بين الأخوان

أبناء يولدون من أم وأب ، ويعيشون في بيت واحد ويأكلون من طعام واحد، يلعبون ويركضون ويتشاجرون ويكبرون ومن ثم يتزوجون وبعدها يتباعدون؟! فمالذي حدث ياترى! وماسبب هذا التباعد والجفاء؟ ويستمر التباعد إلى أبعد من ذلك ليصل إلى الكره والتباغض؟ فلنا أن نتساءل عن السبب الحقيقي أ هو وليد الساعة أم له أسباب متجذرة ومترسبة من الماضي السحيق؟ يولد الأطفال ولا تولد معهم الكراهية والحقد؟ إذن ماهي الأسباب التي تؤدي إلى تباعد الإخوان عن بعضهم البعض؟ يمكن أن نذكر بعض الأسباب، ليتم تجنبها وعدم الوقوع فيها، فمنها: ١- سلوك الوالدين في التربية ،فبعض الآباء والأمهات يفضلون أحد الأبناء على الآخر لأسباب واهية وغير مقبلولة فالبعض يفضل أحد أطفاله لكون أجمل من أخوته، ويكره آخر لكونه أسمر اللون أو غير جميل الشكل، أو لدية عاهة بدنية، وهذا التفضيل يؤدي الى زرع الكراهية والبغض في نفوس الإخوان منذ الصغر، مما يؤدي إلى تنمية صفة الكراهية والحقد في نفوسهم وهذا يسبب تجّذر هذه الصفة وتنميتها فتنمو وتكبر ويصعب أستئصالها والنتيجة زيادة مشاعر الكراهية والبغض والتباعد بين الإخوان، أو تفضيل الذكور على الإناث مما يدفع بالبنات إلى كراهية الرجال بشكل عام بسبب أسلوب الأب أو الأم غير المدروس، فهذا التفضيل ناتج عن أسلوب الجاهلية، والذي عانت منه المجتمعات منذ القدم واستمرت هذه المعاناة إلى وقتنا الحاضر. ٢- المقارنة بين الإخوان من الأمور والأسباب التي تزرع التباعد وتؤصل الكراهية بين الأبناء، فكثير من الآباء والأمهات يقعون في هذا الخطأ الفظيع، فعندما يقارن الأب بين أولاده ويقول لولده إن أخاك أفضل منك، ويردد ذلك بكثرة بين الفينة والأخرى فإن الطفل الذي يتم مقارنته سيشعر بعدم أهميته وعدم قيمته عند والده مما يسبب له شعوراً بانعدام قيمته الذاتية، وسيشعر بالكراهية اتجاه أبيه واتجاه أخيه. ٣- سلوك وأسلوب الأب غير الصحيح مع أخوته وهذا يؤدي إلى تعليم الأطفال الأسلوب الخاطئ، فالبعض من الأباء يتصرفون أمام أبنائهم بشكل غير مدروس فإذا شاهد الأطفال والدهم يتكلم بسوء على أخوته وينتقدهم لأسباب تافهة وواهية أو يتعامل معهم بطريقة مادية بعيداً عن أسلوب الأخوّة فإن الأبناء سيتعلمون هذا السلوك وتفتقد الأخوة حينها إلى معاني الحب لأنهم لم يشعروا بالترابط الروحي والنفسي بين أبيهم وعمهم، مما يعمّق لغة الانقطاع بينهم ويرسخها ويجعل الأخوة فاقدة لقيمتها الروحية التي يجب أن تتمتع بها. ٤- عدم العدل في معاملة الأبناء بشكل عام يؤدي إلى ظهور مشاعر الغيرة بوقت مبكر بين الأخوان، فأسلوب المقارنة والتفضيل بكافة اشكاله، كأنْ يمدح الأب أحد أطفاله دون الآخر ويثني عليه أو يقبّله ويحتضنه أمام أخيه دون أن يفعل ذلك مع باقي أبنائه أو يشتري ملابس أو ألعاباً لأحدهم دون الأخر أو يسيء معاملة البعض من أبنائه ويقدس ويحترم البعض منهم، فكل هذه الأخطاء التي يقع فيها الكثير من الآباء والأمهات لها سلبيات عديدة على تكوين مجتمعات غير سليمة نفسياً وأخلاقياً، مما يؤدي إلى تحطيم البناء الاجتماعي والقضاء عليه، لذا توجّب على الأبوين الانتباه الشديد إلى سلوكهم وأسلوبهم المتبع مع أبنائهم والتعامل بشكل يتناسب مع مهمتهم التربوية من أجل بث روح الألفة والمحبة في قلوب الأبناء...

اخرى
منذ سنتين
5971

لا تكونوا قطاع طرق..

حرّم الله (تعالى) قطع الطريق أمام السابلة وإن كانت وجهتهم لأمور الدنيا الزائلة ولقضياها الفانية، ولذا فقد سنّ لأجل ذلك العقوبات، قال (تعالى):" إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)"(1). وفي تفسير الآية المباركة فقد ورد عن الإمام الجواد (عليه السلام): "فان كانوا أخافوا السبيل فقط ولم يقتلوا أحدا ولم يأخذوا مالا ، أمر بإيداعهم الحبس فان ذلك معنى نفيهم من الأرض بإخافتهم السبيل ، وإن كانوا أخافوا السبيل وقتلوا النفس أمر بقتلهم، وإن كانوا أخافوا السبيل وقتلوا النفس وأخذوا المال أمر بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم بعد ذلك"(2) فإن كان من يُخيف السابلة يستحق النفي لمجرد إخافتهم وإن لم يُلحقهم فعلُه هذا ضرراً آخر، فكيف يُتَصور حجم الجرم الذي يرتكبه البعض في قطع سبيل الناس الى خالقهم ومعبودهم الله (جل في علاه)؟؟ وهو سبيل النجاة في الحياة الدنيا فضلا عن الآخرة؟ ولا يُفهَم السبيل إلى الله (تعالى) على أنه السبيل المادي؛ فهو (تعالى) لا في مكان ولا في اتجاه وإنما أينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله, إنما نعني بذلك السبيل المعنوي الذي يربط الإنسان بخالقه ومعبوده، وهو السبيل الذي لا يخلو منه أحدٌ وإن كان ملحداً لأن الله (تعالى) قد أوجده في الفطرة، نعم قد تتراكم عليه الشبهات ويُعفى أثره باتباع الشهوات فتخفى على الإنسان معالمه، إلا إنه ما إن يقع في محنة عظيمة أو نائبة جسيمة يدرك أن لا سبب بمقدوره أن ينقذه منهما حتى تنتفض تلك الفطرة السليمة لتثبت وجودها موجهة إياه الى سبيل النجاة رب الأرباب ومسبب الأسباب. وقطع السبيل إليه (تعالى) قد يكون بالقسر الذي يتبعه الطغاة، والإرهاب الذي ينتهجه البغاة، إلا إن تأثيره بالرغم من ذلك قد يكون محدوداً بل وقد يأتي بنتائج عكسية غالباً، إذ إن المعتقد بعقيدةٍ ما كلما ازداد التضييق عليه للتخلي عمّا يعتقد به كلما كان أكثر حرصاً عليه وتشبثاً به. وقد يكون قطع الطريق إلى الله (تعالى) ــ وهو القطع الأخطر ــ باتباع الأسلوب الفظ في الدعوة إليه (تعالى) والتعامل القاسي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتبع من قبل البعض للأسف الشديد، والهجوم على ذات العاصي بمعانٍ قاسية قد صُبّت في قوالب لفظية جارحة، أو إشعاره بالإهانة والتحقير، أو بصيغة يُستشم منها رائحة الاستعلاء والتعيير، مما يولِّد في نفس المقابل روح المعاندة، والتصميم على الباطل وإن عرف الحق لأجل المكابرة. وكان الأجدى بالداعي الى الله (سبحانه) أن يستهدف القضاء على الداء لا السقيم، ومعالجة المرض لا تحطيم المريض. ولذا فإن هذا النوع من الأساليب لا يُثمر إلا البعد عن الله (سبحانه)، والنفور من دينه وأحكامه، وبذلك يُقطع الطريق إليه جل جلاله. في حين أن الدعوة إلى الحق ينبغي أن تكون بتحبيب العاصين بجمال الصفات الإلهية، وترغيبهم بعظيم الرحمة الرحمانية، والأسلوب اللطيف في بيان الأحكام الشرعية، وتوضيح آثارها الوخيمة الدنيوية والأخروية. ولذا قال (جل جلاله) :" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ "(3) والحكمة في الأصل تعني (المنع)، وقد أُطلقت على العلم والمنطق والاستدلال لأنها تمنع الانسان من الفساد والانحراف عند اتباعها. والدعوة الى الله(تعالى) بالحكمة والاستدلال بالمنطق السليم والمنهج القويم والأدلة الواضحة والبراهين الراجحة هي الخطوة الأولى للنفوذ إِلى داخل فكر الناس ومحاولة إِيقاظ عقولهم. وأما الموعظة الحسنة فهي تحرك الضمير والوجدان، وتؤثر على عواطف وأحاسيس الإنسان لتوجيهه نحو الحق، وهي الخطوة الثّانية في الدعوة إِلى اللّه. وما تقييدها بـ(الحسنة) إلا للإشارة إلى اعتماد اللطف والليونة والابتعاد عن الاستعلاء والخشونة فيها للتأثير على الطرف المقابل والفوز بجذبه نحو الحق. وقد يكون العاصي قد عصى الله (تعالى) لما علق في ذهنه من شبهات مضلة أو أفكار مغلوطة، وهنا يأتي دور المجادلة بالتي هي أحسن كخطوة ثّالثة في الدعوة الى الحق لإزالة تلك الشبهات والأفكار وتخلية الذهن منها ليكون مستعداً لتلقي الحق، وكلما كانت المجادلة بالتي هي أحسن كلما كانت نتائجها أفضل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المائدة 33 (2) وسائل الشيعة حديث 34838 (3) النحل 25

اخرى
منذ سنتين
1360

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
70857

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
52514

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
42269

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
35074

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
32047

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31438